Galen: In Hippocratis Aphorismos (On Hippocrates' Aphorisms)
Work
Galen, In Hippocratis Aphorismos
(Ἱπποκράτους ἀφορισμοὶ καὶ Γαληνοῦ εἰς αὐτοὺς ὑπομνήματα)
English: On Hippocrates' Aphorisms
Text information
Type: Translation (Arabic)
Translator: Ḥunayn ibn Isḥāq
Translated from: Syriac
(Close)
Date:
between 840 and 870
Source
Pormann, P., Karimullah, K., Carpentieri, N., Mimura, T., Selove, E., Das, A., and Obaid, H. Šarḥ Ǧālīnūs li-Fuṣūl Abuqrāṭ. University of Manchester 2017. https://doi.org/10.3927/51689293 (bk. 1), https://doi.org/10.3927/51689327 (bk. 2), https://doi.org/10.3927/51689446 (bk. 3), https://doi.org/10.3927/51931732 (bk. 4), https://doi.org/10.3927/51931800 (bk. 5), https://doi.org/10.3927/51931843 (bk. 6), https://doi.org/10.3927/51931881 (bk. 7)
Text made available under a Creative Commons Attribution 4.0 International license.
Source manuscripts:
P1 = Paris, Bibliothéque Nationale, arabe 2837 (1), fol. 1r–101v
E5 = Madrid, Escorial, árabe 789 (1), fol. 1v–166v
E6 = Madrid, Escorial, árabe 790 (1), fol. 1r–158v
E7 = Madrid, Escorial, árabe 791 (1), fol. 1r–111r
E11 = Madrid, Escorial, árabe 818 (3), fol. 88r–128v
R1= Rome, Biblioteca Apostolica Vaticana, Vat. ebr. 426 (1), fol. 1r–101r
Download
gal_inhippaphor-transl-ar1.xml [1.18 MB]
بسم اللّه الرحمن الرحيم ربّ وفّق
المقالة الاولى من تفسير جالينوس لفصول أبقراط ترجمة حنين بن إسحاق
قال أبقراط: العمر قصير والصناعة طويلة والوقت ضيّق والتجربة خطر والقضاء عسر وقد ينبغي لك أن لا تقتصر على توخّي فعل ما ينبغي دون أن يكون ما يفعله المريض ومن يحضره كذلك والأشياء التي من خارج.
قال جالينوس: قد اتّفق جلّ من فسّر هذا الكتاب على أنّ هذا القول فصلاً واحداً كان أو فصلين فهو صدر لهذا الكتاب كلّه، لكنّه يعسر أن يعلم ما الذي أراده أبقراط باتسعماله هذا الصدر. ولعّلنا نقف على ذلك أنّ نحن تقدّمنا وبحثنا عن جميع ما في هذا القول شيئاً شيئاً. وقد اتّفق جميع من فسّر هذا الكتاب أنّ أبقراط إنّما قال إنّ «العمر قصير» لمّا قاسه إلى طول صناعة الطبّ. فأمّا الصناعة فأرى أنّه إنّما قال إنّها طويلة، لأنّ الوقت الذي يفعل فيه كلّ واحد من جلّ أفعالها الجزئية يسير ضيّق ولذلك يعسر الوقوف عليه حتّى يحتاج الذي يريد تعرّفه إلى رياضة طويلة ودربة بالغة، ولأنّ استخراج جميع ما يستخرج في الصناعة يكون بآلتين أحدهما التجربة والأخرى القضاء بالقياس، واستعمال الأولى خطر، واستعمال الثانية ليس يسهل لكنّه من أعسر ما يستعمل. وإنّما صار الوقت ضيّقاً من قبل جنس العنصر الذي تستعمله هذه الصناعة وهو أبدان الناس. وذلك لأنّ البدن سريع الاستحالة سهل التغيّر من نفسه فضلاً عن تغيّره من الأسباب التي من خارج.
ممّا ينتفع به المريض، لكنّه ينبغي أن يكون المريض أيضاً مطاوعاً لك غير متبع للذّته في شيء من الأشياء وينبغي أيضاً أن تكون خدم المريض فرهة أكياساً وينبغي أن تكون الأشياء التي من خارج كلّها مهيّأة معدّة على ما يصلح للمريض. فإنّ كثيراً ما يعرض من تلك أيضاً أن تبطل صحّة ما يتقدّم بمعرفته أو يفسد العلاج فلا ينجح أو يعرض الأمران جميعاً ويعني بالاشياء التي تعرض من خارج أمر المنازل أن تكون موافقة أو غير موافقة أو أن يكون يلحق المريض منها أذى أو لا يلحقه وما يختبر به المريض وما يفعل به ممّا يهيج به غضب أو غمّ أو غير ذلك ممّا أشبهه وما يمنعه بالليل من النوم وهي أشياء كثيرة لا يحصى عددها، كأنّه قال فإن جزئ أمر هذه الأشياء كلّها على ما ينبغي وما لا يذمّ منه بشيء لم يوجد شيء من جميع ما في هذا الكتاب باطلاً.
قال أبقراط: إن كان ما يستفرغ من البدن عند استطلاق البطن والقيء اللذين يكونان طوعاً من النوع الذي ينبغي أن ينقى منه البدن
نفع ذلك وسهل احتماله، وإن لم يكن كذلك كان الأمر على الضدّ، وكذلك خلاء العروق فإنها إن خلت من النوع الذي ينبغي أن يخلو منه نفع ذلك وسهل احتماله، وإن لم يكن كذلك كان الأمر على الضدّ وينبغي أن ينظر أيضاً في الوقت الحاضر من أوقات السنة وفي البلد وفي السنّ وفي الأمراض هل يوجب استفراغ ما هممت باستفراغه أم لا.
قال جالينوس: إنّ أبقراط لم يقل هذا القول في كمّية ما يستفرغ كما توهّم قوم، لكنه إنما قاله في كيفيته فقط، وممّا يدلّ على ذلك تكريره اسم النوع في قوله هذا مرتين. وذلك أنه تقدم فقال في الاستفراغ الذي يكون طوعاً: إن استفرغ البدن «من النوع الذي ينبغي أن ينقى منه نفع ذلك وسهل احتماله». ثم قال في الاستفراغ الذي يكون بالعلاج إن خلت العروق «من النوع الذي ينبغي أن يخلو منه نفع ذلك وسهل احتماله». وقد كان يمكنه أن يقول: إن استفرغ البدن بالمقدار الذي ينبغي أن ينقى، وأيضاً إن خلت العروق من المقدار الذي ينبغي أن يخلوا منه. والدليل على هذا أيضاً قوله «ينقى منه». وذلك أنه لم يستعمل اللفظة التي هي أعمّ فيقول: إن استفرغ البدن من النوع الذي ينبغي أن يستفرغ منه، لكنه قال «من النوع الذي ينبغي أن ينقى منه».
فعلمنا فيه أغراضاً إذا قصدنا إليها ونظرنا فيها وجدناها كيفية الاستفراغ لا كمّيته. وإنّما يذكر كمّيته في الفصل الذي يأتي بعد هذا. وسنذكر بعد في فصول أخر في أيّ وقت من أوقات المرض ينبغي أن تروم الاستفراغ وبأيّ وجه ينبغي أن تفعل. فليس تضطرّ في الأمر إلى ذكر هذه الأشياء في هذا الموضع، لأني إن ذكرتها لم أت بشيء أحسن ممّا قاله أبقراط وأكون قد طولت تفسيري بكلام ليس يضطرّ إليه شيء.
قال أبقراط: خصب البدن المفرط لأصحاب الرياضة خطر إذا كانوا قد بلغوا منه الغاية القصوى. وذلك اّنه لا يمكن أن يثبتوا على حالهم تلك ولا يستقرّوا. ولمّا كانوا لا يستقرّون وليس يمكن أن يزدادوا إصلاحاً، فبقي أن يميلوا إلى حال أردأ. فلذلك ينبغي أن ينقص خصب البدن بلا تأخير كيما يعود البدن فيبتدئ في قبول الغذاء. ولا يبلغ من استفراغه الغاية القصوى
فإنّ ذلك خطر لكن بمقدار احتمال طبيعة البدن الذي يقصد إلى استفراغه. وكذلك أيضاً كلّ استفراغ يبلغ فيه الغاية القصوى فهو خطر. وكلّ تغذية أيضاً هي عند الغاية القصوى فهي خطر.
قال جالينوس: أمّا القول الذي قد قيل قبل هذا فقد بيّنّا أنّ أبقراط إنّما قاله في كيفية ما يستفرغ. وأمّا في هذا القول وأقاويل أخر تتلوه فقصد فيها إلى ذكر كمّية ما يستفرغ وابتدأ بذكر الامتلاء المفرط والاستفراغ المفرط ووضع في قوله هذا، كما وضع في القول الذي قبله مثالاً وأجرى قوله نحوه كعادته. والمثال الذي وضعه هو خصب أبدان أصحاب الرياضة. وأعني بأصحاب الرياضة الذين جعلوها مهنة وأفنوا دهرهم في الاقتصار عليها والتغالب فيها كمثل المصارعين وغيرهم. وذلك أنّ خصب البدن الذي يقال قولاً مطلقاً يوجد في كثير من أصحاب الكدّ في حرث الأرض وإثارتها وحصد ثمره ما ينبت فيها
وهو قوله في الامتلاء الذي في الغاية القصوى، ويكون ذكره بحصب أبدان أصحاب الصراع باطلاً. وأقول أيضاً إنّ زيادته في قوله أيضاً يدلّ على أنّ هذا المعنى الذي قلت، وذلك أنه قال «وكلّ تغذية أيضاً هي عند الغاية القصوى فهي خطر» كأنّه إنّما قال أيضاً، لأنّ كلامه قبل هذا كان في شيء غير ما يزيد في هذا الكلام.
قال أبقراط: التدبير البالغ في اللطافة عسر مذموم في جميع الأمراض المزمنة لا محالة، والتدبير الذي يبلغ فيه الغاية القصوى من اللطافة في الأمراض الحادّة إذا لم تحتمله القوّة فهو عسر مذموم.
قال جالينوس: أمّا في القول الذي قبل هذا فإنّ أبقراط أحمل فيه ذكر كلّ امتلاء مفرط وكلّ استفراغ مفرط. وأمّا في هذا القول فإنّه قصد إلى ذكر تدبير تغذية المرضى
إلا أن يتناول منه الشيء اليسير، وليس هو أيضاً بتدبير غليظ، كمثل التدبير بكشك الحنطة والبيض والسمك وسائر ما أشبه ذلك. فقوله «إذا لم تحتمله» في ذكره الأمراض الحادّة ليس إنّما قاله لمكان أنّ الأمراض الحادّة جدًّا، لأنه يقول فيما بعد «إذا كان المرض حادّاً جدّاً فإنّ الأوجاع التي في الغاية القصوى تأتي فيه بدياً فيجب ضرورة أن يستعمل فيه التدبير في الغاية القصوى من اللطافة».
قال أبقراط: في التدبير اللطيف قد يخطئ المرضى على أنفسهم خطأ يعظم ضرره عليهم، وذلك أنّ جميع ما يكون منه من الخطأ أعظم ضرراً ممّا يكون منه في الغذاء الذي له غلظ يسير ومن قبل هذا صار التدبير البالغ في اللطافة في الأصحّاء أيضاً خطراً لأنّ احتمالهم لما يعرض من خطائهم أقلّ ولذلك صار التدبير البالغ في اللطافة في أكثر الحالات أعظم خطراً من التدبير الذي هو أغلظ قليلاً.
قال جالينوس: إنّ أوّل هذا الفصل قد يوجد في بعض الكتب على هذه النسخة التي تستأنف وصفها لا على المتقدّمة وهي هذه: في التدبير اللطيف قد يخطئ المرضي على أنفسهم خطأ كثيراً يعظم ضررهم. وقد اختار قوم هذه النسخة على النسخة الأولى، وظنّوا أنّ أبقراط يعني بقوله هذا أنّ المرضي يضطرّون إلى أن يخطئوا على أنفسهم إذا حملهم الأطبّاء على التدبير اللطيف شرًّا منهم لأخذهم إيّاهم بالتدبير اللطيف، ولذلك ينالهم من الضرر أعظم ممّا كان ينالهم لو كانوا ليس يدبّرون بالتدبير اللطيف. وذلك لأنّهم يضطرّون إلى الخطأ فتخطئون ولأنّ ذلك يكون منهم بعد أن تكون القوّة قد ضعفت بحمل الحمّية عليها. والنسخة الأولى هي أجود. وذلك أنّ معنى ما في هذه النسخة داخل فيها والقول في تلك أعمّ لأنّه يشتمل على كلّ خطأ للمريض بإرادته وعن غير إرادته حتّى يكون القول على معنى ما في النسخة الأولى على هذا المثال: أنّ الخطأ الذي يعرض لأصحاب التدبير اللطيف أيّ خطأ كان أعظم خطر من قبل ضعف القوّة بحمل التدبير عليها ومن قبل أنّهم لم يعتادوا الشيء الذي يحدث فيه الخطأ.
وممّا يشهد أيضاً على صحّة النسخة الأولى ما قال أبقراط في الأصحّاء. وذلك أنه قال أن التدبير اللطيف في الأصحّاء خطر لأنّ احتمالهم لما يعرض من خطائهم أقلّ لا أنّهم يضطرّون إلى الخطأ من قبل لطافة تدبيرهم. وأمّا ما يتلو ممّا ذكرنا في هذا الفصل فهو بيّن.
قال أبقراط: أجود التدبير في الأمراض التي في الغاية القصوى التدبير الذي في الغاية القصوى.
قال جالينوس: إنّ أبقراط يعني بالأمراض التي في الغاية القصوى الأمراض التي هي في غاية العظم وليس ورائها غاية من الأمراض. وأمرنا أن يكون تدبيرنا فيها التدبير الذي ليس ورائه غاية في الاستقصاء، وإذا كان كذلك فبيّن أن يجعل الغذاء في غاية اللطافة. وهذه الأمراض لا محالة هي الأمراض التي يسمّيها حادّة جدّاً ولذلك أتبع أبقراط هذا الفصل بفصل بعده قال فيه هذا القول:
قال أبقراط: وإذا كان المرض حادّاً جدّاً فإنّ الأوجاع التي في الغاية القصوى تأتي فيه بديئاً فيجب ضرورة أن يستعمل فيه التدبير الذي في الغاية القصوى من اللطافة.
فإذا ما لم يكن كذلك لكن كان يحتمل من التدبير ما هو أغلظ من ذلك فينبغي أن يكون الانحطاط على حسب لين المرض ونقصانه عن الغاية القصوى. وإذا بلغ المرض منتهاه فعند ذلك يجب ضرورة أن يستعمل التدبير الذي هو في الغاية القصوى من اللطافة.
قال جالينوس: كما أنّ أبقراط عنى فيما تقدّم بقوله «الأمراض التي في الغاية القصوى» الأمراض التي في غاية العظم، كذلك عنى في هذا القول بقوله «الأوجاع التي في الغاية القصوى» الأوجاع التي في غاية العظم وعنى بالأوجاع نوائب الحمّى أو جميع الأعراض بالجملة. فإنّ نوائب الحمّى وجميع الأعراض بالجملة تكون في المرض الحادّ جدّاً في الأيّام الأوّل منه في غاية العظم من قبل أنّ فيها يكون منتهاه وليس المنتهى شيء سوى عظم أجزاء المرض في أعراضه. والمرض الحاد جدّاً هو الذي يكون منتهاه بديئاً. وينبغي أن يفهم من قوله «بديائً» الأربعة الأيّام الأوّل أو بعدها قليلاً. فينبغي لذلك أن يستعمل فيها منذ أوّلها التدبير الذي في الغاية القصوى من اللطافة، إذ كان ينبغي أن يستعمل التدبير الذي في الغاية القصوى من اللطافة في منتهى المرض، كما قد بيّن أبقراط في كتابه في تدبير الأمراض الحادّة وفي هذا الفصل. وكان منتهى المرض الحادّ جدّاً يكون في الأيّام الأوّل منه.
وأمّا الأمراض التي ينتهي منتهاها بدياً أعني في الاربعة الايّام الأوّل فيمكن أن يستعمل فيها التدبير الذي هو في الغاية القصوى من اللطافة لأنّ في الطبيعة احتملاً لترك الغذاء بتّة والاقتصار على ماء العسل وعلى اليسير جدّاً من ماء الشعير. وهذا هو التدبير الذي في غاية اللطافة. وما كان دون هذا في اللطافة وهو الذي سمّاه التدبير الأغلظ فإنّما يصلح الأمراض التي منتهاها متأخّر عن هذا الوقت، وأمر أبقراط في هذه الأمراض أن يكون انحطاطنا في التدبير من الغاية القصوى من اللطافة إلى ما دون ذلك على حسب نقصان المرض عن الغاية القصوى، يعني بالمنتهى. وذلك أنّه إذا كان المنتهى قريباً فينبغي أن يكون تغليظنا للغذاء يسيراً. وإذا كان أبعد فينبغي أن يكون تغليظنا للغذاء أزيد، وكلّما كان المنتهى فيما يقدر أبعد فعلى حسب ذلك ينبغي أن يكون تغيير ظريق الغذاء.
قال أبقراط: إذا بلغ المرض منتهاه فعند ذلك يجب ضرورة أن يستعمل التدبير الذي هو في الغاية القصوى من اللطافة.
قال جالينوس: إنّ هذه القول أيضاً من أبقراط هو جزء من علم التدبير، وبعضهم يفرده ويكتبه على حدّة مثل ما وصفناه في هذا الموضع، وبعضهم يضيفه بالفصل الذي قبل هذا كما وصفناه فيما تقدّم. وكيف ما كتب فالمعنى الذي يدلّنا عليه معنى واحد وهو أنّ أبقراط أمر أن يستعمل في وقت منتهى المرض التدبير الذي في الغاية القصوى من اللطافة، وذلك لعظم الأعراض في ذلك الوقت ولكيما ينضج المرض. وذلك لأنّه لا ينبغي أن تشغل الطبيعة عن إنضاج الأخلاط المولدة للمرض إذ كانت في ذلك الوقت مكثه عليها بقوّتها كلّها وإنّما بقي لها اليسير حتّى تستكمل الغلبة عليها. فيجب أن لا تشغلها بانضاج غذاء جديد يورده عليه كما قد يبّنّا في كتاب البحران وجميع هذا القول من أبقراط إنّها هو في الأمراض التي تروم علاجتها والتدبير فيها،
وهي التي يأتي بعد منتهاها انحطاط، لأنّ الأمراض التي يأتي عند منتهاها الموت فإنّما يستعمل فيها جزءاً جزءاً من الطبّ وهو تقدمة المعرفة ويقتصر على أن يتقدّم فنخبّر بما تكون كيما لا ينسب إلى أنّه كان لنا فية سبب. وهذا وجه واحد يستدلّ به على طريق تقدير الغذاء وهو من أوقات المرض وله وجه آخر يستدلّ به عليه من قوّة المريض نصفه في الفصل الذي بعد هذا.
قال أبقراط: وينبغي أيضاً أن تزن قوّة المريض فتعلم هل كانت تثبت إلى وقت منتهى المرض وتنظر أيّ الأمرين كائن أقوّة المريض تخور قبل غاية المرض ولا يبقى على ذلك للغذاء أم المرض يخور قبل وتسكن عاديته.
قال جالينوس: ولمّا كان أبقراط قد أمر في الفصل الذي قبل هذا أن يكون انحطاط في التدبير الذي قد بلغ الغاية القصوى من اللطافة على حسب بعد المرض عن منتهاه،
زادنا في هذا الفصل مطلباً أخر ليكون معرفتنا بالمقدار الذي ينبغي أن لا يتجاوزه في الأنحطاط على الاستقصاء والصحّة. والمطلب الذي زادنا هو قوّة المريض. وذلك أنّا إنما نغذو بسببها، لا بسبب المرض نفسه. فمتى قدّرنا مقداراً ما من الغذاء بحسب بعد منتهى المرض وقربه فرأينا القوّة تفي بالثبات عليه إلى وقت منتهى المرض فإنّا نكون قد قدّرنا الغذاء على الاستقصاء. ومتى رأيناها تضعف على أن تفي به فينبغي أن تزيد في الغذاء وتغلظه على حسب ما يوجبه مقدار ضعف القوّة. ولهذا قد نضطرّ في بعض الأوقات إلى أن نغذو المريض في وقت منتهى المرض نفسه إذا عرض له عارض تحلّ قوّته. وهذا القول أيضاً هو جزء من جملة قول أبقراط في تدبير الغذاء وإن جعل جاعل هذا الفصل والفصل الذي قبله والذي يأتي بعده قولاً واحداً لم يخطأ. وأمّا أنا فإنّي إنّما جزّئته وفسّرته جزئاً جزئاً ليكون بيّن وأوضح.
قال أبقراط: والذين يأتي منتهى مرضهم بديئاً فينبغي أن يدبّروا بالتدبير اللطيف بديئاً، والذين يتأخّر منتهى مرضهم فينبغي أن يجعل تدبيرهم في ابتداء مرضهم أغلظ ثمّ ينقص من غلظه قليلاً قليلاً كلّما قرب منتهى المرض وفي وقت منتهاه بمقدار ما تبقى قوّة المريض عليه. وينبغي أن يمنع من الغذاء في وقت منتهى المرض فإنّ الزيادة فيه مضرّة.
قال جالينوس: إنّ هذا القول أيضاً متّصل بمعنى القول الأوّل الذي تقدّم، إلّا أنّه أعمّ منه. وذلك أنّ أبقراط قال في الفصل الذي تقدّم إنّه ينبغي أن يستعمل في الأمراض الحادّة جدّاً التدبير اللطيف جدّاً منذ أوّل المرض. وقال في هذا الفصل قولاً مطلقاً إنّه ينبغي في جميع الأمراض التي يأتي منتهاها بديئاً أي بعد ابتداء المرض بقليل أن يستعمل التدبير اللطيف. وأمّا الكلام الذي يتلو هذا فبيّن أنّه في هذا المعنى.
قال أبقراط: إذا كان للحمّى أدوار فامنع من الغذاء في أوقات نوائبها.
قال جالينوس: أمّا تقرير جملة الغذاء في كلّ واحد من الأمراض فأمرنا أبقراط أن نقصد فيه قصد غرضين، أحدهما منتهى المرض بحسب قربه وبعده والآخر قوّة المريض بحسب شدّتها وضعفها. وأمّا كيف تكون الأغذية الجزئية التي تتناول يوماً فيوماً على ما ينبغي فإنّه علّمنا ذلك في هذا الفصل فأمرنا أن نحذر أوقات نوائب الحمّى ولا نغذو فيها. وقد شرح ذلك شرحاً أبين من هذا في كتابه في تدبير الأمراض الحادّة فقال إنّه لا ينبغي أن يعطى المريض أغذيته في أوقات نوائب الحمّى ولا إذا قرب وقتها لكن في أوقات انحطاطها وسكونها.
قال أبقراط: إنّه يدلّ على نوائب المرض ونظامه ومرتبته الأمراض أنفسها وأوقات السنة
وتزيّد الأدوار بعضها على بعض نائبة كانت في كلّ يوم أو يوماً ويوماً لا أو في أكثر من ذلك من الزمان والأشياء التي تظهر بعد. ومثال ذلك ما يظهر في أصحاب ذات الجنب فإنّه إن ظهر النفث فيهم بدياً منذ أوّل المرض كان المرض قصيراً، وإن تأخّر ظهوره كان المرض طويلاً، والبول والبراز والعرق إذا ظهرت بعد فقد تدلّنا على جودة بحران المرض ورداءته وطول المرض وقصره.
قال جالينوس: إن كنت ذاكراً لما تقدّم قول أبقراط في تدبير الغذاء فإنّ الحاجة إلى ما قاله في هذا الفصل يكون عندك أبين. والذي تقدّم من قوله هو أنّه نحا في طريق تدبير الغذاء في الجملة نحو غرضتين، أحدهما قوّة المريض والآخر مرتبة المرض. فإنّ النظر في المرض هل يكون حادّاً أو حادّاً جدّاً أو مزمناً ومتى يكون منتهاه هو النظر في مرتبة المرض. وألحق الدليل على الأغذية الجزئية التي تتناول يوماً فيوماً من نوائب الحميات الجزئية.
وتسمّى علامات البحران، لأنّها تدلّ على تغيّر سريع، وهي تنذر بأحد أمرين. وذلك أنّها إن ظهرت من بعد نضج المرض دلّتك على سلامة قريبة، وإن ظهرت قبل أن يظهر نضج دلّتك على بحران ليس بمحمود وتؤدي إلى تلف المريض أو إلى طول مرضه. وقد يدلّك دلالة يبنة على أنّ طبيعة هذه العلامات الدالّة على البحران غير طبيعة العلامات الدالّة على النضج ما أنا واصفه لك، وهو أنّ أبقراط قال في المقالة الأولى من كتاب إبيذيميا إنّ «النضج يدلّ على سرعة البحران وعلى الثقة بالصحّة». وأمّا الشيء الذي لم ينضج إذا صار إلى الخروج الرديء فيدلّ إمّا على أنّه لا يكون بحران وإمّا على صعوبة وإمّا على طول من المرض وإمّا على موت وإمّا على عودة تكون من المرض.
قال حنين: يعني بالخروج الرديء على ضربين إمّا خروج على جملة البدن إلى أن يصير منه خراج في موضع من باطن البدن وإمّا خروج من باطن البدن حتّى يصير في موضع من ظاهره فيكون خراجاً.
قال جالينوس: وهكذا يمدح أبقراط نضج المرض بالجملة. وقد مدحه في شيء من الأشياء الخزئية في كتاب تقدمة المعرفة وعلمنا علاماته. فقال إنّ أفضل البول ما كان فيه قشار راسب أبيض أملس مستوي الأجزاء متساوياً في الأيّام إلى وقت بحران المرض.
وقد كتب أفركساغورس الذي من آل فسرحس في هذه العلامات اللاحقة للمرض مقالتين، وكتب في العلامات التي تحدث بعد مقالة واحدة، وإنّما أعني بالعلامات التي تحدث بعد العلامات التي تظهر بعد، وهي التي قال أبقراط إنّها إذا ظهرت دلّت على جودة البحران وردءته وقصر المرض وطوله. ولم يقتصر على ذكر البراق، لكنّه ذكر معه البول والبراز والعرق وجعلها لنا مثالاً ليذكرنا بها ما قال أبقراط فيها في كتاب تقدمة المعرفة ونقل ما قال في ذلك الكتاب إلى هذا الكتاب أنّي فضل. وذلك أنّا قد بيّناه في كتاب البحران وفي تفسيرنا لكتاب تقدمة المعرفة وشرحنا فيها رأي أبقراط وقوله فيها.
قال أبقراط: المشايخ أحمل الناس للصوم ومن بعدهم الكهول والفتيان أقلّ احتمالاً له وأقلّ الناس احتمالاً للصوم الصبيان، ومن كان من الصبيان أقوى شهوة فهو أقلّ احتمالاً له.
قال جالينوس: إنّه قد ينتفع أيضاً بمعرفة اختلاف الإنسان في معرفة تدبير الأغذية. وذلك أنّ الإمساك عن الطعام على المشائخ سهل وعلى الصبيان صعب. ومعنى السهولة أنّهم لا يجوعون جوعاً شديداً ولا يضرّهم ذلك، ومعنى الصعوبة ضدّ ذلك. وذلك أنّ الصبيان يجوعون أكثر من غيرهم وينالهم من المضرّة عند الإمساك عن الطعام وقتاً طويلاً أكثر. فأمّا الإنسان المتوسّطة فيما بين سنّ الصبيان وبين سنّ المشايخ فعلى حسب قربها من كلّ واحدة من هاتين السنتين يكون ما ينال أصحابها من الأذي والمضرّة عند الإمساك عن الطعام وقتاً طويلاً. وقد أخبر أبقراط بالعلّة فيما قاله في هذا الفصل في فصل أتى بعده أوّله أنّ «ما كان من الأبدان في النشو فالحارّ الغريزي فيهم على غاية ما يكون عليه من الكثرة»، حتّى إن أراد مريد أن يصل هذين الفصلين بعد أن يزيد فيما بينهما، وذلك فإنّه يكون منهما قولاً واحداً بيّناً واضحاً على هذا المثال «المشايخ أحمل الناس للصوم ومن بعدهم الكهول والفتيان أقلّ احتمالاً له وأقلّ الناس احتمالاً للصوم الصبيان . وذلك أنّ ما كان من الأبدان في النشو فالحارّ الغريزي فيهم على غاية ما يكون عليه من الكثرة».
قال حنين: إنّ هذا القول في اليوناني يفهم على أنّه يجوز أن يكون أبقراط عنى أنّ أكثر الحارّ الغريزي في سنّ النشو أكثر من سائر أخلاطه، ويجوز أن يكون عنى أكثر الحارّ الغريزي في سنّ النشو في سائر الأسنان.
قال جالينوس:
وذلك أن قوله إنّ المشايخ أحمل الناس لترك الطعام إنّما يصحّ فيمن هو في ابتداء الشيخوخة، وليس يصحّ فيمن بلغ الشيخوخة القصوى، لأنّ أولائك ليس يحتملون الإمساك عن الطعام وقتاً طويلاً. فينبغي إذاً أن تزاد في هذا الفصل زيادة يسيرة فيقال إنّ المشايخ الذين لم يبلغوا الشيخوخة القصوى أحمل الناس للإمساك عن الطعام ومن بعدهم الكهول، أو أن يجعل مكان الإمساك عن الطعام الإقلال من الطعام فيقال إنّ المشايخ أحمل الناس لتناول اليسير من الطعام ومن بعدهم الكهول. وذلك أنّ المشايخ أيضاً الذين قد بلغوا الشيخوخة القصوى. وإن كانوا لا يحتملوا الإمساك عن الطعام مدّة طويلة، فإنّك تجدهم إنّما يتحتاجون إلى تناول اليسير من الطعام. وذلك أنّ حالتهم شبيهة بحال السراج الذي قد شارف أن يطفأ فإنّ السراج عند تلك الحال يحتاج إلى أن يتعاهد تعاهداً إلّا يفوت فيه صبّ الزيت قليلاً قليلاً ولا يحتمل أن يصبّ فيه من الزيت شيء كثير دفعة وأخرة. فينبغي أن تكون جملة ما يطعم من كانت هذه حاله يسيراً ويطعم ذلك في مرار كثيرة ومتفرّقاً ولا يترك وقتاً طويلاً بلا غذاء.
قال أبقراط: ما كان من الأبدان في النشوء فالحارّ الغريزي فيهم على غاية ما يكون من الكثرة ويحتاج من الوقود إلى أكثر ممّا يحتاج إليه سائر الأبدان. فإن لم يتناول ما يحتاج إليه من الغذاء ذبل بدنه ونقص. وأمّا الشيوخ فالحارّ الغريزي فيهم قليل فمن قبل ذلك ليس يحتاجون من الوقود إلّا إلى اليسير لأنّ حرارتهم تطفأ من الكثير ومن قبل هذا أيضاً ليس تكون الحمّى في المشايخ حادّة كما تكون في الذين في النشوء وذلك لأنّ أبدانهم باردة.
قال جالينوس: قد شرحنا في كتاب المزاج من أين توهّم بعض الأطبّاء أنّ الحرارة فيمن قد انتهى شبابه أكثر منها في الصبيان، وتوهّم بعضهم أنّها في الصبيان أكثر منها فيمن قد انتهى شبابه. وإنّهم إنّما أتوا في ذلك من قبل أنّ الحرارة فيمن قد انتهى شبابه أشدّ حدّة والجوهر الذي فيه الحرارة في الصبيان أكثر مقداراً. وقد يضطرّنا الأمر في هذا الكتاب أيضاً أن نذكر ما يحتاج إليه من ذلك في هذا الوضع ونتحرّي بأن نأتي هاهنا على جميع ما احتيج إليه فيه هناك إلى كلام طويل بأوجز ما يمنكنا. فأقول إنّ اسم الحارّ ربّما سمّينا به الكيفية نفسها التي اسمها الخاصّ لها هو الحرارة. وربّما سمّينا الجسم حارًّا بالشتقاق من اسم الكيفية التي فيه، واستعمال هذه الأسماء كثير فيما جرت به اللغة
والجوهر المائي والجوهر الهوائي فيه ناقصان حتّى أنّه وإن وضعنا أنّ الاسطقس الرابع متساو فيهما وقلنا إنّهما متساويان في الحرارة، لم يجب أن نقول إنّ الجوهر الحارّ في أحدهما شبيه بالجوهر الحارّ في الآخر لأنّ الجوهر الحارّ في الصبيان رطب والجوهر الحارّ فيمن سنّه في منتهى الشباب يابس.
قال حنين يريد بقوله ذلك ما وصفت من حال الحرارة اللذيذة الغريزية في الفتيان والمؤذية فيمن قد انتهى شبابه.
قال جالينوس: والجوهر الرطب أولى الجواهر بأن يكون هو الجوهر الحار الغريزي لنا، وذلك أنّ كوننا إنّما هو من الرطب، والجوهر اليابس أخرى بأن يكون هو الجوهر الحارّ بالحرارة المستفادة العرضية. فمن هذا الطريق إذا كان الصبى المولود أكثر ما فيه الجوهر الحارّ المائي والهوائي، وجب أن يقال إنّ الشيء الحارّ الغريزي فيه على أكثر ما يكون، وإذا كان الشباب المنتهى الشباب والمكتهل هذان الجوهران ناقصاً فيهما والزائد فيه عليهما الجوهر الأرضي، وجب أن يقال إنّ الجوهر الحارّ الغريزي بحسب ذلك فيه أنقص. وبيّن عند كلّ واحد أنّه يجب ضرورة أن يتحلّل من الجوهر الرطب والجوهر الهوائي أكثر ممّا يتحلّل من الجوهر الأرضي، وإن كانت الحرارة فيهما سوء. وتقدر أن ترى ذلك عياناً في الأشياء التي من خارج.
أنّ أبقراط لم يخطّ في الفصل الذي أوّله «ما كان من الأبدان في النشء ففيه من الحارّ الغريزي أكثر ممّا في سائر الأبدان». وإنّما وقع إليّ كتاب لوقش وقد فرغت من تفسيري لهذا الكتاب. فزدت فيه هذا الكلام وليس هو في النسخ التي انتشرت عنّي. وأفردت الاحتجاج عن أبقراط فيما ألزمه لوقس من اللوم بسبب هذا الفصل كما قلت مقالة مفردة.
قال أبقراط: الأجواف في الشتاء والربيع أسخن ما يكون بالطبع والنوم أطول ما يكون فينبغي في هذين الوقتين أن يكون ما يتناول من الأغذية أكثر وذلك أنّ الحارّ الغريزي في الأبدان في هذين الوقتين كثير ولذلك يحتاج إلى غذاء كثير والدليل على ذلك أمر الأسنان والصرّيعين.
قال جالينوس: إنّ أوقات السنة ممّا له حظّ عظيم في تدبير الغذاء. وذلك أنّ الناس في الشتاء يشتهون من الطعام أكثر ويكون استمراؤهم له أسهل
وربّما كان حارًّا يشبه الصيف. فينبغي في أوّل كلّ ربيع أن يجعل تبدير الغذاء شبيهاً بتدبيره في الشتاء، وكذلك فليكن التدبير أيضاً في جملة الربيع إذا كان بارداً يشبه الشتاء. وأمّا في آخر الربيع ومتى اتّفق أن تكون الربيع في الجملة أسخن فينبغي أن يجعل تدبير الغذاء شبيهاً بتدبيره في الصيف، وإذا كان متوسّطاً في مزاجه فينبغي أن يجعل تدبير الغذاء على قياس مزاجه. وجميع هذا الكلام قد قاله أبقراط في تدبير غذاء الأصحّاء. ثمّ إنّه بعد هذا يصف تدبير المرضى.
قال أبقراط: الأغذية الرطبة توافق جميع المحمومين لا سيّما الصبيان وغيرهم ممّن قد اعتاد أن يغتذي بالأغذية الرطبة.
قال جالينوس: أمّا في الفصل الذي قبل هذا فكان كلام أبقراط في كمّية الغذاء. وأمّا في هذا الفصل فإنّه تكلّم في كيفية الغذاء فوصف أشياء كثيرة نافعة
كما يؤخذ من السنّ ومن المرض. فإنّا إذا وجدنا الشيء على حال ليست بمذمومة حفظناه على تلك الحال بالأغذية وسائر التدبير الذي يشاكله في مزاجه، وإذا وجدنا الشيء على حالة مذمومة أصلحناه بالضدّ. وقد تكلّمنا في جميع أنحاء الاستدلال بأتمّ ما يكون من القول وأبلغه في كتاب حيلة البرء.
قال أبقراط: وينبغي أن يعطى بعض المرضى غذاءهم في مرّة واحدة وبعضهم في مرّتين ويجعل ما يعطونه منه أكثر أو أقلّ وبعضهم قليلاً قليلاً وينبغي أيضاً أن يعطى الوقت الحاضر من أوقات السنة حظّه من هذا والعادة والسنّ.
قال جالينوس: إنّ أبقراط لمّا تكلّم في كمّية الغذاء ثمّ تكلّف في كيفيته كلاماً كافياً أراد بعد أن يصف لنا طريق استعمال الغذاء. وذلك أنّه ليس يكتفى أن يعلم أنّ هذا المريض ينبغي أن يعطى من الطعام مقداراً أكثر أو أقلّ وأن يكون غذاؤه غذاء مجفّفاً
فكما أنّ في الأمراض التي تكون من الامتلاء إذا كانت القوّة قوية يعطى المريض غذاء قليلاً فيما بين أوقات طويلة، فكذلك ينبغي أن يفعل في وقت الربيع في المحمومين خاصّة الذين فيهم هذا القول لبقراط. فإنّ تدبير غذاء الأصحّاء قد وصفناه قبل. فأمّا في الخريف فتشبه حاله حال الأمراض التي تعرض من فساد الكيموسات، ولذلك من يحمّ في ذلك الوقت يحتاج إلى زيادة متتابعة من غذاء محمود. فإن كانت القوّة قوية فينبغي أن يغذو المريض مراراً كثيرة غذاء كثيراً، وإن كانت القوّة ضعيفة فينبغي أن يغذوه مراراً كثيرة قليلاً قليلاً، وعلى هذا المثال يؤخذ الاستدلال من الأسنان ومن العادات ومن البلدان ويضاف إلى ذلك جميع أنحاء الاستدلال من هذه الأبواب إلى الغرضين الأوّلين. وذلك أنّ كلّ واحد من هذه الأشياء التي ذكرناها إمّا أن تزيد في القوّة وتقويها وإمّا أن تنقص منها وتضعفها وإمّا أن تزيد في الكيموسات فتحدث امتلاء أو تنقص منها أو تصيرها إلى حال رديئة.
قال أبقراط: أصعب ما يكون احتمال الطعام على الأبدان في الصيف والخريف وأسهل ما يكون احتماله عليها في الشتاء ثمّ من بعده في الربيع.
قال جالينوس: ليس هذا من أبقراط تكرير للكلام في معنى واحد مرّتين كما قد ظنّ به قوم إذ كان قد وضع من قبل هذا الفصل الذي أوّله أنّ الأجواف في الشتاء والربيع أسخن ما تكون بالطبع. ثمّ قال في هذا الفصل إنّ أصعب ما يكون احتمال الطعام على الأبدان في الصيف والخريف وأسهل ما يكون احتماله عليها في الشتاء ثمّ من بعده في الربيع، لكنّه لمّا كان قد يأخذ الاستدلال على كمّية الغذاء وعلى جهة استعمال الأطعمة في الأصحّاء والمرضى من أوقات السنة وجب أن يذكرها عند ذكره لكلّ واحد من هذين الأمرين فبيّن هناك أنّه ينبغي أن يطعم الأصحّاء في الشتاء من الطعام أكثر لأنّ الحارّ الغريزي الذي هو الهاضم للطعام والمحتاج إلى أن يغتذي فيهم في ذلك الوقت أكثر. وبيّن هاهنا أنّك إن أعطيت إنساناً طعاماً كثيراً في مرّة واحدة لم يضرّه لأنّ جميع الناس يحتملون في الشتاء الطعام بسهولة ويصعب عليهم احتماله في الصيف ولذلك ينبغي في الشتاء أن يأذن في تناول طعام كثير في مرار قليلة. وأمّا في الصيف فإنّ احتمال للطعام يصعب على الأبدان لأنّ الحارّ الغريزي الذي هو الهاضم والمغيّر له قليل فينبغي أن يحذر بكلّ وجه من الحيلة أن يعطى من الطعام شيئاً كثيراً دفعة ويتوخّي أن يعطي طعاماً قليلاً في مرار متتابعة.
وذلك أنّ حال البدن في ذلك الوقت شبيهة بحاله في الأمراض التي تكون من النقصان، وكذلك يحتاج إلى الزيادة فهذا أمر الشتاء والصيف. وأمّا الوقتان الآخران فالخريف منهما يتلو الصيف والربيع يتلو الشتاء والسبب في ذلك بيّن وهو أنّ الأبدان تبتدئ في الخريف تبرّد وتجتمع وتتكاثف وتبتدئ في الربيع تسترخي وتسخف فمن قبل هذا ليس القول الذي تقدّم فيه في أمر أوقات السنة قولاً واحداً كرّره مرّتين، وأيضاً من قبل أنّ كلامه كان في ذلك الوقت في الأصحّاء وكلامه في هذا الفصل في المرضى.
قال أبقراط: إذا كانت نوائب الحمّى لازمة لأدوارها فلا ينبغي في أوقاتها أن يعطى المريض شيئاً أو أن يضطرّ إلي شيء لكن ينبغي أن ينقص من الزيادات من قبل أوقات الانفصال.
قال جالينوس: إنّ جمل تدبير الغذاء ثلاثة وهي كمّية الأطعمة وكيفيتها وطريق استعمالها. فأمّا الجملتان الأوليان فلم يكن لنا فيهما من قبل نوائب الحمّى شيء يستدلّ به عليهما أو ينتفع به فيهما. وأمّا في الجملة الثالثة فقد يمكن أن يستدلّ من نوائب الحمّى على أشياء من أمره ولذلك ذكر أبقراط نوائب الحمّى لما وجب من ذلك عند ذكره لهذه الجملة الثالثة. وذلك أنّ نوائب الحمّى على أكثر الأشياء دلالة على أوقات الأغذية الجزئية إذا كانت نوائب الحمّى لازمة لطريق واحد أعني إذا كان لها دور معروف، ولذلك قال أبقراط إنّه إذا كانت نوائب الحمّى لازمة لدور فلا ينبغي في أوقاتها أن يعطي المريض شيئاً لأنّه علم أنّه قد تكون أمراض فيها نوائب لكنّ تلك النوائب لا تكون لازمة لدور أعني بذلك أن لا تكون لازمة لطريقة واحدة ففي تلك الأمراض لا يمكن أن يوقف وقوفاً صحيحاً على الوقت الذي ينبغي أن يطعم فيه المريض الطعام. فأمّا متى كانت النوائب لازمة لطريقة واحدة فينبغي أن يحذر المريض المريض الطعام عند مبتدأ تلك النوائب ولا يغذوه وقد ابتدأت النوبة ولال ولا قد قرب وقت ابتدائها. وأمّا قوله من قبل أوقات الانفصال فينبغي أن يفهم إمّا من قبل أوقات النوائب وإمّا من قبل أوقات المنتهى وإمّا من قبل أوقات الشيء الذي يسمّى على الحقيقة انفصالاً وهو البحران.
