Digital Corpus for Graeco-Arabic Studies

Hippocrates: De Natura Pueri (Nature of the Child)

أكتفي الآن بما قلت هاهنا لأنّي إنّما ذكرت هذه الأشياء لأظهر السبب الذي من أجله يكون الماء الذي في بطن الأرض في الصيف بارداً وفي الشتاء سخناً فأمّا ظهر الأرض فإنّه مخالف فذلك لأنّه حارّ في الصيف وبارد في الشتاء لأنّه لم يكن يستقيم أن تصحّ الشجر وتحمل إذا كانت حرارة فوق الأرض وحرارة تحت الأرض كما أنّه إذا أكل الإنسان أطعمة حارّة ثمّ شرب الماء برّد الماء حرارة الأطعمة.

إنّ الشجرة لا توافقها حرارة فوق الأرض وحرارة أسفلها أعني الأرض ولا برودة فوق الأرض وبرودة أسفلها لأنّه إن كان حرارة فوق وأسفل جميعاً عفنت الشجر ويبست من الحرارة التي تجتمع عليها من كلّ ناحية وماتت قواها وإن كانت الحرارة فوق والبرودة أسفل اغتذت الشجر بعروقها غذاء معتدلاً لأنّ الشجر تحتاج إلى غذاء تجذبه بعروقها إلى رؤوس شجرتها وورقها من أجل حرارة الشمس فإذا اغتذى الشجر بعروقها برودة من الأرض في الصيف وأصابتها حرارة الشمس من فوق نضر ورقها وأثمرت وفي الشتاء أيضاً إذا يبس أعلاها بالبرودة التي فوق عاشت عروقها بالحرارة التي أسفل ولكنّها لا تورق ولا تثمر من أجل برودة الهواء الذي يقبضها ولا يدع الغذاء أن يصعد إليها.

إن كان الغذاء في الشجر في أعلاها وأسفلها جميعاً شيئاً واحداً وكانت الشجر رطبة ليّنة فوق القدر لم تثمر. إنّه ربّما عرض فازداد الشجر تربية أسفلها وأعلاها لأنّ الغذاء ليس إنّما يرتفع من أسفل إلى فوق فقط ولكنّه ينزل من فوق إلى أسفل أيضاً.

ويرتفع في جميع الشجر في الشتاء الغذاء بالعروق من أسفل إلى فوق لأنّها رخوث واسعث للحرارة التي هناك لأنّ الأرض منقبضة من أجل البرودة وينزل في الصيف الغذاء من فوق إلى أسفل.

والشجر لا تثمر حتّى تلين وترطب ولا تجذب غذاء دسماً وقوّة أيضاً من أجل ضيق المسامّ والتجويف الذي فيه تجتذب الغذاء.

إذا أدركت الشجرة وكبرت اتّسعت مسامّها وارتفع إليها غذاء دسم من الأرض.

إنّ الشجر التي لا تثمر إنّما لا تثمر لأنّها ليست لها قوّة تلائم اجتذاب دسم الغذاء ولا قوّة للقوّة التي توفي الشجر الثمار.

وهذا معنى القول الذي قلت إنّه قد ينبغي لنا أن نعلم أنّ الشجر التي تثمر والتي لا تثمر طبيعتهما واحدة.

إنّما تثمر بعضها ولا تثمر بعضها من قبل خلقتهما لأنّه إذا كانت الشجرة منقبضة الجسد لا تثمر وإن كانت واسعة المسامّ أثمرت.

فإذا مرّ بها حين طويل كفّت عن اجتذاب الغذاء ولم تجتذب البتّة ولا تربى أيضاً.

فأمّا ما يؤخذ من الشجرة فيغرس في شجرة أخرى مثل المطعم الذي يقنح موضع الغصن في شجرة فيجعل كأنّه 〈من〉 أصل غصن شجرة أخرى فيطعم منه ويثمر ثماراً لا تشبه ثمار الشجرة التي هو فيها فذلك لأنّ فيها غذاء من الأصل الذي أخذ من وهو يغتذي أيضاً من الشجرة التي 〈هو〉 فيها فيصير منه عروق دقاق في الشجرة التي هو فيها ويجتذب رطوبة من الشجرة التي هو فيها أوّلاً ثمّ إنّه تطول عروقه فتصل إلى الأرض. إذا استمسك فتجذب حينئذ الغذاء من الأرض ولا ينبغي لنا أن نعجب من تغيّر الثمار التي يثمر ذلك الغصن في الشجرة التي هو فيها لأنّه قد يغتذي من الأرض كما يغتذي من الشجرة.

أكتفي بهذه الأقاويل التي قلت في الشجر والثمار لأنّه لا يستقيم لي أن أتمّ الكتاب بالقول في الشجر والنبات لأنّي إن أردت أن أتمّ الكلام الذي ينبغي أن يتكلّم به في الشجر طال القول.