Digital Corpus for Graeco-Arabic Studies

Aristotle: Ars Poetica (Poetics)

〈الشعر أكبر فلسفة من التاريخ وتطبيق ذلك على الملهاة والمأساة〉

وظاهر مما قيل أن التى كانت مثلاً ليست من فعل الشاعر، لكن ذلك إنما فى مثل أى شىء يكون إما ما هو الممكن من ذلك على الحقيقة، وإما التى تدعو الضرورة إليه: وذلك أن الذى يثبت الأحاديث والقصص والشاعر أيضاً، وإن كانا يتكلمان هكذا — بالوزن وبغير وزن هما مختلفان (وذلك أن لايرودوطس أن يكون بالوزن، وليس لما يدون ويكتب أن يكون مع الوزن أو بغير وزن بأقل) لكن هذا يخالف بأن ذاك لقول التى تقال، وأما هذا فأى الأشياء كانت. ولذلك صارت صناعة الشعر هى أكثر فلسفية وأكثر فى باب ما هى حريصة من إيسطوريا الأمور من قبل أن صناعة الشعر هى كلية أكثر، وأما إيسطوريا فانما تقول وتخبر بالجزئيات، وهى بالكلية التى فى الكيفية. والكيفيات كل التى كأنها يعرض أن تقال أو تعمل: إما التى بالحقيقة، وإما تلك التى هى ضرورية، كالتوهم الذى يكون فى صناعة الشعر عندما تكون صناعة الشعر نفسها تضع الأسماء [فى]؛ فالوحيدات والجزئيات مثلا هى أن يقال ماذا فعل ألقيبيادس.

أما الذى انفعل ففى التى تقال بصناعة الهجاء، فهذا قد ظهر هذا؛ وذلك أنه عندما ركبوا الخرافة بالتى كانت تجب ليس أى الأسماء التى كانوا وضعوا، ولا كما يعملون عند الوحيدات والجزئيات الذى فى إيامبو...

من قبل أن فى صناعة المديح كانوا يتمسكون بالأسماء التى كانت؛ والسبب فى هذا هو أن الحال الممكنة هى مقنعة والتى لم تكن بعد فلسنا نصدق أنها يمكن أن تكون؛ وأما التى قد كانت توجد إن كان قد كانت موجودة، فلا يمكن ألا تكون.

وليس ذلك إلا فى المدائح الأفراد والبعض، وهى التى منها فى الواحدة اثنتين من التى هى من الذين هم معروفون هو لهذه التى فعل لأشياء أخر اسم واحد، وأما فى الأفراد والبعض فولا شىء بمنزلة من يضع أن الخير هو واحد، وأن فى ذلك الأمر والاسم انفعالاً أو فعلا على مثال و[أحد، فليس] الانتفاع بهما بالأقل...

حتى لا ينبغى أن يطلب لا محالة المفيد للخرافات التى يكون نحوها المدائح أن يوجد بها؛ وذلك أن الطلب لهذا هو مما يضحك منه، من قبل أن الدلائل موجودة غير أن يسر الكل.

فظاهر من هذه أن الشاعر خاصةً يكون شاعر الخرافات والأوزان بمبلغ ما يكون شاعراً بالتشبيه والمحاكاة؛ وهو يشبه ويحاكى الأعمال والأفعال الإرادية وإن عرض أن يعمل شىء فى التى قد كانت، فليس هو فى ذلك شاعراً بالدون، من قبل أن التى كانت: منها مالا مانع يمنع يكون حالها فى ذلك مثلا كالتى هى موضوعة بأن توجد، كحال ذلك الذى هو شاعرها.

وأما للخرافات المعلولة فالأفعال الإرادية أيضاً معلولة. وأعنى بالخرافة المدخولة المعلولة تلك التى المعلولين على الاضطرار واحد بعد آخر ليس يكون من الضرورة ولا على طريق الحق. ومثل 〈هذه〉 يعمل أما من الشعر فمن المزورين المزيفين منهم بسببها، وأما الشعراء الأخيار فيسبب المنافقين والمرائين؛ وأما 〈وعند ما يعمـ〉ـلون الجهادات فليس يمتدون بالخرافة فوق الطاقة، وأحياناً وكثيراً ما قد يضطرون إلى أن يردوا ويعدوا الخرافة التى تبقى.

من قبل أن التشبيه والمحاكاة إنما هى لعمل مستكمل فقط، لكنها للأشياء المخوفة المهولة وللأشياء الحزينة التوجيد، وهذه تكون خاصية أكثر مما تكون من الثناء وبعض بالبعض؛ وذلك أن التى هى عجيبة فهكذا فليكن حالها خاصة أكثر من تلك التى هى من تلقاء نفسها ومما يتفق، من قبل أن التى هى من الاتفاق قد يظن بها هى أيضاً أنها عجيبة أكثر بمبلغ ما نرى أنها تكون دفعة بمنزلة حال التى لاندراس بن ميطاوس، وهى أنه كان قتل فى أرغوس؛ لذلك الذى كان سبب [مو]ميتة مياطياس عندما رآه وقد سقط، وذلك أنه يشتبه فى هذه الأشياء التى تجرى هذا المجرى أنها ليس تكون باطلا ولا جزافاً حتى يلزم ضرورةً أن تكون هذه التى هى على هذا النحو خرافات جيدة.