فإنّ المعاني الثلاثة كلّها حقّ إلّا أنّ أشبهها بما قصد إليه وأقربها منه أن يكون أراد أبقراط بقوله من قبل أوقات الانفصال أي من قبل أوقات النوائب. وذلك أنّه قد فرغ من الكلام في المنتهى وإذ كان قد فرغ من الكلام في المنتهى فقد فرغ من الكلام في البحران لأنّ البحران على الأكثر إنّما يكون في المنتهى.
قال أبقراط: الأبدان التي يأتيها أو قد أتاها بحران على الكمال لا ينبغي أن تحرّك ولا يحدث فيها حدث لا بدواء مسهل ولا بغيره من التهييج لكن تترك.
قال جالينوس: إنّ أبقراط بعد أن فرغ من قوله في تدبير الغذاء قيل على فنّ آخر فعلّمنا متى ينبغي لنا أن ندع الطبيعة نفعل جميع ما ينبغي أن يفعل بالمريض من غير أن نتكلّف له نحن شيئاً سوى تدبير الغذاء ومتى لا يبنبغي لنا أن نخلي الطبيعة ونتّكل عليها في فعل كلّ ما ينبغي أن يفعل بالمريض
فإذا نقص واحد منها أو أكثر من واحد فليس البحران بصحيح ولا بتامّ.
قال أبقراط: الأشياء التي ينبغي أن تستفرغ يجب أن تستفرغ من المواضع التي هي إليها أميل بالأعضاء التي تصلح لاستفراغها.
قال جالينوس: إنّ أبقراط يعني في هذا القول بالأشياء التي ينبغي أن يستفرغ الأخلاط المولّدة للأمراض التي يأتي أو قد أتى فيها بحران غير تامّ ويصف بأيّ الأعضاء ينبغي أن يستفرغها. وقد وصف لنا في ذكر ذلك غرضين، أحدهما طبيعة العضو الذي يستفرغ الفضل منه والآخر ميل الكيموس، فقال إنّه ينبغي أن يستفرغ الفضل من الموضع الذي يميل إليه من المواضع التي تصلح لاستفراغها. والمواضع التي تصلح للاستفراغ هي المعاء والمعدة والمثانة والرحم والجلد ومع هذه أيضاً اللهوات والمنخران إذا كنّا نريد استفراغ الدماغ أو كان الاستفراغ بانبعاث دم، ولا سيّما إذا كان ذلك على استقامة أعني على حال محاذاة العضو العليل
لأنّه إذا كان الرعاف من خلاف الشقّ الذي فيه العلّة فهو رديء. فأمّا ميل الكيموسات التي هي سبب المرض إلى المواضع التي لا تصلح لاستفراغها فذلك يكون إذا كانت تلك المواضع في طبائعها شريفة فبلغ الضرر الذي يتوقّع أن يحدث من قبلها مبلغاً أبلغ من قدر ذلك المرض الذي يكون بحرانه فيها أو إذا لم يكن فيها منفذ البتّة وأضرّ به؟ لك؟ في ذلك، مثالاً فأقول إنّه إذا كانت في الكبد كيموسات قد أحدثت مرضاً ويحتاج إلى استفراغها فالنواحي التي تصلح أن تميل إليها ناحيتان إحداهما ناحية المعدة وإذا كان الميل إلى تلك الناحية فأن يكون إلى أسفل حتّى يكون الاستفراغ بالإسهال أجود من أن يكون إلى فوق حتّى يكون الاستفراغ بالقيء، والناحية الأخرى ناحية الكلى والمثانة. وأمّا ميل تلك الكيموسات إلى نيحية الصدر والرئة والقلب فليس بجيّد فينبغي للطبيب أن يتفقّد ويتعرّف ميل الطبيعة فإن وجد ميلها نحو ناحية تصلح لاستفراغ ما يستفرغه أعدلها ما تحتاج إليه وعاونها، وإن رأى الأمر على ضدّ ذلك ورأى حركتها حركة ضارّة منعها ونقلها وجذبها إلى ضدّ الناحية التي مالت نحوها.
قال أبقراط: إنّما ينبغي أن يستعمل الدواء والتحريك بعد أن ينضج المرض، فأمّا ما دام نيًّا وفي أوّل المرض فلا ينبغي أن يستعمل ذلك إلّا أن يكون المرض مهتاجاً وليس يكاد في أكثر الأمر أن يكون المرض مهتاجاً.
قال جالينوس: أمّا قوله «الدواء» فمن عادته أن يستعمل هذه اللفظة وهو يريد بها الدواء المسهل. وأمّا قوله «مهتاجاً» فإنّها لفظة استعارها للكيموس على طريق التشبيه بالحيوان الهائج. وذلك أنّه كما أنّ الحيوان إذا هاج لا يقدر أن يستقرّ لأنّ الشهوة التي فيه تحرّكه وتزعحه وترهقه كأنّها تدغدعه، كذلك الكيموسات أيضاً ربّما أقلقت المريض وأذته بحركة تكون لها قوية وسيلان من عضو إلى عضو في ابتداء المرض فتكرّ به وتحدث له قلقاً ولا تدعه تستقرّ، لكنّها تتحرّك وتسيل كما قلنا من عضو إلى عضو وتؤدي بحركتها هذه وتنقلها للمريض. وأمّا متى كانت الكيموسات على هذه من الحال فينبغي أن يستفرغ إذا كانت لها حركة وثقل وسيلان. فأمّا متى كانت الكيموسات قد ثبتت ورسخت في عضو من الأعضاء فلا ينبغي أن تحرّك بشيء من العلاج ولا تستفرغ بالدواء المسهل حتّى تنضج،
وأمّا في أكثر الأمر فتكون الكيموسات ثابتة ساكنة في عضو واحد وفي ذلك العضو يكون نضجها في مدّة زمان المرض كلّه إلى أن ينقصى. وليس يوجد هذا الفصل في جميع النسخ. وأمّا في كتاب الكيموسات فهو موجود.
قال أبقراط: ليس ينبغى أن يستدلّ على المقدار الذي يجب أن يستفرغ من البدن من كثرته لكنّه ينبغي أن يستغنم الاستفراغ ما دام الشيء الذي ينبغي أن يستفرغ هو الذي يستفرغ والمريض محتمل له بسهولة وخفّة وحيث ينبغي فليكن الاستفراغ حتّى يعرض الغشي وإنّما ينبغي أن يفعل ذلك متى كان المريض محتملاً له.
قال جالينوس: قد ينبغي أن يكون لمقدار الاستفراغ حدّ معروف كان ذلمك من الطبيعة طوعاً أو كان من فعلنا. وكما أنّ كيفيته ينبغي أن تكون على حسب الكيموس الذي منه حدث المرض، كذلك ينبغي أن تكون كمّيته بحسب مقدار ذلك الكيموس. وقد وصفنا العلامات التي يستدلّ بها على كيفية الاستفراغ قبل في تفسيرنا للفصل الذي أوّله «استطلاق البطن والقيء الذين يكونان طوعاً»،
وذلك أنّ استفراغ الدم بالفصد إلى أن يعرض الغشي في الحمّى المفرطة الحرارة يحدث للبدن كلّه برداً على المكان وتطفئ الحمّى. وفي أكثر من يفعل به ذلك يستطلق البطن ويجري منه عرق كثير ممّن يفعل به هذا فيحدث له ما وصفت أن يسكن مرضه السكون التامّ. وبعضهم ينتفع به منفعة عظيمة وتنكسر عنهم عادية المرض وشدّته. ولا أعلم في الأوجاع الشديدة المفرطة علاجاً أقوى وأبلغ من الاستفراغ إلى أن يعرض الغشي بعد أن يحدّد ويعلم هل ينبغي أن يفصد عرق أو يستعمل الإسهال إلى أن يعرض الغشي كما قد بيّنت في كتبي في الفصد.
قال أبقراط: قد يحتاج في الأمراض الحادّة في الندرة إلى أن يستعمل الدواء المسهل في أوّلها وينبغي أن يفعل ذلك بعد أن يتقدّم فيدبّر الأمر على ما ينبغي.
قال جالينوس: إنّ أبقراط قال قبيل إنّه إنّما ينبغي أن يستعمل الدواء والتحريك بعد أن ينضج المرض. فأمّا ما دام نيًّا وفي أوّل المرض فلا ينبغي أن يستعمل ذلك إلّا أن يكون المرض مهتاجاً وفي أكثر الأمر ليس يكاد أن يكون المرض مهتاجاً.
فقد نفعل نحن هذه الأشياء ونتقدّم فنهيّئ البدن بهذه الحال إذا أردنا أن نسهله، وهذا ما أراده أبقراط في فصل أتى به بعد قليل قال فيه إذا أردت أن تسهل. فينبغي أن تصير ما تريد إخراجه من البدن يجري فيه بسهولة، إلّا أنّ في الأمراض الحادّة إذا كان إنّما يجوز أن يستعمل الإسهال منذ أوّلها إذا كانت مهتاجة إمّا في اليوم الأوّل وإمّا في أقصاه في اليوم الثاني فليس يمكن أن يتهيّأ فيها البدن هذه التهيئه إلّا أن يتّسع الإنسان من الوقت ما يسقى فيه المريض ماء الغسل وقد طبخ فيه شيء من الحشيشة التي يقال لها زوفاً أو من الفودنخ الجبلي أو من الفودنج البري أو من الحاشا أو ممّا له من الأدوية مثل ما لهذه من التلطيف، فقد تبيّن أنّ الواجب ما قال من أنّه يحتاج في الأمراض الحادّة إلى أن يستعمل الإسهال في ابتدائها في الندرة لأنّه ليس تكاد الأخلاط المولدة للأمراض أن تكون في أوّلها مهتاجة وإن اتّفق أيضاً أن تكون كذلك فليس يكاد يتّفق ذلك وبدن المريض مستعدّ متهيّئ للإسهال ولا يمهلنا أيضاً المرض إلى أن نصيره نحن مستعدًّا متهيّئاً لذلك.
قال أبقراط: إنّ استفراغ البدن من النوع الذي ينبغي أن ينقى منه نفع ذلك واحتمل بسهولة، وإن كان الأمر على ضدّ ذلك كان عسراً.
قال جالينوس: إنّ هذا الفصل محصور في الفصل الذي قال فيه إن كان ما يستفرغ من البدن عند استطلاق البطن والقيء الذين يكونان طوعاً من النوع الذي ينبغي أن ينقى منه البدن نفع ذلك وسهل احتماله وإن لم يكن كذلك كان الأمر على الضدّ، إلّا أنّه لمّا كان في هذا الموضع من كتابه قد تكلّم في الإسهال الذي يفعله الأطبّاء وأتى على ذكر جميع الشروط التي لا بدّ منها في تحديد ذلك الإسهال إلّا اليسير لم يكسل أن يزيد في قوله هذا الفصل ليس يعلّمنا فيه شيئاً مستأنفاً لكنّه يذكرنا به ما تقدّم من قوله في موضع آخر من كتابه في كلّ استفراغ يكون طوعاً حتّى يكون قوله في هذا الموضع أيضاً في الإسهال تامًّا.
تمّت المقالة الأولى من فصول أبقراط شرح الفاضل جالينوس آخراج حنين ابن إسحاق والحمد للّه وحده أبداً سرمداً.
بسم اللّه الرحمن الرحيم توكّلت على اللّه
المقال الثانية من كتاب فصول أبقراط شرح الفاضل حالينوس إخراج أبي زيد حنين بن إسحاق
قال أبقراط: إذا كان النوم في مرض من الأمراض يحدث وجعاً فذلك من علامات الموت، وإذا كان النوم ينفع فليس ذلك من علامات الموت.
قال جالينوس: إنّ أبقراط عنى بالوجع في هذا الموضع الضرر ويدلّ على ذلك ما وصفه بإزائه من القول. وذلك أنّه قال إذا كان النوم ينفع فليس ذلك من علامات الموت. والضرر الذي يحدثه النوم ضربان
فإنّ أبقراط قد يرى أنّ ظاهر البدن في وقت الانتباه أسخن وأنّ الحال في وقت النوم على ضدّ ذلك ويخبر أنّ رأيه رأى غيره من أكثر أصحاب الطبائع وهو أنّ الانتباه والنوم إنّما يكونان بقدر ميل الحرارة العريزية إلى ظاهر البدن وإلى باطنه. فيجب إذا اجتمعت الحرارة الغريزية في الأحشاء فلم تقو على غلبة العلل الفاعلة للمريض أن يدل ذلك على الهلاك. فأمّا إذا هيء قهرتها فليس ذلك بعد ممّا يدلّ على ثقة صحيحة إلّا أن يقول قائل إنّ من قبل هذه الحال قد يجب أن يسلم المريض ويمكن أن يهلك ليست حال أخرى. وذلك أنّه إن عرض للمريض ورم في بعض أعضائه اشريفة من الأورام التي يعسر انحلالها فقد يمكن أن يموت من كانت هذه حاله، والأصلح إذن أن يقال إنّه إذا كان النوم يحدث ضرراً فتلك علامة من علامات الموت، وإذا كان النوم يحدث منفعة فليس ذلك بعلامة من علامات الموت. وقد ذكر أبقراط في كتاب أبيديميا أيضاً على أنّه قد يحدث من النوم مضارّ حين قال إنّ كثيراً من هؤلاء قد يعرض لهم سبات واختلاط ومنهم من كان يعرض له ذلك من قبل نوم نيامه.
قال أبقراط: متى سكّن النوم اختلاط الذهن فتلك علامة صالحة.
قال جالينوس: إن أضفنا هذا الفصل إلى الفصل الذي قبله وقلناهما على الولاء صار قولاً واحداً على هذا المثال «إذا كان النوم في مرض من الأمراض يحدث وجعاً فذلك من علامات الموت، وإذا كان النوم ينفع فليس ذلك من علامات الموت، من ذلك أنّه متى سكّن النوم اختلاط الذهن فتلك علامة صالحة» حتّى يكون القول الثاني كأنّه مثال من بعض الأشياء الجزئية أضيف إلى القول الأوّل لتصحيح الحكم العامّ الذي حكم به فيه كما لو قال من ذلك إنّه متى سكّن النوم الوجع فتلك علامة صالحة ومتى سكّن النوم الحمّى فتلك علامة صالحة، لكنّه اكتفى بذكر أشدّ الأعراض خطر أو اقصر عليه، لأنّه أبين ما تكون صحّة القول العامّي بما يكون من المثال على هذه الصفة.
قال أبقراط: النوم والأرق إذا جاوز كلّ واحد منهما المقدار القصد فتلك علامة رديئة.
قال جالينوس: قد ظنّ قوم من الأطبّاء أنّ الأرق إذا جاوز المقدار فهو علامة رديئة وسبب رديء وأنّ النوم ليس كذلك، لأنّ النوم علامة صالحة أبداً وليس يكون النوم في وقت من الأوقات مجاوزاً للمقدار المعتدل وأنّ كثيراً من الناس إنّما غلطوا من قبل أنّه ظنّ أنّ تأويل السبات إنّما هو نوم طويل. ونحن نخبّر هؤلاء أنّه ليس يقال إنّ بالمريض سباتاً حتّى يعسر انتباهه، وإذا كان هذا هكذا فينبغي أن يوافقوا على أنّه متى كان النوم إنّما طالت مدّته فقط حتّى جاوزت الاعتدال الطبيعي ولم يعرض فيه أن يعسر الانتباه منه فتسميته نوماً طويلاً صواب. وهذا النوم يكون من برد الحاسّ الأوّل أعني الدماغ، وذلك البرد إذا كان قوياً ثمّ خالطته رطوبة حدث منه المرض الذي يسمّى ليترغس وهو البرسام البارد، ومتى كان معه يبس حدث معه المرض الذي يسمّى قاطاليسيس وهو الجمود. وكذلك الأرق يكون من سخونة الحاسّ الأوّل إلّا أنّ تلك السخونة إمّا أن تكون مزاجاً رديئاً وإمّا أن تكون بغلبة من المرّة الصفراء، وقد أتينا بالبراهين على جميع هذه الأشياء في كتبنا.
ونكتفي في هذا الموضع أن نصف جملها فقط. وكما أنّ قوماً ظنّوا أنّ النوم لا يكون أبداً إلّا معتدلاً وليس يكون في حال من الحالات نوم غير معتدل، كذلك قال أيضاً قوم إنّ الأرق لا يكون في حال من الأحوال قصداً لكنّ هذا الاسم اسم يدلّ على الإفراط فقط والخروج عن المقدار القصد المعتدل ويسمّون العادة التي قد جرت في كلام الناس أنّا ربّما سمّينا أيضاً المقدار اليسير مقداراً قصداً فنضع المقدار القصد بإزاء المقدار العظيم. فعلى هذا الطريق ينبغي أن تفهم الأرق الذي بالمقدار القصد أي بالمقدار اليسير.
قال أبقراط: لا الشبع ولا الجوع ولا غيرهما من جميع الأشياء بمحمود إذا كان مجاوزاً لمقدار الطبيعة.
قال جالينوس: إنّ أبقراط كما حكم في القول الأوّل الذي قاله قبل هذا الحكم بحكم في شيء واحد ثمّ حكم به في هذا القول في جميع الأشياء. وذلك أنّه لمّا كانت الصحّة إنّما هي اعتدال وجب ضرورة أن يكون كلّ ما تجاوز الاعتدال دخل في حدّ الإفراط ثمّ كان قد بعد ذلك عادًّا عن الاعتدال
فهو مرض. فإن لم يكن بعده عن الاعتدال إلّا بعداً كثيراً جدّاً فهو يدلّ على تولّد مرض.
قال أبقراط: الإعياء الذي لا يعرف له سبب ينذر بمرض.
قال جالينوس: إنّ اسم الإعياء ليس يدلّ على إفراط الحركة لكنّه إنّما يدلّ على الحال الحادثة في أبدان الحيوان من الحركة المجاوزة للاعتدال. فإذا حدثت تلك الحال للبدن من غير حركة لم يسمّ إعياء بقول مطلق لكن يسمّى إعياء لا يعرف له سبب. وأصناف الإعياء كما قد بيّنّا في كتاب تدبير الأصحّاء ثلاثة أحدها ألمه شبيه بالقرحة والقرحة عند اليونانيين انقطاع يعرض في اللحم وانفصال الأجزاء من أيّ سبب كان والآخر ألمه ألم يمدّد والثالث ألمه ألم الورم، والأوّل يكون من كيموس رديء والثاني يكون من كثرة الفضل والثالث من الأمرين جميعاً إذا اجتمعا. فقد بيّنّا في كتاب تدبير الأصحّاء أنّ الأمر في هذا أيضاً على ما وصفنا. فإذا كان ذلك كذلك وجب أن يكون الإعياء الذي لا يعرف له سبب ينذر بمرض.
قال أبقراط: من يوجعه شيء من بدنه ولا يحسّ بوجعه في أكثر حالاته فعقله مختلط.
قال جالينوس: من عادة أبقراط أن يقول في بعض كلامه وجع وهو يعني به نفس الحال التي يعرض منها الوجع. وعلى هذا المعنى قال في كتاب ابيديميا أنّ الأوجاع المتقدّمة التي كانت عرضت بقرانون كانت باردة وكانت الحديثة منها حارّة. وليس يجوز ان يكون عنى بالأوجاع أنفسها حارّة أو باردة، وإنّما عنى بالحارّة أو الباردة الحالات التي منها كانت تلك الأوجاع في هذا الموضع. على هذا الطريق إنّما عنى بالوجع الحال التي عنها يكون وهو الورم الحارّ والورم الذي يسمّى خاصّة حمرة والجرح والشرخ والفسخ وجميع ما أشبه ذلك. فإنّه إن كان بالمريض واحد من هذه الأشياء وكان لا يحسّ بوجعه ففهمه مختلط، ولا فرق في هذا الموضع بين أن أقول عقل أو فهم أو ذهن أو فكر.
قال أبقراط: الأبدان التي تهزل في زمان طويل فينبغي أن تكون إعادتها بالتغذية إلى الخصب بتمهّل، والأبدان التي ضمرت في زمان يسير ففي زمان يسير.
قال جالينوس: وذلك أنّ الأبدان التي ضمرت في زمان يسير فإنّما حدث لها الضمور والقضف من استفراغ الرطوبات لا من ذوبان الأعضاء الجامدة. فأمّا الأبدان التي ضمرت وقضفت في زمان طويل فقد ذاب منها اللحم وجقّت ورقّت ونهكت سائر الأعضاء التي بها يكون الهضم وانتشر الغذاء في البدن وتولّد الدم والاغتذاء، فصارت من قبل ذلك لا تقوى على أن تنضج من الغذاء المقدار الذي يحتاج إليه البدن. ولذلك ينبغي أن تجعل إعتادتنا إيّاها إلى الخصب بالغذاء في زمان طويل وهو ما عنى بقوله «بتمهّل». فأمّا الأبدان التي إنّما استفرغت منها الرطوبات فقط فقد يمكنّا إعداتها بالتغذية إلى الخصب بسرعة إذ كنّا واثقين من الأعضاء الجامدة بقوّة. فأمّا آخر هذا الفصل فيكتب على تسختين مختلفتين في اللفظ ومعناهما واحد
وسواء كتب والأبدان التي ضمرت في زمان يسير ففي زمان يسير أو كتب والأبدان التي ضمرت في زمان يسير فبسرعة.
قال أبقراط: الناقه من المرض إذا كان ينال من الغذاء وليس يقوى فذلك يدلّ على أنّه يحمل على بدنه من الغذاء أكثر ممّا يحتمل، وإذا كان ذلك وهو لا ينال منه دلّ على أنّ بدنه يحتاج إلى استفراغ.
قال جالينوس: إنّ هذا الفصل استغلق من قبل أنّ أبقراط استعمل فيه مع ذلك الإيجاز للفظة دلّ بها على عادة جرت فيما بين قوم، وقد نجد تلك العادة الآن جارية في كثير من مدن شتّى. وذلك أنّ من عادتنا أن نقول فيمن لا يشتهي الطعام أنّه ليس ينال منه، ونقول فيمن يشتهي الطعام ولا يمتلأ منه أنّه ينال منه. فمن كان يشتهي الطعام ويرزأ منه الكثير وليس تتراجع قواه إلى ما كانت عليه في حال صحّته فقصّته أنّ الطعام الذي يتناوله ليس يغتذي به لكنّه شبيه بثقيل يقع على بدنه.
«وإذا كان ذلك وهو لا ينال منه دلّ على أنّ بدنه يحتاج إلى استفراغ وذلك أنّ البدن الذي ليس بالنقي كلّما غذوته تزيّده شرًّا»، إلّا أنّي رأيت أن أتبع النظام الذي يوجد في أكثر النسخ فأجعل تفسيري عليه.
قال أبقراط: كلّ بدن تريد تنقيته فينبغي أن تجعل ما تريد إخراجه منه يجري فيه بسهولة.
قال جالينوس: أمّا كثير من الأطبّاء فظنّوا أنّ تصيير ما يجري إلى إخراجه من البدن يجري فيه بسهولة يكون إمّا فيمن يراد به أن يستفرغ بدواء مقيء فبأن يهيّج القيء مراراً متواترة. وأمّا فيمن يراد به أن يستفرغ بدواء مسهل فبأن يلان بطنه مراراً متواترة، حتّى تصير حال كلّ واحد من الفريقين مستعدّة متهيّئة إمّا الإسهال فيمن يراد به ذلك وإمّا للقيء فيمن يراد به ذلك. وأمّا أنا فلست أرى أنّ قصد أبقراط في هذا الموضع لأن يعلّمنا هذا الأمر اليسير الخسيس
وإنّما يكون ذلك كما قلنا بأن توسع وتفتح جميع مجاريه وتقطع وتلطّف الركوبات التي فيه إن كان لها شيء من الغلظ واللزوجة.
قال أبقراط: البدن الذي ليس بالنقي كلّما غذوته زدته شرًّا.
قال جالينوس: وذلك أنّ الغذاء الذي يرد البدن غير نقي يفسد بفساد ما هو فيه متقدّم من الكيموس الرديء فيجب من ذلك أن تزيد كمّيته وتبقى كيفيته على حالها. وأكثر ما يكون ذلك إذا كانت المعدة فمتلئة كيموسات رديئة وعند ذلك يعرض منها العرض الذي ذكره أبقراط قبل أنّه يعرض للناقة من المرض وهو لا يقدر أن ينال من الطعام.
قال أبقراط: أن يملأ البدن من الشراب أسهل من أن يملأ من الطعام.
قال جالينوس: لمّا كان كلامه قبيل قيمن يحتاج إلى أن يغذا حتّى يعود بدنه إلى ما كان عليه ذكر الآن أصناف الأغذية التي يغذون بها. وقد قال أيضاً في كتابه في الغذاء أنّ من احتاج بدنه إلى زيادة سريعة فأبلغ الأشياء في ردّ قوّته الشيء الرطب، ومن احتاج من ذلك إلى ما هو أسرع فتقويته تكون بالشراب. وينبغي أن لا يفهم من قوله في ذلك الكتاب الشيء الرطب مطلقاً ولا من قوله في هذا الكتاب الشراب مطلقاً لكنّه إنّما ينبغي أن يفهم أنّه أراد الأشياء الرطبة والأشربة التي لا بدأتنا فيها غذاء. وذلك أنّه إن ساوى غذاؤها غذاء ما هو إلى الغلظ والجمود أقرب نفوذ فهذه تفوق تلك في السرعة مثل ما كان من الأنبذة أغلظ. فإنّ النبيذ المائي إذا كان رقيقاً أبيض فكما أنّ منظره قريب من منظر الماء كذلك قوّته قريبة من قوّته، ولذلك يردّ البول ولا يغذو البدن إلّا غذاء يسيراً. فأمّا ما كان من الأنبذة غليظاً وكان مع ذلك لونه أحمر فهو من أكثر الأنبذة غذاء،
وله مع ذلك أن تملأ الأبدان التي قد استفرغت واحتاجت لذلك إلى زيادة بأسرع ما يكون. ومن عرف كيف يكون انهضام الغذاء وتفرّقه في البدن فالأمر عنده بيّن في أنّ الغذاء الرطب وخاصّة إن كان في طبيعته حارًّا أسهل وأسرع غذاء للبدن.
قال أبقراط: البقايا التي تبقى من الأمراض بعد البحران من عادتها أن تجلب عودة من المرض.
قال جالينوس: إنّ هذا الفصل أيضاً يتّصل بما قيل قبله. وذلك أنّ أبقراط لمّا قال إنّ الناقة من المرض إذا كان ينال من الغذاء ولم يقو دلّ على أنّه يحمل على بدنه أكثر ممّا يحتمل، وإذا كان ذلك وهو لا ينال منه دلّ على أنّ بدنه يحتاج إلى استفراغ. ثمّ وصف سبب ذلك من بعد الاستفراغ ثمّ أخبرنا الآن بالعلّة التي من أجلها صار الناقه إذا كان لا يشتهي الطعام يحتاج إلى استفراغ كما لو كان قوله كلّه على هذا المثال
«وإذا كان ذلك وهو لا ينال منه دلّ على أنّ بدنه يحتاج إلى استفراغ». وذلك أنّ البقايا التي تبقى من الأمراض بعد البحران من عادتها أن تجلب عودة من المرض، ومن البيّن أنّه يعني بالبقايا ما يبقى من الكيموسات الرديئة في البدن، وواجب ضرورة أن تعفن تلك البقايا على طول الأيّام فتولد حمّى، لأنّ كلّ رطوبة غريبة ليست من طبيعة الجسم الذي يحويها فليس يمكن أن تغذوه ولا يؤول أمرها معه إلّا إلى العفونة ضرورة. وإذا كان مع ذلك الموضع الذي هي مجتمعة فيه حارّّا كان مصيرهت إلى العفونة بأسرع ما يكون وأقوى.
قال أبقراط: إنّ من يأتيه البحران قد يصعب مرضه في الليلة التي قبل نوبة الحمّى التي يأتي فيها البحران ثمّ في الليلة التي بعدها يكون أكثر ذلك أخفّ.
قال جالينوس: إنّ البحران إنّما هو تغيّر سريع من المرض يميل بالمريض إلى الصحّة أو إلى الموت. وإنّما يكون عنه تمييز الطبيعة للشيء الرديء من الشيء الجيّد وتهييئها له بالاندفاع والخروج. فواجب عند هذا الاضطراب أن يقلق المريض ويضعف ويصعب عليه مرضه والأولى أن يتبيّن قلقه وصعوبته مرضه في الليل، لأنّ من عادة الناس أن يناموا بالليل. فإذا منع ذلك الاضطراب الذي يحدث في بدن المريض من النوم تبيّن قلق المريض وصعوبه مرضه بياناً واضحاً على أنّ ذلك الاضطراب قد يكون بالنهار إذا كان البحران متهيّئاً لأنّ يكون في الليلة التي تأتي بعده. فأمّا ما قاله في آخر هذا الفصل وهو قوله ثمّ في الليلة التي بعدها يكون أكثر ذلك أخفّ فليس يوجد في بعض النسخ. وقصده أن يخبّرنا فيه أنّ المريض في الليلة التي تأتي بعد البحران أخفّ منه في الليلة التي قبله على الأمر الأكثر، لأنّ أكثر البحران يؤول إلى السلامة فقد يعلم أنّ من كان يسلم من المرضي أكثر ممّن يموت منهم إلّا أن تكون الحال حال وباء.
قال أبقراط: عند استطلاق البطن قد ينتفع باختلاف ألوان البراز إذا ما لم يكن تغيّره إلى أنواع منه رديئة.
قال جالينوس: إنّ اختلاف ألوان البراز وتغيّره لمّا كان يدلّ على استفراغ أصناف كثيرة من الكيموسات كان نقاء البدن به يكون أصحّ وأوكد إلّا أن يكون فيه شيء من علامات ذوبان البدن ومن علامات العفونة. وقد وصف أبقراط تلك العلامات في كتاب تقدمة المعرفة عند ما ذكر البراز الدسم والبراز الخبيث الرائحة.
قال أبقراط: متى اشتكى الحلق أو خرجت في البدن بثور أو خراجات فينبغي أن تنظر وتتفقّد ما يبرز من البدن فإنّه إن كان الغالب عليه المرار كان البدن مع ذلك عليلاً، وإن كان ما يبرز من البدن مثل ما يبرز من البدن الصحيح فكن على ثقة من التقدّم على أن تغذو البدن.
قال جالينوس: إنّ أبقراط وضع في هذا الفصل قولين متقابلين
فإنّ الطبيعة إن لم تكن استنطفت البدن من الفضول عن آخره، وجدت الغالب على ما يبرز من البدن المرار، لأنّ البثور والخراجات إنّما تكون عند ما يسخن الدم من قبل المرار الأصفر، وبيّن أنّه ينبغي عند ذلك أن ينقى البدن ويستفرغ أوّلاً قبل أن يغذى لأنّ البدن الذي ليس بالنقي كلّما غذوته فإنّما تزيده شرًّا. وإن كان ما يبرز من البدن مثل ما يبرز من البدن الصحيح دلّ ذلك على أنّ البدن كلّه معتدل الكيموسات وأنّه ليس في تغذيته خطر بتّة.
قال أبقراط: متى كان بإنسان جوع فلا ينبغي أن يتعب.
قال جالينوس: إنّ الجوع بالحقيقة إنّما هو أن يعدم الناس الغذاء فيصيروا من الجذب إلى غايته. وعلى هذا المعنى قال أبقراط أيضاً في المقالة الثانية من كتاب أبيديميا إنّ أهل انيس لمّا أكلوا الحبوب في الجوع أصابهم ضعف في أرجلهم. ومن عادة أبقراط أن يسمّي كلّ ضيق شديد يكون في الطعام جوعاً، وإن لم يكن بسبب عدمه بإراده الإنسان كان أو بأمر حدث له جوع.
فإنّ القوّة عند هذه الحركات كلّها إذا كانت من غير أن ينال البدن غذاء تخور وتضعف وتنحلّ صحيحاً كان البدن أو سقيماً. وأبقراط يخرص دائماً بجهده أن تكون القوّة التي تدبّر بدن الحيوان قوية. ولا فرق بين أن أقول قوّة أو قوى. فقد قال أبقراط في كتاب الغذاء إنّ القوّة واحدة وليست بواحدة يعني أنّ القوّة في الجنس واحدة ولها أنواع شتّى.
قال أبقراط: متى ورد على البدن غذاء خارج من الطبيعة كثيراً فإنّ ذلك يحدث مرضاً، ويدلّ على ذلك برؤه.
قال جالينوس: إنّ أبقراط يصف في هذا الفصل في نوع واحد قد وصفه في فصل آخر بالجملة. والقول الذي أجمل فيه هذا المعنى هو قوله لا الشبع ولا الجوع ولا غيرهما من جميع الأشياء بمحمود إذا كان مجاوزاً لمقدار الطبيعة. فأمّا هذا الفصل الذي قد أخذنا في تفسيره
ولا ننسبها إلى الفساد ما دام يمكن بعد استفراغ الشيء الفاضل منها أن يصير الباقي إلى حال جودته. فإنّه يعرض في الدم إذا تغيّر شبيه بما يعرض في الأنبذة التي تحمض. والذي يعرض في الأنبذة هو أنّها متى استكملت الحموضة فصارت خلاء فليست تعود إلى طبيعة الشراب ومتى كان تغيّرها تغييراً يسيراً حتّى تكون الحموضة قد أخذت فيها ولا تكون بعد قد صارت خلاء فكثير منها مراراً كثيرة قد عاد إلى طبيعته. وكذلك الحال في الدم. فإنّ الدم أيضاً إذا حدث فيه فساد عظيم لا يعود إلى طبيعته وإذا حدث فيه فساد يسير فاستخرجنا منه الشيء الفاضل عاد الباقي إلى طبيعته، ومن عادتنا أن نسمّي حاله تلك حال كثرة لا حال فساد ولكن ليس تنسب حاله إلى الفساد إلّا إذا كان قد بلغ من مقدار فساده وخروجه عن طبيعته أن لا يمكن فيه أن تنضجه الطبيعة فتعود فيصير دماً محموداً.
قال أبقراط: ما كان من الأشياء يغذو سريعاً دفعة فخروجه أيضاً يكون سريعاً.
قال جالينوس: أمّا قوله «يغذو سريعاً» فينبغي أن يفهم أنّه عنى به أن يكون طبعها أن يغذو بعد تناولها بوقت يسير وحين يتناول. وإنّما يمتحن طبعها في الصحيح الذي لا يذمّ من صحّته شيء. وأمّا قوله «دفعة» فعنى به أن يكون بعد أن يبتدئ أن يغذو توفّى البدن غذاءها كلّه في زمان يسير. فهذه الأشياء من قبل هذا المعنى الذي وصفنا وحده أعني أنّها تغذو سريعاً دفعة يكون نفوذها أيضاً وخروجها سريعاً. فإن كان فيها حدّة يهيج بها البدن لدفعها وقذفها أو لزوجة تحتبس فيها وتبقى زماناً أطول كانت تلك إلى الخروج أسرع. وكانت هذه أبطأ وأبلغ الأشياء كلّها في أن تغذو سريعاً دفعة النبيذ، ومن أولى الأشياء بأن يغذو بأبطأ قليلاً قليلاً لحم البقر ولحم الصدف المسمّى قخليص وما أشبهه ممّا هو في البحر ممّا هو صلب اللحم
حين قال إنّ ما كان من الغذاء بطيء الاستحالة فهو بطيء التحلّل وما كان منه سريع الاستحالة فهو سريع التحلّل فهذا القول حقّ من أصحّ ما قيل ولكن كان اسم الخروج ليس بمطابق لهذا المعنى لأنّ أكثر ما يقال هذه اللفظة على خروج ما يخرج من البطن وقد يمكن أن نفهم منها الخروج من البدن كلّه فلحم الخزير وكلّما يولّد كيموساً غليظاً لزجاً فتحلّله من البدن يكون بعد زمان طويل. وأمّا البقول والسمك الصخري وكلّما كان بالجملة الكيموس المتولّد منه رقيقاً لطيفاً فهو يفوق الأوّل في سرعة النفوذ إلى البدن والزيادة فيه إلّا أنّ طبيعته طبيعة لا بقاء لها لكنّه يتحلّل سريعاً.
قال أبقراط: إنّ التقدّم بالقضية فى الأمراض الحادّة بالموت كانت أو بالبرء فليست تكون على غاية الثقة.
قال جالينوس: إنّ المرض الحادّ له مع سرعة انقضائه لا محالة عظم. فإنّ حمّى يوم وإن كان سكونها وانقضاؤها سريعاً فليس يسمّي مرضاً حادًّا. والأمراض الحادّة صنفان. وذلك أنّ المرض الحادّ يكون إمّا من كيموس حارّ ليس بمتحيّر ولا مستقرّ في موضع واحد من البدن لكنّه في الأعضاء كلّها بالسواء، وإمّا أن يكون قد حدث في موضع من البدن علّة كالحال في ذات الجنب وذات الرئة والذبجة. والحمّى في المرض الحادّ تكون مطبقة دائمة على الأمر الأكثر. فإنّ القليل من الأمراض الحادّة تكون من غير حمّى مثل الفالج. فأمّا المرض الطويل المزمن فإنّما يكون من كيموس غليظ لزج بارد ولا يمكن فيه أن ينضج سريعاً وهو لاصق قد لجج في العضو الذي حدثت فيه العلّة
عن الكيموسات الفاعلة لتلك الأمراض ولأنّ الكيموس المؤذي ربّما سال وجرى فيها من مواضع إلى مواضع غيرها.
قال أبقراط: من كان بطنه في شبابه ليناً فإنّه إذا شاخ يبس بطنه ومن كان في شبابه يابس البطن فإنّه إذا شاخ لان بطنه.
قال جالينوس: إنّ هذا الأمر ليس يكون في جميع الحالات لا محالة لكنّه يكون في أكثر الحالات، وقد دلّ على ذلك أبقراط نفسه فيما بعد في فصل قال فيه «من كان بطنه ليّناً فإنّه ما دام شابًّا أحسن حالاً ممّن بطنه يابس ثمّ يصير حاله عند الشيخوخة أردأ. وذلك أنّ بطنه يجفّ إذا شاخ على الأمر الأكثر». فينبغي أن لا يفهم قوله «لين البطن ويبسه» مطلقاً لكن على أنّ التدبير تدبير واحد،
فتضعف قوّتها التي يكون بها نفوذ الغذاء إلى الكبد ضعفاً شديداً. فيلين بسبب ذلك البراز فهذا ما رأيت أن أقول في هذا الموضع في سبب اختلاف حال البراز عند اختلاف السنّ إلى اللين أو إلى اليبس وسيغمض لسلوكي فيه طريق الإيجاز على من لم يتقدّم فيرتاض في الكتب التي ذكرتها قبل. وسأصف ذلك وأبيّنه وأشرحه شرحاً أبين من هذا فيما بعد في مقالة أفردها له بأسرها. ومن كان شأنه الاقتصار على ما يحتاج إليه في نفس الطبّ فيكفيه أن يعلم هذا الذي قاله أبقراط فقط من غير أن يوصف له سببه.
قال أبقراط: شرب الشراب يشفي الجوع.
قال جالينوس: إنّ عادة أبقراط أن يقول شرب الشراب وهو يعني به شرب النبيذ. وقد قال في كتابه في طبيعة الإنسان وتدبيره إنّه «إذا عرض المرض الواحد لجميع الناس كافة
وجب أن يشفي الشهوة الكلّية. فأمّا من ظنّ أنّ أبقراط إنّما عنى في هذا الموضع بالجوع العلّة التي يسمّيها اليونانيين بوليموس فقد بعد جدّاً عندي عن فهم ما أراد أبقراط من وجوه أوّلها أنّه جعل مكان كلّ شيء عامّي كلّ شيء جزئي خاصّي ووجه آخر أنّه قد كذب. وذلك أنّ بوليموس إنّما هو سقوط القوّة من البرد العارض من خارج وأوّله يكون جوعاً ثمّ إذا استكمل لم يبق الجوع معه لكنّه يبطل.
قال أبقراط: ما كان من الأمراض يحدث من الامتلاء فشفاؤه يكون بالاستفراغ، وما كان منها يحدث من الاستفراغ فشفاؤه يكون بالامتلاء، وشفاء سائر الأمراض يكون بالمضادّة.
قال جالينوس: إنّه ليس متى كان مرض قد حدث من الامتلاء وزال ذلك الامتلاء فليس هو بموجود في البدن فشفاؤه يكون بالاستفراغ، لكنّه متى كان المرض الذي تروم علاجه في حال الحدوث وحدوثه من امتلاء فهو يحتاج إلى الاستفراغ.
كأنّهم يريدون أنّها شفاء من الحال المولدة له، وربّما لم يسمّوها أشفية لكنّ علاجاً يتقدّم فيحفظ ويمنع من حدوث الكلب.
قال أبقراط: إنّ البحران ياتي في الأمراض الحادّة في أربعة عشر يوماً.
قال جالينوس: إنّ الأمراض الحادّة هي أمراض عظيمة سريعة الحركة والمرور إلى منتهائها. فيجب أن يحدث فيها في المدّة اليسيرة تغيّر عظيم وذلك هو أن يأتي بحرانها. فإنّ أبقراط إنّما يعني بالبحران هذا التغيير العظيم إذا حدث في المرض دفعة، فربّما رأيت المريض يبرأ أو يصحّ دفعة أو يموت بغتة، وربّما رأيته قد حدث له تغيّر عظيم إمّا إلى طريق السلامة وإمّا إلى طريق الهلاك إلّا أنّه لم يصر في ذلك الوقت لا إلى السلامة ولا إلى العطب فتصير أصناف التغيّر السريع أربعة،
وجد جميع الأمراض التي تكون حركتها أسبوعين متّصلين حركة حدّة وسرعة لا تجاوزهما في حال من الأحوال حتّى تنقضي.
قال أبقراط: الرابع منذر بالسابع، وأوّل الأسبوع الثاني اليوم الثامن والمنذر بالرابع عشر اليوم الحادي عشر لأنّه الرابع من الأسبوع الثاني، واليوم السابع عشر أيضاً يوم إنذار لأنّه اليوم الرابع من اليوم الرابع عشر واليوم السابع من اليوم الحادي عشر.
قال جالينوس: إنّ أبقراط يعني بأيّام الإنذار الأيّام التي تظهر فيها علامة تدلّ على بحران يأتي فيما بعد من الأيّام، ومن عادته أن يسمّيها منذرة وأيّام الإنذار وأيّام النظر، فقد وصفها في كتاب تقدمة المعرفة وجعل حسابها يجري على أربعة أربعة وقسم كلّ أسبوع قسمين. فقال إنّ اليوم الرابع منذر باليوم السابع والبيوم الحادي عشر منذ أوّل المرض منذر باليوم الرابع عشر، لأنّ اليوم الحادي عشر أيضاً هو اليوم الذي يقع عليه قسمة الأسبوع الثاني بنصفين وهو أربعة.
فقد دلّ هذا الكلام من أبقراط دلالة بيّنة أنّه بحسب الأسبوع الثالث متّصلاً بالأسبوع الثاني وأنّه يجعل اليوم السابع عشر منذر بيوم العشرين.
قال أبقراط: إنّ الربع الصيفية في أكثر الأمر قصيرة والخريفية طويلة ولا سيّما متى اتّصلت بالشتاء.
قال جالينوس: إنّه ليس الربع فقط تكون قصيرة في الصيف لكنّ سائر الأمراض لأنّ الكيموسات تذوب وتنتشر في البدن كلّه وتتحلّل. ومتى كانت القوّة قوية ثمّ استفرغ الكيموس المولّد للمرض سكن المرض وانقضى. ومتى كانت القوّة ضعيفة فإنّها تنحلّ مع استفراغ الكيموس المولّد للمرض. فيجب من قبل ذلك أن لا يطول شيء من الأمراض الصيفية،
لكنّ أبقراط جعل كلامه في أطول الأمراض قصيرة مثالاً ودلّ به على سائر الأمراض كلّها. وعلمنا أنّه كما أنّه يعرض في الصيف أن تتحلّل كيموسات البدن وأن تتحلّل القوّة، كذلك يعرض في الشتاء ضدّ ذلك أعني أن تسكن الكيموسات في عمق البدن كأنّها تتحجّر وأن تبقى القوّة على شدّتها. فلا الأمراض تنقضي إذا كانت الكيموسات المولّدة لها باقية ولا المرضى يموتون لأنّ قوّتهم تبقى ولا تنحلّ.
قال أبقراط: لأن تكون الحمّى بعد التشنّج خير من أن يكون التشنّج بعد الحمّى.
قال جالينوس: إنّ أبقراط يصف فيما يأتي بعد من الفصول أنّ التشنّج يكون من الامتلاء ومن الاستفراغ، فإذا عرض التشنّج للصحيح بغتة فيجب ضرورة أن يكون ذلك التشنّج حدث من امتلاء.
وإنّما يمتلئ العصب من الكيموس اللزج البارد الذي معه غذاؤه. فإذا حدثت الحمّى بعد هذا التشنّج فكثيراً ما يسخن ذلك الكيموس الذي امتلاء منه العصب ويذيبه ويلطفه ويحلّله. فإذا عرضت للإنسان حمّى محرقة فجفّفت بدنه كلّه وعصبه ثمّ عرض له التشنّج من قبل اليبس فالآفة في ذلك عظيمة جدّاً ولا يكاد صاحب هذه العلّة يبرأ، لأنّ العصب يحتاج إلى أن يبرأ ممّا ناله من اليبس إلى مدّة طويلة وشدّة المرض وقوّته لا تمهل لكنّها تحلّ القوّة سريعاً وتجلب موتاً سريعاً وحياً.
قال أبقراط: لا ينبغي أن تغترّ بخفّة يجدها المريض بخلاف القياس ولا أن تهولك أمور صعبة تحدث على غير القياس فإنّ أكثر ما يعرض من ذلك ليس بثابت ولا يكاد يلبث ولا تطول مدّته.
قال جالينوس: إنّ جميع الكلام الذي يحتاج أن يقال في أشباه هذه الأشياء قد قيل في كتاب البحران. ولست أذكر في هذا الموضع إلّا ما يكتفى به في تفسير هذا الكلام الذي وصفناه. فأقول إنّه متى حدث مرض قوي ثمّ خفّ بغتة من غير أن يكون البدن استفرغ لا بقيء ولا بعرق ولا باختلاف ولا برعاف ولا بغير ذلك ممّا أشبهه، ولم تظهر أيضاً علامات تدلّ على النضج، فينبغي أن يعلم أنّه لا ينبغي أن يعتمد ذلك الخفّ، وكذلك أيضاً إن كان قد ظهر لك في المرض علامات النضج البيّن ثمّ رأيت المريض قد عرض له نفس رديء واختلاط في ذهنه أو صعوبة من حمّاه أو نافض قوي، فلا ينبغي أن يهولك ذلك. فإنّ هذه أيضاً ليست من الأشياء الثابتة ويبلغ من بعدها على أن يدلّ على أمر رديء أنّها كثيراً ما تدلّ على بحران محمود قد قرب حدوثه. وقد وصفت في كتاب البحران كيف ينبغي أن تتعرّف هذه الأشياء في وقت حضورها وتتقدّم فتعلمها قبل أن تحضر.
قال أبقراط: من كانت به حمّى ليست بالضعيفة جدّاً فأن يبقى بدنه على حاله ولا ينقص منه شيء أو يذوب
بأكثر ممّا ينبغي فإنّ ذلك رديء لأنّ الأوّل ينذر بطول من المرض والثاني يدلّ على ضعف من القوّة.
قال جالينوس: إنّ أبقراط إنّما اشترط هذه الشريطة فقال «ليست بالضعيفة جدًّا»، لأنّه لو أطلق القوّة فقال «من كانت به حمّى فأن يبقى بدنه على حاله ولم ينقص شيء رديء» لما كان هذا القول حقًّا. وذلك أنّه يمكن أن يكون مريض مرضه من امتلاء ومزاج الهواء مزاج بارد وتكون حمّاه حمّى ضعيفة فلا يضمر بدنه ولا يهزل ولا يكون ذلك حينئذ علامة رديئة ومن كانت حمّاه حمّى قوية وحمّاه على ما وصفنا من خصب البدن دلّ ذلك على أنّ امتلاءه امتلاء مفرط كثير جدًّا. وأمّا «أن يذوب البدن بأكثر ممّا ينبغي» فهو رديء على حال من غير أن يزاد في القول «إن كانت الحمّى ليست بالضعيفة جدًّا». وذلك أنّه إن كانت الحمّى ضعيفة فإنّ الهزل المجاور للمقدار الذي ينبغي علامة تدلّ على ضعف القوّة وليس ينبغي أن يتوهّم أنّه أراد في هذا الموضع بقوله «يذوب» المعنى الذي تقال عليه هذه اللفظة على الحقيقة لكنّه إنّما استعارها واستعملها مكان يضمر ويهزل.
لأنّ بقاء حثّته بأكثر ممّا ينبغي يكون من كثافة الجلد وغلظ الكيموسات وكثرتها، ولذلك ينذر بطول من المرض وهزال بأكثر ممّا ينبغي فربّما كان لرقّة الكيموس وتخلخل الجلد وربّما كان لضعف من القوّة.
قال أبقراط: ما دام المرض في ابتدائه فإن رأيت أن تحرّك شيئاً فحرّك، فإذا صار المرض إلى منتهاه فينبغي أن يستقرّ المريض ويسكن.
قال جالينوس: قد دلّ أبقراط لأيّ سبب أشار بهذه المشوّرة في الفصل الذي أتى به بعد هذا، فإن وصلت بهذا الفصل الفصل الذي يأتي بعده صار كلّه على هذا المثال «ما دام المرض في ابتدائه فإن رأيت أن تحرّك شيئاً فحرّك فإذا صار المرض إلى منتهاه فينبغي أن يستقرّ المريض ويسكن. فإنّ جميع الأشياء في أوّل المرض وآخره أضعف وفي منتهاه أقوى». وينبغي أن يفهم من قوله «جميع الأشياء» جميع الأعراض.
والأجود في المعونة على أن يكون النضج أسرع أن يستعمل الاستفراغ في ابتداء المرض حتّى تقلّ مادّته فيكون إنضاجها على الطبيعة أسهل. وأمّا في وقة المنتهى فإذا كانت الطبيعة قد أنضجت المادّة أو أكثرها فمن الأفضل أن يستفرغ، ومع ذلك فإنّ القوّة النفسانية تكون في وقت المنتهى في أكثر الأمر قد كلّت، وإن كانت في ذلك القوّة الحيوانية والقوّة الطبيعية باقيتين على قوّتهما.
قال أبقراط: إنّ جميع الأشياء في أوّل المرض وآخره أضعف وفي منتهاه أقوى.
قال جالينوس: يريد أنّ جميع الأعراض تكون في أوّل المرض وآخره أضعف يعني نوائب الحمّى والأرقّ والوجع والكرب والعطش. فأمّا الحال التي تكون منها هذه الأعراض وهي المرض فيجب ضرورة أن يكون في وقت المنتهى أمثل إذا كان المريض من المرضى الذي يسلمون.
قال أبقراط:إذا كان الناقه يحظى من الطعام فلا يتزيّد بدنه شيئاً فذلك رديء.
قال جالينوس: كان ينبغي أن يكون قرن هذا الفصل والفصل الذي يأتي بعده بفصول قد تقدّمت حيث قال أبقراط «إذا كان الناقه من المرض ينال من الغذاء فلا يقوى به». فإنّ أبقراط وضع مكان هذه اللفظة التي وصفها في هذا الفصل وهي قوله « يحظى من الطعام» في ذلك الفصل قوله «ينال من الغذاء». ثمّ أخبر بعرض يعرض من ذلك وهو أنّ المريض لا يقوى بذلك الغذاء وقرن في هذا الفصل النيل من الغذاء وجعله مشتركاً للفصلين جميعاً، وجعل مكان ذلك العرض الذي ذكره في ذلك الفصل عرضاً غيره نظير له. وذلك أنّ امتناع تزيّد البدن كأنّه شبيه بانتناع قوّته. وذلك أنّ امتناع قوّة آفة عارضة للقوّة التي تدبّر البدن وامتناع تزيّد آفة عارضة لنفس البدن. وامتناع تزيّد حضب البدن
ربّما كان من قبل ضعف القوّة التي تغذوه وربّما كان من قبل أخلاط رديئة.
قال أبقراط: إنّ في أكثر الحالات جميع من حاله رديئة ويحظى من الطعام في أوّل الأمر فلا يتزيّد بدنه شيئاً فإنّه بآخره يؤول أمره إلى أن لا يحظى من الطعام، فأمّا من يمتنع عليه في أوّل أمره النيل من الطعام امتناعاً شديداً ثمّ يحظى منه بآخره فحاله تكون أجود.
قال جالينوس: يشبه أن يكون هذا الفصل أيضاً إنّما قيل في الناقه والدليل على ذلك قول أبقراط «فلا يتزيّد بدنه شيئاً». فإنّ أبقراط وغيره من القدماء إنّما من عادتهم أن يصفوا بمثل هذا الكلام الناقه دون غيره. وإن كان الناقه يحظى من الطعام في أوّل أمره فلا يقبل بدنه ويعود إلى الحضب فالسبب الذي من أجله عرض له هذا يعرض له بعد أن لا يرزأ. والسبب الذي من أجله يحظى من الطعام في أوّل أمره فلا يتزيّد بدنه رداءة حال بدنه كلّه وقوّة الأعضاء التي فيها الشهوة،
إلّا أنّه إذا تمادى به الزمان تزداد تلك الرداءة في البدن كلّه لكثرة ما يتناول من الغذاء فينال آلة الشهوة من ذلك ضرر حتّى تبطل شهوته للطعام. وقد كان أوّلاً حسن الشهوة له. فإنّ هذا هو الذي أراده أبقراط بقوله «يحظى من الطعام»، وقد قال هذا بعينه في فصول تقدّمت حيث قال «وإذا كان ذلك وهو لا ينال من الطعام دلّ على أنّ بدنه يحتاج إلى استفراغ» قال«فأمّا من يمتنع عليه في أوّل أمره المرزية من الطعام امتناعاً شديداً حتّى لا يتناول منه إلّا القليل الوتح ثمّ تنتقل حاله بآخره إلى ضدّ ذلك فحاله أصلح». وإنّما يعرض ذلك من قبل أنّ الطبيعة في ذلك الوقت الذي ينال فيه صاحب هذه العلّة غذاءه ينضج الفضل الذي كان سبباً لقلّة المرزية.
قال أبقراط: صحّة الذهن في كلّ مرض علامة جيّدة وكذلك الهشاشة للطعام وضدّ ذلك علامة رديئة.
قال جالينوس: لا ينبغي لك متى قال أبقراط في شيء ممّا يظهر في البدن إنّه علامة جيّدة أو محمودة أو صالحة أو غير ذلك ممّا أشبهه أن يتوهّم أنّها متى ظهرت فالمريض يسلم لا محالة ولا متى قال في شيء إنّه علامة رديئة أو خبيثة أو غير ذلك ممّا أشبهه أنّه لا بدّ من أن يموت المريض متى ظهرت. فإنّ العلامة الجيّدة قد تغلبها كثيراً علامة رديئة أقوى منها وبخلاف ذلك قد تغلب العلامة الرديئة علامة جيّدة أقوى منها. وإنّما ينبغي لك في هذه الأحكام وأشباهها أن تفهم ما يقال لك فقط. والذي قيل في هذا الموضع أنّ هذه العلامة جيّدة في نفسها وبحسب ما يدلّ هي عليه. فأمّا الحكم على أنّ المريض يسلم أو يموت فإنّما ينبغي لك أن يكون منك بعد أن تتدبّر وتنظر في قوى جميع العلامات كما أشار أبقراط في كتاب تقدمة المعرفة. فعلى هذا الطريق فافهم في هذا الموضع أنّ صحّة الذهن وبقاء الشهوة علامتان صالحتان محمودتان في جميع الأمراض. فإنّ من العلامات ما ليس في جميع الأمراض يحمد وإذا كانت كذلك وصف أبقراط هذا من أمرها مثل ما فعل حين قال «وقد ينبغي أن يعلم أنّ جوده التنفّس قوّة عظيمة جدّاً في الدلالة على السلامة في جميع الأمراض الحادّة». والذي يعلم به أنّ صحّة الذهن والفكر علامة جيّدة محمودة هو أنّ الذهن والفكر إذا كان صحيحاً
فهو يدلّ على صحّة الدماغ واغشيته والنخاع والحجاب وكلّ عضو عصبي ولا سيّما ما كان من تلك الأعضاء قريباً من الدماغ وكلّ ما يلي شيئاً من هذه الأعضاء التي وصفنا. وكذلك متى كان المريض يهيش إلى الطعام ويحبس موقعه منه دلّ ذلك منه على صحّة المعدة والكبد وما يليهما والفواد نفسه. وإذا كانت هذه الأعضاء كلّها صحيحة فليس الرجاء لسلامة المريض بضعيف.
قال أبقراط: إذا كان المرض ملائماً لطبيعة المريض وسنّه وسحنته والوقت الحاضر من أوقات السنة فخطره أقلّ من خطر المرض إذا كان ليس بملائم لواحدة من هذه الخصال.
قال جالينوس: إنّ الطبيعة تقال على وجوه كثيرة فينبغي أن يفهم أنّه يعني بها في هذا الموضع المعنى الذي يستعمله أبقراط كثيراً في كثير من كتبه، وعليه أجرى كلامه كلّه في كتابه في طبيعة الإنسان وهو أنّه يسمّي المزاج الذي من الاسطقسات الأوّل طبيعة
والثاني أنّه لم يطّلق القول فيه فيقول شيخاً لكنّه قال شيخاً فانياً وكلّ علّة تعرض للشيخ الفاني فهي ذات خطر لضعف قوّته. ولا أيضاً ما قاله أبقراط في المقالة الأولى من كتاب أبيديميا أنّ أكثر من كان يموت من كانت طبيعته مائلة إلى السلّ بمضادّ لما قال في هذا الفصل. وذلك أنّه لم يعن في ذلك الفصل بالطبيعة مزاج الأسطقسات لكنّه إنّما عنى به خلقة البدن. فإنّهم ربّما سمّوا الخلقة طبيعة. وكما أنّ القول بأنّ المرض الحادّ إذا أصاب صاحب المزاج الحارّ كان خطره أقلّ حقّ يقين كذلك القول أيضاً بأنّ من كان صدره ضيقاً ليس يسرع إليه السلّ فقط ولكنّه إذا أصابته بحّة كان خطره أشدّ صواب مستقيم. وقد غلط قوم من المفسّرين في هذه الحجج المقنعة وأشباهها فقالوا إنّ المرض الملاوم لطبيعة المريض إنّما هو المضادّ له في مزاجه كأنّه قال الموافق وقد حادّوا جدّاً عن حقائق الأمور وعن رأي أبقراط وقوله كما بيّنّا.
قال أبقراط: إنّ الأجود في كلّ مرض أن يكون ما يلي السرّة والثنة له ثخن، ومتى كان رقيقاً جدّاً منهوكاً فذلك رديء، وإذا كان أيضاً كذلك فالإسهال معه خطر.
قال جالينوس: الأمر في أنّ البطن كلّه ينبغي أن يكون سليماً من كلّ حال خارجة عن الطبيعة بيّن واضح. وقد قال ذلك أبقراط في كتاب تقدمة المعرفة حين قال إنّ أجود ما يكون ما دون الشراسيف إذا لم يكن فيه وجع وكان ليّناً مستوياً. وقد تكون هذه المواضع أرقّ وأهزل وتكون أسمن وأثخن فجعل كلامه في هذا الموضع في هذه الحالات منها فقال إنّه متى كانت تلك المواضع أثخن فالحال أجود ومتى كانت أهزل فالحال أردأ. وذلك أنّها علامة رديئة وسبب رديء. أمّا علامة رديئة فلا بها تدلّ على ضعف من تلك الأعضاء التي نهكت وذابت. وأمّا سبب رديء فلأنّ استمراء الطعام في المعدة وتولّد الدم في الكبد لا يكونان عند هذه الحال على ما ينبغي، لأنّ هذين العضوين جميعاً
ينتفعان بثخن ما يغشيهما وسمّيه لتسخينه لهما. فبحسب ما ينالهما منه من الانتفاع إذا كان صحيحاً يجب أن يكون ما ينالهما من الضرر بسببه إذا نهك وذاب. وبيّن أنّ الإسهال مع رقّة تلك الأعضاء وهزالها خطر. وذلك أنّه ينبغي أن يكون جميع ما دون الصدر من الأعضاء قوي في حسن المعاونة على الإسهال. وإن لم تكن تلك الأعضاء قوية عرضت لها أصناف من الضرر عظيمة. وقد ينبغي أنّ ينظر لم ذكر الإسهال دون القيء. فإنّ القيء أيضاً وحال تلك الأعضاء في هذه الحال خطر. فإقول إنّه ترك القيء لأنّ أمره أبين وذكر الإسهال لأنّ أمره أخفى. وأمّا اسم الثنة فيخصّ به أسفل البطن وهي ما بين الفرج والسرّة، حتّى تكون أقسام البطن كلّه ثلاثة وهي المواضع التي فيما دون الشراسيف وما يلي الشرّة والثنة.
قال أبقراط: من كان بدنه صحيحاً فأسهل بدواء أو قيّئ أسرع إليه الغشي، وكذلك من كان يغتذي بغذاء رديء.
قال جالينوس: أمّا الذين أبدانهم صحيحة فبالواجب يعرض لهم الغشي عند استعمال الدواء المسهل والمقيء. وذلك أنّ الدواء إنّما ينهك هذه الأبدان ويذوبها وينقيها وينفضها. فأمّا الذين يغتذون بغذاء رديء فيسرع إليهم الغشي عند استعمال الدواء المسهل والمقيء لأنّ في أبدانهم فضلاً رديئاً وإذا أثاره الدواء أدنى إثارة تبيّنت رداءته وانكشفت. وقوله الغذاء يحتمل معنيين أحدهما العذاء الوارد على البدن من خارج والآخر الغذاء الذي يحويه البدن، وعلى أيّ هذين المعنيين فهمت قوله الغذاء فالقول حقّ لأنّ من شأن الطعام الرديء أيضاً أن يولّد دماً رديئاً. ولذلك يقال إنّ الطعام رديء أعني بالإضافة إلى الدم المتولّد منه.
قال أبقراط: من كان بدنه صحيحاً فاستعمال الدواء فيه يعسر.
قال جالينوس: إنّ من عادة أبقراط إذا قال استعمال الدواء أن يريد به لا كلّ دواء لكنّ الدواء المسهل أو المقيء خاصّة. وأخبر أبقراط في الفصل الذي قبل هذا بعرض واحد من الأعراض التي تعرض للأصحّاء عند تناول هذا الدواء، وهو أنّه قال إنّه يسرع إليهم الغشي. ثمّ حكم فيهم في هذا الفصل بحكم أعمّ من الأوّل فقال إنّ استعمال الدواء فيهم يعسر. وذلك أنّه يعرض لهم منه دوار ومغص ويعسر خروج ما يخرج منهم ويسرع إليهم مع ذلك الغشي. وإنّما تعرض لهم هذه الأعراض كلّها لأنّ الدواء المسهل يتوقّى إلى اجتذاب الكيموس الملائم له وهو المرّة الصفراء أو السوداء أو البلغم أو الفضلة المائية.
فإذا لم نجد منه في البدن فضلاً جاذب الدم واللحم واستكرههما لينزع منهما ما فيهما ممّا يلايمه.
قال أبقراط: ما كان من الطعام والشراب أخسّ قليلاً إلّا أنّه ألذّ فينبغي أن يختار على ما هو منهما أفضل إلّا أنّه أكره.
قال جالينوس: إنّه ليس ينبغي أن يفعل هذا لمساعدة المريض ومساهلته فقط لكن لأنّه مع ذلك أنفع له. وذلك أنّ كلّ ما يتناوله المتناول وهو يلتذّه فإنّ معدته تحتوي عليه وتلزمه ويكون هضمها له أكثر. وإذا كان ما يتناول كريهاً نفرت عنه وتبرّأت منه فيجلب إمّا غشياناً وإمّا نفخة وإمّا خضخضة. فالشيء الذي هو في أبدان أكثر الناس أحسن قليلاً من الطعام والشراب فهو في بدن من يتناوله وهو يلتذّه أجود من غيره ممّا هو في أولئك أفضل منه فضلاً عن أن لا يكون أحسن منه.
قال أبقراط: الكهول في أكثر الأمر يمرضون أقلّ ممّا يمرض الشباب إلّا أنّ ما يعرض لهم من الأمراض المزمنة على أكثر الأمر يموتون وهي بهم.
قال جالينوس: ليس كلّ الكهول يمرض أقلّ ممّا يمرض الشباب. وذلك أنّه ليس كلّ الكهول أضبط لنفسه في تدبيره من الشباب. ومن لم يكن منهم أضبط لنفسه في تدبيره مت الشباب فهو يمرض أكثر ممّا يمرض الشباب إذا كانت أبدانهم أضعف من أبدان الشباب. وأمّا الأمر في أنّ أكثر ما يعرض لهم من الأمراض المزمنة تلزمهم إلى الممات فبيّن إذ كانت القوّة في أبدانهم ضعيفة لا تقدر أن تنضج تلك الأمراض سريعاً وكانت الأمراض المزمنة كلّها باردة، ولذلك تعرض تلك الأمراض للمشايخ أكثر ممّا تعرض للشباب. وذلك أنّ كلّ بدن إلى ما يلايمه من الأمراض أسرع.
قال أبقراط: ما يعرض من البحوحة والنزلة للشيخ الفاني ليس ينضج.
قال جالينوس: إن وصلنا هذا الفصل بالفصل الذي قبله كان القول على هذا المثال «الكهول في أكثر الأمر يمرضون أقلّ ممّا يمرض الشباب إلّا أنّ ما يعرض لهم من الأمراض المزمنة على أكثر الأمر يموتون وهي بهم، من ذلك أنّ ما يعرض من البحوحة والنزلة للشيخ الفاني ليس ينضج». فيكون هذا الفصل كأنّه مثال للفصل الذي قبله. وذلك أنّه يلزم المشايخ إلى الممات ليس هذه الأمراض فقط لكنّ علّة الكلى مع ذلك والنقرس وعلّة المفاصل وعرق النساء والعلل الباردة العارضة في المعاء وفي الطحال والربو مع ذلك والسعال وأصناف الجذبة أعني ما يكون منها إلى خلف وما يكون منها إلى قدّام وما يكون إلى جانب وسائر ما يعرض من الأمراض من الأخلاط الباردة التي لو عرضت لبعض الشباب لعسر أن تنضج فضلاً عن الشيخ.
قال أبقراط: من يصيبه مراراً كثيرة غشي شديد من غير سبب ظاهر فهو يموت فجاءة.
قال جالينوس: ليس كلّ من يصيبه الغشي يموت فجاءة لكنّ هذا الحكم يحتاج إلى ثلاثة شروط حتّى يصحّ أوّلها أنّ ما يصيبه الغشي مراراً كثيرة والثاني أن يكون ما يصيبه من الغشي شديداً والثالث أن يصيبه ذلك من غير سبب ظاهر. وقد أعرف امرأة كانت تطيل اللبث في الحمام فكان كثيراً ما يصيبها الغشي لطول لبثها فيه ولأنّ الحمام في أكثر الأمر يوقد بحطب رديء. ولم يكن ذلك ممّا يدلّ على مكروه لأنّه كان يحدث من سبب ظاهر. وأعرف رجلاً كان إذا دخل الحمام وقد بعد عمده بالطعام قليلاً أصابه الغشي. وأعرف آخر كان يصيبه ذلك وإن كان دخوله إلى الحمام في الوقت الذي ينبغي أن لم يتناول قبل الحمام شيئاً من خبز. ومن كان كذلك ففم معدته إمّا ضعيف وإمّا كثير الحسّ. فأمّا من يصيبه الغشي من غير سبب من هذه الأسباب مراراً كثيرة وما يصيبه منه شديد فإنّما يصيبه من قبل ضعف القوّة الحيوانية كما أصاب رجلاً كان يصيبه مع الغشي اختلاج في فواده شديد فمات فجاءة
كما يعرض لمن يصيبه أشدّ ما يكون وأوجاه من الغشي العارض من علّة القلب.
قال أبقراط: السكتة إن كانت قوية لم يمكن أن يبرأ صاحبها منها، وإن كانت ضعيفة لم يسهل أن يبرأ.
قال جالينوس: إنّه يعرض في السكتة أن يعدم البدن كلّه بغتة الحسّ والحركة خلا حركة التنفّس وحدها، فإن عدمها فذلك أعظم وأوحى ما يكون منها. ومتى كان صاحب السكتة إذا تنفّس يكون تنفّسه بأشدّ ما يكون من الاستكراه فسكتته قوية. ومتى كان تنفّسه من غير مجاهدة واستكراه إلّا أنّه مختلف غير لازم لنظام واحد وهو مع ذلك ربّما فتر فسكنته قوية إلّا أنّها أنقص من الأولى. ومتى كان صاحبها يتنفّس تنفّساً لازماً لنظام ما فسكتته ضعيفة وإن أنت تأتّيت في أمره بجميع ما ينبغي أن تفعله فلعلّك أن تبتدئه. وكلّ سكتة
كما يعرض لسائر من تضعف قوّته في الحمّى، ولهذا يضطرّ العضل كلّه أن يطلب الحركة لتجتمع من حركة جميعة جملة ذات قدر.
قال أبقراط: الذين يختنقون ويصيرون إلى حدّ الغشي ولم يبلغوا إلى حدّ الموت فليس يفيق منهم من ظهر في فيه زبد.
قال جالينوس: إنّ تولّد كلّ زبد إنّما يكون من اختلاط جوهرين أحدهما ريح والآخر رطوبة. وإنّما يكون اختلاطهما بعد أن ينقسم كلّ واحد منهما إلى أجزاء كثيرة ثمّ يشتبكان فيحدث فيما بينهما جباب صغار كثيرة. فإذا كانت الرطوبة التي تنقسم ويختلط كلّ جزء منها بجزء من الريح فتكون الجبب في قوامها لزجة كان الزبد عسر الانحلال طويل اللبث كالزبد الذي يجتمع خاصّة في أفواه الخيل إذا ركضت أو في أفواه الخنازير البرية إذا عصبت.
فيجب أن تكون هذه العلامة علامة تدلّ على الهلاك إذ كانت تدلّ على استكراه من حركة الرئة تعرض لها بسبب خنق الحيوان. وأحرى أن يعرض للرئة ذلك لمكان الحرارة التي يدفعها القلب عليها فيجب إذا كان ارتفاع الزبد إنّما يكون لغليان الحرارة واستكراه حركة النفس وشدّة مجاهدة الرئة أن تكون هذه العلامة علامة تدلّ على الموت، إلّا أنّا ربّما رأينا في الندرة بعض من خنق أو اختنق وقد ظهر في فيه زبد وأفاق. وخليق أن يكون أبقراط لم يقل هذا القول وهو يريد أنّ كلّ من ظهر في فيه زبد ممّن بخنق أو اختنق يعطب لكنّه أراد به أنّه قلّ ما يعرض خلاف ذلك كما قد بيّنّا قبل في الفصل الذي قال فيه «من كان بطنه ليّناً فإنّه إذا شاخ لان بطنه». وذلك أنّه ترك أن يقول في هذا الكلام على أكثر الأمر وألحقه في فصل أتى به فيما بعد حيث قال «من كان بطبه ليّناً فإنّه ما دام شابًّا أحسن حالاً ممّن البطن يابس ثمّ تؤول حاله له عند الشيخوخة إلى أن يصير أردأ. وذلك أنّ بطنه يجفّ على الأمر الأكثر».
قال أبقراط: من كان بدنه غليظاً جدّاً بالطبع فالموت إليه أسرع منه إلى القضيف.
قال جالينوس: إنّ أبقراط قاس بين من هو غليظ البدن منذ أوّل سنة وبين من هو مهزول من أوّل سنة فحكم على من كان غليظ البدن منذ أوّل سنة أنّه أسرع موتاً من القصيف. وأفضل الأشياء أن يكون البدن حسن اللحم أعني معتدلاً حتّى لا يكون غليظاً ولا مهزولاً فإنّه إذا كان كذلك أمكن أن يعمر ويبلغ من الشيخوخة غايتها. فإن كان مجاوز الاعتدال فإفراطه في الهزال أجود وإفراطه في الغلظ أردأ. وذلك أنّ البدن الغليظ ضيق العروق ولذلك الدم والروح فيه قيلان، فإذا تمادّت به السنّ طفئت حرارته الغريزة من أدنى سبب يعرض له سريعاً. فأمّا المهزول فليس يخاف عليه من هذا الوجه، إلّا أنّه لمّا كانت أعضاؤه الرئيسة باردة ليس يسترّها شيء من الأسباب التي تلقاها من خارج فالآفة تسرع إليه.
فأمّا من كان بالطبع معتدلاً إلّا أنّه إن استعمل تبدير المتنعّمين بغلظ بدنه فإنّه وإن اكتسى لحماً وشحماً كثيراً فإنّ عروقه الضوارب وغير الضوارب تكون واسعة ولذلك تكون سرعة انطفاء حرارته الغريزية أقلّ.
قال أبقراط: صاحب الصرع إذا كان حدثاً فبرؤه يكون منه خاصّة بانتقاله في السنّ والبلد والتدبير.
قال جالينوس: إنّ الصرع قريب من السكتة لأنّ موضع العلّة فيهما واحد والكيموس الفاعل لهما واحد، إلّا أنّ السكتة تكون بعدم القوّة التي تجري إلى العصب كلّها والصرع يكون بحركة مضطرّ به تكون منها. والكيموس المولّد لهما جميعاً بارداً غليظاً. ولذلك يصير سنّ الشباب إذا كانت حارة ويابسة من أعظم الأدوية لصاحب الصرع،
وكذلك الانتقال من بلد إلى بلد الجاري على هذا القياس. أعني بالجاري على هذا القياس أن يكون الانتقال إلى بلد أسخن وأجفّ من الأوّل. وكذلك الانتقال من تدبير إلى تدبير. فإنّه ليس كلّ انتقال من تبدير إلى تدبير يبرئ الصرع لكن ما كان منه يصير البدن إلى اليبس والحرارة أميل. وقد يمكن أن يفهم من قوله الانتقال في التدبير الانتقال مطلقاً فيصحّ أنّه ينفع صاحب الصرع لأنّ المولّد لهذا المرض في أكثر الحالات التدبير الرديء فالانتقال منه لا محالة يكون إلى ما هو خير منه.
قال أبقراط: إذا كان وجعان معاً وليس هما في موضع واحد فإنّ أقواهما يخفي الآخر.
قال جالينوس: إن فهمت من قوله في موضع واحد على الاستقصاء فليس يمكن في حال من الأحوال أن يكون وجعان في موضع واحد. وإن فهمت أنّ للموضع الواحد عرضاً فذلك ممكن. أعني بقولي أن يكون للموضع عرضاً أن يكون العضو ذا حظّ من العظم مثل العضد والساعد والقحد والساق. وإذا كان الوجعان في واحد من أشباه هذه الأعضاء
زاد كلّ واحد منهما في الأذي الذي ينال العضو من الآخر ولم يخفّ على العليل واحد منهما. فإذا كان الوجعان في موضعين مختلفين حتّى يكون أحدهما في المثل في الساعد والآخر في الساق عرض عند ذلك أن تخفي أفواهها للآخر، لأنّ القوّة الحساسة كلّها تقبل فبل الموضع الذي فيه الوجع الأقوى ويثتغلّ به، وهذا بعينه يعرض للإنسان في العموم أيضاً، لأنّ العموم أيضاً إنّما هي أوجاع للنفس دون البدن فنجد العمّ الأقوى يستعرف العمّ الأضعف ويخفيه إذا لم يكونا جميعاً بسبب شيء واحد. فإن كانا بسبب شيء واحد زاد كلّ واحد منهما في الآخر مثل الأوجاع.
قال أبقراط: في وقت تولّد المدّة يعرض الوجع والحمّى أكثر ممّا يعرضان بعد تولّدهما.
قال جالينوس: إنّ المدّة إنّما تتولّد من دم يتغيّر فيصير إلى حال بين الجودة والرداءة.
فإنّ التغيّر الرديء المطلق يكون مع العفونة التي تكون مع هاتين والتغيّر الجيّد المطلق هو اعتدال أعضاء البدن. فأمّا التغيّر الذي تحدث عنه المدّة فهو فيما بين الأوّلين لأنّه ليس يكون من الحرارة الخارجة من الطبع وحدها ولا من الحرارة الغريزية وحدها لأنّ تغيّر الدم إلى المدّة كأنّه مختلط من بين الحرارتين والوجع يكون في العضو الوارم لتمديد ما فيه له وتسخينه إياه. وتتبعه الحمّى لأنّ القلب يسخن بسخونته العضو الوارم وهذان الأمران يعرضان عند ما يعرض للدم من الاستحالة الشبيهة بالغليان والاحتراق. وإذا استكمل الاحتراق وصار ما يبقى منه قيحاً وهو منه بمنزلة الرماد من الخشب الذي يحترق. ولذلك يخفّ في ذلك الوقت الوجع والحمّى ولا سيّما إذا خرجت المدّة لأنّ المدّة عند ذلك تكون قد بنفرت والحرارة الملتهبة قد طفئت.
قال أبقراط: في كلّ حركة يتحرّكها البدن فإراحته حين يبتدئ به الإعياء تمنعه من أن يحدث به الإعياء.
قال جالينوس: إنّ الاسم الذي يسمّي به أبقراط الإعياء في هذا الموضع وهو بونس قد يدلّ في لسان اليونانيين مع الإعياء على الوجع وعلى أيّ المعنايين فهمته فالقول فيه الحقّ. وذلك أنّ الإنسان إذا تحرّك حتّى توجعه أعضاؤه من كثرة الحركة وإذا عيىّ حتّى لا يقدر على الحركة إلّا بجهد فإنّ راحته حين يبتدئ به ذلك ممّا يمنعه من الإعياء.
قال أبقراط: من اعتاد تعباً ما فهو وإن كان ضعيف البدن أو شيخاً فهو أحمل لذلك التعب الذي اعتاده ممّن لم يعتده وإن كان قوياً شابًّا.
قال جالينوس: إنّ كلّ واحد من الناس قد جرت عادته بنوع من التعب غير ما جرت به عادة غيره فواحد جرت عادته بالإحضار أو حركة غيرها من حركة الرجلين، وآخر جرت عادته بحركة اليدين في الإثارة أو في غيرها من الأعمال، وآخر جرت عادته بالحفر
والإثارة والجدف أو غيرها من الأعمال. وفيما بين جميع هذه الأصناف من الفرق أنّ في بعضها تحريكاً من الأعضاء أكثر وفي بعضها أقلّ وأنّ العضو الواحد بعينه يتحرّك في بعضها أكثر وفي بعضها أقلّ. والأمر الذي يعمّها كلّها أنّ الأعضاء التي ترتاض تصير أقوى من غيرها، ولذلك تكون للتعب الذي قد اعتاده أحمل وتكون عليه أسهل.
قال أبقراط: ما قد اعتاده الإنسان منذ زمان طويل وإن كان أضرّ ممّا لم يعتده فأذاه له أقلّ، فقد ينبغي أن ينتقل الإنسان إلى ما لم يعتده.
قال جالينوس: إنّ حكم أبقراط في هذا الفصل ليس هو على الرياضة فقط كما في الفصل الذي قبله، لكنّه مطلق في جميع ما قد جرت به العادة طعاماً كان أو شراباً أو استحماماً أو ترك الاستحمام أو سهراً أو نوماً أو حرًّا أو برداً أو همًّا. فإنّ كلّ واحد من هذه إذا كانت العادة قد جرت به فمضرّته أقلّ فيمن قد اعتاده من مضرّة ما هو
وإنّما يكون ذلك بأن لا يبقى الإنسان على ما قد اعتاده دائماً، لكن يجعل نفسه في بعض الأوقات على ضدّه.
قال أبقراط: استعمال الكثير بغتة ممّا يملأ البدن أو يستفرغه أو يسخنه أو يبرده أو يحرّكه بنوع آخر من الحركة أيّ نوع كان فهو خطر، وكلّ ما كان كثيراً فهو مقاوم للطبيعة. فأمّا ما يكون قليلاً قليلاً فمأمون متى أردت انتقالاً من شيء إلى غيره ومتى أردت غير ذلك.
قال جالينوس: قد دلّ أبقراط بقوله لِمَ «صار استعمال الكثير بغتة ممّا يملأ البدن أو يستفرغه أو يسخنه أو يبرده أو يحركه بنوع آخر من الحركة أيّ نوع كان خطر» بقوله إنّ «كل ما كان كثيراً فهو مقاوم للطبيعة». وذلك أنّ طبيعة البدن إنّما أسماء جوهرها وقوامها بالاعتدال. فيجب من قبل ذلك أن يكون كلّ ما كان كثيراً أو كان مفسداً للاعتدال مفسداً لجوهر البدن. قال فأمّا ما يكون قليلاً قليلاً من استعمال ما يملأ البدن أو يستفرغه
أو يفعل فيه غير ذلك ممّا قاله بعد فمأمون حريز متى أردت فعل شيء منه ولاسيّما إذا أردت الانتقال من شيء قد جرت به العادة إلى شيء غيره. وقد أشار في الفصل الذي قبل هذا أن ينتقل الإنسان إلى ما لم يعتده. ففي ذلك الانتقال استعمال الكثير بغتة خطر واستعمال الشيء قليلاً قليلاً مأمون حريز.
قال أبقراط: إن أنت فعلت جميع ما ينبغي أن تفعل على ما ينبغي فلم يكن ما ينبغي أن يكون فلا تنتقل إلى غير ما أنت عليه ما دام ما رأيته منذ أوّل الأمر ثابتاً.
قال جالينوس: إنّ من صفة من معه من العلم ما ليس قدره باليسير أن لا ينزع عن أمر قد رأه صواباً وإن لم يكن ظهرت له بعد عند فعله ما رأه من الصواب منفعة بيّنة من فعله. فإنّه كما أنّ الماء الذي يقطر على صخرة يلبث يقرعها زماناً طويلاً
فلا يؤثر أثراً محسوساً إلّا بعد كدّ كذلك يعرض في الأمراض التي نضجها عسر فيستخرج لما ينبغي أن يعالج به على طريق الصواب لا يفارق ذلك الطريق الذي رأه منذ أوّل الأمر وإن لم تظهر له منفعة بيّنة عند استعماله ما رأه من ذلك.
قال أبقراط: من كان بطنه ليّناً فإنّه ما دام شابًّا فهو أحسن حالاً ممّن بطنه يابس ثمّ تؤول حاله عند الشيخوخة إلى أن يصير أردأ، وذلك أنّ بطنه يجفّ إذا شاخ على الأمر الأكثر.
قال جالينوس: إنّ هذا الفصل بيّن، وقد قيل قبل ما ينبغي أن يقال فيه في تفسير الفصل الذي أوّله «من كان بطنه في شبابه ليّناً فإنّه إذا شاخ يبس بطنه.
قال أبقراط: عظم البدن في الشبيبة ليس يكره بل يستحبّ إلّا أنّه عند الشيخوخة يثقل ويعسر استعماله ويكون أردأ من البدن الذي هو أنقص منه.
قال جالينوس: عظم البدن المسمّى الغليظ على الصحّة والحقيقة هو الزائد على المعتدل في الطول والعرض والعمق إلّا أنّ الناس ربّما سمّوا البدن الذي هو زائد في طوله فقط عظيماً على أنّ اسمه الصحيح إنّما هو الطويل. وربّما سمّوا أيضاً البدن الزائد في عرضه وعمقه على المناسبة عظيماً على أنّ اسمه الصحيح إنّما هو الغليظ. وليس يمكن أن يكون أبقراط عنى في هذا الموضع بقوله «عظم البدن» ذلك المعنى الذي يقال عليه هذا الاسم بالحقيقة لأنّ هذا البدن ليس هو في وقت الشيخوخة أحسن حالاً من البدن الذي هو ألطف منه، ولا يمكن أيضاً أن يكون إنّما عنى به البدن الغليظ لأنّه وإن كان البدن الغليظ في وقت الشيخوخة أحسن حالاً وأعسر استعمالاً كمثل حال البدن الطويل، إلّا أنّه ليس هو بحسن ولا كريه في وقت الشبيبة.