٩ — وظاهر مما قيل أيضاً أن عمل الشاعر ليس رواية ما وقع بل ما يجوز وقوعه وما هو ممكن على مقتضى الرجحان أو الضرورة؛ فإن المؤرخ والشاعر لا يختلفان بأن ما يرويانه منظوم أو منثور (فقد تصاغ أقوال هيرودوتس فى أوزان فتظل تاريخاً سواء وزنت أم لم توزن) بل هما يختلفان بأن أحدهما يروى ما وقع على حين أن الآخر يروى ما يجوز وقوعه. ومن هنا كان الشعر أقرب إلى الفلسفة وأسمى مرتبة من التاريخ؛ لأن الشعر أميل إلى قول الكليات، على حين أن التاريخ أميل إلى قول الجزئيات. والكل هو ما يتفق لصنف من الناس أن يقوله أو يفعله فى حال ما على مقتضى الرجحان أو الضرورة، وذلك ما يقصده الشعر حين يضع الأسماء للأشخاص؛ أما الجزئى فهو — مثلا — ما فعله ألكبياديس أو ما حل به. وبين أن ذلك هو ما حدث فى الكوميديات: فإن الشاعر بعد أن ينظم القصة على ما يقتضيه الرجحان يضع لها الأسماء المناسبة، لا كما كان الشعراء الأيامبيون يقولون الشعر فى أفراد الناس. أما فى التراجيديات فإن الشعراء يتمسكون بالأسماء الواقعة. وسبب ذلك أن الممكن هو مقنع، وما لم يقع فلسنا نصدق بعد أنه ممكن، أما ما وقع فبين أنه ممكن، إذ لو لم يكن ممكناً لما وقع. على أن من التراجيديات ما يكون فيه من الأسماء المعروفة واحد أو اثنان، وتكون سائر الأسماء مصنوعة. ومنها ما لا يقع فيه اسم من الأسماء المعروفة أصلا، كما فى تراجيدية «أنثيوس» لأجاثون. فالأفعال فيها مخترعة والأسماء كذلك، ولكن هذا لا ينقص من بهجتها. فلا يجب إذاً أن يتعلق دائماً بتلك القصص المأثورة التى تدور حولها التراجيديات، فإن محاولة ذلك أمر مضحك، لأن الأشياء المعروفة إنما هى معروفة للقليل، ولكنها مع ذلك تدخل البهجة على الجميع. فظاهر مما سبق أن الشاعر — أو الصانع (يويتيس) ينبغى أن يكون أولا صانع القصص قبل أن يكون صانع الأوزان، لأنه يكون شاعراً بسبب ما يحدثه من المحاكاة، وهو إنما يحاكى الأفعال. وإذا اتفق أن صنع شعراً فى أمر من الأمور التى وقعت فإن ذلك لا يؤثر فى كونه شاعراً، إذ لا شئ يمنع أن بعض الأمور التى وقعت قد جاء متفقاً مع قانون الرجحان وقانون الإمكان، فعلى هذا الاعتبار يكون هو صانعها.

وأردأ القصص والأفعال جميعاً هو ما كان مقطعاً. وأعنى بالقصة المقطعة تلك التى تتتابع قطعها على غير مقتضى الرجحان أو الضرورة. والشعراء الضعفاء يصنعون هذه الأشعار منقادين لطبعهم، أما الشعراء الحذاق فيصنعونها متبعين للمثلين، فإنهم كثيراً ما يضطرون إلى أن يجوروا على التسلسل الطبيعى حين يدخلون فى المسابقات ويمدون القصة أكثر مما تطيق. على أنه لما كانت المحاكاة ليست لعمل كامل فحسب بل لأمور تحدث الخوف والشفقة، وأحسن ما يكون ذلك حين تأتى هذه الأمور على غير توقع، وتكون مع ذلك مسببة بعضها عن بعض، فإنها تحدث — على هذا الوجه — روعة أعظم مما تحدثه لو وقعت من تلقاء نفسها أو بمحض الاتفاق. فإن الأمور التى تقع بمحض الاتفاق تبدو أشد إثارة للروعة أيضاً على قدر ما يبدو أنها وقعت عن قصد. وذلك كما سقط تمثال ميتوس فى أرجوس على من كان سبباً لموت ميتوس فقتله، بينما كان يشهد حفلا، فمثل هذه الأمور يبدو أنها غير راجعة إلى المصادفة. فيلزم إذن أن تكون القصص التى تجرى على هذا النحو أجود وأبرع.