فقد بقي أن يكون إنّما عنى بقوله أنّ البدن العظيم في الشبيبة ليس يكره بل يستحسن إلّا أنّه عند الشيخوخة يعسر استعماله البدن الطويل. وذلك أنّه ليس يصحّ هذا القول إلّا فيه فإنّ هذا البدن عند الشيخوخة ينحني ويجذب ولا يمكن صاحبه حمله إلّا بكدّ وهذا هو المعنى الذي قصد إليه أبقراط في قوله «يثقل ويعسر استعماله».
تمّت المقالة الثانية من كتاب الفصول شرح الفاضل جالينوس ترجمه حنين بن إسحاق والسبح للّه وحده.
المقالة الثالثة من فصول أبقراط شرح الفاضل جالينوس
[E5] بسم اللّه الرحمن الرحيم وعلى اللّه على محمّد
[P1] بسم اللّه الرحمن الرحيم اللّهمّ يسّر خيراً
يبتدئ المقالة الثالثة من كتاب الفصول شرح الحكيم جالينوس.
قال جالينوس: إنّي مفسّر في هذه المقالة الثالثة من تفسير كتاب الفصول ما ذكره أبقراط في هذا الكتاب من أمر أوقات السنة والأسنان. وأكثر قصدي إنّما هو لشرح الغامض من قوله، لأنّ ذلك هو الأمر الخاصّ بالتفسير، وأتكلّف مع ذلك أن أتي بالبرهان على شيء شيء ممّا قاله أبقراط وأصاب به، لأنّه قد جرت العادة
بأن يفعل ذلك في التفسير. وإنّ بعض ما أعجب منه من أمر لوقش أنّ أمره ل يشبه بعضه بعضاً في تفسيره لهذا الكتاب، وذلك أنّه كتب تفسيراً لهذا الكتاب أخذه بزعمه عن قوانطس معلّمه ولم يأت على شيء ممّا ذكره أبقراط في أوقات السنة والأسنان بحجّة برهانية، لكنّه اقتصر في جميع ما ذكره فيه على التجربة والرصد على أنّه في تفسيره لفصول أخر كثيرة يبحث عن صحّة ما قيل بطريق القياس ولا يقتصر على التجربة. وقد دلّ أبقراط على أنّه لا يمكن أن يجمع هذا الباب من العلم بالتجربة وحدها دون القياس وسأبيّن ذلك فيما بعد.
قال أبقراط: إنّ انقلاب أوقات السنة ممّا يعمل في توليد الأمراض خاصّة، وفي الوقت الواحد منها التغيّر الشديد في البرد أو في الحرّ، وكذلك في سائر الحالات على هذا القياس.
قال جالينوس: قد ظنّ قوم أنّه إنّما عنى بانقلاب أوقات السنة انتقالها بعضها إلى بعض كأنّه قال تعافيها. وذلك أنّ عند انتقال الشتاء إلى الربيع تتولّد الأمراض التي قال فيها بعد إنّه يكون في الربيع الوسواس والجنون والصرع. وعند انتقال الربيع أيضاً إلى الصيف أعني في ابتداء الصيف يكون كما قال الحمّى الغبّ والمطبقة والمحرقة وسائر ما عدده بعد هذه. وكذلك ذكر في الخريف والشتاء فهذا قول من فهم عنه أنّه إنّما يعني بقوله «انقلاب أوقات السنة» تعاقب الأوقات، لكن في هذا الفصل حرف لا يحتمل معه هذا التأويل. وذلك أنّه عند انقلاب الأوقات بعضها إلى بعض كما تحدث أمراض لم تكن، كذلك تنقصي أمراض قد كانت. وبقراط نفسه يقول هذا فيجب من ذلك أن لا تكون تعاقب أوقات السنة بتوليد الأمراض أخصّ منها بإبرائها، فكيف لم يقتصر على أن يقول إنّ انقلاب أوقات السنة ممّا يعمل في توليد الأمراض ويمسك لكن زاد في قوله «خاصّة وفي الوقت الواحد».
وقد يوجد لهذا الفصل نسخ أخر قد يمكنك أن تفهمها وتمتحنها بالأصول التي قد وطّأتها لك والطريق الذي رسمته لك.
قال أبقراط: إنّ من الطبائع ما تكون حاله في الصيف أجود وفي الشتاء أردأ ومنها ما تكون حاله في الشتاء أجود وفي الصيف أردأ.
قال جالينوس: إنّ أبقراط عنى في هذا الفصل باسم الطبيعة المعنى الذي هو أحقّ الأشياء بأن يسمّى به وهو جوهر الطبيعة. وقد قلنا فيما تقدّم إنّ ذلك هو مزاج الاسطقسات الأربعة الرطب واليابس والحارّ والبارد. وقد بيّنا أيضاً في كتاب المزاج أنّ أصناف المزاج تسعة واحد منها معتدل وهو أفضلها وثمانية غير معتدلة رديئة، أربعة منها تغلب في كلّ واحد منها كيفية واحدة، أربعة أخر تغلب في كلّ واحدة منها كيفيتان. وأمّا الأربعة التي تغلب في كلّ واحد منها كيفية واحدة فالحارّ والبارد والرطب واليابس.
وأمّا الأربعة التي تغلب في كلّ واحد منها كيفيتان فالحارّ اليابس والحارّ الرطب والبارد اليابس والبارد الرطب. فصاحب المزاج البارد الرطب يكون في الصيف على أفضل حالاته، وصاحب المزاج الحارّ اليابس يكون في الشتاء على مثال تلك الحال. وكذلك صاحب المزاج الحارّ اليابس يكون في الصيف على أردأ حالاته وصاحب المزاج البارد الرطب يكون في الشتاء على مثال تلك الحال. وحال كلّ واحد من صاحبي هذين المزاجين عند كلّ واحد من هذين الوقتين الذين ذكرنا على غاية الكمال من حسن الحال وسوء الحال، ومن أصناف المزاج أصناف أخر ينال أصحابها من هذين الوقتين بعض المنفعة وبعض المضرّة مثل المزاج الحارّ الرطب، فإنّ صاحب هذا المزاج ينتفع بالصيف لرطوبته فتحسن حاله من هذا الوجه وينتفع بالشتاء لحرارته.
قال أبقراط: كلّ واحد من الأمراض فحاله عند شيء دون شيء أمثل وأردأ وأسنان ما عند أوقات من السنة وبلدان وأصناف من التدبير.
قال جالينوس: أرى أنّ أبقراط قد تعدّى قليلاً في هذا الفصل في لفظة النظام المستقيم. وذلك أنّ الأجود كان
وصاحب المرض الرطب أو السنّ التي قد تغلب فيها الرطوبة عند التدبير اليابس أصلح، وبالجملة فحال الضدّ عند الضدّ أصلح وحال المثل عند المثل أردأ، إلّا أن يقاس صاحب سنّ معتدلة المزاج إلى تدبير معتدل أو وقت أو بلد معتدلين. فإنّ صاحب هذا المزاج وحده هو الذي يصلح حاله بما يشابهه. فأمّا أصحاب الأسنان التي مزاجها مجاوز للاعتدال والبلدان والأوقات وأصناف التدبير المضادّة لهم فهي أوفق. فأمّا الأمراض فإذا كانت كلّها خارجة عن الاعتدال والأوفق في تولّدها الأوقات والبلدان المشابهة لها وفي برئها الأوقات والبلدان المضادّة لها.
قال أبقراط: متى كان في أيّ وقت من أوقات السنة في يوم واحد مرّة حرّ ومرّة برد فتوقّع حدوث أمراض خريفية.
قال جالينوس: إنّ ذلك لواجب. وذلك أنّه ليس أسماء أوقات السنة هي الأسنان الفاعلة للأمراض، وإنّما الأسنان الفاعلة للأمراض مزاج كلّ واحد من تلك الأوقات.
فإذا تغيّر مزاج كلّ واحد منها، وجب ضرورة أن تتغيّر الأمراض بتغيّره.
قال أبقراط: الجنوب تحدث ثقلاً في السمع وغشاوة في البصر وثقلاً في الرأس وكسلاً واسترخاء فعند قوّة هذه الريح وغلبتها تعرض للمرضى هذه الأعراض، فأمّا الشمال فتحدث سعالاً ووجع الحلوق والبطون اليابسة وعسر البول والاقشعرار ووجعاً في الأضلاع والصدر فعند غلبة هذه الريح وقوّتها ينبغي أن يتوقّع فى الأمراض حدوث هذه الأعراض.
قال جالينوس: إنّ أبقراط دلّ أوّلاً على الشيء الذي يحدث بقوله «الجنون يحدث ثقلاً في السمع وغشاوة في البصر وثقلاً في الرأس وكسلاً واسترخاء». ثمّ دلّ على الحاجة إلى علم ذلك بقوله «فعند قوّة هذه الريح وغلبتها تعرض للمرضى هذه الأعراض». وذلك أنّه ينبغي للطبيب دائماً أن يعرف ويميّز بين ما يكون من نفس المرض وبين ما يعرض
وبرد الشمال أيضاً يفعل أوجاع الصدر، وذلك أنّه يناله مع الضرر المشترك الذي يصيبه مع سائر الأعضاء ضرر خاصّ من التنفّس، وليس ينال ذلك الضرر الرئة والقلب كما ينال لكثرة الحرارة فيهما. وأمّا الإقشغرار فيعرض للناس عند هبوب الشمال لمزاج الهواء في ذلك الوقت.
قال أبقراط: إذا كان الصيف شبيهاً بالربيع فتوقّع فى الحمّيات عرقاً كثيراً.
قال جالينوس: كما قال أبقراط قبيل إنّه متى كان في يوم واحد مرّة حرّ ومرّة برد فتوقّع حدوث أمراض خريفية، كذلك قال في هذا الفصل أيضاً إنّه متى كان الصيف شبيهاً بالربيع يعني متى كان مزاجه مزاجاً معتدلاً فينبغي أن يتوقّع في الحمّيات عرقاً كثيراً. وذلك واجب لحرّ الهواء. وذلك أنّه لا يمكن أيضاً أن يكون العرق الكثير دون أن يكون الهواء حارّا
ولا يمكن أيضاً أن يكون العرق الكثير إلّا أن يكون البدن يحوي رطوبة كثيرة. فكلّ واحد من هذين الأمرين موجود في الصيف والآخر موجود في الشتاء. فليس واحد منهما موجوداً في الخريف، فكلاهما موجودان في الربيع. فواجب متى كان الصيف يابساً قوي اليبس أن يفني ويحلّل الرطوبة، ومتى كان شبيهاً بالربيع أن يجتذب الرطوبة بحرارته إلى ما يلي الجلد وأن لا يمكن أن يحلّلها بطريق البخار لرطوبته. فمن قبل أنّ تلك الرطوبة في وقت بحران الأمراض تستفرغ دفعة يكون منها عرق كثير.
قال أبقراط: إذا احتبس المطر حدثت حمّيات حادّة، وإن كثر ذلك الاحتباس في السنة ثمّ حدثت في الهواء حال يبس فينبغي أن يتوقّع في أكثر الحالات هذه الأمراض وأشباهها.
قال جالينوس: إنّ أبقراط لم يقل إنّه يحدث عند احتباس المطر حمّيات كثيرة لكنّه إنّما قال إنّها تحدث حمّيات حادّة، وهو يقول بعد قليل
إنّ من حالات الهواء في السنة بالجملة قلّة المطر أصحّ من كثرته وأقلّ موتاً ثمّ يتبع هذا القول بأن يقول إنّ الأمراض التي تحدث عند كثرة المطر في أكثر الحالات هي حمّيات طويلة. وذلك واجب من قبل أنّ رطوبة الهواء تجمع في البدن الكيموسات البلغمية وكثيراً من الفضول المائية ويبس الهواء يجعل الكيموسات أنقص إلّا أنّه يجعلها في كيفيتها أحدّ وأقرب من طبيعة المرار ولذلك تكون الحمّيات عند تلك الحال أقلّ عدداً من الحمّيات التي تعرض في حال كثرة المطر إلّا أنّها تكون أحد منها. وأمّا ما قاله بعد هذا الفصل فبيّن واضح.
قال أبقراط: إذا كانت أوقات السنة لازمة لنظامها وكان في كلّ وقت منها ما ينبغي أن يكون فيه كان ما يحدث فيها من الأمراض حسن النبات والنظام حسن البحران، وإذا كانت أوقات السنة غير لازمة لنظامها كان ما يحدث فيها من الأمراض غير منتظم سمج البحران.
قال جالينوس: إنّه قد يمكنك أن تعلم أيّ شيء يعني بالسنة اللازمة لنظامها ممّا قاله أبقراط في كتابه في الهواء والماء والمواضع وهو هذا. وذلك أنّه إن ظهرت العلامات عند طلوع الكواكب وغروبها على ما ينبغي وكانت في الخريف أمطار وكان الشتاء معتدلاً دفيئاً جدّاً ولا مجاوزاً لحق الوقت في البرد ثمّ كانت في الربيع أمطار في أوقاتها وفي الصيف، فواجب أن تكون تلك السنة أصحّ. فإذ قد علمت أيّ شيء يعني أبقراط بالسنة المنتظمة فقد سهل عليك أن تفهم أيّ شيء يعني بغير المنتظمة. وذلك أنّ كلّ سنة لا تحفظ نظام السنة المنتظمة فأبقراط يسمّيها غير منتظمة ويسمّي أيضاً الأمراض التي تحدث فيها بهذا الاسم. وقال إنّ تلك الأمراض أيضاً سمجة البحران وهو يعني أنّها رديئة البحران. وذلك أنّ البحران يكون في هذه الأمراض مع أعراض فيها خطر شديد ويكون البحران نسفه رديئاً مهلكاً أو تكون للمرض بعده عودة لا محالة.
قال أبقراط: إنّ في الخريف تكون الأمراض أحدّ ما تكون وأقتل في أكثر الأمر، فأمّا الربيع فأصحّ الأوقات وأقلّها موتاً.
قال جالينوس: وإذا أحفظت أوقات السنة كلّها المزاج الذي يصلح لكلّ واحد منها كان أصحّها كلّها الربيع من قبل أنّه أعدلها. وكان أجلّها لأحد الأمراض وأقتلها الخريف بقياس سائر الأزمان لأنّ الربيع على غاية الاعتدال في مزاجه، وقد اجتمعت في الخريف خصال مذمومة أوّلها أن يكون فيه في اليوم الواحد مرّة حرّ ومرّة برد. والثانية أنّه يتلو الصيف فلقى الأبدان فقد احترقت في كثير منها الكيموسات وقد ضعفت مع ذلك في بعضها القوّة. وليس رداءة الخريف من قبل هذا فقط لكن من قبل أيضاً أنّه قد كانت حركة الكيموسات من قبل حلوله إلى ناحية الجلد فكانت تتحلّل. ثمّ إنّها في الخريف تندفع إلى قعر البدن من البرد. وهذه الأشياء التي وصفنا كلّها شاملة للناس وتخصّ من يسيء التدبير مع هذا زيادة أمر الفواكه،
وذلك أن يكثر منها فيمتلئ بدنه كيموساً رديئاً.
قال أبقراط: الخريف لأصحاب السلّ رديء.
قال جالينوس: إنّ أبقراط قد ذمّ الخريف في الفصل الذي قبل هذا ذمًّا عامًّا، ثمّ إنّه ذمّه في هذا الفصل ذمّه ذمًّا خاصًّا لمضرّته لأصحاب السلّ خاصّة. وقد يمكن أن يكون عنى بأصاحب السلّ أصحاب قرحة الرئة وهم المخصوصون بهذا الاسم، ويمكن أن يكون عنى جميع من يذوب بدنه وينهك بسبب من الأسباب، وليس يمكن أن يعلم أيّ المعنين قصد، إلّا أنّ الأمر في رداءة الخريف الذين ذكرتهم أوّلاً والذين ذكرتهم آخراً بيّن إذ كان الخريف بارداً يابساً مختلف المزاج.
قال أبقراط: فأمّا في أوقات السنة فأقول إنّه متى كان الشتاء قليل المطر شمالياً وكان الربيع مطيراً جنوبياً
فيجب ضرورة أن تحدث فى الصيف حمّيات حادّة ورمد واختلاف دم وأكثر ما يعرض اختلاف الدم للنساء ولأصحاب الطبائع الرطبة.
قال جالينوس: إنّ أبقراط قد أخذ في صفة تغيّر أوقات السنة فابتدأ بذكر الشتاء والربيع إذا كان الشتاء قليل المطر شمالياً وكان الربيع مطيراً جنوبياً. وهذا التغيّر هو تغيّر يسير إلّا أنّه على حال خارجة عن المجرى الطبيعي، ولذلك قال إنّه إذا كان ذلك حدث في الصيف من الأمراض الحمّيات الحادّة والرمد واختلاف الدم. وقد أخبر أبقراط بالسبب الذي من قبله تكثر هذه الأمراض من قبل هذه الحال من حالات الهواء في كتابه في الماء والهواء والمواضع. وهذا كلامه فيه في ذلك الموضع، قال «فإن كان الشتاء قليل المطر شمالياً وكان الربيع مطيراً جنوبياً وجب ضرورة أن يحدث في الصيف حمّيات ورمد. وذلك أنّه إذا كان كذلك فاجأه الرمد بغتة لأنّ الأرض تكون رطبة من قبل الأمطار الربيعية ومن قبل الجنوب، وجب ضرورة أن يتضاعف الحرّ
وسنبحث عن هذا الكلام الذي زاده في هذا الباب في كتابه في الهواء والماء والمواضع إذا صرنا إلى تفسير ذلك الكتاب. فأمّا ما قاله في هذا الفصل فقد فسّرناه تفسيراً كافياً ما خلا لفظة واحدة منه وهي قوله «ضرورة»، فقد ألحق هذه اللفظة مع إلحاقه إياها في كتاب الفصول في كتابه في الهواء والماء والمواضع فدلّ بها أنّ وصفه بما وصف في هذا الكتاب إنّما اعتمد فيه ووثق به بطريق القياس على طبائع الأمور لا بطريق الرصد والتجربة فقط. وكم من مرّة ترى كان يمكنه أن يرى هذه الحال من حالات الهواء وفي كم بلد لعلّه كان يمكنه أن يراها مرّتين أو ثلاثة أو أربعة ولو قلت إنّه كان يمكنه أن يراها مراراً كثيرة لما كان يقدر أن يقول إنّ الحال فيها دائماً تكون على ما وصفت كما أنّك لو رأيت خمسة أنفس أو ستّة أو سبعة قد أسهلهم دواء من الأدوية لما قدرت أن تحكم حكم تجربة أنّ كلّ من شرب ذلك الدواء أسهله ضرورة. فقد تبيّن من ذلك أنّ أبقراط إنّما أتبع القياس على طبيعة الأمور لا طريق الرصد والتجربة فقط في قوله فيجب ضرورة أن تحدث في الصيف حمّيات حادّة ورمد واختلاف دم.
قال أبقراط: ومتى كان الشتاء جنوبياً مطيراً دفيئاً وكان الربيع قليل المطر شمالياً فإنّ النساء الاتي تتّفق ولادتهنّ نحو الربيع يسقطن من أدنى سبب، والاتي يلدن منهنّ يلدن أطفالاً ضعيفة الحركة مسقامين حتّى أنّهم إمّا أن يموتوا على المكان وإمّا أن يبقوا منهوكين مسقامين طول حياتهم، وأمّا سائر الناس فيعرض لهم اختلاف الدم والرمد اليابس، وأمّا الكهول فيعرض لهم من النزل ما يفنى سريعاً.
قال جالينوس: إنّ مزاج هذين الوقتين الذين وصفهما أبقراط في هذا الفصل ضدّ مزاجهما الذي وصفه في الفصل الذي قبل هذا. وذلك أنّه جعل مزاج الربيع في هذا الفصل كمزاج الشتاء كان في الفصل الأوّل وجعل مزاج الشتاء في هذا كمزاج الربيع كان في ذلك. وقد بيّنّا بياناً كافياً أنّه لم يكن يجب من تلك الحال أن تعرض أمراض قوية في الربيع. وقد ينبغي لنا أن الآن يتبيّن أنّه متى كان الشتاء حارًّا رطباً وكان الربيع بارداً يابساً يجب ضرورة
حتّى أنّهم يهلكون بغتة ومنهم من يعرض له الفالج في شقّة الأيمن». وكان أبقراط لم يرد بقوله النزل في هذا الكلام ما قد جرت به العادة أن يستعمل عليه في هذه اللفظة وهو انحدار ما ينحدر من الرأس إلى الرئة في قصبتها، وإنّما أراد بقوله النزل كلّ ما ينحدر من الرأس في العروق إلى ما دون الرأس من الأعضاء. ولذلك ألحق في قوله ما يفنى سريعاً وقد أحسن في ذلك لأنّ بحران هذه النزل يكون سريعاً على أنّ سائر النزل يطول لبثها. وقد فهم قوم من المفسّرين من قوله «النزل» النزلة التي تنحدر من الرأس إلى الرئة في الحلق وقصبة الرئة فزادوا في هذا الكلام علامة النفي وهي «لا» فكتبوا. وأمّا الكهول فيعرض لهم من النزل ما لا يفنى سريعاً وقالوا إنّ ذلك واجب. وذلك أنّ النزل الباردة التي تعرض لهم لا تنضج لمكان بينهم. وقد نجد في بعض النسخ مكان «ما يفنى سريعاً» «ما لا يفنى سريعاً»، وهذه النسخة موافقة لما قاله أبقراط في كتابه في الماء والهواء والمواضع، لأنّه قال في ذلك الكتاب «حتّى أنّهم يهلكون بغتة».
قال أبقراط: فإن كان الصيف قليل المطر شمالياً وكان الخريف مطيراً جنوبياً عرض فى الشتاء صداع شديد وسعال وبحوحة وزكام وعرض لبعض الناس السلّ.
قال جالينوس: إنّ أبقراط جعل في الصيف والخريف في هذا الفصل المزاج الذي كان جعله قبيل للشتاء والربيع حيث قال «متى كان الشتاء عديم المطر شمالياً وكان الربيع مطيراً جنوبياً»، إلّا أنّه في ذلك الفصل قال إنّه تحدث عن حال الهواء هذه الأمراض في الصيف حمّيات حادّة ورمد اختلاف دم. وأمّا في هذا الفصل فقال إنّه يحدث عن حال الهواء التي ذكرها فيه في الشتاء صداع وسعال وبحوحة و.كام. ولم يصف في ذلك الفصل مع ما وصف مزاج الصيف ولا وصف في هذا الفصل مزاج الشتاء لأنّه يريد أن يكون كلّ واحد من هذين الوقتين باقياً على مزاجه الطبيعي. وذلك أنّه إن عرض في هذين الوقتين أيضاً تغيير من كلّ واحد منهما عن مزاجه الطبيعي
وذلك للرأس بمنزلة التنقية والاستفراغ. وقد يعرض لبعض الناس أن يثقل رأسه ذلك الامتلاء جهة يضعف الرأس فلا يحتمل برد الشتاء فيبرد وييبس مزاجه ويصير عند ذلك سبباً لانحدار الفضول إلى ما دونه فيكون الأمر عند ذلك أشدّ تفاقماً وصعوبة.
قال أبقراط: فإن كان شمالياً يابساً كان موافقاً لمن كانت طبيعته رطبة وللنساء، وأمّا سائر الناس فيعرض لهم رمد يابس وحمّيات حادّة وزكام مزمن ومنهم من يعرض لهم الوسواس العارض من السوداء.
قال جالينوس: إنّ هذا الكلام ليس هو فصل تامّ لكنّه جزء ثان من الفصل الذي قد فرغت من تفسير جزئيه وهما جميعاً فصل واحد. وذلك بيّن وأضح من قبل أنّه وضع حال الصيف مشتركة للكلام الأوّل والثاني،
وهو أنّ طلوع الثريّا هو أوّل الصيف ثمّ طلوع الشعري العبور ابتداء وقت الفاكهة وهو الجزء الثاني من الصيف ثمّ طلوع السماك الرامح هو أوّل الخريف ثمّ غيبوبة الثريّا هو أوّل الشتاء ثمّ استواء الليل والنهار بعد الشتاء أوّل الربيع.
قال أبقراط: إنّ من حالات الهواء في السنة بالجملة قلّة المطر أصحّ من كثرة المطر وأقلّ موتاً.
قال جالينوس: قد كان الأجود أن يكون وضع هذا الفصل قبل هذه الفصول التي تقدّمت وهي التي وصف فيها مزاج الهواء في أوقات السنة وقد يدلّك على ذلك نفس المعنى إذ كنّا قد احتجنا إلى هذا الفصل في تثبيت تلك الفصول التي تقدّمت ولزمنا ذلك ضرورة، لأنّ الشيء المفرد أقدم من الشيء المركّب على طريق الطباع وعلى طريق التعليم.
فإن التمس ملتمس أن يستعمل الاستفراغ بالدواء مرّتين في الشهر أو مرّة حزراً أن تجتمع في البدن فضول كثيرة، أضرّ بالبدن مع أنّه يلقيه في عادة رديئة. وللغذاء فضلان أحدهما رطب رقيق كأنّه مائي وهو يخالط الغذاء لينفذه، والآخر كأنّه دخاني وهو يتولّد من أكثر الأطمعة إذا كان فيها بعض الرداءة ولم يبلغ فيها عمل الطبيعة، فلم يتشبّه بالبدن الذي يروم أن يغتذي بها ولم يتّصل به. فهذه الفضول كلّها تحتاج أن تفرغ في كلّ يوم، وإفراغها يكون إذا كان مزاج الهواء رطباً، ولذلك قال أبقراط إنّ مزاج الهواء اليابس أصحّ.
قال أبقراط: فأمّا الأمراض التي تحدث عند كثرة المطر في أكثر الحالات فهي حمّيات طويلة واستطلاق البطن وعفن
وصرع وسكات وذبحة، فأمّا الأمراض التي تحدث عند قلّة المطر فهي سلّ ورمد ووجع المفاصل وتقطير البول واختلاف الدم.
قال جالينوس: أمّا الحمّيات الطويلة فليس يعجب أن تلحق كثرة الرطوبة إذا كان المريض يحتاج في تحليل مرضه عنه إلى نضجه، وكانت الرطوبة الكثيرة يجب أن يكون نضجها في زمان طويل. ومع هذا فإنّ الكيموسات في وقت كثرة المطر تصير أبرد وأميل إلى البلغم كما تميل عند قلّة المطر إلى الصفراء، فمن قبل هذا أيضاً تطول الحمّيات في وقت كثرة المطر ويكون في وقت قلّة المطر أحدّ وأقصر، والأمر أيضاً في استطلاق البطن بيّن أنّه يجب أن يكون في وقت كثرة المطر لاستفراغ فضول الكيموسات من البطن، وكذلك أمر العفن. فقد عياناً الشيء اليابس أبعد من العفونة من الشيء الرطب. والصرع أيضاً والسكات مرضان بلغميان. فأمّا الذبحة
كما رسمت قبيل ويستقصوا صفته حتّى يأتوا على آخرها فأغفلوا ذلك والقوّة، ولم يذكروا منه شيئاً بتّة. وسنلتمس نحن أن نفعل ذلك فنفرد لهذا الباب كتاباً خاصًّا إن وهب اللّه لنا استتمام ما نحن فيه من هذا الكتاب.
قال أبقراط: وأمّا حالات الهواء في يوم يوم فما كان منها شمالياً فإنّه يجمع الأبدان ويشدّها ويقوّيها ويجوّد حركتها ويحسن ألوانها ويصفي السمع منها ويجفّف البطن ويحدث فى الأعين لذعاً، وإن كان في نواحي الصدر وجع متقدّم هيّجه وزاد فيه؛ وما كان منها جنوبياً فإنّه يحلّ الأبدان ويرخيها ويرطبها ويحدث ثقلاً في الرأس وثقلاً في السمع وسدراً في العينين وفي البدن كلّه عسر الحركة ويلين البطن.
قال جالينوس: إنّ الشمال لمّا كانت ريحاً يباردة يابسة فإنّها تفني جميع الفضول من البدن،
وهذه الأعضاء تثقل حتّى تكون أفعالها أردأ بسبب كثرة الرطوبة.
قال أبقراط: وأمّا في أوقات السنة ففي الربيع وأوائل الصيف يكون الصبيان والذين يتلونهم فى السنّ على أفضل حالاتهم وأكمل الصحّة، وفي باقي الصيف وطرف من الخريف يكون المشائخ أحسن حالاً، وفي باقي الخريف وفي الشتاء يكون المتوسّطون بينهما فى السنّ أحسن حالاً.
قال حالينوس: إذا محنت قول أبقراط هذا فوجدته يصحّ لا في الأسنان فقط لكن في غيرها من جميع الأشياء التي هي في مزاجها معتدلة. وذلك أنّ افضل أوقات السنة للأسنان المعتدلة والطبائع المعتدلة والبلدان المعتدلة أشدّها اعتدالاً إذ كانت ليس تحتاج إلى أن تتغيّر عن حالها التي هي عليه بل إنّما تحتاج أن تحفظ على حالها
ممّا قد وصفت. وذلك أنّ أشدّ ما مضارّة لأفضل الأوقات فهو أردأها لها. وعلى هذا القياس أيضاً تعرف أوقات السنة المتوسّطة فيما بين أردأ الأوقات لها وأجودها لها. وينبغي أيضاً أن تتفهّم هذا وتخطره بنا لك أنّ الربيع إنّما قيل إنّه أفضل الأوقات للفتيان. فأمّا لسائر الناس فهو متوسّط. وليس هو أجود الأوقات لهم ولا أردأها. وكذلك حاله عند الطبائع والبلدان. فأمّأ الخريف فهو رديء لجميع الأسنان والطبائع والبلدان، إلّأ أنّ أقلّها منه ضرر ما كان منها حارًّا رطباً.
قال أبقراط: والأمراض كلّها تحدث في أوقات السنة كلّها إلّا أنّ بعضها في بعض الأوقات أحرى بأن تحدث وتهيج.
قال جالينوس: لو كان مزاج الهواء المحيط بنا وحده هو السبب في حدوث الأمراض لكان جميع الناس سيمرضون في كلّ واحد من أوقات السنة الأمراض التي تشاكل ذلك الوقت. فلمّا كانت الأمراض قد تكون أيضاً من سوء التدبير والتلخيط في التصرّف صارت الأمراض كلّها تعرض في جميع أوقات السنة، إلّا أنّ الأكثر في كلّ وقت من الأوقات ما شاكله. وممّا يعين على ذلك معرفة ليست باليسيرة اختلاف الطبائع. وذلك أنّه ليس يمكن أن يكون الضرر الذي ينال البدن الحارّ والبدن البارد من السبب الواحد على مثال واحد ولا ما ينال الرطب واليابس من السبب الواحد شيء واحد، ولا ما ينال المعتدل المزاج من السبب الواحد هو ما ينال كلّ واحد من الحارّ والبارد منه ولا ما ينال الأبدان التي مزاجها خارج عن الاعتدال على طريق التركيب كما لخّصنا قبيل.
قال أبقراط: قد يعرض في الربيع الوسواس السوداوي والجنون والصرع وانبعاث الدم والذبحة والزكام والبحوحة والسعال والعلّة التي يتقشّر منها الجلد والقوابي والبهق والبثور الكثيرة التي تتقرّح والخراجات وأوجاع المفاصل.
قال جالينوس: إن كان الأمر على هذا فكيف يتوهّم أنّ ما قيل قبيل صواب من أنّ الربيع أصحّ الأوقات وأقلّها موتاً إذ كانت قد تحدث فيه هذه الأمراض الكثيرة جدّاً قد يخيل الربيع أنّه دون الأوقات، إذ يحدث فيه من الأمراض المختلفة ما يساوي منها في سائر جميع الأوقات، لأنّ الجنون والوسواس السوداوي والصرع والذبحة من أمراض الخريف والزكام والبحوحة والسعال من أمراض الشتاء. فأمّا الصيف فإنّ أبقراط نفسه يقول فيه بعد قليل فيدلّ على المشاركة التي فيما بينه وبين الربيع في الأمراض حيث يقول: فأمّا في الصيف فقد يعرض بعض هذه الأمراض، يعني بذلك الأمراض التي تقدّم ذكرها وقيل إنّها تحدث في الربيع. وقد تحدث في الربيع أمراض فضلاً عن الأمراض التي تحدثها سائر الأوقات مخصوصة به، وهي انبعاث الدم والعلّة التي يتقشّر منها الجلد والقوابي والبهق والبثور الكثيرة التي تتقرّح والخراجات وأوجاع المفاصل، إلّا أن تكون الأوقات من قبل أنّ هذه الأمراض التي هي للربيع خاصّة فكلّها سليم لا خطر فيه ويبلغ من بعدها عن أن تشهد على تكذيب الفصل الذي قال فيه أبقراط إنّ الربيع أصحّ الأوقات وأقلّها موتاً أن تشهد على صحّته أوّلاً. وذلك أنّ باطن البدن وعمقه ينقى في ذلك الوقت فتصير الأخلاط الرديئة من الأعضاء الشريفة الرئيسية إلى ناحية الجلد.
إمّا الصرع وإمّا السكات بسبب تلك الرياضة. فإن لم يحدث ذلك عليه فلن يؤمن عليه أن ينصدع منه عرق في الرئة فيقع معه في بلية لا تستقال. وكثير من الناس قد تعتريهم من الرياضة حمّى في غاية الحرّة. فأمّا من كانت عاقبة رياضته نقاء بدنه فإنّ تلك الرياضة إذا أخرجت تلك الفضول الرديئة إلى الجلد تحدث قروح وجرب. ولذلك قال أبقراط إنّ من تعب وبدنه غير نقي ظهرت به قروح. فحرارة الهواء المحيط بالبدن في الربيع تذيب الأخلاط فتخرجها إلى الجلد وفعله هذا شبيه بفعل الرياضة. وليس فعل الرياضة فقط يشبه فعل الربيع لكن قد يشبه فعل الطبيعة نفسها. فإنّ من أفعال الطبيعية أن يحدث التحلّل الذي ينسب إلى الخفي في البدن كلّه الذي فيه تخرج الفضول وأن تنقي البدن بأنواع شتّى من التنقية في الأمراض.
قال أبقراط: فأمّا في الصيف فيعرض بعض هذه الأمراض وحمّيات دائمة ومحرقة وغبّ كثيرة وقيء وذرب ورمد ووجع الأذن وقروح في الفم وعفن في الفروج وحصف.
قال جالينوس: قال أبقراط إنّه قد يعرض في الصيف بعض الأمراض الربيعية وهو يعني بذلك أنّ تلك الأمراض تعرض في أوّل الصيف، لأنّ ما يتّصل من الصيف بآخر الربيع، فكما هو في مزاجه مشابه للربيع كذلك هو مشابه له في توليد ما يتولّد فيه من الأمراض. فقال فقد يحدث في الصيف أمر آخر خاصّة له وهو حمّيات دائمة وحمّيات محرقة وحمّيات غبّ وبالجملة كلّ مرض يعرض للأبدان من غلبة المرّة الصفراء. فإنّ القيء أيضاً إنّما يحدث فيه عندما تطفو المرّة الصفراء في أعلى المعدة والذرب عند انحرارها إلى أسفل، ويحدث في الصيف رمد كثير أيضاً من قبل ما يعرض للرأس من الامتلاء في ذلك الوقت. ويحدث في البدن أيضاً أمراض كثيرة غير هذه شبيهة بها في الصيف
أو كان بالجملة لذاعاً. فإنّه إذا كان كذلك أحرق الجلد وأحدث فيه حكّة وخشنة تخشن القروح. ولذلك سمّاه اليونانييون الحصف باسم مشتقّ من اسم العرق.
قال أبقراط: وأمّا في الخريف فيعرض أكثر أمراض الصيف وحمّيات ربع ومختلطة وأطحلة واستسقاء وتقطير البول وسلّ واختلاف الدم وزلق الأمعاء ووجع الورك والذبحة والربو والقولنج الشديد الذي يسمّيه اليونانيون إيلاوس والصرع والجنون والوسواس السوداوي.
قال جالينوس: إنّ أبقراط قال إنّه يعرض في الخريف أكثر أمراض الصيف وذلك يكون لأنّ الكيموس الذي كان غالباً في الصيف وهو المرّة الصفراء تبقى في الخريف في البدن. وذلك أنّه ليس كما إذا جاء الصيف بعد الربيع استفرغ الأخلاط كذلك يستفرغ الخريف الأخلاط التي كانت غالبة في البدن في الصيف، لكن بفعل ضدّ ذلك فتميل الأخلاط من خارج البدن إلى باطنه.
وأكثر ما يكون من ورم يحدث في مواضع من الأمعاء. وحدوث الآفة بنواحي المعدة والأمعاء أوجب ما يكون إذا كان الوقت بارداً يابساً مختلف المزاج مفسداً لأخلاط البدن. وذلك أنّ الأخلاط في الصيف تكون رقيقة سريعة الحركة فيلقاها الخريف وهو بارد مختلف وهي على تلك الحال فيميلها إلى باطن البدن وعمقه. والأمعاء ممّا هو موضوع في باطن البدن وعمقه. وأمّا الصرع فيعرض في الخريف لمن كان متهيّئاً لحدوث هذه العلّة به للتغيّر الذي يحدث في هذا الوقت بغتة إلى الحالات المتضادّة. وذلك أنّه يعرض في هذا الوقت في انتصاف النهار حرّ وفي أوّل النهار برد وليس شيء أعون على تهيّج نوائب الصرع من هذا التغيير. وأمّا الجنون فيعرض في ذلك الوقت لخبث الأخلاط الرقيقة التي من جنس المرار. وأمّا الوسواس السوداوي فمن قبل المرّة السوداوي وقد وصفت أمرها فيما تقدّم.
قال أبقراط: وأمّا في الشتاء فيعرض ذات الجنب وذات الرئة والزكام والبحوحة والسعال وأوجاع الجنبين والقطن والصداع والسدر والسكات.
قال جالينوس: إنّ أبقراط لمّا اقتصّ الأمراض الشتوية من بعد الأمراض الخريفية لم يقل فيها كما قال قبل إنّه تعرض في الشتاء بعض الأمراض الخريفية ولا إنّه يعرض في الشتاء أكثر الأمراض الخريفية على أنّه فيما تقدّم. أمّا عند ذكره الأمراض الصيفية فقال وهو يقيسها إلى الربيعية. وأمّا في الصيف فيعرض بعض هذه الأمراض. وأمّا عند ذكره الأمراض الخريفية فقال «وأمّا في الخريف فيعرض أكثر أمراض الصيف». وأمّا الآن عند ذكره الشتاء فجعل قوله في تعديد الأمراض التي تحدث فيه مطلقاً، وليس يخلو من أن يكون أراد أن يفهم عنه فيها أيضاً مثل ما وصف في تلك أو يكون جعل الحكم مطلقاً على أنّ الخريف لا يشترك الشتاء في شيء، وإن وجب أن يكون أوّل الشتاء يشرك آخر الخريف في الأمراض التي تحدث فيه وكذلك يوجد الأمر بالتجربة.
فأمّا أمراض الشتاء المخصوصة به فهي في قول أبقراط ذات الجنب وذات الرئة والزكام والبحوحة والسعال وأوجاع الجنبين والقطن والصداع والسدر والسكات. فأمّا ذات الجنب وذات الرئة فلما ينال آلات التنفّس من الضرر لسبب البرد إذ كان قد يمكنّا أن نكنّ سائر الأعضاء ونغطيها ونحوّطها حتّى لا ينالها من برد الهواء شيء بتّة أو يكون ما ينالها منه أقلّ القليل. فأمّا النفس فلا يمكن أن يمنع منه ولا يمكن أن يكون النفس من غير هذا الموضع الذي يكون به. فلبرد الهواء الذي يستنشق يعرض في الشتاء ما ذكرنا من العلل ويعرض فيه خاصّة السعال وأوجاع الجنبين. وبسبب ذلك البرد أيضاً تدخل الآفة على الرأس فتحدث من قبل ذلك الزكام والبحوحة. وكما يعرض وجع الجنبين بسبب البرد، كذلك تعرض وجع الرأس ووجع القطن وبالجملة وجع كلّ عضو عصبي. والسدر أيضاً إنّما يحدث من قبل الآفة الداخلة على الرأس، وكذلك السكات. فإنّ هذه العلّة إنّما تحدث إذا امتلئ الدماغ من البلغم حتّى يغمره.
قال أبقراط: وأمّا في الأسنان فيعرض هذه الأمراض إمّا الأطفال الصغار حين يولدون فيعرض لهم القلاع والقيء والسعال والسهر والتفزّع وورم السرّة ورطوبة الأذنين.
قال جالينوس: إنّ أبقراط قد عنى بتلخيص أمر الأسنان واستقصى تصنيفها بأكثر ممّا عنى بتلخيص أمر الأوقات. وذلك أنّه جزء الأسنان إلى أقلّ أجزائها، ووصف ما يعرض من الأمراض في كلّ واحد منها. فقال إنّما يعرض للطفل حين يولد القلاع. ويسمّى بهذا الاسم القروح التي تعرض في الفم في سطحه وإنّما تحدث هذه خاصّة للين الآلات من الطفل حتّى لا تحتمل ملاقاة اللبن لها ولا كيفيته لأنّ في اللبن رطوبة مائية ليست باليسيرة. ولأنّ لتلك الرطوبة في طبعها قوّة جلاء فليس إذاً يعجب أن يحدث في الأجسام اللينة قروح في ظاهرها. وقال إنّه ممّا يعرض لأصحاب تلك السنّ القيء وإنّما يعرض لهم لكثرة ما يبرزون من اللبن. وقال إنّه يعرض لهم السهر وما السهر من عادة الأطفال وما هم في أكثر أوقاتهم إلّا ينامون،
إلّا أنّه قد يعرض للصبيان أن يكون تنقية فضول الدماغ تجري في خروجها من الأذنين وما أحسن ما صنع أبقراط في إدخاله رطوبة الأذنين في الأمراض المخصوص بها أصحاب هذا السنّ. وإنّ البدن كلّه في الصبي المولود بقي غاية الرطوبة حتّى تكون طبيعة العظام فيه بطبيعة الشمع أشبه منها بطبيعة الحجرة، إلّا أنّ دماغه أرطب كثيراً من سائر أعضائه كلّها إذا كان في المستكمل على هذه الحال فبالواجب إذا كانت الفضول فيه كثيرة صارت تجري منه في جميع المنافذ.
قال أبقراط: فإذا قرب الصبي من أن تنبت له الأسنان عرض له مضيض فى اللثة وحمّيات وتشنّج واختلاف لا سيّما إذا نبتت له الأنياب وللعبل من الصبيان ولمن كان منهم بطنه معتقلاً.
قال جالينوس: أمّا المضيض في اللثّة فليس يعجب أن يعرض للصبي إذا قرب من أن تنبت أسنانه.
فنسق على التشنّج، يعني أنّ التشنّج إنّما يعرض خاصّة لمن كان من الصبيان عبل البدن معتقل البطن. فإنّ من كانت هذه حاله من الصبيان فبدنه ممتلئ كثير الفضول فلذلك يسرع إليه التشنّج فإنّ التشنّج أكثر ما يعرض للأبدان التي هذه حالها.
قال أبقراط: فإذا تجاوز الصبي هذه السنّ عرض له ورم الحلق ودخول خرزة القفا والربو والحصى والحيات والدود والثآليل المتعلّقة والخنازير وسائر الخراجات.
قال جالينوس: إنّ أبقراط ذكر أوّلاً حال الصبي المولود ثمّ ذكر بعده حال الذي تنبت أسنانه ثمّ ذكر الآن حالاً ثلاثة في سنّ بين انقضاء نبات الأسنان وبين القرب من نبات الشعر في العانة.
لأنّ اللحم الرخو في هذه المواضع كثير وهذا اللحم الرخو في طبيعته سريع إلى قبول الفضول. والخنازير أيضاً هي ورم يحدث في اللحم الرخو إلّا أنّ ذلك الورم ليس يكون من مادّة حارّة ولا سريعة إلى التقيّح لكنّه يكون من مادّة هي إلى البرد وإلى طبيعة البلغم أميل.
قال أبقراط: وأمّا من جاوز هذه السنّ وقرب من أن ينبت له الشعر في العانة فيعرض له كثير من هذه الأمراض وحمّيات أزيد طولاً ورعاف.
قال جالينوس: إنّ الغلام يبدأ ينبت له الشعر في العانة بعد أن يأتي عليه أربعة عشر سنة. وأمّا من قرب من هذه السنّ فهو من أتت عليه اثنتا عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة ومن الغلمان من يأتي عليه أربع عشرة سنو ولم ينبت، لأنّه ليس حدّ الإنبات واحداً على الصحّة والاستقصاء في جميع الغلمان لكنّه يختلف بقدر حرارة المزاج وبرده. وذلك أنّ الغلام إذا كان مزاجه حارًّا فإنباته يكون أسبق، وإذا كان بارداً كان إنباته متأخّراً.
وقد يعرض لصاحب هذه السنّ كثير من هذه الأمراض التي ذكرناها قبل وذلك لمشابهة مزاجه لمزاج صاحب السنّ التي قبله ويعرض له من الحمّيات ما هو أطول ممّا يعرض لذلك، إلّا أنّ أبقراط لم يذكر شيئاً ممّا يعرض لأصحاب تلك السنّ كثيراً من الحمّيات لكن يستدلّ ممّا قاله في هذا الموضع أنّه يرى أنّه يعرض لأصحاب تلك السنّ حمّيات حادّة. وذلك أنّ حال الصبي تتغيّر في أسرع الأوقات لرطوبة بدنه وصحّة قوّته الطبيعية. فأمّا الرعاف فيعرض لصاحب هذه السنّ لأنّه يبتدئ يكثر الدم في هذه السنّ لا أنّه يتولّد أكثر ممّا كان يتولّد، لكن لأنّه يكون ما ينفذ منه في هذه السنّ أقلّ ممّا كان ينفذ منه قبيل لأنّ النشو بقياس البدن يكون في هذه السنّ أقلّ ممّا يكون في السنّ التي قبلها.
قال أبقراط: وأكثر ما يعرض للصبيان من الأمراض يأتي في بعضه البحران في أربعين يوماً وفي بعضه في سبعة أشهر وفي بعضه في سبع سنين وفي بعضه إذا شارفوا إنبات الشعر في العانة،
فأمّا ما يبقى من الأمراض ولا ينحلّ في وقت الإنبات أو في الإناث في وقت ما يجري منهنّ الطمث فمن شأنها أن تطول.
قال جالينوس: لو كان زيد مع الأمراض في هذا القول المزمنة فقيل الأمراض المزمنة لكان أجود. ولذلك فهم قوم عن أبقراط أنّه متى قال أمراض فإنّما يعني بذلك الأمراض المزمنة فقط. وقد ذكر أبقراط في هذا الكتاب الأمراض في مواضع ينقض دعواها ولا منها قوله «قد يحتاج في الأمراض الحادّة في الندرة إلى أن يستعمل الدواء المسهل في أوّلها» ومنها قوله «التدبير البالغ في اللطافة مذموم في جميع الأمراض المزمنة وفي الأمراض الحادّة إذا لم يحتمله». فتبيّن من هذا أنّ أبقراط لم يعن بقوله الأمراض المزمنة فقط لكنّه قد يعني به الحادّة أيضاً. وأمّا في هذا الفصل في هذا الموضع فلن يخلو من أن يكون إنّما عنى به المزمنة فقط أو يكون كلامه ناقصاً. فنحن نتمّه فنقول: وأكثر ما يعرض للصبيان من الأمراض المزمنة يأتي في بعضه البحران في أربعين يوماً وفي بعضه في سبعة أشهر
وفي بعضه في سبع سنين. ويوم الأربعين هو أوّل يوم من أيّام بحران الأمراض المزمنة، وآخر يوم من أيّام بحران الأمراض الحادّة المنتقلة. فأمّا ما جاوز هذا العدد من الأيّام فبحرانه يكون على حساب الأسبوع، إلّا أنّه ليس يحسب الأسبوع عند ذلك بعدد الأيّام، لكن بحسب أوّلاً بعدد الشهور ثمّ من بعد ذلك بعدد السنين. ثمّ ما جاوز هذا الحدّ فبحرانه يكون في أربعة عشر سنة، لأنّ هذا الوقت هو وقت استتمام الأسبوع الثاني، ولأنّه يحدث للبدن تغيّر عظيم في وقت نبات الشعر في العانة وخاصّة في الإناث لانفجار دم الطمث فما لم يتحلّل من الأمراض ولا في هذه السنّ فحري بأن يبقى دهراً طويلاً.
قال أبقراط: وأمّا الشبّان فيعرض لهم نفث الدم والسلّ والحمّيات الحادّة والصرع وسائر الأمراض إلّا أنّ أكثر ما يعرض لهم ما ذكرنا.
قال جالينوس: إنّ أبقراط وفق جدّاً في استقصاء تلخيص الأسنان الأولى إلى السنّ التي حدّها نبات الشعر في العانة ثمّ لا أدري كيف تجاوز سنّ الفتيان وهي فيما بين سنّ من قد نبت له الشعر في العانة وبين سنّ المتناهي في الشباب، إلّا أنّه قد يمكنك أن يستدلّ ممّا قاله في السنّين التي قبلها وبعدها على ما يعرض فيها من الأعراض فإنّ هذه السنّ قد تشترك بين تلك السنّين في أشياء كثيرة ويخصّها خاصّة في الذكورة الرعاف، وقد ذكره فيمن شارف إنبات الشعر في العانة، لأنّ الرعاف يبتدئ ظهوره في تلك السنّ وأقوى ما تكون حركته في الفتيان ثمّ ينقص إذا صاروا في حدّ الرجال، إلّا أنّ أبقراط كما قلت تجاوز هذه السنّ فوصف بعد حال من قد نبت له الشعر في العانة حال الشباب وذكر أوّلاً أنّه يعرض لهم نفث الدم والسلّ ثمّ ذكر أنّه يعرض لهم حمّيات حادّة ثمّ ذكر الصرع. ثمّ قال بعد ذلك «وسائر الأمراض إلّا أنّ أكثر ما يعرض لهم ما ذكرنا» وقد أحسن جدّاً في زيادته ما زاد في هذا، فإنّا قد نرا أنّ الأمر على ما ذكره، إلّا أنّه قصر في شرح الحمّيات الحادّة التي ذكر بأنّها تعرض لهم. وذلك أنّه لم يكن ينبغي له أن يجمل القول فيقول حمّيات حادّة لأنّ الحمّيات الحادّة قد نراها تعرض للصبيان ليس بدون ما تعرض للشباب،
كيف عدّد الصرع من أمراض الشباب وهو يقول في غير هذا الكتاب إنّ أكثر ما يعرض هذا المرض للصبيان ولذلك قد يسمّي خاصّة مرض الصبيان وإنّه عند انتقال سنّهم يسكن. وقد يعرض الصرع لبعض الشباب من غير أن يكون عرض لهم قبل لتعدّ يكون منهم في تدبيرهم للمقدار القصد إمّا في المطعم والمشرب وإمّا ممّا يعملونه من الأعمال من نوم على الأرض بلا وطاء ومن يعرض للشمس أو للبرد أو ما أشبه ذلك، إلّا أنّ ما يعرض لهم من هذا المرض ليس بالكثر وقد يعرض لهم أمراض أخر على هذا القياس، وكان الأجود عندي أن يكون قوله في هذا الفصل هذا القول. فأمّا الشباب فيكاد أن يحدث لهم جميع الأمراض التي تحدث لأصحاب الأسنان الأخر. وأمّا أمراضهم الخاصّية فهي الغبّ والمحرقة.
قال أبقراط: فأمّا من جاوز هذه السنّ فيعرض لهم الربو وذات الجنب
وذات الرئة والحمّى التي يكون معها السهر والحمّى التي يكون معها اختلاط العقل والحمّى المحرقة والهيضة والاختلاف الطويل وسحج الامعاء وزلق الأمعاء وانفتاح أفواه العروق من أسفل.
قال جالينوس: إنّ سنّ الشباب ينقضي مع انقضاء الأسبوع الخامس. ولذلك قال أبقراط في كتاب تقدمة المعرفة. وأكثر ما ينبغي أن يتوقّع الرعاف في مثل هذه الحال لمن كان سنّه فيما دون الخمس والثلاثين. فأمّا السنّ التي تتلو سنّ الشباب فمدّتها أسبوعان وأصحابها يلتمسون عمل جميع ما يتصرّف الناس فيه لمعاشهم على شبيه بما يلتمسه المتناهون في الشباب إلّا أنّهم لا يحتملون من التعب ما يحتمله الشباب، لأنّ ما ينالهم من الضرر من حرّ الشمس وبرد الهواء ومن النوم على الأرض بلا وطاء ومن السهر ومن الإكثار من المطعم ومن المشرب أكثر ممّا ينال الشباب. ومزاج أصحاب هذه السنّ أيضاً إلى السوداء أميل. ولذلك يعرض للكثير من أصحابها الوسواس السوداوي كما يعرض من أوقات السنة في الخريف. وذلك أنّه كما أنّ الخريف يأتي فيصادف البدن وفيه مرار أصفر قد احترق في الصيف وهو في مزاجه بارد،
إلّا أنّه لبرد تلك السنّ لا تتولّد منه حمّى. وأمّا في الكهول فهذا الكيموس زائد فيهم ولم تبلغ بعد أبدانهم من البرد ما يمنع من تولّد الحمّى. فأمّا زلق الأمعاء فقد بيّنّا أنّه ربّما كان من بلغم بارد وربّما كان من تغيّر مزاج فقط يحدث منه للقوّة الماسكة التي في المعدة والأمعاء ضعف وربّما كان من قروح تعرض في سطح المعدة والأمعاء الباطنة وجميع هذه الأسباب كثيراً ما تتّفق في الكهول. فأمّا انفتاح أفواه العروق التي في المعدة فهو مرض خاصّي بأصحاب هذه السنّ فمنزلة الوسواس السوداوي. وذلك أنّه يكون من المرّة السوداء إذا انحدرت إلى العروق التي في المقعدة وكثرت هناك. وقد وصفت السبب في جميع ما عدّده أبقراط نمن الأمراض العارضة في أصحاب هذا السنّ. وإنّما يصحّ العلم بما وصفت من ذلك لمن قد نظر في البراهين التي قد أثبتناها على هذه الأشياء في كتابنا. فمن أراد أن يعلم كم تلك الكتب وكيف الحال فيها والعلم الذي يستفاد من كلّ واحد منها فليقرأ المقالة التي وصفت فيها مراتب قراءه كتبي. فإنّها تدلّه كيف ينبغي له أن يقرأ كلّ واحد من تلك الكتب.
قال أبقراط: وأمّا المشائخ فيعرض لهم رداءة التنفّس والنزل التي يعرض معها السعال وتقطير البول وعسره وأوجاع المفاصل وأوجاع الكلى والدوار والسكات والقروح الرديئة وحكّة البدن والسهر ولين البطن ورطوبة العينين والمنخرين وظلمة البصر والزرقة وثقل السمع.
قال جالينوس: إنّ قوماً من أصحاب أبقراط يفرقون بين المشائخ وبين الشيوخ فيقولون إنّ اسم الشيوخ إنّما يدلّ على أصحاب السنّ القصوى ويظنّون أنّ أبقراط متى قال الشيوخ فإنّما يعني بهم أصحاب تلك السنّ واسم المشائخ إنّما يدلّ على أصحاب السنّ التي قبلها التي هي متوسّطة بين سنّ الشباب وبين الشيوخ. وأبقراط في هذا الموضع قد بيّن بيانً واضحاً أنّه إنّما يعني بالمشائخ أصحاب السنّ القصوى. وممّا يدلّك على ذلك أنّه يقطع الكلام بعد ذكره الحال فيها كأنّه قد فرغ من ذكر جميع الأسنان. وأكثر ما يعتري أصحاب هذه السنّ النزل التي يكون معها سعال، وذلك لأنّ البرد يسرع إلى الرأس في صاحب هذه السنّ
ولذلك يقال إنّ السهر من أخصّ الأعراض لسنّ المشائخ. وأمّا رطوبة العينين والمنخرين في الشيخ فبيّن أنّ سببهما كثرة فضول الدماغ. وإذا انحدرت تلك الفضول إلى البطن فكثيراً ما يلين. وأمّا ظلمة البصر وثقل السمع فيحدثان للمشائخ لضعف القوّة الحساسة. وأمّا الزرقة فلإفراط يبس آلات البصر ولأنّ هذا الجنس من الزرقة إنّما هو صنف من الماء المتولّد في العين.
[E5] تمّت المقالة الثالثة من تفسير جالينوس لفصول بقراط نقل حنين بن إسحاق المتطبّب وصلى اللّه على محمّد وآله.
[E7] انقضت المقالة الثالثة من كتاب الفصول لأبقراط شرح جالينوس وترجمة حنين بن اسحق المتطبّب بحمد اللّه وعونه.
بسم اللّه الرحمن الرحيم عونك يا ربّ
المقالة الرابعة من تقسير جالينوس لفصول بقراط تفسير جالينوس ونقل حنين بن إسحاق
قال أبقراط: ينبغي أن تسقى الحامل الدواء إذا كانت الأخلاط في بدنها هائجة منذ يأتي على الجنين أربعة أشهر وإلى أن يأتي عليه سبعة أشهر ويكون التقدّم على هذا أقلّ، وأمّا ما كان أصغر من ذلك أو أكبر منه فينبغي أن يتوقّى عليه.
قال جالينوس: إنّ اتّصال الجنين بالرحم على مثال اتّصال الثمار بالشجر.
سوى ما قلنا كما سنبيّن لك ذلك بعد قليل.
قال أبقراط: إنّما ينبغي أن يسقى من الدواء ما يستفرغ من البدن النوع الذي إذا استفرغ من تلقاء نفسه نفع استفراغه، فأمّا ما كان أستفراغه على خلاف ذلك فينبغي أن تقطعه.
قال جالينوس: يقال إنّ الشيء يستفرغ من تلقاء نفسه من البدن إذا كان استفراغه يكون من غير أن يكون الطبيب فعل شيئاً، وربّما كان ذلك من قبل أنّ الطبيعة التي تدبّر البدن قذفت ذلك الشيء ونقت البدن منه، وربّما كان من تهييج ذلك الشيء وتلذيعه أو من أنّ الأوعية لا تضبطه ولا تحصره. فإذا كانت الطبيعة هي المفرغة للشيء الفضل انتفع الحيوان باستفراغ ما يستفرغ منه، وإذا كان استفراغ ما يستفرغ على خلاف ذلك وبطريق العرض لم يتبعه انتفاع، وكان ذلك الاستفراغ دليلاً على حال رديئة. فبالواجب أشار أبقراط أن يقتدي بالطبيعة. والاقتداء بها يكون
وقد وصف أبقراط مثالات كثيرة في الاستفراغ الذي يكون طوعاً من تلقاء نفسه فينفع في كتاب أبيديميا، ووصف أيضاً منها أشياء قليلة في هذا الكتاب منها قوله «إذا كان بإنسان استسقاء فجرى الماء منه في عروقه إلى بطنه كان بذلك انقضاء مرضه». ومنها قوله «إذا كان بإنسان رمد فاعتراه اختلاف فذلك علامة خير». ومنها قوله «إذا كان بإنسان اختلاف مرار فأصابه صمم انقطع عنه ذلك الاختلاف. وإذا كان بإنسان صمم فحدث له اختلاف مرار ذهب عنه الصمم».
قال أبقراط: إنّ استفراغ البدن من النوع الذي ينبغي أن ينقى منه نفع ذلك واحتمل بسهولة، وإن كان الأمر على ضدّ ذلك كان الأمر عسراً.
قال جالينوس: قد فسّرت هذا الفصل قبل في تفسير في الفصل الذي قبله، وقد وجدنا هذا الفصل أيضاً مكتوباً في موضع آخر من هذا الكتاب قبل هذا الموضع بهذا اللفظ بعينه، ولذلك قد يسقطه قوم من هذا الموضع.
قال أبقراط: ينبغي أن يكون ما يستعمل من الاستفراغ بالدواء في الصيف من فوق أكثر وفي الشتاء من أسفل.
قال جالينوس: ينبغي أن يفهم من قوله الاستفراغ من فوق ومن أسفل استفراغ البطن. أمّا من فوق فبالقيء، وأمّأ من أسفل فبالإسهال. وبالواجب أمر أن يستعمل في الصيف الاستفراغ من فوق، لأنّ الغالب في ذلك الوقت إنّما هو المرّة الصفراء وبالجملة فإنّ طبيعة البدن كلّها لما يحيط بها من حرارة الجوهر فأن تحرك إلى فوق أولى. وينبغي أن يخرج كلّ واحد من الفضول من الناحية التي هو إليها أميل من المواضع التي تصلح لاستفراغه كما قال بقراط في كتاب الأخلاط. وأمّأ زيادته في قوله في هذا الفصل أكثر. وتركه الاقتصار على أنّ يقول «ينبغي أن يكون ما يستعمل من الاستفراغ بالدواء في الصيف من فوق» و«في الشتاء من أسفل». فلأنّه وإن كان ليس يعرض كثيراً أن يكون الغالب في البدن في الصيف المرّة السوداء وفي الشتاء الصفراء المرّة الصفراء فإنّ ذلك قد نراه يعرض في الندرة.
قال أبقراط: بعد طلوع الشعرى العبور وفي وقت طلوعها وقبله يعسر الاستفراغ بالأدوية.
قال جالينوس: ذلك لأنّ طبيعة البدن تكون في ذلك الوقت قد حمّيت فلا تحتمل حدّة الأدوية المسهلة والمقيئة، ولذلك كثير ممّن يسقى دواء الاستفراغ في ذلك الوقت يحمّ لأنّ القوّة تضعف في ذلك الوقت لشدّة الحرّ فيزيدها الاستفراغ بالدواء ضعفاً واسترخاءً. ولأنّ نفس الاستفراغ أيضاً يكون عسراً رديئاً لأنّ حرارة الجوّ تجاذب الدواء المستفرغ للأخلاط إلى ظاهر البدن. فكما أنّ الاستحمام بالماء الحارّ يقاوم الاستفراغ بالدواء ويقطعه، كذلك حرارة الصيف وخاصّة في الوقت الذي يكون فيه أشدّ حرًّا.
قال أبقرلط: من كان قضيف البدن وكان القيء يسهل عليه فاجعل استفراغك إياه بالدواء من فوق وتوقّ أن تفعل ذلك فى الشتاء.
قال جالينوس: ينبغي أن يزاد في هذا القول أيضاً ما قيل في القول الذي قبل قبيل وهو «أكثر» حتّى يكون على هذا المثال «من كان قضيف البدن وكان القيء يسهل عليه فاجعل استفراغك إياه بالدواء من فوق أكثر»، لأنّ القضيف في أكثر الأمر تغلب عليه المرّة الصفراء فإن كان مع ذلك يسهل عليه القيء فينبغي أن يكون ما يسقيه من الدواء يستفرغه من فوق إلّأ أن يمنع من ذلك الشتاء فقد تقدر. فقال إنّه ينبغي أن يكون ما يستعمل من الاستفراغ بالدواء في الصيف من فوق أكثر وفي الشتاء أسفل.
قال أبقرلط: فأمّا من كان يعسر عليه القيء وكان من حسن اللحم على حال متوسّطة فاجعل استفراغك إيّاه بالدواء من أسفل وتوقّ أن تفعل ذلك في الصيف.
قال جالينوس: من كان يسهل عليه القيء وكان قضيف البدن فينبغي أن يكون استفراغه بالدواء من فوق إلّا أن يكون الوقت شتاء، يعني أن يكون استفراغه بالقيء في الصيف والخريف والربيع. ومن كان يعسر عليه القيء وكانت حاله في جنس اللحم حالاً متوسّطة فينبغي أن يجعل استفراغه بالدواء من أسفل، فإن احتاج إلى الاستفراغ من فوق فينبغي أن يفعل ذلك في الصيف فقط. وأمّا في غيره من أوقات السنة فينبغي أن يحذره.
قال أبقراط: فأمّا أصحاب السلّ فإذا استفرغتهم بالدواء فاحذر أن تستفرغهم من فوق.
قال جالينوس: احذر في أصحاب السلّ أن تستعمل في وقت من الأوقات لهم من الدواء ما يستفرغ من فوق لضعف آلات النفس فيهم. وينبغي أن يفهم من قوله أصحاب السلّ إمّأ الذين قد وقعوا في هذا المرض أعني السلّ وإمّا الذين ابدانهم متهيّئة مستعدّة للوقوع فيه، وهم الذين قال فيهم في المقالة الأولى من كتاب افيديميا إنّ أكثر من كان يموت من كانت طبيعته مائلة إلى السلّ، والذي هو كذلك هو من كان صدره ضيقاً وإذا كان الصدر كذلك فالرئة محصورة فيه ضيقة المجاري.
قال أبقراط: وأمّا من الغالب عليه المرّة السوداء فينبغي أن تستفرغه إيّاها من أسفل بدواء أغلظ إذ تضيف الضدّين إلى قياس واحد.
قال جالينوس: يعني أنّه ينبغي أن يستفرغ بدن من غلبت عليه المرّة السوداء بدواء يسهل البطن ممّا عمله في السوداء خاصّة. وأمّا قوله «بدواء أغلظ» فعنى به «بدواء أقوى» لأنّ المرّة السوداء لثقلها بطيئاً ما تواتي الدواء المسهل. ولأنّها بثقلها تميل إلى أسفل. فبالواجب أمر أن يكون استفراغها من أسفل بإسهال البطن، كما أمر أن يكون استفراغ الصفراء من فوق بالقيء لأنّ الصفراء خفيفة تطفو كثيراً من تلقاء نفسها حتّى تصير في رأس المعدة. فالأمر العامّ للاستفراغين هو استخراجنا الشيء من الموضع الذي يميل إليه من الموضع الذي يصلح لاستفراغه والأمر الخاصّ لكلّ واحد منهما. أمّا الواحد منهما فأن يجعله من فوق لأنّ ذلك الخلط ميله إلى فوق، وأمّا الآخر فأن يجعله من أسفل لأنّ ميل ذلك الخلط إلى أسفل. فالاستفراغ من فوق ضدّ الاستفرغ من أسفل وكلّاهما يكونان بقياس واحد يعمّهما، ولذلك بالواجب قال أبقراط «إذ تضيف الضدّين إلى قياس واحد».
قال أبقراط: ينبغي أن يستعمل دواء الاستفراغ فى الأمراض الحادّة جدّاً إذا كانت الأخلاط هائجة منذ أوّل يوم فإنّ تأخيره في مثل هذه الأمراض رديء.
قال جالينوس: قد قلت فيما تقدّم إنّ هذه اللفظة التي يستعملها أبقراط على الأخلاط وهي قوله «هائجة» إنّما استعارها على طريق التشبيه ممّا يقال في الحيوان الذي يتحرّك حركة سريعة لاستعمال السفاد والبزر لأنّه تهيج منه شهوة طبيعية لاستفراغ بزره. وقد بيّنت في كتابي في المني أنّ الأنثى قد تنبعث منها البزر كما ينبعث من الذكر. فإذا هاجت في البدن كلّه حركة للطبيعة شبيهة بهذه الحركة لقذف الفضول أو إن لم تهج في البدن كلّه وكانت خاصّة في أشرف أعضائه، فإنّ أبقراط سمّى ذلك هيجاناً. ويأمر أن يبادر باستفراغ الأخلاط الهائجة من قبل أن تضعف القوّة أو تتزيّد حرارة الحمّى أو تصير تلك الأخلاط المتحيّرة في البدن إلى عضو من الأعضاء الشريفة فتتمكّن فيه. وبين أنّ الأمراض التي سمّاها أبقراط في هذا الموضع حادّة جدّاً هي التي ذكرها قبل. وقلت فيها إنّ حدّ البحران فيها الأسبوع الأوّل.
قال أبقراط: من كان به مغص وأوجاع حول السرّة ووجع في القطن دائم لا ينحلّ بدواء مسهل ولا بغيره فإنّ أمره يؤول إلى الاستسقاء اليابس.
قال جالينوس: أمّا المغص فقد يكون من تلذيع شديد ويكون من ريح غليظة نافخة لا منفذ لها لكنّها منحضرة في لفائف الأمعاء، وبيّن أنّ الأوجاع أيضاً إنّما تكون من أشباه هذه الحالات. لكنّها إذا ثبتت فيما حول السرّة وأسفل الصلب ثمّ لم تنحلّ بالدواء المسهل ولا بغيره من العلاج فإنّ في الأعضاء التي هناك مزاج رديء قد استولى عليها وتمكّن منها، وذلك المزاج في أكثر الأمر إذا طال أمره، وإنّ من أحدث النوع من الاستسقاء الذي سمّاه أبقراط الاستسقاء اليابس. وقد سمّى هذا النوع من الاستسقاء من أتى بعد أبقراط من الأطبّاء الاستسقاء الطبلي، لأنّه إذا فرغ البطن في هذه العلّة جاء منه صوت شبيه بصوت الطبل. وعلّة ذلك الصوت في هذه العلّة وفي الطبول واحدة لأنّه إنّما يكون في الطبول بفرغ الهواء من وراء جلد متمدّد،
وكذلك يكون في هذا الصنف من الاستسقاء، وإنّما يعدّ أبقراط هذه العلّة من أصناف الماء ويسمّيها باسمه من قبل تشابهها في انتفاخ البطن وعظمه، إلّا أنّ في هذه العلّة في البطن رطوبة كما في الاستسقاء الذي الشيء المجتمع فيه في البطن ليس هو هواء غليظ لكن رطوبة مائية. ويشبه أن يكون الاستسقاء المائي يتولّد من برد أزبد وأقوى وهو الذي يسمّونه الزقّي، لأنّ الماء فيه محضور في جوف الغشاء الممدّد على البطن الذي يسمّيه اليونانييون فاريطوناون كالماء المحضور في الزقّ، ويكون الاستسقاء الطبل يتولّد من برد أقلّ وأضعف. وذلك أنّ الرطوبة لا يمكن أن تستحيل فتصير هواء غليظاً من غير حرارة.
قال أبقراط: من كان به زلق الأمعاء فى الشتاء فاستفراغه بالدواء من فوق رديء.
قال جالينوس: إذا خرج ما يؤكل خروجاً سريعاً وهو بالحال التي كان عليها في وقت ما ازدرد فإنّهم يسمّون هذه العلّة زلق الأمعاء.
فأمّأ ما كان محتبساً في الأمعاء فليس يمكن أن يستفرغ منه شيء بالقيء.
قال أبقراط: من احتاج إلي أن يسقى الخربق وكان استفراغه من فوق لا يؤاتيه بسهولة فينبغي أن يرطب بدنه من قبل إسقائه إيّاه بغذاء أكثر وبالراحة.
قال جالينوس: ينبغي أن تتقدّم فتبلو طبيعة من تهمّ بإسقائه الخربق كيف سهولة الاستفراغ من فوق عليه، أعني الاستفراغ بالقيء. ولتكن تلك التجربة بالأدوية المقيئة الليّنة. فإن وجدته لا يؤاتيه القيء بسهولة فلا ينبغي أن تسقيه الخربق حتّى تتقدّم فتهيّئ بدنه و وتعدّه لما تريد من استفراغه به. وذلك يكون بسببين أحدهما مداومة القيء حتّى يتعوّد ذلك الذي تريد إسقاءه الخربق أن يؤاتيه القيء بسهولة، إلّا أنّ أبقراط لم يذكر هذا لأنّه أمر يسير يعرفه كلّ أحد.
والشيء الآخر وهو الأفضل أن تتقدّم فترطب البدن وترطيبه يكون بغذاء أكثر وبالراحة. فأمّا أمر الراحة فبيّن، لأنّه كما أنّ الرياضة من شأنها أن تجفّف البدن كذلك الراحة أعني السكون والخفض وترك الرياضة من شأنها أن تحفظ الرطوبات. وأمّا الغذاء فليس الأكثر منه مطلق من شأنه أن يرطب، لكن ما كان منه خلواً من كلّ طعم قوي، أعني ألّا يكون عفصاً ولا حريفاً ولا مالحاً ولا مرًّا. ولعلّه لا ينبغي أن يسمّى ما كان كذلك غذاء بقول مطلق لكن ينبغي أن يسمّى غذاء دوائياً فيكون الغذاء مطلقاً وحده دون سائر الأشياء كلّها يرطب أعضاء البدن الأصلية بطبيعته لا يعرض فأنّ الراحة ليس تفعل ذلك بذاتها لكنّها إنّما تفعل ذلك يعرض. وذلك أنّه إنّما يقال إنّ الراحة ترطب لأنّها لا تجفّف الرطوبة المتولّدة من الغذاء. فأمّا الماء فلا إن شرب ولا إن لقي البدن من خارج من شأنه أن يرطب أعضاء البدن الأصلية أنفسها. وتقدر أن تختبر علم هذه الأشياء على التمام إن نظرت في كتابنا في قوى الطبيعية وفي كتابنا في الذبول.
قال أبقراط: إذا سقيت إنساناً خربقاً فليكن قصدك لتحريك بدنه أكثر ولتنويمه وتسكينه أقلّ، وقد يدلّ ركوب السفن على أنّ الحركة تثور الأبدان.
قال جالينوس: قد خبّر أبقراط بالعلّة التي من أجلها أمر أن يحرك بدن المتناول للخربق، وهي أنّ السكون يبقي البدن على حاله والحركة تحيله وتغيّره، كما يدلّ المسير في السفن، وذلك أنّ المسير في السفن حركة وهي تثور الأبدان حتّى تهيجها إلى القيء. فإذا كانت هذه الحركة كافية وحدها في تهييج البدن إلى القيء فبالحري أن تكون أقوى على ذلك كثيراً إذا اجتمعت مع الدواء المقيء. وقد يوجد في بعض النسخ مكان الاسم الدالّ على ركوب السفن والسير فيها وهو نوتيليا اسم فريب منه في اللفظ وهو نوتيا، ومعناه الغثيان والتهوّع فيكون معنى هذا القول على ما في تلك النسخة على هذا المثال: وقد يدلّ الغثيان والتهوّع إذ كان يتبع حركات البدن الشديدة أنّ الحركة تثوره.
وبيّن أنّ هذا القول والقول الأوّل في المعنى واحد.
قال أبقراط: إذا أردت أن يكون استفراغ الخربق أكثر فحرّك البدن، وإذا أردت أن تسكنه فنوّم الشارب له ولا تحرّكه.
قال جالينوس: أمّا الفصل الأوّل فخبّر فيه كيف ينبغي أن يهيّئ بدن الشارب للخربق للاستفراغ به. وأمّا هذا الفصل فخبّر فيه كيف ينبغي أن تسكن الاستفراغ إذا بلغ منه إلى مقدار الحاجة. وواجب أن يكون إضداد الأشياء المهيجة للقيء مسكنة له. فإذا كانت الحركات تهيج الاستفراغ فالسكون يسكنه ويعظمه. وأكثر من السكون كثيراً النوم إذ كان يحدث هدوء للحركات النفسانية التي تكون بالحواسّ وبالعضلات في الحركات الإرادية.
قال أبقراط: شرب الخربق خطر لمن كان لحمه صحيحاً، وذلك أنّه يحدث تشنّجاً.
قال جالينوس: الشيء الذي قاله أبفراط فيما تقدّم بالجملة في كلّ تنقية تكون بالدواء، قاله الآن في التنقية التي تكون بالخربق مفردة، فقد يمكن أن يتّصل هذان الفصلان على هذا المثال: من كان بدنه صحيحاً فاستعمال الدواء فيه يعسر. فقد نجد أنّ «شرب الخربق لمن كان لحمه صحيحاً خطر، وذلك أنّه يحدث تشنّجاً». فإنّ للخربق خاصّة إحداث التشنّج لشدّة فعله.
قال أبقراط: من لم تكن به حمّى وكان به امتناع من الطعام ونخس الفؤاد وسدر ومرارة في الفم فذلك يدلّ على استفراغه بالدواء من فوق.
قال جالينوس: أمّا الامتناع من الطعام فهو ذهاب الشهوة وبطلانها. وأمّا نخس الفواد فهو لذع الفواد، أعني بالفواد فم المعدة. فإنّ القدماء كانوا يسمّون هذا العضو أيضاً فواداً. وأمّا السدد فهو أن يتخيّل إلى الانسان أنّ ما يراه يدور حوله ويعقد حسّ البصر بغتة حتّى يظنّ أنّه قد غشيت جميع ما يراه ظلمة. وهذه الأعراض تكون إذا كانت في هم المعدة أخلاط رديئة تلذعه. وذلك أنّه ينحدر إليه من الدماغ عصب عظيم فإذا نالته آفة دخل بسببها الضرر على أفعال النفس. وهذه الأعراض هي عامّية لجميع الأخلاط التي من شأنها التلذيع. فأمّا مرارة الفم فهو عرض خاصّ للمرّة التي تسمّى الصفراء والحمراء دون غيرها. ولذلك قد أحسن أبقراط في قوله أنّ ظهور هذه الأعراض تدلّ على الاستفراغ بالدواء من فوق. وهذا الكلام إذا شرح كانت عبارته على هذا المثال: أنّ هذه الأعراض التي ذكرت تدلّ الطبيب أنّ ذلك البدن الذي ظهرت فيه يحتاج إلى الاستفراغ بالدواء من فوق، أعني بالقيء.
قال أبقراط: الأوجاع التي فوق الحجاب تدلّ على الاستفراغ بالدواء من فوق، والأوجاع التي من أسفل الحجاب تدلّ على الاستفراغ بالدواء من أسفل.
قال جالينوس: هذا الفصل يخبّر بالشيء الذي وصفناه في وجع واحد في الفصل الذي قبل هذا وهو وجع فم المعدة في جميع الأوجاع، وهو أنّ ما كان من الأوجاع فوق الحجاب ممّا يحتاج إلى الاستفراغ بالدواء فينبغي أن يكون استفراغه به من فوق، وما كان من الأوجاع من أسفل الحجاب ممّا يحتاج إلى الاستفراغ بالدواء فينبغي أن يكون استفراغه به من أسفل. وإنّما زدت في قولي ممّا يحتاج إلى الاستفراغ بالدواء لئلّا يظنّ ظانّ أنّ أبقراط يداوي جميع الأوجاع بالاستفراغ بالدواء. فإنّه لم يعن هذا وإنّما عنى أنّه ينبغي على حسب ميل الأخلاط المؤذية أن يجعل استفراغها وأن لا يعالج الأوجاع التي فوق الحجاب بالأدوية المسهلة ولا الأوجاع التي فيما دونه بأدوية القيء.
قال أبقراط: من شرب دواء الاستفراغ فاستفرغ ولم يعطش فليس ينقطع عنه الاستفراغ حتّى يعطش.
قال جالينوس: إنّ بعض من يستفرغ بالدواء يسرع إليه العطش، وبعضهم يتأخّر عطشه. وذلك يكون من قبل حال المعدة المتقدّمة ومن قبل الدواء الذي يشرب ومن قبل طبيعة الخلط الذي يستفرغ. أمّأ من قبل حال المعدة فيسرع العطش إلى صاحبها عند الاستفراغ بالدواء إمّأ من قبل حرارتها وإمّا من قبل يبسها وإمّأ من قبلهما جميعاً كان ذلك للشارب للدواء بالطبع أو كان إنّما حدث له في ذلك الوقت. وأمّا من قبل نفس الدواء فإذا كان حادّاً لذّاعاً حارّاً. وأمّا من قبل الخلط المستفرغ فإذا كان مرّة صفراء. فمن قبل هذه الأسباب يعطش شارب الدواء المستفرغ، ومن قبل أضدادها يبقى مدّة طويلة قبل أن يصيبه العطش، أعني إمّا إذا كانت معدة الشارب للدواء أبرد وأرطب إمّا منذ أوّل أمره أو في وقت شربه للدواء وإمّا إذا كان الدواء الذي يشرب غير حادّ ولا لذّاع
وإمّأ إذا كان الخلط المستفرغ بلغمياً أو مائياً، إلّا أنّ من تأخّر عطشه إذا استفرغ استفراغاً كثيراً تبع ذلك عطش. فقد يكفي اليبس العارض من الاستفراغ أن يحدث عطشاً. وقد يعيّن ذلك قوّة الدواء المستفرغ إذا كان لا يخلو وإن لم تكن معه حدّة ولا حرارة بيّنة أن يكون معه من ذلك شيئاً خفيفاً.
قال أبقراط: من لم تكن به حمّى وأصابه مغص وثقل فى الركبتين ووجع فى القطن فذلك يدلّ على أنّه يحتاج إلى الاستفراغ بالدواء من أسفل.
قال جالينوس: كما خبّر أبقراط قبيل بعلامات من يحتاج إلى الاستفراغ بالدواء من فوق، كذلك خبّر الآن بالعلامات التي تتعرّف بها حال من يحتاج إلى الاستفراغ من أسفل. والقياس فيهما قياس واحد عامّ على أعراض مختلفة. وذلك أنّه ينبغي على حسب ميل الأخلاط المؤذية أن يكون استفراغها.
قال أبقراط: البراز الأسود الشبيه بالدم الآتي من تلقاء نفسه كان مع حمّى أو من غير حمّى فهو من أردأ العلامات، وكلّما كانت الألوان في البراز أردأ كانت تلك علامة أردأ، فإذا كان ذلك مع شرب دواء كانت تلك علامة أحمد، وكلّما كانت تلك الألوان في البراز أكثر كان ذلك أبعد من الرداءة.
قال جالينوس: إنّ كلام أبقراط في هذا الموضع في البراز الذي كانت تسمّيه القدماء البراز الأسود. وليس هو بالصحّة مرّة سوداء، لأنّه ليس معه بعد ما مع المرّة السوداء من الحدّة والتأكّل والحضومة الخلية، وهو من أن تغلى منه الأرض إذا صبّ عليها بعد كثيراً، لكنّه بمنزلة عكر الدم وثقله مثل العكر الذي يرسب في الخمر الثخين إذا سكن الذي يسمّى الدردي، ومن شبه حاله بحاله كان قد عبر عنها تعبيراً بيّناً. فإذا طال لبث هذا العكر في البدن ولم يخرج منه بنوع من أنواع ما ينبعث انبعاثاً محسوساً أو يتحلّل التحلّل الذي يخفي عن الحسّ لكن بقي حتّى يستحيل ويعفن، تولّدت منه المرّة السوداء الصحيحة. ومن قبل
من أسفل أو من فوق فذلك علامة دالّة على الموت. ولعلّ أبقراط رأى أنّه بقوله «الآتي من تلقاء نفسه» قد بلغ في العبارة عن المعنى الذي قصد إليه. وذلك أنّ هذه اللفظة أعني الآتي تدلّ على طول المدّة حتّى يكون ذلك البراز يأتي في مدّة المرض كلّه أو في أكثرها. فلو كان إنّما أراد أن يدلّ على وقت واحد من أوقات المرض لكان قد قال لا محالة إذا ظهر أو إذا جاء ولم يكن ليقول الآتي من تلقاء نفسه. فإنّ قوله الآتي مساو لقولهه الجائي لا لقوله إذا جاء. فأمّا متى سقي إنسان دواء يستفرغ الخلط الأسود فليس بمنكر أن يخرج منه برازاً أسود. وكذلك الألوان الكثيرة الخارجة من الطبيعة التي تظهر في البراز إذا كان استفراغه من تلقاء نفسه دلّت على حالات كثيرة في البدن رديئة. وإذا كان استفراغه بدواء من شأنه أن يستفرغ أنواعاً كثيرة من الأخلاط فليس يدلّ ذلك على مكروه.
قال أبقراط: ايّ مرض خرجت فى ابتدائه المرّة السوداء من أسفل أو من فوق فذلك منه علامة دالّة على الموت.
قال جالينوس: قد فرقت في تفسيري للفصل الذي قبل هذا بين الخلط المقارب للمرّة السوداء وبين المرّة السوداء نفسها الذي كلام أبقراط فيها في هذا الموضع وقد وصفت السبب وصفاً كافياً هناك معما وصفت السبب الذي من قبله صار ظهور هذه الأخلاط في أوّل المرض يدلّ على الهلاك وظهورها بأخرة قد يكون على طريق البحران. وأنا معيد ذلك الآن لأنّ صفة ما الحاجة إليه اضطرارية في الصناعة مراراً كثيرة أجود. فأقول إنّه ما دام المرض في ابتدائه فليس شيء ممّا يبرز من بدن المريض يكون خروجه بحركة من الطبيعة، لكن جميع ما يخرج إنّما خروجه بعرض لازم لحالات في البرز خارجة عن الطبيعة، لأنّه لا يمكن أن يكون في الوقت الذي فيه الطبيعة مثقلة بأسباب المرض ولم ينضج فيه الأخلاط بعد استفراغ شيء ينتفع باستفراغه إذ كان يحتاج في أن يكون البحران الجيّد المحمود أن يتقدّم أوّلاً النضج ثمّ يتبعه التمييز ثمّ يكون بعده الاستفراغ. وقد خبّرنا بذلك أبقراط في المقالة الأولى من كتاب افيديميا حين قال إنّ النضج يدلّ على سرعة البحران وثقة الصحّة. وأمّا الأشياء النية التي لم تنضج التي تؤول إلى خروج رديء فتدلّ إمّا على أنّه لا يكون بحران وإمّأ على أوجاع وإمّأ على طول من مرض
وإمّا على موت وإمّا على عودة من المرض. فإذا كان بعد نضج المرض استفراغ بعض الأخلاط الرديئة فالطبيعة عند ذلك تستفرغ البدن وتنقيه ولذلك صارت المرّة السوداء. وكلّ خلط هو في الرداءة على مثل حالها إذا ظهر في آخر المرض بعد ظهور علامات النضج دلّ على أنّ استفراغ محمود. فإن كان استفراغه على خلاف ذلك أعني أن يكون من غير أن تكون قد ظهرت علامات النضج، فذلك عرض خبيث يدلّ على التلف. فإذا كانت العلامات التي تدلّ على أنّه لم يكن نضج موجود أبداً في أوّل المرض، فاستفراغ هذه الأخلاط فيه رديء دائماً.
قال أبقراط: من كان قد نهكه مرض حادّ أو مزمن أو إسقاط أو غير ذلك ثمّ خرجت منه مرّة سوداء أو بمنزلة الدم الأسود فإنّه يموت من غد ذلك اليوم.
قال جالينوس: معنى قوله في هذا الفصل هو هذا الذي أصف أنّه متى ظهرت المرّة السوداء التي ذكرها في الفصل الذي قبل هذا أو البراز الأسود الشبيه بالدم الذي ذكره في الفصل الذي قبله بعد أن يكون البدن قد بلغ الغاية من الهزال فصاحبه يموت من غد ذلك اليوم الذي يظهر فيه ما يظهر من هذا، لأنّ الطبيعة فيمن هذه حاله تكون قد ضعفت حتّى لا تقدر أن تنضج ولا أن تميّز ولا تستفرغ هذه الأجلاط التي هي من الرداءة على ما هي عليه. فلعظم المرض وتفاقمه تفيض وتنصب إذ ليس شيء يحبسها ولذلك صار استفراغها يدلّ على شدّة الحال وليس يتأخّر الموت إذا كان ذلك كما قد يتأخّر في أمراض أخر وذلك أضعف القوّة. وقد دلّ في هذا الفصل دلالة بيّنة أنّه أراد في الفصل المتقدّم حيث قال إنّ البراز الأسود الشبيه بالدم أن يفهم عنه الشبيه بالدم الأسود حتّى يكون القول التامّ البراز الأسود الشبيه بالدم الأسود. ودلّ أيضاً على أنّا قد أحسنّا في التفرّقة بين البراز الأسود وبين المرّة السوداء، لأنّ البراز الأسود يخرج شبيهاً بالدم الأسود ويخالف ذلك الدم بأنّه ذائب لا جامد مثله. وأمّا المرّة السوداء المخالفة بهذا أعني بأنّها ذائبة غير جامدة
وبأنّ لها مع سوادها بريقاً وبأنّ معها تلذيعاً شبيهاً بتلذيع الخلّ وتنشّ الأرض إذا وقعت عليها ويحدث فيها غلياناً، وليس من ذلك شيء موجود في البراز الأسود.
قال أبقراط: اختلاف الدم إذا كان ابتداؤه من المرّة السوداء فتلك من علامات الموت.
قال جالينوس: إنّ كثيراً ما يكون ابتداء اختلاف الدم من المرّة التي يسمّيها بعض الناس مرّة صفراء وبعضهم حمراء عندما يسحج هذا الخلط أوّلاً الأمعاء بحدّته ثمّ بأخرة يحدث فيها تأكّلاً حتّى يحدث فيها قرحة، وكثيراً ما يبرأ هذا النوع من اختلاف الدم. فأمّا ما كان منه من المرّة السوداء فليس يبرأ، ولا فرق بين علّة الأمعاء فيه وبين السرطان الذي معه قرحة. فإذا كان هذا السرطان إذا حدث في ظاهر البدن إمّأ أن يعسر برءه وإمّا أن لا يبرأ بتّة على أنّه قد يمكن أن يلزم الدواء
دائماً فأحرى ألّا يبرأ ما يعرض منه في الأمعاء إذ كان لا يمكن أن يلزمه ويثبت عليه الدواء دائماً وكان مع ذلك فضول الغذاء تمرّ به دائماً وتلقاءه فيجب من ذلك ألّا يكون له برء بتّة.
قال أبقراط: خروج الدم من فوق كيف كان هو علامة رديئة، وخروجه من أسفل علامة جيّدة إذا خرج منه شيء أسود.
قال جالينوس: قد وصف أبقراط في فصول قبل هذا حال من يخرج منه البراز الأسود. وأمّا في هذا الفصل فوصف حال من يخرج منه الدم من فمه أو من مقعدته، فينبغي أن يفهم عنه في هذا الفصل قوله «من فوق» أنّه يريد من الفم فقط من غير أن يكون يشتمل على خروجه من المنخرين. فقال إنّ الدم الذي يخرج من الفم فخروجه رديء دائماً كيف كانت حال ذلك الدم الذي يخرج، يعني أزبدياً كان أو أحمر مشبعاً أو أحمر قانئاً أو أحمر ناصعاً أو أسود أو رقيقاً مائياً أو ثخيناً، لأنّ خروجه من أسفل أحمد.
كان فهو علامة رديئة وخروجه من أسفل إذا كان من انفتاح العروق فهو علامة جيّدة إذا كان ما يستفرغ السوداء، يعني إذا كانت طبيعة ذلك البدن تولد من هذا الخلط شيئاً كثيراً. فإنّه إن لم يكن الأمر كذلك فليس ينبغي أن تدع العادة تجري بالاستفراغ من عروق تنفتح من أسفل لأنّ إفراطه من الوجهين جميعاً خطر أعني إن زاد على ما ينبغي وإن احتبس حتّى لا يكون يخرج منه شيء.
قال أبقراط: من كان به اختلاف دم فخرج منه شبيه بقطع اللحم فتلك من علامات الموت.
قال جالينوس: إنّ في اختلاف الدم ما دامت قرحة في الأمعاء التي عنها يكون في الحدوث والتكوّن يكون ما تخرج أجسام شحمية. ثمّ يخرج من بعد ذلك إن لم ينقطع الاختلاف ويسكن خراطة من نفس الأمعاء بتقشّر سطح الأمعاء الداخل الذي هو غشاء كثيف شبيه بالقشرة الخارجة من الجلد البراني. ثمّ من بعد ذلك ينجرد شيء من جوهر الأمعاء نفسه،
وفي ذلك الوقت ليس نقول إنّ قرحة الأمعاء في الحدوث والتكوّن، ولكنّا نقول إنّما قد حدثت وكانت وفرغت. فإذا خرج من الأمعاء في اختلاف الدم أجزاء معها من العظم ما يمكن معه أن يسمّى قطع لحم فإنّ أبقراط يقول إنّ هذا المرض من الأمراض القتّالة لأنّ القرحة إذا كان معها من العظم هذا المقدار كلّه لم يمكن أن ينبت فيها اللحم ولا يندمل.
قال أبقراط: من انفجر منه دم كثير من أيّ موضع كان انفجاره فإنّه عند ما ينقه فيغذى يلين بطنه بأكثر من المقدار.
قال جالينوس: إنّ الحرارة الغريزية إذا ضعفت بسبب انفجار الدم لم يمكن أن ينهضم الطعام على ما ينبغي ولا أن يستحيل فيصير دماً، وإذا كان ذلك لا يمكن فأحرى ألّا يمكن أن يذهب في البدن وينتشر فيه، ولهذه الأسباب كلّها يجب أن يلين بطن من كانت هذه حاله بأكثر من المقدار المعتدل إلى أن يتمادى به الزمان، فتعود الطبيعة إلى ما كانت عليه من القوّة.
قال أبقراط: من كان به اختلاف مرار فأصابه صمم انقطع عنه ذلك الاختلاف، ومن كان به صمم فحدث له اختلاف مرار ذهب عنه الصمم.
قال جالينوس: إنّ أبقراط لم يعن بقوله «الصمم» في هذا الموضع الصمم المتقدّم الثابت الذي يعسر انحلاله، لكنّه إنّما عنى الصمم الذي يحدث بغتة في الحمّيات أو في غيرها عند تصاعد المرار إلى الرأس. فإنّ المرار إذا استولى على مجاري السمع أحدث صمماً. وإذا دفعت الطبيعة من هناك وخرج في البراز أذهب خروجه ذلك الصمم.
قال أبقراط: من أصابه فى الحمّى فى اليوم السادس من مرضه نافض فإنّ بحرانه يكون نكداً.
قال جالينوس: إنّ الناقض إذا حدث في الحمّى لا سيّما في المحرقة منها فإنّ من عادتها أن يأتي بعدها بحران،
بانقضاء المرض، فربّما كان أيضاً البحران الآتي في اليوم السادس مع أعراض صعبة شديدة، وقد وصفنا أمر هذه الأشياء كلّها عن آخرها في الكتب التي ذكرناها قبيل. والتجربة تشهد أنّ هذه الأشياء تكون على ما وصفت. وإنّ أنا رمت أن أخبر بأسبابها في هذا الموضع طال الكلام في ذلك من غير أن يكون الأمر يضطرّ إلى ذلك، لأنّي قد وصفت العلل في أمر أيّام البحران في المقالة الثالثة من كتاب أيّام البحران، ووصفت أمر الناقض في مقالة إفردتها.
قال أبقراط: من كانت لحمّاه نوائب ففي أيّ ساعة كان تركها له إذا كان أخذها له من غد في تلك الساعة بعينها فبحرانه يكون عسراً.
قال جالينوس: أفرض إنّ انساناً حمّ في أوّل يوم من مرضه في الساعة الثالثة ثمّ سكنت عنه الحمّى في ساعة من ساعات ذلك اليوم أيّ ساعة كانت ثمّ ابتدأت به الحمّى في اليوم الثاني في تلك الساعة التي ابتدأت فيها في اليوم الأوّل أعني في الساعة الثالثة ثمّ سكنت في أيّ وقت سكنت ثمّ ابتدأت أيضاً في الثالث في الساعة الثالثة ثمّ سكنت في أيّ وقت سكنت ثمّ ابتدأت في الرابع
فذلك المرض يعسر انقضاءه، كان لبث النوبة ساعات كثيرة أو ساعات قليلة. وهذا أمر كما قلت تشهد التجربة على صحّة. وأمّا علّته فينبغي أن يتوهّم أنّه ما أصف وهو أنّه إذا كانت علّة النوائب علّة ليست بثابتة متمكّنة لم تحفظ دوراً واحداً ووقتاً واحداً بعينه، فإذا كانت العلّة ثابتة متمكّنة حفظت دوراً واحداً ووقتاً واحداً، ولذلك العلّة الثابتة المتمكّنة يعسر انقضاءها، والعلّة التي ليست بثابتة ولا متمكّنة يكون انقضاؤها سريعاً. وذلك أنّ الشيء المتمكّن الثابت يحتاج إلى معالجة قوية حتّى يتقلّع، وذلك لا يكون إلّا في مدّة طويلة وأدوية قوية كثيرة.
قال أبقراط: صاحب الإعياء فى الحمّى أكثر ما يخرج به الخراج في مفاصله وإلى جانب اللحيين.
قال جالينوس: قد قلنا فيما تقدّم إنّ من الإعياء ما يكون من الحركة الكثيرة، وهذا النوع هو الذي يسمّى الإعياء على الحقيقة وبالقول المطلق.
هي هذه أنّ صاحب الإعياء كيف كان إعياءه في الحمّى إنّما يصيبه الخراج في مفاصله وخاصّة في مفاصل اللحيين. وإنّما يعرض ذلك بسبب حرارة الحمّى إذا كانت تدفع تلك الفضول الكثيرة إلى الرأس ثمّ يقبلها اللحم الرخو الذي عند اللحيين، وكذلك إذا صارت الفضول إلى الحالب أو إلى الإبط قبل اللحم الرخو الذي فيها الفضول فحدث فيه الخراج.
قال أبقراط: من انتعش من مرض فكلّ منه موضع من بدنه حدث به في ذلك الموضع خراج.
قال جالينوس: إن كان الكلال قد يدلّ على الحركة الشديدة وهي التي تسمّى التعب ويدلّ على الوجع ويدلّ على الضرر كما بيّنّا قبل، فبيّن أنّ قوله «كلّ» قد يحتمل أن يكون معناه إن نالته حركة كثيرة وإن حدث فيه وجع أو ضرر.
وكلامه في هذا الفصل الذي نحن في تفسيره في الإعياء الذي يكون في وقت ما يخرج المريض من مرضه، وكلامه في الفصل الذي يأتي بعده في الإعياء الذي يتقدّم المرض.
قال أبقراط: وإن كان أيضاً قد تقدّم فتعب عضو من الأعضاء من قبل أن يمرض صاحبه ففي ذلك العضو يتمكّن المرض.
قال جالينوس: إنّه لا فرق عندي بين أن يوصل هذا الفصل بالفصلين الذين قبله حتّى يكون من ثلاثتها فصل واحد وبين أن يعزل كلّ واحد منها على حدّته. فقد بيّنّا ما يشترك فيه وما يخصّ كلّ واحد منهما فيما تقدّم من القول. وأنا واصف ذلك أيضاً في هذا الموضع بإيجاز. فأقول إنّه متى أحسّ مريض في مرضه بإعياء فينبغي أن تتوقّع له حدوث خراج في بعض مفاصله لا سيّما عند اللحيين. وكذلك من انتعش من مرض فأتعب عضواً من بدنه
أو كان ذلك منه قبل أن يمرض فتوقّع ذلك بغتة. فإنّ من عادة الفضول في أكثر الأمر أن يتدفّع إلى هذه المواضع، وبيّن أنّ ذلك إنّما هو في الأمراض التي يتوقّع فيها حدوث الخراج إلّا أن يتقدّم المرض فيأتي بحرانه باستفراغ. وقد ذكرت أشياء فيما تقدّم من أمر تعرّف هذه الأعراض. فأمّا القول في ذلك كلّه بأسره فقد قلته في كتابي في البحران.
قال أبقراط: من اعترته حمّى وليس في حلقه انتفاخ فعرض له اختناق بغتة فذلك من علامات الموت.
قال جالينوس: قد يمكن أن يفهم أوّل هذا الفصل وهو قوله «من اعترته حمّى» على طريق القول المطلق كما لو قال من كانت به حمّى وليس في حلقه انتفاخ، ويمكن أن يفهم أنّه أراد بقوله «من اعترته حمّى» أن يريد في تأكيد أخذ الحمّى كما من عادته أن يقول في كتاب ابيديميا، فإنّ من عادته هناك إذا قال في انسان إنّ الحمّى أخذته أو اعترته ألّا يكون قصده القول المطلق بأنّه حمّ أىّ حمّى كانت لكن يكون قصده أنّه حمّ حمّى شديدة.
حين قال إنّ الحلق إذا وجع وكان ضامراً فكان مع ذلك صعوبة وقلق فهو يخنق ويقتل قتلاً وجباً، إلّا أنّه في هذا الفصل لم يذكر الوجع إمّا اتّكالاً منه على أنّه يفهم معما تقدّم ذكره وإمّا لأنّه رأى أنّه قد يكون هذا الاختناق الذي ذكره في هذا القول وإن لم يكن وجع. فإن كان يمكن أن يكون اختناق من غير وجع فبسبب كونه ما أصف لك. أقول إنّه قد يمكن أن تكون رطوبة كثيرة لا سيّما بلغمية قد تثبت في الغشاء المستبطر للحنجرة فيحدث منها فيه ورم ليس معه وجع، ويمكن أن تبطل حركة العضل التي تفتح الحنجرة فتضيق مجراها حتّى يحدث الاختناق، ويمكن أن يجتمع الأمران جميعاً. ويمكن أيضاً أن يفرط اليبس على العضل الذي في داخل الحنجرة فيتوتّر توتّراً كثيراً فيضيق مجراها. وقد بيّنت في كتابي في الصوت أيّ العضل هو هذا وكيف يعلّق ويسدّ الحنجرة إذا توتّر.
قال أبقراط: من اعترته حمّى فاعوجّت معها رقبته وعسر عليه الازدراد حتّى لا يقدر أن يزدرد إلّا بكدّ من غير أن يظهر به انتفاخ فذلك من علامات الموت.
قال جالينوس: إنّ أبقراط لمّا ذكر الانتفاخ في هذا الفصل لم يذكر معه الموضع الذي عنى أنّه لا يظهر فيه كما ذكر في الفصل الذي قبله الحلق فقال وليس في حلقه انتفاخ. وأمّا أنا فأقول إنّ الأمر لا يخلو من أحد وجهين. أمّا أن يكون عنى بالموضع الذي لا يظهر فيه انتفاخ الحلق فيكون ذكره الحلق مشتركاً للوجهين جميعاً. وأمّا أن يكون عنى أنّه لا يظهر في شيء من جميع مواضع الرقبة بتّة فإنّه إذا ما لم يظهر فيه انتفاخ في شيء من هذه المواضع بتّة لا من داخل في الحلق إذا فتح الفم ولا من خارج، وعرض لذلك الانسان أن يمتنع عليه الازدراد، فإنّ هذا العرض عرض قتال ويكون إمّا من ورم يحدث في العضل المستبطن للمريء وإمّا من ورم يحدث في نفس المريء. فإنّ بين هذه الأعضاء وبين النخاع والأغشية المحيطة به والعظام التي من ورائها التي هي الفقار مشاركة بعصب ورباطات.
وتكون الحمّى الشديدة تقوم في الموت مقام شيئين مقام علامة ومقام سبب. أمّا مقام علامة فلأنّها تدلّ على أنّ ذلك الإعوجاج وامتناع الازدراد إنّما كانا عن اليبس. وأمّا مقام سبب فلأنّها تعين هي أيضاً على حدوث الموت كأحد الأسباب الجالبة له.
قال أبقراط: العرق يحمد في المحموم إن ابتدأ في اليوم الثالث أو في الخامس أو في السابع أو في التاسع أو في الحادي عشر أو في الرابع عشر أو في السابع عشر أو في العشرين أو في الرابع والعشرين أو في السابع والعشرين أو في الحادي والثلاثين أو في الرابع والثلاثين أو في السابع والثلاثين فإنّ العرق الذي يكون في هذه الأيّام يكون به بحران الأمراض، وأمّا العرق الذي لا يكون في هذه الأيّام فهو يدلّ على آفة أو على طول من المرض.
قال جالينوس: ليس العرق وحده، لكن اختلاف البطن الكثير والبول الكثير والخراجات التي تخرج عند الأذنين وعند سائر المفاصل إنّما تحمد إذا ظهرت في الأيّام الذي ذكر.
أنّهما جميعاً داخلان في عدد أيّام البحران وخليق أن يكون اليوم الرابع والثلاثين أقوى. ولم يذكر يوم الأربعين، وأخلق به أن يكون إنّما ترك ذكره، لأنّه أوّل أيّام بحران الأمراض المزمنة وتلك الأمراض لا يكاد يكون البحران فيها بعرق. فإنّ أيّام البحران التي قبل الأربعين القريبة منه مثل اليوم الرابع والثلاثين والواحد والثلاثين والسابع والعشرين قليلاً ما يوجد البحران يكون فيها بالعرق.
قال أبقراط: العرق البارد إذا كان مع حمّى حادّة دلّ على الموت، وإذا كان مع حمّى هادئة دلّ على طول من المرض.
قال جالينوس: إنّ التجربة تشهد على أنّ الأمر في هذا الذي وصف أبقراط يكون كثيراً على ما وصف. لكن ينبغي أن يبحث عن السبب فيه، لأنّه قد يظنّ أنّ من أبعد الأشياء ممّا يعقل أن تكون بالانسان حمّى في غاية الحرارة ويكون العرق بارداً. فإقول إنّ من البيّن أنّ الحرارة الشديدة ينبغي أن تكون من بدن صاحب هذه الحال في مواضع
إذا أنضجت تلك الرطووبات الكثيرة الباردة على طول الزمان واستولت عليها الطبيعة حتّى تقهرها. فالحمّى الحادّة في صاحب هذه الحال علّة للهلاك وعلامة تدلّ عليه. أمّا علّة له فلأنّ من شأنها أن تحلّ الأبدان، وأمّا علامة دالّة عليه فلأنّها تدلّ على الرطوبات التي قد غلبت في البدن وكثرت في غاية البرد إذ كان لا بغيرها حرارة الحمّى فضلاً عن غيرها. فأمّا الحمّى التي ليست بحادّة لكنّها هادية فتمهل الطبيعة أن تنضج تلك الرطووبات الكثيرة على طول الأيّام لأنّها لا تبدر فيحلّ البدن كما تفعل الحادّة. وليس هي أيضاً علامة تدلّ على الهلاك مثل الحمّى ، لأنّه قد يمكن إذا كانت الحمّى فاترة، وإن كانت الأخلاط يسيرة البرد أن تبقى فلا تسخن.
قال أبقراط: وحيث كان العرق من البدن فهو يدلّ على أنّ المرض في ذلك الموضع.
قال جالينوس: ذلك لأنّ المرض لو كان مشتملاً على البدن كلّه لقد كان يستعجل الاستفراغ من البدن كلّه بالسواء.
وذلك يكون إمّا باستفراغ الطبيعة للشيء الفاضل وعند ذلك يكون بالعرق بحران محمود، وإمّا بأنّ الرطوبات لا تستمسك في البدن بسبب المرض. وعلى أيّ الحالين كان العرق فإنّما يستفرغ به الرطوبة من الأعضاء العليلة.
قال أبقراط: وأيّ موضع من البدن كان حارًّا أو بارداً ففيه المرض.
قال جالينوس: أيّ عضو من أعضاء البدن كانت حرارة بيّنة أو برد بيّن فواجب أن يكون المرض فيه. وذلك لأنّ العضو الذي هذه حاله قد خرج عن الاعتدال الطبيعي الذي هو نوع من الصحّة.
قال أبقراط: وإذا كانت تحدث فى البدن كلّه تغايير وكان البدن
يبرد مرّة ثمّ يسخن أخرى أو يتلوّن بلون ثمّ بغيره دلّ ذلك على طول من المرض.
قال جالينوس: المرض الذي فيه أنواع كثيرة هو أبداً أطول مدّة من المرض الذي هو نوع واحد، والأمر في ذلك بيّن أنّه إنّما هو من قبل أنّ الطبيعة لا تقدر في زمان يسير على إنضاج الأنواع الكثيرة من المرض.
قال أبقراط: العرق الكثير الذي يكون بعد في النوم من غير سبب بيّن يدلّ على أنّ صاحبه يحمل على بدنه من الغذاء أكثر ممّا يحتمل، فإن كان ذلك وهو لا ينال من الطعام فاعلم أنّ بدنه يحتاج إلى استفراغ.
قال جالينوس: إنّ قوماً يكتبون هذا الفصل على هذا المثال «العرق الكثير الذي يكون بعد النوم من غير سبب بيّن»، وقوم يكتبون مكان «من غير سبب بيّن» «من غير سبب أخر». وهذه الشرائط وإن لم يرد فقد نفهم وقد نجد أبقراط في كلام كثير من كلامه في مواضع كثيرة من كتبه قد ترك أشباه هذه الشرائط اتّكالاً منه على أنّا نفهمها عنه
وإن لم يقلها إذ كان قد علمنا مرّة واحدة أنّ الأعراض التي تحدث لسبب من خارج لا من قبل حال البدن ليس يصحّ تقدمة المعرفة المأخوذة منها. وهذا ممّا ينبغي أن يكون حاضراً لذكرك دائماً. وأمّا ملاك ما خبّر به في هذا الفصل فهو حاصّة في الشريطة التي تشترطها في العرق حين قال الكثير. وذلك أنّه إن لم يكن العرق بكثير فقد يمكن أن يكون من قبل ضعف القوّة ومن قبل سخافة البدن. وأمّا كثرته فيكون عن أحد وجهين إمّا من قبل إفراط في تناول ما يتناوله صاحب ذلك العرق قبيل من الأطعمة وإمّا من قبل كثرة ما rقد كان تناوله قبل ذلك. وإن كان ذلك إنّما هو من قبل كثرة ما تناوله قبيل فينبغي أن يمنعه من أن يكثر من الطعام، وإن كان إنّما هو من قبل ما كان قد تناوله قبل فينبغي أن يستفرغ بدنه.
قال أبقراط: العرق الكثير الذي يجري دائماً حارًّا كان أو بارداً فالبارد منه يدلّ على أنّ المرض أعظم والحارّ منه يدلّ على أنّ المرض أخفّ.
قال جالينوس: أمّا العرق الذي يكون في أيّام البحران فقد تكلّم فيما تقدّم. وأمّا العرق الذي يظهر في مدّة المرض كلّها من غير بحران فيدلّ عليه في هذا الفصل فقال إنّ ما كان منه بارداً فهو أردأ وما كان منه حارًّا فهو أقلّ رداءه من البارد، لأنّهما جميعاً يدلّان على كثرة من الأخلاط، إلّا أنّ البارد منها يدلّ على أنّ تلك الأخلاط باردة وإذا كانت كذلك فهي أردأ، والحارّ يدلّ على أنّ الأخلاط حارّة وإذا كانت كذلك فهي أقلّ من تلك رداءه ودلالة على الهلاك.
قال أبقراط: إذا كانت الحمّى غير مفارقة ثمّ كانت تشتدّ غبًّا فهي أعظم خطراً، وإذا كانت الحمّى تفارق على أيّ وجه كانت فهي تدلّ على أنّه لا خطر فيها.
قال جالينوس: قد بيّن أبقراط في هذا الفصل أنّه يعني بقوله أنّ الحمّى التي تفارق إذا كانت نوائب الحمّى تسكن حتّى ينقى البدن إذاً بتّ القول وجرده أنّ الحمّى إذا كانت تفارق ثمّ كانت من الحمّيات التي تنوب غباً كيف كانت نوائبها فلا خطر فيها،
لأنّه ليس في هذه الحمّيات شيء لا خطر فيه إلّا ما كان ينقى البدن منه نقياً تامّاً، وإن كانت نوائب الحمّى التي هذه حالها على غاية الشدّة أو كانت مدّتها طويلة جدًّا. وذلك أنّه إن كانت مدّة النوائب فيها على مثل ما هي عليه في القصر في الغبّ الخالصة التي طول مدّة نوائبها أقلّ من اثنتي عشرة ساعة فتلك الحمّى ليست فقط سليمة من الخطر لكنّها مع ذلك سريعة الانقضاء. وإن كانت مدّة نوائبها أكثر من اثنتي عشرة ساعة فتلك أيضاً سليمة من الخطر، إلّا أنّها أطول من الحالصة بحسب فضل طول نوائبها على نوائب الغبّ الخالصة. وبالواجب قال إنّ الحمّى التي ينقى منها البدن سليمة من الخطر لأنّها إذا كانت كذلك لم تكن من ورم ولا من عفونة خبيثة في الأخلاط، لأنّ الحمّى التي تكون من أحد هذين السببين لا ينقى البدن من نوائبها. فإذا كانت نوائبها تقلع عنى أيّ وجه كانت فهي تدلّ على أنّه لا خطر فيها يعني كانت النوائب شديدة صعبة أو كانت طويلة.
قال أبقراط: من أصابته حمّى طويلة فإنّه تعرض له إمّا خراجات وإمّا كلال في مفاصله.
قال جالينوس: ليس هذا ممّا يكون دائماً ولا غيره ممّا أشبهه، لكنّه ممّا نراه يعرض كثيراً والعلّة فيه بيّنة. وذلك أنّ الأمراض إنّما تطول مدّتها إمّا لكثرة الأخلاط المولّدة للحمّى وإمّا لغلظها وإمّا لبردها لأنّها إذا كانت كذلك احتاجت إلى زمان طويل حتّى تنضج. فواجب يعرض لمن هذه حاله الخراجات وأن تتجلّب الفضول إلى مفاصله. فإن فهمت من قوله الكلال الوجع وإن فهمت منه الآفة والضرر وحدث القول محتملاً للوجهين جميعاً، لأنّ هذين العرضين جميعاً يعرضان عند اندفاع الفضل إلى المفاصل.
قال أبقراط: من أصابه خراج أو كلال فى المفاصل بعد الحمّى فإنّه يتناول من الطعام أكثر ممّا يحتمل.
قال جالينوس: إنّ أبقراط يخبر قي هذا الفصل عن حال الناقه من المرض. فإنّه إذا تملّأ وأكثر من الطعام غير بعيد من أن يعرض له العلل التي تكون من الامتلاء كثرة الأخلاط ولا سيّما إذا كانت قوية قد ضعفت.
قال أبقراط: إذا كانت تعرض نافض في حمّى غير مفارقة لمن قد ضعف فتلك من علامات الموت.
قال جالينوس: ليس القول «إذا كانت تعرض» والقول «إذا عرضت» واحد، لأنّ القول «إذا عرضت» إنّما يدلّ على وقوع النافض مرّة واحدة. وأمّا القول «إذا كانت تعرض» فيدلّ على وقوعها مراراً. وإذا عرضت النافض مرّة وحدة فلم يتبيّن بعد هل يتبع ذلك الهلاك أو بحران محمود. وذلك أنّه قد يمكن أن يكون هذا العارض إنّما يعرض من قبل ضعف القوّة فيكون دالًّا على الهلاك، ويمكن أن يتبع هذا العرض بحران وإن كان ذا خطر، إلّا أنّ أمره يؤول إلى خير. فأمّا حدوث النافض مرار كثيرة والحمّى لا تقلع فهو وإن كانت القوّة قوية فليس بمحمود فإن كان ذلك والقوّة ضعيفة فهو من علامات الهلاك. وذلك أنّه إن أتبع النافض استفراغ
ثمّ لم تسكن به الحمّى فواجب أن تنحلّ قوّة ذلك البدن من الوجهين جميعاً أعني من قبل أنّ القوّة لا تحتمل رعدة النافض وزعزعتها للبدن ومن قبل أنّ الاستفراغ يزيدها ضعفاً واسترخاء. وإن حدثت النافض وحدها ولم يتبعها استفراغ بتّة فهذا العارض ليس بمحمود من الوجهين جميعاً، أعني من قبل أنّ هذا العارض يقوم مقام سبب رديء ينكي في القوّة ومن قبل أنّه يصير علامة رديئة تدلّ على ضعف القوّة في الغاية القصوى إذا كانت من عادتها بعد حدوث النافض أن يستفرغ الأخلاط المؤذية وكانت في هذه الحال قد عجزت عن تلك.
قال أبقراط: في الحمّى التي لا تفارق النخاعة الكمدة والشبيهة بالدم والمنتنة والتي هي من جنس المرار كلّها رديئة، فإن انتفضت انتفاضاً جيّداً فهي محمودة، وكذلك الحال في البراز والبول، فإن خرج ما لا ينتفع به من أحد هذه المواضع فذلك رديء.
قال جالينوس: قد كان الأشبه فيما أحسب بطريق الفصول بأن يكون هذا الفصل قد قيل بأخصر ممّا هو عليه على هذا المثال «كلّ شيء رديء يستفرغ فيكون استفراغه جيّداً فإنّ أمره يؤول إلى خير»، إلّا أنّ أبقراط لم يفعل ذلك كذلك لكنّه ذكر أوّلاً ثلاثة أجناس ممّا يستفرغ وهي الشيء الذي يستفرغ من الفم بالتنخّع والشيء الذي يستفرغ بالبراز والشيء الذي يستفرغ بالبول ثمّ خصّ ما يستفرغ بالفم فاستقصى أنواعه. وذلك أنّه لم يقتصر على أن يقول فيه إنّ الشيء الرديء الذي يستفرغ منه إذا كان استفراغه جيّداً فهو محمود لكنّه ذكر أنواعه نوعاً نوعاً، فقال الكمد والشبيه بالدم والمنتّن وما هو من جنس المرار. والقول في هذه الأشياء كلّها قول واحد عامّ أنّ الأشياء الرديئة التي تستفرغ تدلّ على حالات رديئة في الأبدان التي تستفرغ منها إلّا أنّها ربّما كان خروجها بمنزلة خروج الصديد من القروح المتعفّنة، فلا ينتفع بخروجها في ذلك المرض الذي خرجت بسببه، وربّما كان خروجها بمنزلة خروج المدّة من خراج ينفجر ويكون به نقاء محموداً للعضو الذي فيه العلّة. والعلامات الدالّة على أنّ خروج ما يخرج جيّداً هي نضجه حاصّة واحتمال البدن لخروجه بسهوله وخفّته به. ومع ذلك أيضاً طبيعة المرض ومن بعدها الوقت الحاضر من السنة والبلد
والسنّ وطبيعة المريض. وأمّا آخر هذا الفصل فيوجد في النسخ مكتوباً على وجهين. وذلك أنّه يوجد في بعضها على ما وصفنا فيما تقدّم وهو «فإن خرج ما لا ينتفع به»، ويوجد في بعضها ليس فيه «لا» على هذا المثال «فإن خرج ما ينتفع به». والكلام يكون على حسب النسخة الأولى على هذا المثال «فإن خرج ما لا ينتفع بخروجه من أحد هذه المواضع فذلك ليس بمحمود». وعلى حسب النسخة الثانية على هذا المثال «فإن خرج ما ينتفع به بدن الحيوان وما هو موافق له فليس ذلك بمحمود». فالنسخة الأولى على حال أجود.
قال أبقراط: إذا كان في حمّى لا تفارق ظاهر البدن بارداً وباطنه يحترق وبصاحب ذلك عطش فتلك من علامات الموت.
قال جالينوس: قد ينبغي أن تنظر هل يمكن أن تكون هذه الأعراض التي تقدّم ذكرها في حمّى لا تفارق. فإنّي أنا ما رأيت هذا قطّ ولا أتوهّم أنّه يكون ولا رأيت هذا يكون إلّا فيما كان من الحمّى المحرقة مهلكاً وسواء نسمّيها كذلك أو نسمّيها الحمّى المحرقة في غاية الخبث مثل الحمّى التي تقال لها ليفورياس. فأمّا غير ذلك من الحمّيات فليس واحدة منها يعرض فيها أن يكون باطن البدن يحترق والجلد بارد. فإنّ الحمّى المحرقة السليمة لا يعرض هذا فيها ولا في الحمّى الغبّ المفارقة أيضاً على أنّ هاتين الحمّيين أسخن الحمّيات. فيشبه أن تكون زيادته ما زاد في هذا الفصل من قوله «إذا كان في حمّى لا تفارق» ليس هو للتفرقة فيما بين هذه وغيرها في هذه الحال، لكن يكون بمنزلة ما قاله في مواضع آخر حين ذكر الفقار فلم يقتصر على أنّ قال الفقار فقط لكن قال فقار الصلب، لا أنّ في البدن في غير الصلب فقار، لكنّ كأنّه قال الفقار وموضعه من البدن الصلب. فعلى هذا المثال يفهم في هذا الفصل قوله أنّه إذا كان باطن البدن يحترق والجلد بارد فذلك من علامات الموت الهلاك. وذلك إنّما يكون في بعض الحمّيات التي لا تفارق. والعلّة فيه هي أنّه متى كان قد حدث ورم حارّ قوي في بعض الأعضاء الباطنة من جنس الأورام التي تكون من الدم التي يقال لها فلغموني أو من الأورام التي تكون من المرّة الصفراء التي تقال لها الحمرة
انجذب الدم كلّه إلى العضو العليل من البدن كلّه ولذلك يحترق باطن البدن حرارة والجلد بارد، كما تعرض في أوّل نوائب الحمّى.
قال أبقراط: متى التوت في حمّى غير مفارقة الشفة أو العين أو الأنف أو الحاجب أو لم ير المريض أو لم يسمع أيّ هذه كان وقد ضعف البدن فالموت منه قريب.
قال جالينوس: الالتواء يحدث في الأعضاء إذا تمدّد العصب الذي يتّصل بها وانجذب إلى أصوله وتشنّج، والتمدّد يعرض في العصب من قبل الأروام الحارّة والجاسية ومن فبل اليبس والبرد المفرط. وهذه الآفات كلّها إذا حدثت بالقرب من أصل العصب فهي صعبة. ولذلك إذا كانت الحمّى مطبقة وكان المريض قد ضعف ثمّ ظهر بعض هذه العلامات فالموت قريب،
ولا سيّما إذا لم يسمع المريض أو لم يصير لضعف القوّة الحساسية.
قال أبقراط: إذا حدثت في حمّى غير مفارقة رداءة في التنفّس واختلاط في العقل فذلك من علامات الموت.
قال جالينوس: ربّما كان هذان العارضان أعني تغيّر النفس وتغيّر العقل من سبب واحد وهو علّة تكون قد حدثت في الدماغ ويرى عند ذلك النفس، كما قال أبقراط في كتاب تقدّمة المعرفة يكون عظيماً فيما بين مدد طوال أعني عظيماً متفاوتاً. وقد يمكن أن يكون تغيّر النفس من علّة تحدث في بعض آلات التنفّس. فإنّ ورم الغشاء المستبطن للأضلاع وورم الرئة وسائر العلل التي تحدث في الصدر والرئة تغيّر النفس. وفي هذه الأمراض كلّها خطر شديد لا سيّما مع الحمّىى المطبقة التي من شأنها أن تكون دائماً مع هذه الأمراض،
فقوله في هذا الفصل أيضاً في حمّى غير مفارقة نظير لقوله ذلك في الفصل الذي تقدّم.
قال أبقراط: الخراج الذي يحدث في الحمّى فلا ينحلّ في أوقات البحرانات الأول ينذر من المرض بطول.
قال جالينوس: إنّ الأمر الذي وصفه أبقراط في هذا القول لأمر بيّن ولا أحسبه ممّا كان يحتاج من أبقراط فيه إلى قول. وذلك أنّه لا يشكّ أنّ الخراج إذا لم ينحلّ في الأيّام الأوّل من أيّام البحران فالمرض لا محالة يطول.
قال أبقراط: الدموع التي تجري في الحمّى أو في غيرها من الأمراض إن كان ذلك عن إرادة من المريض فليس ذلك بمنكر، وإن كان عن غير إرادة فهو أردأ.
قال جالينوس: قد قيل في كتاب تقدمة المعرفة إنّ الدمع إذا جرى من العين ليس هو بعلامة محمودة
إذا لم يكن في العين علّة خاصّية مثل رمد أو خشونة في الأجفان وما أشبه ذلك، لأنّ الدمع إذا جرى من غير علّة من العين وعن غير إرادة فهو يدلّ على ضعف من القوّة الماسكة. ولم يصب من كتب آخر حرف في هذا الفصل على طريق المقايسة «أردأ». والأجود كان أن يكتب مطلقاً على غير مقايسة رديء، وأرى أنّ الخطأ في هذا إنّما أتى من قبل الناسخ الأوّل لا من قبل أبقراط.
قال أبقراط: من غشيت أسنانه في الحمّى لزوجات فحمّاه تكون قوية.
قال جالينوس: ذلك لأنّ هذه اللزوجات لا يمكن أن تتولّد على الأسنان إلّا من حرارة قوية تعمل في رطوبة بلغمية حتّى تجفّفها.
قال أبقراط: من عرض له في حمّى محرقة سعال كثير يابس ثمّ كان تهييجه له يسيراً فإنّه لا يكاد يعطش.
قال جالينوس: السعال اليابس عندهم الذي لا ينفث معه شيء، وربّما كان من خراج رديء يحدث في آلات التنفّس، وربّما كان من خشونة الحلق أو من رطوبة رقيقة يسيرة تجري فيه. وأيّ هذه الأسباب كان سببه فإنّ قصبة الرئة وما يليها كأنّها تبتلّ به ولذلك يقلّ العطش. فإنّه وإن كان سبب السعال إنّما هو خشونة فقط فبحركة السعال قد تنجذب رطوبة ما من المواضع القريبة. وكذلك إن كان سببه إنّما هو تغيّر المزاج فقط.
قال أبقراط: كلّ حمّى تكون مع ورم اللحم الرخو الذي في الحالبين وغيره ممّا أشبهه فهي رديئة إلّا أن تكون حمّى يوم.
قال جالينوس: كلّ حمّى من نفس حدّها إنّما يكون يوماً واحداً فبقراط يسمّيها حمّي يوم. ومن هذه الحمّى الحمّى التي تكون مع ورم اللحم الرخو الذي في الأربيتين وغيرهما من البدن إذا كان حدوث ذلك الورم من سبب ظاهر. فأمّا سائر الأورام التي تحدث في هذا اللحم من غير سبب ظاهر فلا يكاد يحدث إلّا مع حدوث أورام حارّة في الأحشاء ولذلك الحمّى التي تكون معها تكون رديئة.
قال أبقراط: إذا كانت بإنسان حمّى فأصابه عرق فلم تقلع عنه الحمّى فتلك علامة رديئة، وذلك أنّها تنذر بطول من المرض وتدلّ على رطوبة كثيرة.
قال جالينوس: كان ينبغي أن يقرن هذا الفصل بالفصل الذي تقدّم الذي قال قيه العرق الكثير الذي يجري دائماً حارًّا كان أو بارداً فالبارد منه يدلّ على كذا والحارّ منه يدلّ على كذا. وقد دلّ في هذا الفصل من أيّ وجه قال إنّ هذا العرق رديء.
وأمّا رداءته فمن قبل لأنّه معما لا ينحلّ المرض ينذر منه بطول. وأمّأ السبب في طول مدّته فذكر أنّه كثرة الرطوبة لأنّ الرطوبة إذا كانت كثيرة احتاجت الطبيعة إلى مدّة طويلة حتّى تحلّلها وتنضجها فيجب من قبل ذلك ضرورة أن يطول المرض.
قال أبقراط: من اعتراه تشنّج أو تمدّد ثمّ أصابته حمّى انحلّ بها مرضه.
قال جالينوس: التمدّد صنف من أصناف التشنّج إلّا أنّه ليس تري فيه الأعضاء تتشنّج، لأنّها تتمدّد إلى وراء وإلى قدّام تمدّداً سواء ولذلك خصّ باسم التمدّد فتكون أصناف التشنّج ثلاثة التشنّج إلى خلف والتشنّج إلى قدّام والتمدّد. وجميع أصناف التشنّج تكون في قول أبقراط إمّا من امتلاء الأعضاء العصبية، وإمّا من استفراغها. فما تبع من التشنّج حمّى محرقة فواجب أن يكون حدوثه من اليبس.
وما كان من التشنّج يحدث ابتداء فواجب أن يكون تولّده من امتلاء. فهذا الصنف من التشنّج إذا حدث بعده حمّى حلّلت بعض رطوبة الفضل وأنضجت بعض برودتها، وهذان هما غرضا الأطبّاء فيما يعالجونه به. فبالواجب صار ما يحدث من التشنّج بعد الحمّى خبيثاً مهلكاً، وما يكون منه قبل الحمّى فليس بمهلك.
قال ابقراط: إذا كانت بإنسان حمّى محرقة فعرضت له نافض انحلّت بها حمّاه.
قال جالينوس: قد بيّنت في مقالة وصفت فيها أمر النافض أنّ النافض قد يكون من مرّة صفراء تتحرّك حركة سريعة في الأجسام الحسّاسة. ومن أصابه ذلك فبيّن أنّ بطنه ينطلق ويصيبه عرق وقيء مرار. ولأنّ المرار الذي هو مولّد للحمّى المحرقة يستفرغ فينقى منه البدن فإنّ تلك الحمّى تنحلّ وتنقضي. فقد أخبرنا أبقراط أنّ الحمّى المحرقة تكون
عند ما تجفّ العروق في الصيف تنجذب إليها رطوبات حادّة من جنس المرار.
قال أبقراط: الغبّ أطول ما تكون تنقضي في سبعة أدوار.
قال جالينوس: لا فرق بين الغبّ وبين الحمّى المحرقة في الخلط المولّد لهما. فإنّهما جميعاً إنّما يتولّدان من المرّة الصفراء. والفرق بينهما أنّ الحمّى المحرقة تكون إذا غلبت المرّة الصفراء وكثرت وغلبت في العروق مع الدم. وأمّا الغبّ فتكون إذا كانت الصفراء سائرة متحرّكة في البدن كلّه. والغبّ الخالصة هي الحافظة لطبيعتها صرفة نقية. والحافظة لذلك هي التي تكون المرّة الصفراء فيها من الغلبة والكثرة والحركة على ما وصفت والوقت مع ذلك صيف والبلد على مثال حال الوقت حارّ يابس وسنّ المريض ومزاجه على مثال هذا الحال. وإذا كانت الغبّ على مثل هذه من الحال
وفي ذلك اليوم في أكثر الأمر يكون بحران المرض وانقضاءه من غير أن ينتظر به الرابع عشر. وكما أنّ في الأمراض الدائمة حدّ الأمراض الحادّة هو اليوم الرابع عشر وحدّ الأمراض الحادّة جدّاً هو اليوم السابع، كذلك في الحمّيات المفارقة فإن أقصرها مدّة وهي الغبّ حدّها الذي لا يجاوزه الدور السابع. وكما يمكن أيضاً في الأمراض الحادّة جدّاً أن ينقضي المرض في اليوم الخامس وفي اليوم الرابع وفي اليوم الثالث، كذلك يمكن في الغبّ أن يكون انقضاءها في تلك الأعداد بأعيانها من أعداد الأدوار من غير أن ينتظر الطبيعة بالبحران الدور السابع. وأبقراط ربّما سمّى الغبّ التي هذه حالها غبّاً خالصة. وربّما اكتفى بأن يسمّيها غبّاً بقول مطلق من غير زيادة كما سمّاها في هذا الفصل لأنّ من عادته وسائر اليونانيين أن يسمّوا جميع ما كانت هذه حاله من الأشياء على هذين الوجهين.
قال أبقراط: من أصابه فى الحمّى الحادّة في أذنيه صمم فجرى من منخريه دم أو استطلق بطنه انحلّ بذلك مرضه.
قال جالينوس: قد قال أبقراط فيما تقدّم أيضاً إنّ الصمّ قد يكون عند احتباس اختلاف المرار وتصاعده إلى الرأس، وإنّ هذا الصمم إذا انطلق البطن انحلّ. وقد وصف في هذا الفصل هذا بعينه ووصف معه أمر الرعاف. فإنّ الرعاف أيضاً قد ينحلّ به الصمم العارض في الحمّى من غير أن يكون حدث حادث خاصّ في نفس آلة السمع. وليس يعجب أن يسكن الأعراض عند استفراغ الأخلاط المولّدة لها وانقلابها.
ثمّ قال بعد هذا: إذا لم يكن إقلاع الحمّى عن المحموم في يوم من أيّام الأفراد فمن عادتها أن تعاوده.
قال جالينوس: ما أرى أنّ أبقراط كتب هذا الفصل ولا أحسبه إلّا بعض الفصول التي دلّست عليه في هذا الكتاب. فإنّ أبقراط قد وصف في كتاب تقدّمة المعرفة وفي هذا الكتاب أعني كتاب الفصول تزيّد حساب أيّام البحران وتركيبه على أربعة أربعة، ووصف في كتاب ابيديميا مرضى كثيرين أتاهم البحران في الرابع عشر وليس في الرابع عشر فقط لكن في يوم العشرين وفي يوم الأربعين وفي يوم الستّين وفي يوم الثمانين. واليوم الرابع والعشرين أيضاً عنده يوم بحران واليوم الرابع والثلاثين وقبل هذه كلّها منذ أوّل الأمر في اليوم الرابع. فكيف يجوز أن يقول الآن إنّه إن لم يكن سكون الحمّى في يوم من الأيّام الأفراد لم يكن بمأمون ولا موثوق به. فالأجود أن يكتب مكان من الأيّام الأفراد من أيّام البحران، كما قد رأى قوم أن يكتبوا في نسخهم. وقد نجد في نسخ كثيرة مكان قي يوم من الأيّام الأفراد في أيّام البحران.
قال أبقراط: إذا عرض اليرقان في الحمّى قبل اليوم السابع فهو علامة رديئة.
قال جالينوس: إنّ اليرقان ربّما كان يدفع الطبيعة للمرّة الصفراء التي البدن كلّه وخاصّة إلى الجلد على طريق البحران. وقد يكون اليرقان على طريق العرض عند آفة تحدث بالكبد. والآفات التي تحدث بالكبد فيكون منها اليرقان ثلاثة الورم الصلب والورم الحارّ والسدّة، إلّا أنّ الورم الصلب مرض طويل مزمن يحدث على طول الأيّام. وأمّا الورم الحارّ والسدّة فقد يمكن أن يعرضا بغتة واليرقان الذي يحدث قبل اليوم السابع إنّما يكون من إحدى هاتين الآفتين. وذلك أنّه لا يمكن أن تنصب المرّة الصفراء أو تثبت في البدن على طريق البحران قبل السابع. والقول بأنّ اليرقات الحادث قبل السابع علامة رديئة حقّ، وليس القول بأنّ اليرقات الحادث بعد السابع سليم من الخطر حقّ، ولا قال هذا أبقراط في هذا الفصل، لأنّه قد يمكن أن يتطاول أمر الورم الحارّ وأمر السدّة حتّى يتجاوز السابع. فأمّا قبل السابع فلا يمكن أن تنصب المرار وتثبت في البدن على طريق البحران. وقد نجد في بعض النسخ زيادة في آخر هذا الفصل وهي هذه «إلّا أن تنبعث رطوبات من البطن»،
وأراد صاحب هذه الزيادة بها أن يستفرغ المرار مع انبثاثه في البدن من البطن.
قال أبقراط: من كان يصيبه في حمّاه نافض في كلّ يوم فحمّاه تنقضي في كلّ يوم.
قال جالينوس: لمّا كان النافض إنّما يكون عندما تتحرّك المرار ويثبت في البدن كلّه ولذلك ينتقض ويستفرغ في كلّ واحدة من نوائب الحمّى، فبالواجب صار البدن ينقى من الحمّى إذا كانت على هذه الحال في وقت تركها. وهذا هو معنى قوله في هذا الفصل إنّ حمّاه تنقضي في كلّ يوم، كأنّه قال إنّ الحمّى تقلع عن المريض في كلّ يوم حتّى لا يكون به منها شيء. وكما أنّه إن كان النافض يعرض في كلّ يوم كانت الحمّى تسكن في كلّ يوم، كذلك إن كان النافض يعرض غبًّا أو ربعاً كان سكون الحمّى على حسب ذلك، وكذلك الأمر يري يكون في أدوار الغبّ والربع، فإنّا نرى نوائب الحمّى تنقضي
ثمّ تعود فتحدث، إلّا أنّها وإن كانت تنقضي. فإنّها تبقى في البدن حال خارجة من الطبيعة فمن قبلها تكون عودات الحمّى على الدور وسائر الأعراض.
قال أبقراط: متى عرض اليرقان في الحمّى في اليوم السابع أو في التاسع أو في الرابع عشر فذلك محمود إلّا أن يكون الجانب الأيمن ممّا دون الشراسيف صلباً فإن كان كذلك فليس أمره بمحمود.
قال جالينوس: إنّي أرى أنّ الفصل الذي قبل هذا أدخل فيما بين الفصل الذي قبله وبين هذا الفصل على غير نظام. وذلك أنّ الأجود كان أن يقرن هذا الفصل بالفصل الذي قيل فيه «إذا عرض اليرفان في الحمّى قبل اليوم السابع فهو علامة رديئة» حتّى يكون القول كلّه على هذا المثال «إنّ اليرقان متى عرض فبل اليوم السابع فهو لا محالة علامة رديئة فإن عرض في السابع أو بعده فهو علامة محمودة إلّا أن يكون الجانب الأيمن ممّا دون الشراسيف صلباً، يعني إلّا أن يكون في الكبد
بعض الآفات التي ذكرناها قبيل. وذلك أنّه لمّا كان الدم إنّما يتخلّص حتّي ينقى الكبد وكان المرار إنّما يأخذ المجاري المؤذية له إلى المرارة من العروق التي في الكبد، وجب ضرورة متى حدثت السدّة في بعض المواضع التي تأخذ ذلك المرار أو ورم حارّ أو صلب أن لا يتخلّص الدم ويتهذّب وينقى لكن ينفذ المرار معه إلى البدن كلّه، وإذا كان ذلك فيجب ضرورة أن يحدث اليرقان.
قال أبقراط: متى كان في الحمّى التهاب شديد في المعدة وخفقان في الفواد فتلك علامة رديئة.
قال جالينوس: إنّه ممّا قد اتّفق عليه أنّه ليس العضو النابض من ذاته بالطبع يسمّى بالفواد فقط، لكن قد يسمّي القدماء رأس المعدة بهذا الاسم حتّى أنّهم يسمّون الأوجاع العارضة في هذا الموضع أوجاع الفواد. فأمّا خفقان الفواد فأكثر من فسّر كتاب الفصول رأى أنّ معناه ومعنى وجع الفواد واحد.
وقد قال قوم إنّه عنى بخفقان الفواد حركة تفور من نفس القلب وفسّروا حركة التفوّر فقالوا إنّها حركة متواترة شبيهة بالاختلاج. والالتهاب الشديد يكون في المعدة من قبل المرّة الصفراء إذا فارت وغلبت في طبقاتها. فبالواجب يعرض لمن كانت هذه حاله اللذع في فم المعدة وهو ما عنى بقوله خفقان الفواد ولذلك صار هذا العارض عرضاً رديئاً. فإن فهمت من قوله خفقان الفواد الحركة المتواترة السريعة من القلب ولا سيّما إذا كانت شبيهة بالاخلاج، فهذا العارض من الرداءة في الغاية لأنّه يدلّ على أن يتنوّع الحياة قد حمّى وسخن بسخونة نارية.
قال أبقراط: التشنّج والأوجاع العارضة في الأحشاء في الحمّيات الحادّة علامة رديئة.
قال جالينوس: الحمّى القوية الشديدة تجفّف العصب بمنزلة النار فتمدّده وتجذبه وعلى هذا الوجه يحدث التشنّج المهلك. وربّما عرض في الأحشاء
أيضاً الورم من هذه الحال بعينها أعني من شدّة الالتهاب واليبس، ولذلك قال إنّ هذه الحال حال رديئة، وأحرى أن تكون رداءتها أزيد متى كان الوجع وجعاً شديداً. وقد علمنا أنّه قد تعرض الأوجاع في الأحشاء بسبب الورم الحارّ إذا عرض فيها الحمرة والسدّة القوية أو الخراج، ولكنّه ليس يشبه أن يكون كلام أبقراط في هذا الفصل في تلك الأوجاع، لأنّ الخطر في تلك ظاهر مكشوف وليس يجب ضرورة أن يكون أمرها متّصلاً بأمر التشنّج، ومن عادة أبقراط أنّه إذا قال في الحمّيات أن يعني في الأمراض التي إنّما هي حمّى لا الأمراض التي الحمّى فيها عرض لازم لعلّة عضو حدث فيه بعض الأمراض التي تقدّم ذكرها.
قال أبقراط: التفزّع والتشنّج العارضان في الحمّى من النوم من العلامات الرديئة.
قال جالينوس: قد قال أبقراط فيما تقدّم أيضاً إنّ النوم الذي يضرّ المريض من علامات الموت، والنوم الذي لا يضرّه ليس هو من علامات الموت. وأتى على قوله بمثال حين قال متى سكن النوم اختلاط الذهن فتلك علامة صالحة، فدلّ أبقراط بذلك أنّه قد يكون من النوم ما لا يسكن اختلاط الذهن لا بل ربّما زاد فيه وربّما ولّده. وذكر في هذا الفصل مثالات أخر تدلّ على الضرر الحادث من النوم وهي التفزّع والتشنّج. وفي بعض النسخ يوجد مكان «التفزّع» «التوجّع»، وقد رأينا مراراً كثيرة في أمراض مهلكة التفزّع والتوجّع والتشنّج يحدث من النوم. ويشبه أن يكون ذلك يعرض عند مصير الخلط المؤذي المولّد للمرض في وقت النوم إلى الدماغ، لأنّ حركة الطبيعة في ذلك الوقت تكون إلى داخل البدن أكثر منها إلى خارج. وكما أنّ الإنسان أيضاً إذا صار بعد تناول الطعام إلى النوم عرض له في رأسه امتلاء، كذلك إذا صار إلى النوم من في بدنه امتلاء وكثرة من الأخلاط يعرض له في رأسه امتلاء فيثقل الدماغ. فإن كان الخلط الغالب مائلاً إلى السوداء عرض منه التفزّع، وإن لم يكن كذلك عرض منه التوجّع والتشنّج،
وقد كان النوم سيضرّ دائماً بسبب انصباب الموادّ فيه إلى عمق البدن وممّا يلي الأحشاء، لو لا أنّ منتفعته بسبب إنضاجه لما كان يحتاج إلى النضج أكثر من مضرّته بسبب ميل الأخلاط فيه إلى داخل. وليس اجتماع الأخلاط الرديئة في الدماغ فقط يحدث هذه الأعراض لكن قد يحدثها أيضاً اجتماعها في فم المعدة، فإنّ تصاعد البخار في وقت النوم من هناك يكون أكثر، فإذا كانت الأخلاط قد بقيت عديمة للنضج فالنوم العارض بسببها ضارّ ومتى نضجت فإنّ النوم الذي يجليه يكون نافعاً.
قال أبقراط: إذا كان الهواء يتعثّر في مجاريه من البدن فذلك رديء لأنّه يدلّ على تشنّج.
قال جالينوس: ينبغي أن تفهم عنه أنّه يعني بالهواء في هذا الموضع هو التنفّس، كما استعمل هذه اللفظة في كتاب تقدّمة المعرفة فإنّ هواء التنفّس إذا تعثّر في مجاريه، يعني إذا حبسه شيء في طريقه حتّى ينقطع دلّ على تشنّج.
وذلك أنّ هذا التنفّس إنّما يكون وقد نال العضل والعصب المحرّك للصدر طرف من التشنّج. فإن تزيّدت تلك الجال وسعت في أعضاء أكثر اعترى صاحبها تشنّج ظاهر. وحركة التنفّس تكون على وجهين، وذلك أنّ منها إدخال للهواء وحركته إلى داخل، ومنها إخراجه وحركته إلى خارج. فتعثّر الهواء ربّما كان في إدخال النفس وهو الذي قال فيه أبقراط إنّ إدخال النفس قد يتضاعف حتّى كان الإنسان يستنشق استنشاقاً بعد استنشاق، وربّما كان ذلك التعثّر في إخراج النفس وهو الذي قال فيه أبقراط إنّ الهواء يتعثّر في مجاريه عند حركته إلى خارج. وفي كلّ واحد من هذين القولين إنّما ذكر أحد جزئي التنفّس وقط. وأمّا في هذا الفصل الذي نحن في تفسيره فجعل كلامه في النفس كلّه فقال إذا كان الهواء يتعثّر في مجاريه يعني كان ذلك في حركته إلى داخل أو في حركته إلى خارج أو فيهما جميعاً.
قال أبقراط: من كان بوله غليظاً شبيهاً بالعبيط يسيراً وليس بدنه ينقى من الحمّى فإنّه إذا بال بولاً كثيراً رقيقاً انتفع به،
وأكثر من يبول هذا البول من كان يرسب في بوله منذ أوّل مرضه أو بعده سريعاً ثفل.
قال جالينوس: إنّ أبقراط لم يقتصر على أن قال من كان بوله غليظ حتّى زاد شبيه بالعبيط وهو يريد أن يدلّ بذلك على أحد أمرين إمّا على مقدار غلظه وإمّا على اختلاف قوامه وتشتيته، حتّى يرى فيه قطع كثيرة متجاوزة مثل قطع العبيط. وقد يوجد في بعض النسخ مكان شبيه العبيط شبيه بالحصاة، وكذلك نجد في نسخة نوميسيانوس وفي نسخة ديونيسيوس، فإن كان هذان أرادا أن يدلّا مع الثخن على النتن فقد قصد الدلالة على شيء لم يدلّ عليها غيرهما. فإن كانا إنّما قصد الدلالة على مقدار الثخن فلم يزيدا على ما أشار إليه غيرهما شيء. وكلام أبقراط كلّه في هذا الموضع يظهر أنّه لم يرد به البول المنتن، وإنّما أراد به البول اليسير الغليظ فقط، كما قد بيّن لك ما وصفه بإزاء ما تقدّم من قوله. فإنّه قال إذا بال بولاً كثيراً رقيقاً انتفع به، فلو كان اقتصر على أن قال من كان بوله غليظاً يسيراً لما كان في قوله نقصان.
ونضج ما يبقى منه، استفرغ عند ذلك من البول ما هو أرقّ كثيراً ممّا كان قبل، فإنّ القول هكذا هو أجود من أن يطلق كما أطلقه أبقراط فقال رقيق، لأنّ البول الطبيعي ليس هو رقيقاً مطلقاً ولا ثخيناً لكنّه متوسّط فيما بين الإفراطين معتدل فهو أغلظ من الرقيق المائي وأرقّ من الثخين الشبيه بالغليظ. وبالواجب يكثر لأنّه كان قبل يحتبس في الوقت الذي كان يعسر نفوذه لثخنه.
قال أبقراط: من بال بولاً متثوّراً شبيهاً ببول الدوابّ فيه صداع حاضر أو سيحدث به.
قال جالينوس: قد وصّل قوم هذا الفصل بالفصل الذي قبله يجعلونه جزءاً منه على هذا المثال «فأمّا من بال بولاً متقلّباً فيه صداع حاضر أو سيحدث به». وبعض من رضى هذه النسخة رأى أنّ معنى قوله متقلّب أي على ضدّ حال البول الأوّل ويعني أنّه يكون رقيقاً،
فهو أنّه يجب ضرورة إذا كان البول متثوّراً على ما وصف أبقراط أن يكون معه صداع حاضر أو يحدث بعده أو يكون قد تقدّمه، وذلك أنّ الرياح الغليظة مع الحرارة تسرع الصعود إلى الرأس، إلّا أنّه لا يجب ضرورة أن يكون متى كان إنسان قد صدع أو يصدع أن يكون بوله على هذه الصفة. وذلك أنّه قد يكون الصداع من حرارة فقط وربّما كان من مرّة صفراء إمّا في الرأس حاصلة وإمّا في المعدة وربّما كان من رطوبات كثيرة مستكنه في الرأس وربّما كان من سدّة فيه وربّما كان من رياح غليظة متولّدة في الرأس، وليس يوجب واحدة من هذه الحالات ضرورة أن يكون البول على ما وصفت.
قال أبقراط: من يأتيه البحران في السابع فإنّه قد يظهر في بوله في الرابع غمامة حمراء وسائر العلامات تكون على هذا القياس.
قال جالينوس: كما أنّ أكثر من فسّر هذا الكتاب قد بيّن عن نفسه في مواضع أخر كثيرة أنّه لا خبر له بعلم أبقراط وخذقه بهذه الصناعة، كذلك قد بيّنوا عن أنفسهم ذلك في تفسيرهم لهذا الفصل. وذلك أنّهم ظنّوا
وذلك أنّ هذه العلامة إذا ظهرت في اليوم الرابع فما يأتي بعد ظهورها من الزمان إلى حلول السابع مساوي لما مضى منه قبل ظهورها وكذلك قد يمكن أن يدلّ على بحران يكون في السابع. فأمّا متى ظهرت هذه العلامة في اليوم الحادي عشر فلا يكاد فيما أرى أن يكون إنّما يحتاج إلى ثلاثة أيّام فقط حتّى يحلّ البحران لكن قد يحتاج من الأيّام إلى ما هو أكثر من ذلك. وذلك أنّ من أصحّ الأشياء أنّ هذا اللون متى ظهر دلّ على فضل تأخير من انقضاء المرض. وقد رأيت مراراً ليست بالكثيرة هذه العلامة قد ظهرت في أيّام أخر غير الرابع. فمن ظهرت فيه في السابع أتاه البحران في اليوم الرابع عشر، ومن ظهرت فيه في اليوم الرابع عشر أتاه البحران في اليوم العشسرين. وقد رأيت من ظهرت فيه هذه العلامة في اليوم الحادي عشر فأتاه البحران في السابع عشر، ورأيت أخر ظهرت فيه هذه العلامة في اليوم الحادي عشر فأتاه البحران في اليوم العشرين.
قال أبقراط: إذا كان البول ذا مستشفّ أبيض فهو رديء وخاصّة في أصحاب الحمّى التي مع ورم الدماغ.
قال جالينوس: إذا كان البول على هذه الصفة فهو يدلّ على غاية البعد من النضج، ولذلك قد ينذر بطول من المرض،
وقد نجد هذا الفصل في بعض النسخ مكتوباً على هذا المثال «ويرى كذلك خاصّة في أصحاب الحمّى التي مع ورم الدماغ»، ومعنى ما في هذه النسخة وما في النسخة الثانية معنى واحد.
قال أبقراط: من كانت المواضع منه التي فيما دون الشراسيف عالية فيها قرقرة ثمّ حدث له وجع في أسفل ظهره فإنّ بطنه يلين إلّا أن تنبعث منه رياح كثيرة أو يبول بولاً كثيراً وذلك في الحمّيات.
قال جالينوس: إنّ أبقراط يعني بقوله في «المواضع التي فيما دون الشراسيف» أنّها عالية أن تكون منتخفة وذلك يكون من أسباب كثيرة، وأحد تلك الأسباب الريح الغليظة النافخة التي كلامه في هذا الفصل فيها، وهذه الريح تكون على ضربين ربّما كانت من حال المعدة والمواضع التي تليها متمكّنة ثابتة يعسر انحلالها وربّما كانت من سبب حادث. فبقراط يفرق في هذا الفصل بين هاتين الحالين. فإنّ الحال الأولى
وهو قوله «وذلك في الحمّيات» فأرى أنّه إنّما أراد أن يدلّ على ما أصف. أقول إنّه كان من عادة الأوائل إذا قالوا إنّ إنساناً اعترته حمّى أو أصابته حمّى أن يعنوا به من حمّ من غير ورم حادّ ولا خراج ولا حمرة ولا علّة من العلل بالجملة يخصّ عضواً من الأعضاء. فأمّا من حمّ من قبل ورم يحدث فيه في جنبه أو في رئته أو في أحد سائر أعضائه فلم يكن من عادتهم أن يقولوا إنّه أصابته حمّى أو اعترته حمّى، لكن كانوا يقولون إنّه أصابته ذات الجنب أو ذات الرئة أو ذات الكبد أو ذات الطحال أو غير ذلك ممّا أشبهه. فبقراط يريد في هذا الموضع أن يدلّ فيما أرى على إحدى مرّتين إمّا على أنّ هذه الأعراض التي ذكرنا إنّما jعرض في الحمّيات التي ليس معها علّة خاصّة في عضو من الأعضاء أو على أنّ هذه الأعراض قد تحدث في تلك الأمراض، إلّا أنّه لا ينطلق فيها البطن أو ينبعث فيها رياح أو بول. وذلك أنّ القرقرة في تلك الأمراض ليس تكون بحركة طبيعية تدفع بها الأعضاء عنها الرياح الغليظة النافخة، وإنّما تكون على طريق العرض فقط.
قال أبقراط: من يتوقّع له أن يخرج به خراج في شيء من مفاصله فقد يتخلّص من ذلك الخراج ببول كثير غليظ أبيض ببوله كما قد يبتدئ في اليوم الرابع في بعض من به حمّى معها إعياء، فإن رعف كان انقضاء مرضه مع ذلك سريعاً جدًّا.
قال جالينوس: قد قلت قبل إنّ الخراج يخرج في المفاصل فيمن أتعب مفاصله قبل المرض وفيمن أصابه الإعياء في نفس مرضه على أيّ وجه كان، ومع ذلك أيضاً فيمن يطول به المرض من قبل كثرة الأخلاط الغليظة فيه. فإن قويت الطبيعة على أن تنقض البدن وتنقيه بالبول سلم بذلك المريض من الخراج باستفراغ الطبيعة بالمثانة ما هو مزمع أن يتجلّب إلى بعض المفاصل فيولد الخراج. واكتفى أبقراط يذكر الحمّى التي معها الإعياء فجعلها مثالاً لغيرها، وجعل ابتداء ميل الفضل فيها إلى طريق البول في اليوم الأوّل من أيّام الإنذار. فإنّ هذه الحمّى التي معها الإعياء من شأنها أن يحدث الخراج
سريعاً، وليس ينتظر به مدّة أطول كسائر الحمّيات. وقد يعرض لأصحاب هذه الحمّى الخراج عند الأذن، كما يعرض لأصحاب العلل المزمنة أن تكون تجلب الفضول وتولّد الخراج فيما أسفل أكثر. فأمّا إذا كانت الحرارة كثيرة فدفعت المادّة إلى فوق فإنّه إمّا أن يحدث خراج عند الأذن وإمّا أن يحدث رعاف، وليس يحتاج إلى كلام في أنّ انقضاء المرض يكون بالرعاف أسرع منه بالبول. ولذلك زاد أبقراط في قوله عند ذكره الرعاف حين قال إنّ انقضاء المرض يكون سريعاً جدّاً لأنّ الاستفراغ الآخر الذي يكون بالبول يحتاج إلى أيّام كثيرة. وأمّا قوله «في اليوم الرابع» فإنّه إنّما جعله مثالاً وينبغي أن تفهم منه سائر جميع أيّام الإنذار والبحران على مثال ما وصفه فيه.
قال أبقراط: من كان يبول دماً وقيّحاً فإنّ ذلك يدلّ على أنّ به قرحة في كلاه أو في مثانته.
قال جالينوس: إنّه متى كانت قرحة في المثانة أو في الكلى ثمّ كانت منهما في موضع عرق ذي قدر وخاصّة مع تأكّل فإنّه يتبعها بول دم. ومتى كانت القرحة في غير موضع عرق ومع غير تأكّل فإنّه يتبعها بول مرّة وحدها. وقد يمكن أن تكون القرحة في أحد مجريي البول فينال بسببها مدّة ودم. وهذان المجريان هما متوسّطان فيما بين الكلى والمثانة، وينبغي أن تفهمهما محصورين فيما ذكره أبقراط من أمر الكلى والمثانة. وما أكثر ما تعرض القرحة في هذين المجريين فيمن يتولّد في كلاه الحصى إذا مرّت فيها حصاة محدّدة أو خشنة جدّاً ثمّ لحجت فيهما حتّى تسحجهما. فأمّا القروح التي تكون في نفس الإحليل فقد يخرج منها القيح والدم من غير بول. وربّما خرجت المدّة مع البول عند انفجار خراج في بعض المواضع التي هي أعلى من المثانة والكلى. ولذلك فيما أحسب اختار أكثر المفسّرين النسخة التي فيها دم وقيح على النسخة التي فيها دم أو قيح، أعني أنّهم اختاوا النسخة التي فيها «من كان يبول دماً وقيحاً فإنّ ذلك يدلّ على أنّ به قرحة في كلاه أو في مثانته»، وأرادوا أنّ أحدهما وهو المدّة إذا بيل فقد يمكن أن لا تكون القرحة في الكلى أو في المثانة لكن
يدلّ على بعض المواضع التي هي أعلى منها. ويمكن أن يكون هؤلاء قد قالوا أشياء، ويمكن أن يكون أراد بقوله «من كان يبول دماً» أن يدلّ على معنى غير المعنى الذي يدلّ عليه قوله لو قال «من بال دماً» حتّى يكون التحديد والتلخيص محصوراً في نفس هذا اللفظ. وذلك أنّه ليس قول من قال «من كان يبول دماً وقيحاً» بمساوي لقول من قال «من بال دماً وقيحاً». وذلك أنّه قد يمكن إذا انفجر خراج إلى ناحية آلات البول أن يبول صاحبه يوماً أو يومين أو ثلاثة مدّة. وأمّا متى دام بول المدّة أيّاماً كثيرة أو أشهراً فإنّ ذلك إنّما يدلّ على قرحة في الكلى أو في المثانة. ويمكنك أن تميّز وتعلم في أيّ الموضعين هي القرحة من الوجع الكائن في المواضع المختلفة ومن الأشياء التي تخرج مع البول التي يذكرها بعد. والقول في مجرى البول شبيه بالقول في الكلى والمثانة.
قال أبقراط: من كان في بوله وهو غليظ قطع لحم صغار أو بمنزلة الشعر فذلك يخرج من كلاه.
قال جالينوس: أمّا قطع اللحم الصغار فيدلّ على أنّها من نفس جوهر الكلى. وأمّا ما هو بمنزلة الشعر فلا يمكن أن يكون من نفس جوهر الكلى. وذلك أنّه لا يمكن أن ينحلّ جرم الكلى إلى مثل هذه الطبيعة، ومن قال ذلك فهو جاهل بطبيعة الكلى. ولا يمكن أيضاً أن يكون ذلك من جوهر المثانة إذا تحلّلت وتأكّلت كما ظنّ قوم، لأنّ الأجزاء التي تنحلّ من المثانة بالصفائح أشبه كما يقول أبقراط بعد قليل ويسمّيها قشوراً، لكنّ الأمر بالحقيقة هو على ما أصف. وقد اتّفق لنا أن رأيناه مراراً كثيرة على أنّ غيرنا من الأطبّاء ممّن كثرت تجربته قد ذكروا أنّهم لم يروا هذا البول إلّا مراراً قليلة. وأهل زماننا من الأطبّاء يسمّون هذه العلّة تولّد الشعر لأنّ ما يجيء في البول فيه يشبه الشعر وخاصّة الشعر الأبيض. وقد رأيت منذ قريب من بال من هذا الشعر ما له من الطول ما لا يكاد يصدق به من يسمعه. وذلك أنّ بعضه كان يكون طوله من نحو نصف دراع. وكانت قصّة هذا الرجل أنّه مكث نحو من سنة قبل أن يبول هذا البول يأكل كثيراً باقّلى مطحوناً وجبناً رطناً ويابساً.
التي تكون فيها في البول الثقل الذي يشبه بالكرسنّة من دم غليظ تحرقه الحرارة في الكلى أو في الكبد. وأمّا قطع لحم صحيحة فما رأيتها قطّ تخرج في البول. وأرى أنّه قد يمكن أن يكون أبقراط عنى بالبول الغليظ البول المعتدل الطبيعي، لأنّ هذا البول من وجه ما قد يضادّ البول الرقيق وقد نعلم أنّ الرقيق والغليظ بالحقيقة إنّما يسمّى بها الضدّان الخارجان عن الاعتدال إلى الإفراط، لكن قد يمكن على طريق الاستعارة أن يسمّي الشيء المتوسّط المعتدل باسمي الطرفين جميعاً. فإذا قيس إلى المستكمل الغلظ سمّى رقيقاً، فإذا قيس إلى ما هو من الرقّة في الغاية سمّى غليظاً، وإن فهمنا قوله على هذا كان على هذا المثال «من كان في بوله وليس هو بالرقيق قطع لحم صغار أو بمنزلة الشعر فذلك يخرج من كلاه». فأمّا متى كان البول رقيقاً فالعلّة في جنس العرق كلّه> وأرى أنّه قد أشار إلى هذا المعنى في الفصل الذي بعد هذا.
قال أبقراط: من خرج في بوله وهو غليظ بمنزلة النخالة فمثانته جربة.
قال جالينوس: أمّأ البول متى كان رقيقاً فليست حال العروق حال طبيعية، ومتى كان ليس برقيق لكنّ معتدل الغلظ وهو المعنى الذي أراده في هذا الفصل بقوله «غليظ» فما يخرج مع هذا البول يدلّ على أنّ العلّة في الكلى أو في المثانة. وذلك أنّه لمّا كان البول إنّما يجيء من العروق ويتصفّى في الكلى ويجتمع في المثانة، فكلّ ما يظهر فيه ممّا هو خارج عن الأمر الطبيعي فهو يدلّ إمّا على رداءة حال العروق وإمّا على علّة في الكلى وإمّا على علّة في المثانة، كما أنّ ما هو بمنزلة النخالة كما قال في هذا الفصل يدلّ على أنّ المثانة جربة إذا ما لم تكن في العروق علّة. فإنّه ربّما خرج ما هو بمنزلة النخالة من العروق وربّما كان ذلك من علّة في بدن العروق كما يكون في بدن المثانة وربّما كان من قبل أنّ الدم الذي فيها يحترق من قبل حرارة مفرطة. وبيّن أنّ الاحتراق إلى ما كان فيه من الخلط الغليظ أسرع
ولا سيّما الشيء الذي هو من الدم بمنزلة الدردي من الشراب الذي من عادتنا أن نسمّيه الخلط الأسود. فكما أنّه يتقشّر من سطح الجلد في الجرب قشور رقاق بمنزلة سلح الخيّة، كذلك إذا عرض في شيء من الأعضاء الباطنة علّة شبيهة بما يعرض في ظاهرها تقشر من سطح ما هو له بمنزلة الجلد مثل الذي يتقشّر من ظاهر الجلد. ولهذا السبب إذا جربت العروق أو المثانة تخرج مع البول القشور الشبيهة بالنخالة. ويميّز بين خروجها من العروق وجروجها من المثانة برقّة البول وغلظه كما قلت قبل، لأنّ البول الرقيق يدلّ على أنّ العلّة في العروق والبول الذي ليس برقيق يدلّ على أنّ العلّة في المثانة.
قال أبقراط: من بال دماً عن غير شيء متقدّم دلّ ذلك على أنّ عرقاً في كلاه انصدع.
قال جالينوس: قوله «عن غير شيء متقدّم» يحتمل أن يكون عنى به «عن غير سبب من خارج»، ويحتمل أن يكون عنى به «بغتة من غير أن يكون تقدّم ذلك عرض من الأعراض» كما تراه يعرض عند حدوث القرحة في المثانة. فإنّه ليس يمكن في المثانة أن ينصدع عرق من قبل دم كثير ينصب إليها كما قد يعرض ذلك في الكلى. وذلك أنّه ليس يتصفّى الدم في العروق التي في المثانة كما يتصفّى في العروق التي في الكلى، وإنّما يجيؤها من الدم ما يكتفيها لتغتذي به فقط. ومع ذلك أيضاً فإنّ العروق التي في المثانة ليست بمكشوفة ولا غير معتمدة، مثل العروق التي تدخل إلى بطني الكليتين التي قد يحدث فيها التقيّح والتصدّع من قبل كثرة الأخلاط التي يكون فيها وغلظها. والعرق إذا انصدع استفرغ منه دم صحيح. فأمّا إذا انفتح فليس يخرج منه دم كثير دفعة وخاصّة إذا كان انفتاحه يسيراً، لكنّه يرشح منه أرقّه قليلاً قليلاً فترى البول قد خالطه شيء من الدم. وقد يكون استفراغ الدم كما قلت من العروق التي في المثانة إذا تأكّلت إلّا أنّه يتقدّم ذلك علامات القرحة الكائنة في المثانة
وهي وجع يعرض في ذلك العضو وخروج المدّة وربّما خرج أيضاً قطع من جرم المثانة. وعلى هذا القياس فالأجود أن يفهم من قوله «عن غير شيء متقدّم» أي بغتة لا عن غير سبب ظاهر. وذلك أنّه قد يخرج الدم من الكلى كثيراً من غير سبب من خارج عند انصداع عرق فيها يعرض من قبل كثرة الدم فيه وربّما خرج أيضاً عند وثبة شديدة أو سقطة أو ضربة.
قال أبقراط: من كان يرسب في بوله شيء شبيه بالرمل فالحصاة تتولّد في مثانته.
قال جالينوس: ليس يجب متى بال الإنسان رملاً أن يكون تولّد الحصاة منه في المثانة لا محالة لكن قد يمكن أن يكون تولّدها في الكلى، فالخطأ في هذا الفصل بيّن ولا يخلو إمّا أن يكون أبقراط أغفل يصف القول أو يكون الناسخ الأوّل أسقط منه حرفاً.
وذلك أنّه حيث ما تولّد الحصى كان تولّده في الكلى أو كان في المثانة فإنّه يخرج مع البول شيء شبيه بالرمل.
قال أبقراط: من بال دماً عبيطاً وكان به تقطير البول وأصابه وجع في أسفل بطنه وعانته فإنّ ما يلي مثانته وجع.
قال جالينوس: إنّ آخر لفظه في هذا الفصل يكتب في النسخ على ضربين، وذلك أنّه يوجد في بعضها «وجع» وفي بعضها «عليل»، ولا فرق بين النسختين في المعنى وليس الخطأ في هذا، لكنّ الخطأ في أن يفهم عن أبقراط ما يوجد في النسختين جميعاً قوله «ما يلي مثانته» أنّه يعني به نفس مثانته. وذلك أنّ هذه الأعراض التي ذكر مشتركة لآلات البول كلّها وهي المثانة والكلى والمجريان الذان ما بين الكليتين والمثانة. والأجود أن يفهم عنه من قوله «ما يلي مثانته» أنّه ليس يريد به نفس المثانة وحدها،
لكنّه يريد به المثانة وما يتّصل بها من الأعضاء. وإذا فهمنا الأمر على هذا المعنى كان الفصل الذي بعد هذا أحرى أن يواتينا فهمه الذي لم يقل فيه إنّ ما يلي المثانة عليل لكن قال فيه إنّ في المثانة قرحة. فيدلّ بذلك على أنّه ليس المعنى في قوله أنّ المثانة نفسها عليلة وفي قوله إنّ ما يلي المثانة عليل معنى واحد.
قال أبقراط: من كان يبول دماً وقيّحاً وقشوراً وكان لبوله رائحة منكرة فذلك يدلّ على قرحة في مثانته.
قال جالينوس: أمّا الدم والقيح إذا بيلا فهما دليلان مشتركان للقرحة التي تكون في جميع آلات البول. وأمّا الرائحة المنكرة يعني الكريهة فعلامة خاصّة للمثانة وأكثر منها القشور. ونجد في أكثر النسخ «من كان يبول دماً وقيحاً»، ونجد في بعضها «من كان يبول دماً أو قيحاً». وهذه النسخة الثانية تدلّ على أيّ هذين كان
فهو يدلّ على القرحة. وأمّا النسخة الأولى فتدلّ على أنّه يريد أن يجتمع الأمران معاً أو أحدهما مرّة والآخر مرّة.
قال أبقراط: من خرجت به بثرة في إحليله فإنّها إذا تقيّحت وانفجرت انقضت علّته.
قال جالينوس: قد يتوهّم في هذا الفصل لشدّة وجازته أنّه ليس فيه كبير معنى. وذلك أنّه ليس يخفي على إحدان البثرة إذا حدثت في مجرى البول من القرح، وهو الذي يسمّى الإحليل فقاحت وانفجرت فقد أنقضت، لكنّك إن تدبّرت هذا القول ودقّقت النظر فيه وجدته يدلّ على معنى أمثل من هذا. وذلك أنّه قد يمكن أن يكون في حال من الأحوال أشرّ البول بسبب هذه البثرة فإذا قاحت تلك البثرة وانفجرت برأ صاحبها من أشرّ البول. وقد انتشبت بسبب ما ذكرنا مطالبة
تلزم فيما قيل وهي أن ينظر هل يريد أبقراط أنّ البثور التي تخرج في هذا الموضع إنّما يكون برؤها بأن ينفجر فقط أو قد يعرض لها ذلك في أكثر الأمر، وقد يمكن في بعض الأوقات أن تنحلّ، وأصحّ القولين عندي القول الثاني، وإنّما ذكر الانفجار ليجعله مثالاً لانقضاء العلّة.
قال أبقراط: من بال من الليل بولاً كثيراً دلّ على أنّ برازه يقلّ.
قال جالينوس: ما يخفي عن أحد من الناس أنّه يجب ضرورة متى تأذّت الرطوبة التي في البطن إلى العروق أنّ البراز يقلّ. ويتبيّن بيان هذا أنّ تلك الرطوبة إذا خرجت مع ثقل الطعام كان البراز أرقّ وألين ولذلك يكون أكثر، وكان البول أقلّ. وهذا القول ينبهنا على ما ينبغي أن يدوى به لين البطن ويبسه. وذلك أنّه متى كان البطن ألين ممّا ينبغي فينبغي أن يقلّل الشراب
ويدره نحو المثانة. ومتى كان البطن أجفّ ممّا ينبغي فينبغي أن نريد في مقدار الشرب وتنمنع من نفوذه إلى العروق ما أمكنّا.
تمّت المقالة الرابعة من تفسير جالينوس لفصول أبقراط نقل حنين بن إسحاق المتطبّب.
[E5] بحمد اللّه وعونه وتأبيده .
[P1] واللّه الحمد كثيراً والسبح للّه دائماً أبداً.
بسم اللّه الرحمن الرحيم
[E5] وصلّى اللّه على محمّد وآله
[P1] توكّلت على اللّه
المقالة الخامسة من تفسير جالينوس لفصول أبقراط
قال أبقراط: التشنّج الذي يكون من الخربق من علامات الموت.
قال جالينوس: من عادتهم إذا قالوا الخربق مطلقاً أن يعنوا به الأبيض منه من غير أن يحتاجوا أن يستثنوا لونه كما يستثنون لون الأسود منه.
قال: فمن يشرب هذا الخربق فاستفرغه ثمّ حدث به تشنّج فإنّ هذا العارض من الأعراض التي تدلّ على الهلاك، لاّن هذا العرض ليس يكون في اوّل الاستفراغ
أن يتوهّم على أبقراط أنّه ذهب عليه أمر هذا التشنّج. فإنّه إنّما قصد في قوله أنّ التشنّج يكون من الامتلاء ومن الاستفراغ ليدلّ على التشنّج الذي يكون ابتداءه لا الذي يكون على طريق المشاركة في الألم. وقد نعلم أيضاً أنّه قد يعرض الفواق بسبب لذع يعرض المعدة والمري ء فيخطر ببال الانسان. من ذلك أنّه قد يعرض للعصب شبيه بهذا العارض، ويري أنّه قد يعرض في بعض الأوقات هذا الصنف من التشنّج لمن يستفرغه الخربق، ولم يذكره ابقراط، إلّا أن يقول قائل إنّ هذا الصنف من التشنّج أيضاً إنّما يعرض من الاستفراغ لأنّ الأشياء اللذاعة هي مجفّفة فهذه هي أصناف التشنّج التي تعرض من شرب الخربق، والذي يبرأ منها النوع الذي يكون من اللذع والذي يكون من شدّة حركة القيء. فأمّا الذي يكون من اليبس فهو ممّا لا يبرأ. فبالواجب نسب أبقراط جنس هذا التشنّج إلى أنّه من علامات الموت لأنّ بعض أنواعه يعسر برءها وواحد منها لا يبرأ.
قال أبقراط: التشنّج الذي يحدث من جراحة من علامات الموت.
قال جالينوس: كما قال أبقراط في القول الذي قبل هذا إنّ التشنّج الذي يكون من الخربق من علامات الموت وعنى بذلك أنّه يدلّ على خطر وكثيراً ما يموت صاحبه، كذلك قال في هذا القول في التشنّج الذي يكون من جراحة إنّه من علامات الموت لا أنّه يجب ضرورة متى كان أن يموت صاحبه دائماً لكنّه يعني أنّه كثيراً ما يموت. وعلى هذا الطريق نجده قد استعمل هذه اللفظة أعني قوله أنّ الشيء من علامات الموت في فصول كثيرة ممّا تقدّم. فأمّا التشنّج الذي يحدث من جراحة فحدوثه يكون بسبب ما يتبع الجراحة من الورم إذا نال الأعضاء العصبية. وأوّل ما تراه يتشنّج من الأعضاء ما كان بحذاء الموضع الذي حدث فيه الورم ثمّ إنّ العلّة إذا تراقت حتّى تنال أصل العصب فإنّها تستحوذ على البدن كلّه.
قال أبقراط: إذا جرى من البدن دم كثير فحدث فواق أو تشنّج فتلك علامة رديئة.
قال جالينوس: ليس ينبغي أن يتوهّم أنّ معناه في اللفظة التي قالها قبل وهو قوله علامة من علامات الموت غير معناه في هذه اللفظة التي أتى بها بعد وهي قوله علامة رديئة. فإنّ من عادة أبقراط أن يسمّي بهذه الأسماء ما كان من العلامات يتبعه الموت كثيراً إلّا أن يقول إنّ اللفظتين تختلفان من طريق الأكثر والأقلّ فيكون قوله علامة من علامات الموت دلّ على خطر أكثر من قوله تلك علامة رديئة. من ذلك أنّ التشنّج الذي يكون من استفراغ دم كثير يحدث من كلّ واحد من جنس الأسباب الفاعلة للتشنّج كما قلت قبل.
قال أبقراط: إذا حدث التشنّج أو الفواق بعد استفراغ مفرط فهو علامة رديئة.
قال جالينوس: إنّ الشيء الذي تقدّم أبقراط فوصفه أنّه ربّما عرض لشارب الخربق حكم في هذا الفصل أنّه يعرض لجميع من استفرغ بدنه أيّ نوع كان من الاستفراغ. وذلك أنّه إن أفرط عليه ذلك الاستفراغ، عرض له التشنّج من قبل تلك الأسباب التي وصفناها عند ذكر حال الشارب للخربق ويحلّ بصاحب هذه العلّة من الخطر ما ليس هو يسير لأنّ التشنّج الذي يكون من الاستفراغ أردأ كثيراً من التشنّج الذي يكون من الامتلاء. وقد علمنا أنّ الفواق أيضاً إنّما هو تشنّج يعرض في رأس المعدة والمريء في قول أبقراط.
قال أبقراط : إذا عرض لسكران سكات بغتة فإنّه يتشنّج ويموت إلّا أن تحدث به حمّى أو يتكلّم إذا حضرت الساعة التي ينحلّ فيها خماره.
قال جالينوس: إنّ هذا التشنّج يحدث من قبل امتلاء العصب. ومن شأن الخمر أن يملأ العصب سريعاً لأنّها في طبيعتها حارّة، وما كانت طبيعته كذلك فهو يعرض في كلّ شيء
وقد يقال إنّه إنّما اشتقّ له هذا الاسم من قارا وهو الرأس وهو الرأس وبليس وهو الاختلاج. وأمّا قول أبقراط «الساعة التي تنحلّ فيها خمارة» فعني بالساعة الوقت. فليس ذلك الوقت بمحدود لجميع الناس بمقدار واحد. فإنّ من الناس من يسكن خمارة من غد اليوم الذي شرب فيه، ومنهم من يسكن عنه في الليلة التي تتلوه، ومنهم من ينحلّ عنه لا محالة في اليوم الثالث، وذلك يكون بحسب كثرة الشراب الذي قد شرب وقوّته وطبيعته شاربه. فكما أنّ الغذاء ليس لا يستمرأ به حدّ واحد يوقف عليه في جميع الناس، كذلك ليس للشراب وقت محدود يستمرأ فيه وتتحلّل فضلته. فينبغي أن يكون خفيراً بطبيعة صاحب هذه الحال الموصوفة أو يتنظّر به اقصى حدود أوقات تحلّل الخمار. فإن لم يجده في ذلك الوقت قد حدثت به حمّى ولا أفاق فتكلّم، فاعلم أنّه يتشنّج ويموت.
قال أبقراط: من اعتراه التمدّد فإنّه يهلك في أربعة أيّام، فإن جاوز الأربعة فإنّه يبرأ.
قال جالينوس : التمدّد من الأمراض الحادّة جدّاً فإنّه مركّب من التشنّج الذي يكون إلى خلف والتشنّج الذي يكون إلى قدّام، فبالواجب صار بحرانه وانقضاءه يكون بسرعة إذا كانت الطبيعة لا تحتمل تعب تمديده مدّة أطول. فبحران هذا المرض وانقضاءه يكون في أوّل دور من أدوار أيّام البحران.
قال أبقراط: من أصابه الصرع قبل نبات الشعر في العانة فإنّه يحدث له انتقال، فأمّا من عرض له وقد أتى عليه من السنين خمس وعشرون سنة فإنّه يموت وهو به.
قال جالينوس: انتقال المرض يقال بالحقيقة إذا انتقل من عضو إلى عضو، ويقال بالاستعارة على كلّ انقضاء يكون للمرض. وأرى أنّ أبقراط إنّما استعمل هذه اللفظة في هذه الفصل على هذا المعنى الثاني. وذلك أنّ انقضاء الصرع ليس يكون بانتقال الأخلاط الفاعلة له فقط
ولا جميع من أصابته بعد تلك السنّ يبقى به دائماً إن أحسن التدبير. وإنّما يعدم هذا البرء الذي يكون من قبل السنّ لسوء التدبير وبحسب هذا لا غيره يجب أن تبقى به العلّة ما بقي، وقد دلّ على هذا دلالة بيّنة. فأمّا قوله «من عرض له وقد أتى عليه من السنين جمسة وعشرون سنة فإنّه يموت وهو به» فلم يشرحه ولا بيّن معناه فيه على أنّ من لم يطلب استقصاء فهمه فقد يظنّ قوم أنّه قد شرحه وبيّن معناه فيه. وذلك أنّه ليس من عرضت له هذه العلّة وقد أتت عليه من السنين خمسة وعشرون سنة فهو فقط يموت وهو به، لكنّ من قد أتت عليه من السنين أكثر من ذلك أحرى بأن تكون هذه حاله. وأنا زائد في كلام أبقراط ما كان نقص حتّى يكون قولاً حقيقاً تامّاً. فأقول إنّ الصرع من قبل وقت نبات الشعر في العانة فإنّه ينحلّ وينقض في وقت نباته، وإذا عرض بعد نبات الشعر في العانة بقي بصاحبه إلى أن يموت. ووقت نبات الشعر في العانة هو في المدّة التي فيما بين أربع عشرة سنة وبين خمسة وعشرين سنة. وقد نجد في هذا الفصل في بعض النسخ حرفا ليس يوجد في كثير منها. والذي يوجد في تلك النسخة هو على هذا المثال «فأمّا من عرض وقد أتى عليه من السنين خمس عشرون سنة فإنّه يكاد أن يموت وهو به». ومعناه في قوله «يكاد» أي في أكثر الأمر يموت وهو به.
قال أبقراط: من أصابته ذات الجنب فلم ينق في أربعة عشر يوماً فإنّ حاله تؤول إلى التقيّح.
قال جالينوس: إنّ من عادة أبقراط أنّ يسمّي استفراغ الأخلاط المولّدة لذات الجنب بالنفث نقاء أو استنقاء. وكذلك إذا أراد أن ينفث ويبزق، قال «يستنقي». وكذلك نجده استعمل هذه اللفظة في كتاب تدبير الأمراض الحادّة وفي كتاب تقدّمة المعرفة . فأمّا في هذا الفصل فنجد أيضاً مدّة زمان الاستنقاء الذي متى لم يكن فيه زعم أنّ ذات الجنب ينتقل إلى التقيّح. وعنى بالتقيّح إمّا كلّ تغيّر يحدث في موضع الورم إلى المدّة كما نجده في مواضع كثيرة من كتاب تقدّمة المعرفة قد استعمل هذه اللفظة على هذا المعنى وإمّا انفجار المدّة وانصبابها إلى الفضاء الذي فيما بين الصدر والرئة. فإنّ كلّ واحد من هذين الأمرين قد يكون إذا لم يستنق صاحبه ذات الجنب بالنفث، إلّا أنّ المعنى الثاني قد يسمّيه أبقراط فيما بعد انفجار المدّة.
قال أبقراط : أكثر ما يكون السلّ في السنين الاتي فيما بين ثماني عشرة سنة وبين خمس وثلاثين سنة.
قال جالينوس: إنّ أبقراط فيما تقدّم من فصوله لمّا وصف الأمراض التي تعرض كثير الصاحب كلّ سنّ من الأسنان، قال «وأمّا الشباب فيعرض لهم نفث الدم والسلّ». وأمّا في هذا الفصل فزاد معما ذكر عدد السنين ولم يقصد بسبب هذا لإعادة ما ذكر من ذلك لكنّه دعاه إلى ذكره اشتراك علل الصدر والرئة. وقد وصف فيما تقدّم السبب الذي من أجله صار الشباب خاصّة يتبلون بهذه الأمراض. وقد ينبغي أن يلخّص في هذا الموضع أمر سني هاتين السنتين التين ذكرهما أبقراط لأنّه قال أكثر ما يكون السلّ في السنين التي بين ثمانية عشر سنة وبين خمسة وثلاثين سنة. فدلّ بذلك على أنّه ليس يرى أنّ فيما بين الحدّين الذين حدّهما من السنين سنّاً واحدة. وإذا نحن أيضاً نظرنا واستقصينا النظر، لم نجدها سناً واحدة لكنّ السن التي ما بين ثمانية عشر سنة وبين
خمسة وعشرين سنة هي سن الفتيان والسن التي فيما بين خمسة وعشرين سنةة وبين خمسة وثلاثين سنة هي سن الشباب.
قال أبقراط: من أصابته ذبحة فتخلّص منها ومال الفضل إلى رئته فإنّه يموت في سبعة أيّام، فإن جاوزها صار إلى التقيّح.
قال جالينوس: إنّ كلام أبقراط في هذا الفصل في انتقال العلّة من الحلق إلى الرئة، وقال إنّه يعرض عند ذلك في أكثر الأمر أن تقتل هذه العلّة صاحبها قبل اليوم السابع، وذلك أنّه يختنق اختناقاً. فإن أمكن أن يجاوز السبعة فإنّ ذلك الفضل يستحيل فيصير مدّة فيقع صاحب هذه العلّة في نفث المدّة.
قال أبقراط: إذا كان بإنسان السلّ فكان ما يقذفه بالسعال من البزاق منكر الرائحة إذا ألقي على الجمر وكان شعر الرأس ينتثر فذلك من علامات الموت.
قال جالينوس: إنّ أبقراط يعني بقوله السلّ في هذا الموضع القرحة التي تكون في الرئة فأمر أن يمتحن ما ينفث في هذه العلّة ويستقصي الأمر في رائحته بأن يلقى على جمر. كما قال فيما تقدّم في القروح التي تكون في المثانة التي تكون للبول معها رائحة منكرة، كذلك قال في هذا الفصل إنّ ما ينفثه صاحب قرحة الرئة يكون له رائحة منكرة. فإن تناثر شعر الرأس فيمن هذه حاله، دلّ ذلك على أنّه قريب من الهلاك من قبل أنّ ذلك يدلّ على غاية نقصان الغذاء وأخلق به أن يكون ربّما يدلّ مع ذلك على فساد الأخلاط.
قال أبقراط: من تساقط شعر رأسه من أصحاب السلّ ثمّ حدث له اختلاف فإنّه يموت.
قال جالينوس: إنّ كلام أبقراط في هذا الموضع إنّما هو فيمن قرب من الموت من أصحاب السلّ، وقد كان يدلّ على سوء حالهم بتساقط شعر رؤوسهم. فإن حدث لهم مع ذلك اختلاف فالموت يتوقّع لهم عن قريب لأنّ هذا العرض سبب رديء وعلامة رديئة. وذلك أنّه إنّما يكون من ضعف القوّة وهو أيضاً يزيدها مع ذلك ضعف.
قال أبقراط: من قذف دماً زبدياً فقذفه إيّاه إنّما هو من رئته.
قال جالينوس : إنّا قد نجد في أكثر النسخ مكان «من قذف» «من تقيّأ»، ونجد كثيرين ممّن فسّر هذا الكتلب إنّما يعرف هذا الفصل يكتب على تلك النسخة أعني النسخة التي فيها «من تقيّأ دماً زبدياً». وتعاطى قوم تفسير هذه اللفظةة فقالوا إنّه أراد أن يدلّ بها على كثرة ما يقذف، ولذلك استعمل مكان «من قذف» «من تقيّأ». وأصحاب هذا القول يكذبون على العيان كذباً بيّناً.
وذلك أنّا قد رأينا مراراً كثيرة من قذف من رئته دماً زبدياً ليس بالكثير. وأنا أقول إنّه إن كان أبقراط هكذا كتب هذا الفصل فإنّما استعمل هذه اللفظة على طريق الاستعارة، لأنّه ليس متى كان الدم الزبدي كثيراً دلّ على أنّ قذفه من الرئة ومتى كان قليلاً دلّ على أنّ قدفه من موضع آخر. وإن كان أبقراط إنّما كتب «من قذف» أو «من نفث» أو «من بزق» فقد استعمل اللفظة على حقيقتها، وهذا الدم الذي هو بهذه الحال يدلّ على أنّ القرحة إنّما هي في الجوهر اللحمي الذي في الرئة وهو جسمها الحاصّ بها، فأقول إنّ القول بأنّ الدم الزبدي إنّما يدلّ على أنّ القرحة في الرئة فقط حقّ. وليس القول بأنّه متى كانت القرحة في الرئة فيجب ضرورة أن يكون الدم الذي يقذف زبدياً بحقّ. فقد رأينا مراراً كثيرة قوماً سقطوا من موضع عال وقوماً وقعت بهم صدمة من راكل أو رامح أو ضارب في موضع الصراع من نوع الضربة التي تكون إذا سقط الرجل على الأرض ووقع آخر على صدره فنفثوا مع سعال دماً كثيراً حسن اللون جدّاً من غير وجع بتّة، كأنّ أشبه الأمر وأولاه أن يكون ذلك الدم إنّما قذف من عرق الصدع في الرئة.
قال أبقراط: إذا حدث بمن به السلّ اختلاف دلّ على الموت.
قال جالينوس: قد قال قبيل إنّه متى كانت المدّة التي ينفثها صاحب السلّ كريهة الرائحة وكان شعر الرأس يتساقط ثمّ حدث له اختلاف تبع ذلك الموت. فأمّا في هذا الموضع فأطلق القول فقال إنّه إذا حدث بمن به السلّ اختلاف دلّ على الموت من غير أن يذكر المدّة ولا الشعر فدلّ بذلك على أنّ الاختلاف وحده كيف كان يكفي الدلالة على الموت لكنّه لا يدلّ على أنّ الموت قريب سريع حديث كما يدلّ إذا كان مع تناثر الشعر.
قال أبقراط: من آلت به الحال من ذات الجنب إلى التقيّح فإنّه إن استنقى في أربعين يوماً من اليوم الذي انفجرت فيه المدّة فإنّ علّته تنقضي، وإن لم يستنق في هذه المدّة فإنّه يقع في السلّ.
قال جالينوس: إنّ أبقراط لمّا زاد في قوله اسم الانفجار، دلّ دلالة بيّنة أنّ كلامه إنّما هو فيمن تقيّح الورم الذي كان به في جنبه ثمّ انفجر فصارت المدّة في الفضاء الذي بين صدره ورئته. فإنّ جميع من هذه حاله إذا ما لم تستفرغ منه المدّة حتّى تنقّى بالنفث في أربعين يوماً أقصاه فيجب ضرورة أن تتأكلّ رئته لأنّ المدّة تعفن على طول المدّة حتّى يحتد، فجعل حدّ الاستنقاء في ذات الجنب اليوم الرابع عشر وجعل حدّه في أصحاب المدّة يوم الأربعين. وقد وصفت الحال في اختلاف هذين اليومين من أيّام البحران وسائر أيّام البحران صفة شافية في كتابي في أيّام البحران، فمن استوعب جميع ما في ذلك الكتاب من العلم سهل عليه فهم ما قاله أبقراط في أيّام البحران .
قال أبقراط: الحارّ يضرّ من أكثر استعماله هذه المضارّ يؤنّث
اللحم ويفتح العصب ويخدر الذهن ويجلب سيلان الدم والغشي ويلحق أصحاب هذا الموت.
قال جالينوس: إنّ أبقراط قد وصف أشياء كثيرة من أمر استعمال الحارّ والبارد على القصد وعلى الإفراط في كتاب له وصف فيه استعمال الرطوبات، وقد وصف أيضاً في هذا الموضع من كتاب الفصول جميع جمل ذلك إلّا الشاذّ. وأوّل ما وصف من ذلك أنّ من استعمل الحارّ فأفرط في استعماله أحدث فيه هذه الآفات وهي أنّه «يؤنّث اللحم» يعني أنّه يرخيه ويفتحه. وإنّما استعمل هذه اللفظة بالاستعارة على طريق التشبيه لأنّ الأنثى من كلّ جنس أضعف وأشدّ استرخاء وتفتّحاً من الذكر. ويوافق هذا ما أتبعه به وهو قوله «ويفتح العصب»، فإنّ العصب أيضاً يضعف ويسترخى بتحليل الحرارة لجوهره. وقوله أيضاً «ويخدر الذهن» إنّما أراد به أنّه يضعف الذهن ويذهب بقوّته، وذلك يكون بتحلّل جوهر الدماغ كتحلّل جوهر العصب. وعلى هذه الطريق يجلب استعمال الحارّ سيلان الدم المفرط، وبيّن
أنّ ذلك إنّما يكون في البدن الذي حاله حال متهيّئة لأن يجري منه الدم. ويتبع سيلان الدم الغشي ثمّ يلحق الغشي الموت كما قد يلحق الآفات التي تقدّم ذكره، إلّا أنّه إنّما يلحق تلك على طول المدّة ويلحق بعضها أكثر وبعضها أقلّ. وأمّا انفجار الدم والغشي فالموت يلحقهما على المكان. وقد نجد آخر هذا الفصل مختلفاً في النسخ، إلّا أنّ جميع النسخ يؤدّي هذا المعنى الذي وصفت. وإحدى تلك النسخ فيها آخر هذا الفصل على هذا المثال «ويلحق هذه الأشياء الموت» ونسخة أخرى هو فيها على هذا المثال «وهذه الأشياء تحدث ثمّ يلحقها الموت» ونسخة ثالثة هو فيها على هذا المثال «وهذه الأشياء يلحقها الموت» ونسخة رابعة هو فيها على هذا المثال «وهذه الأشياء يؤول إلى الموت».
قال أبقراط: وأمّا البارد فيحدث التشنّج والتمدّد والاسوداد والنافض التي يكون معها حمّى.
قال جالينوس: يعني أنّ البارد المفرط يحدث التشنّج والتمدّد بتبريده العصب. فكما أنّه لا ينبغي أن ينحلّ جوهر العصب بإفراط الحرارة عليه،
كذلك لا ينبغي أن يبرد بأكثر ممّا ينبغي فيجمع وينضغط. ويفعل أيضاً الاسوداد بتبريده والنافض التي تجلب حمّى. وكان الأجود أن يقول «والنافض الذي يحدث التشنّج والاسوداد والحمّى». وقد وصفنا أسباب جميع الأعراض وشرحناها في أقاويل أفردناها لها.
قال أبقراط: البارد ضارّ للعظام والأسنان والعصب والدماغ والنخاع، وأمّا الحارّ فموافق نافع لها.
قال جالينوس: ما كان من الأعضاء في طبيعته إلى البرد أميل فهذه حال كلّ ما كان من أعضاء البدن عديماً للدم بتّة، والضرر من الاستعمال المفرط للبارد أسرع إليه وأنكى فيه. والحارّ لما كانت حاله هذه من الأعضاء فبالواجب أنّ الحارّ له أوفق وأنفع.
قال أبقراط: كلّ موضع قد برد فينبغي أن يسخّن إلّا أن يخاف عليه انفجار الدم منه.
قال جالينوس: ليس ينتقض من هذا القول الذي قاله في هذا الموضع قوله بأنّ الضدد والضد وهو الباب الذي استقصينا شرحه في كتاب حيلة البر وقد بيّنّا أنّ في الطبّ باب آخر يحتاج إليه ضرورة أكثر من هذا وهو أنّه ينبغي أن يبرأ بمداواة ما حفزه أشدّ أعني ما كان الخطر فيه أعظم، وكذلك الحال في هذا الموضع في انفجار الدم. فيجب أن يبرأ بمداواتها ثمّ يقبل على العضو فيردّه إلى اعتداله المخصوص به.
قال أبقراط: البارد لذّاع للقروح ويصلّب الجلد ويحدث من الوجع ما لا يكون معه تقيّح ويسوّد ويحدث النافض التي تكون معها حمّى والتشنّج والتمدّد.
قال جالينوس: من استعمل الأشياء على حقائقها لم يسمّ باللذاع إلّا الحارّ، لكنّ من استعمل لتشابه الحسّ قد يقال في الماء البارد أيضاً إنّه لذاع لا متى لقي الجلد في أيّ حال كان لكنّ متى كانت فيه قرحة. وذلك أنّ الشيء اللذاع ينبغي أن ينفذ في جوهر ما ياذعه حتّى يحدث منه فيه اللذع، وليس يمكن أن ينفذ الماء البارد في الجلد وهو على حاله الطبيعية، لأنّ مقدار حال الجلد من التكاثف أكثر من مقدار حال جوهر الماء من اللطافة. فأمّا العضو الذي قد حدثت فيه قرحة فلأنّه أشدّ تخلخلاً. فقد يمكن الماء البارد أن ينفذ في جوهره حتّى يغوص ويصل إلى قعره. وقد شرحنا أمر طبيعة الأشياء اللذاعة في كتابنا في قوّة الأدوية المفردة. فما كان من الأعضاء فيه قرحة فالبارد له لذاع، وما لم يكن فيه منها قرحة فليس هو له بلذاع بل يصلب ما عليه من الجلد بتلزيزه لجوهره. ويحدث أيضاً البارد من الوجع ما لا يكون معه تقيّح بتبريده للحرارة الغريزة التي بها يكون تولّد القيح في القروح، ويمنع أيضاً الأشياء المحدثة للوجع من أن تنحلّ. فأمّا ما بعد هذا فقد ذكره فيها تقدّم أعني الاسوداد والنافض التي تكون معها حمّى والتشنّج والتمدّد.
قال أبقراط: وربّما صبّ على من به تمدّد من غير قرحة وهو شابّ حسن اللحم في وسط من الصيف ماء بارد كثير فأحدث فيه انعطافاً من حرارة كثيرة فيه فكان يخلّصه بتلك الحرارة.
قال جالينوس: إنّ أبقراط لمّا وصف ما وصف من أمر البارد والحارّ أخذ في صفة ما قد ينتفع به في الندرة من البارد والحارّ وبدأ بالبارد فقال إنّه متى كان بانسان تمدّد، وبيّن أنّه يريد التمدّد وغيره من جميع أصناف التشنّج وكان ذلك في وسط من وقت الصيف وكان بدن المريض حسن اللحم وكان شاباً فصبّ عليه ماء بارد كثير دفعه أحدث للحرارة في بدنه انعطافاً فشفى بذلك مرضه. وقد يتبيّن من هذا أنّ البارد ليس بقوّته يشفي هذا المرض، لكنّه إنّما يشفيه بعرض من قبل أنّه يحدث فيمن كان شاباً حسن اللحم للحرارة في بدنه انعطافاً. وممّا يستدلّ به على صحّة ما قلت أنّه ليس ينفع في سنّ غير هذا السنّ، لأنّه لا يحدث في غيره للحرارة انعطافاً. وإذا كان في هذا السنّ أيضاً لا ينتعع به في وقت من الوقت غير الوقت الأوسط من الصيف، لأنّ البارد إذا لاقى البدن فهو إمّا أن يقهر الحرارة الغريزية
وإمّا أن يجمعها. أمّا قهره لها فمتى كانت ضعيفة، وأمّا جمعه إياها فمتى كانت قوية وإنّما يجمعها بحصره إياها ومنعه لتحلّلها. وحذر أبقراط من استعمال ذلك في التشنّج الذي يكون من القرحة لأنّه ليس يبرأ هذا التشنّج في وقت من الأوقات باستعمال البارد، وإن كان المريض شاباً وكان في طنيعته حارّاً وكان الوقت من السنة وقتاً حارّاً وكان البلد كذلك، لأنّ الأمر في البارد على ما وصفت قبل أنّه لذاع للقروح ويحدث من الوجع ما لا يكون معه تقيّح. فمن حدث به التشنّج من قرحة بسبب ورم أعضاء عصبية فالبارد من أضدّ الأشياء له لأنّه لا يسكن من عادية القرحة ولا يحلّ ورم الأعضاء العصبية.
قال أبقراط: الحارّ مقيّح لكن ليس في كلّ قرحة وذلك من أعظم العلامات دلالة على الثقة والأمن، ويلين الجلد ويرقّقه ويسكن الوجع ويكسر عادية النافض والتشنّج والتمدّد ويحلّ الثقل العارض في الرأس، وهو من أوفق الأشياء
لكسر العظام وخاصّة للمعرى منها ومن العظام خاصّة لعظام الرأس، ولكلّ ما أماته البرد أو أقرحه وللقروح التي تسعي وتتأكّل وللمقعدة والفرج والرحم والمثانة فالحارّ لأصحاب هذه العلل نافع شاف والبارد لهم ضارّ قاتل.
قال جالينوس: كما أنّ البارد وهو محدث التشنّج والتمدّد قد يبرّئ على حال في الندرة من التمدّد، كذلك الحارّ وهو مقيّح في طبيعته وربّما لم يقيّح. وذلك أنّ القروح إذا كانت متعفّنة أو كانت بالجملة ممّا تنجلب إليها فضول لم يحدث فيها الحارّ تقيّحاً، لكنّه يضرّها مضرّة عطيمة. والأمران جميعاً يجتمعان في شيء واحد، أعني أنّ الشيء الضارّ للقرحة والشيء الذي لا يحدث فيها تقيّحاً هو شيء واحد، وكذلك أيضاً فإنّ ضرّي هذين يجتمعان في شيء واحد، أعني أنّ الشيء النافع للقرحة والشيء المقيح لها شيء واحد. فإنّ تولّد المدّة في القرحة وتولّد الدواء المقيح لها من أعظم العلامات دلالة على الثقة والأمن فيها، لأنّه لا يمكن أن تكون القرحة التي يتولّد فيها قيح عادية ولا يخاف منها مكروه. فإنّ القرحة التي يحدث بسببها التشنّج فهي لا محالة ممّا لا يتقيّح. وكذلك القروح المتعفّنة
والبارد ضارّ للعصب، ولأنّ البرد بطريق المشاركة يتراقى سريعاً من المقعدة إلى البطن، وكذلك الحرارة على هذا القياس. وكذلك أيضاً الرحم والمثانة أمّا الحارّ فموافق شافي وأمّا البارد فضارّ مهلك. وذلك لأنّ هذه الأعضاء أيضاً عصبية ويتراقى منها البرد إلى ما فوقها سريعاً. وليس يشكّ أحد، وإن لم أقل، أنّ ما أتبع به هذا القول حين قال «فالحارّ لأصحاب هذه العلل نافع شافي والبارد لهم ضارّ قاتل» إنّما أراد أن يعمّ به جميع أصحاب العلل التي ذكرها في هذا الفصل.
قال أبقراط: وأمّا البارد فإنّما ينبغي أن يستعمله في هذه المواضع أعني في المواضع التي يجري منها الدم أو هو مزمع بأن يجري منها، وليس ينبغي أن يستعمل في نفس الموضع الذي يجري منه لكن حوله ومن حيث يجيء، وفيما كان من الأورام الحارّة والتلذّع مائل إلى الحمرة ولون الدم الطري لأنّه إن استعمل فيما قد عتق فيه الدم سوّده، وفي الورم الذي يسمّى الحمرة إذا لم يكن معه قرحة لأنّ ما كانت معه منه قرحة فهو يضرّه.
قال جالينوس: إنّ أبقراط يصف في هذا القول المنافع التي ينتفع بها من البارد فيقول أوّلاً إنّه ينتفع به في المواضع التي ينفجر منها الدم أو هي مستعدّة لأنّ يحدث فيها ذلك، وإنّه ليس ينبغي أن يستعمل على موضع القرحة نفسه التي يجري منها الدم، لأنّ البارد كما قال ضارّ للقروح لكنّ على ما حوله وخاصّة على المواضع التي منها يجري الدم ويجري إلى القرحة، ويقول أيضاً إنّه ينتفع بالبارد في جميع الأورام الحارّة والمواضع التي يحدث فيها ما سمّاه وهو التلذّع، وعنى به المواضع التي كان النار قد كونها وأحرقتها لشدّة حرارة الأخلاط الفاعلة لذلك. فإنّ هذه المواضع أيضاً هي من المواضع التي يستراح إلى البارد فيها. وإذ تأمّلت جميع هذه المواضع رأيتها في لونها محمرة يكون الدم الطري لا بلون الدم العتيق، لأنّ الدم إذا عتق في المواضع لم يكون معه الإشراق. ولذلك إذا استعمل البارد في مثل ذلك الموضع عرضت له الكمودة والسواد. وعلى هذا المثال أيضاً قد ينتفع بالبارد في الورم المعروف بالحمرة إذا ما لم تكن معه قرحة لأنّه إذا كانت معه قرحة فالبارد له لذّاع مؤلم، فمن قبل ذلك قد يضرّه لأنّ الموضع إذا حدث فيه وجع فهو يستدعى انصباب الموادّ إليه.
قال أبقراط: إنّ الأشياء الباردة مثل الثلج والجمد ضارّة للصدر مهيّجة للسعال جالية لانفجار الدم وللنزل.
قال جالينوس: إنّ أبقراط إلى هذه الغاية كان كلامه في الماء الحارّ والبارد، ثمّ إنّه الآن أقبل على صفة الثلج والجمد فقال إنّ المضارّ الحادثة منهما أعظم من المضارّ الحادثة من الماء البارد بحسب فضل بردهما على برده وإنّهما من أضرّ الأشياء لنواحي الصدر ويهيج السعال ويصدع كثيراً العروق فيحدث بسبب ذلك انفجار الدم. ومع ذلك النزل التي يحدّدها من الرأس تتراقى الصدر والرئة، لأنّ الثلج والجمد قد يحدثان النزل ببردهما للدماغ.
قال أبقراط: الأورام التي تكون في المفاصل والأوجاع التي تكون من غير قرحة وأوجاع أصحاب النقرس وأصحاب الفسخ الحادث في المواضع العصبية وأكثر ما أشبه هذه
فإنّه إذا صبّ عليها ماء بارد كثير سكّنها وأضمرها وسكّن الوجع بما يحدثه من الخدر، والخدر اليسير مسكّن للوجع.
قال جالينوس: إنّ البارد قد ينفع أكثر ما أشبه هذه. ثمّ لم يصف تلك الأشياء، وليس يعسر أن يعلم ذلك ممّا تقدّم. فإنّه قد قال إنّ البارد قد يشفي ما كان من الأورام الحارّة مائلاً إلى الحمرة ولون الدم الطري. وذلك لأنّ البارد يدفع عن تلك الأعضاء ما يجري إليها وبهذا الوجه يستفرغها. ولذلك قد يسكن الوجع في مثل هذه المواضع لقطعه للسبب الذي يكون منه. والبرد أيضاً الحادث في العضو يحدث فيه خدراً يسيراً ، والخدر أيضاً ممّا يسكن الوجع بتنقيصه للحسّ.
قال أبقراط: الماء الذي يسخن سريعاً ويبرد سريعاً فهو أخفّ المياه.
قال جالينوس: ليس ينبغي أن يتوهّم أنّ أبقراط إنّما عنى بقوله «أخفّ المياه» أي أخفّها في الوزن. فإنّا إن توهّمنا أنّه إنّما عنى ذلك لم نجده أخبر بشيء فيه كثير درك مع أنّه يكون قد دار دوراناً كثيراً في استخراج شيء قد كان يمكنه من أوّل الأمر أن نجده بأهون سعي. وذلك أنّه لو كان إنّما أراد أن يعرف الماء الذي هو بالوزن أخفّ لقد كان السبار الخاصّ للأشياء التي توزّن منه مبذولاً له فيضعه في كفّة الميزان ويضع بحذائة سنجة فيسبر بذلك أمره، لكنّه إنّما عنى بقوله في هذا الموضع «أخفّ المياه» الماء الذي لا يثقل المعدة وينفذ عنها سريعاً كما إنّا قد نسمّي الثقيل ما كان ضدّ ذلك أعني ما كان ثقيل المعدة ولا ينفذ عنها سريعاً. وبيّن أنّه ليس بهذا السبار فقط يسبر فضيلة الماء، لكنّ أبقراط إنّما ذكر هذا السبار دون غيره لأنّ السبر الآخر يسهل الوقوف عليها وكلّ الناس يعرفها وهذا السبار علم لطيف من علم الطبّ. وأوّل تلك السبر ألّا يكون الماء كدراً ولا عكراً، والثاني ألّا يكون يظهر في رائحته أو طعمه كيفية منكرة، والثالث هذا السبار الذي وصفه أبقراط في هذا الفصل وهو أن يكون يسخن ويبرد سريعا.ً فإنّه إذا كان كذلك فالأمر فيه بيّن أنّه سريع الاستحالة، وكما أنّ فضيلة الطعام سرعه استحالته
كذلك أيضاً فضيلة الماء، إذا كنّا نريد من كلّ ما يراد به أن ينهضم على ما ينبغي من آلات الهضم أن يكون تغيّره واستحالته على أسهل ما يكون وأسرعه. فأمّا من امتحن أفضل المياه بحال شاربه فقط فإنّهم قد يستعملون من الدليل ما لا يكون أوثق ولا أحرز منه إلّا أنّهم إن اقتصروا على هذا الدليل وحده لم يكونوا في ذلك مصيبين. وذلك أنّه ينبغي أن يمتحن أوّلاً بالدلائل التي وصفنا قبل أن يصير المستعمل له إلى تجربته على هذا الوجه.
قال أبقراط: من دعته شهوته إلى الشرب بالليل وكان عطشه شديداً فإنّه إن نام بعد ذلك فهو محمود.
قال جالينوس: لم يخبر أبقراط هل ينبغي أن يؤذن لمن عطش عطشاً شديداً بالليل في الشرب أو لا ينبغي أن يؤذن له فيه لكنّه اقتصر على أن قال إنّ النوم ينفع صاحب هذا الحال بعدها، لأنّ الشيء الذي كان سبباً للعطش ينهضم وينحدر في وقت النوم. وليس ممّا يخفي أنّه قد ينبغي أن يؤذن لمن اشتدّ عطشه
في الشرب كأنّ ذلك من شرب شراب قليل المزاج أو كأنّ من قلّة الشرب. فإنّ أحد الأبواب التي يكون بها حفظ الصحّة أن يداوي نقصان الرطوبة بالزيادة فيها وأن تقمع وتطفى الحرارة المتولّدة من النبيذ بالماء. فأمّا متى كان العطش يسيراً فليس يجب لا محالة أن يؤذن لصاحبه في الشرب، لكنّ قد ينبغي أن ينظر هل عطشه من نقصان الرطوبة أو من كثرة شرب الشراب. فإن كان من نقصان الرطوبة أذن له في الشرب، وإن كان من كثرة شرب الشراب لم يؤذن له، لأنّه قد يمكن إذا نام هذا أن ينتفع.
قال أبقراط: التكميد بالأفاويه يجلب الدم الذي يجيء من النساء، وقد كان سينتفع به في مواضع أخر كثيرة لو لا أنّه يحدث في الرأس ثقلاً.
قال جالينوس: إنّ أبقراط عنى بالدم الذي يجيء من النساء الدم الذي يستفرغ من المرأة من الرحم في وقت انحدار طمثها وبعد ولادتها. وبيّن أنّه متى كان احتباس هذا الدم بسبب ورم في الرحم أو بسبب التوائه أو غير ذلك ممّا أشبهه فمداواته يكون على ما ينبغي
لأنّ من شأن الحارّ في طبيعته أن يرتفع إلى فوق، وطبيعة جميع الأفاويه حارّة حرارة قوية لا سيّما السليخة والقسط والدارصيني والحماما.
قال أبقراط: ينبغي أن تسقى الحامل الدواء إذا كانت الأخلاط في بدنها هائجة منذ يأتي على الجنين أربعة أشهر وإلى أن يأتي عليه سبعة أشهر ويكون التقدّم على هذا أقلّ، وأمّا ما كان أصغر من ذلك أو أكبر منه فينبغي أن يتوقّى عليه.
قال جالينوس: قد قيل هذا الفصل فيما تقدّم في الكلام في الأدوية المسهلة، ويوجد أيضاً في أكثر النسخ مثنّياً في هذا الموضع في ذكر علل النساء. وقد حذفه قوم من هذا الموضع كيما لا يكون مثنّياً، وليس يحتاج منّا إلى تفسير مستأنف بعد الذي تقدّم من قولنا فيه.
قال أبقراط: إذا كانت المرأة حاملاً فاعتراها بعض الأمراض الحادّة فذلك من علامات الموت.
قال جالينوس: إنّ هذا الواجب. وذلك أنّه إن كان المرض من الأمراض التي معها حمّى فيجب ضرورة أن تكون تلك الحمّى مطبقة لازمة، لأنّ ذلك من شرط المرض الحادّ الذي معه حمّى. فالخطر في المرض الذي هذه حاله ضربان. أحدهما من نفس الحمّى إذ كان لا يؤمن منها أن يقتل الطفل، والآخر أنّا إن باعدنا فيما بين أوقات الغذاء قتلنا الطفل بعدمان الغذاء. وإن تجرّبنا سلامة الطفل فقريناً بين أوقات الغذاء زدنا في تلك الحمّى الدائمة بإعطاء الغذاء في غير وقته، فقتلنا بذلك الحامل. وإن كان المرض بعض الأمراض الحادّة التي ليست معها حمّى مثل الفالج والصرع والتشنّج والتمدّد، لم تقوى المرأة على احتمال عظم المرض وشدّته.
قال أبقراط: المرأة الحامل إن فصدت أسقطت وخاصّة إن كان طفلها قد عظم.
قال جالينوس: إنّ الطفل إذا عدم الغذاء هلك، وليس يعرض له ذلك عند افتصاد أمّه فقط لكنّ عند إمساكها عن الطعام أيضاً مدّة طويلة، وسنبيّن ذلك بعد قليل في فصول أخر. فبالواجب صار الطفل كلّما كان أعظم كان أحرى أن يعطب عند افتصاد أمّه لأنّه كلّما كان أعظم فهو يحتاج من الغذاء إلى مقدار أكثر.
قال أبقراط: المرأة إذا كانت تتقيّأ دماً فانبعث طمثها انقطع عنها ذلك القيء.
قال جالينوس: إنّ هذا الواجب من قبل أنّ الدم الذي كانت حركته إلى فوق يجتذب إلى أسفل ويستفرغ. والتجربة تدلّك على أنّ هذا إذا كان فهو
ممّا ينتفع به، وقد ينبهنا ما نراه من ذلك بالتجربة على أن ينحو نحو ما تفعله الطبيعة على ما ينبغي ويقتدي بها وتستفرغ المرأة التي هذه حالها بالفصد.
قال أبقراط: إذا انقطع الطمث فالرعاف محمود.
قال جالينوس: ما يشكّ أحد أنّه يجب ضرورة أن يكون الدم الذي يستفرغ في كلّ شهر على ما ينبغي إذا احتبس بسبب من الأسباب ضرّ احتباسه المرأة، وأنّه إذا استفرغ من موضع آخر أنفذ البدن كلّه من ضرر احتباسه، إلّا أنّ المواضع التي يمكن أن يستفرغ منها كثيرة. وليس شيء منها أعفى وأبعد من المكروه من استفراغه من المنخرين الذي ذكره أبقراط في هذا الموضع. وأمّا سائر المواضع كلّها فقد يلحق فيها الضرر، ويختلف ذلك في أنّه في بعضها أكثر وفي بعضها أقلّ. وليس إن وجد استفراغ غير هذا ليس فيه مكروه. فهذا الفصل بسبب ذلك كذلك كذب. وذلك أنّه لم يقل إنّ استفراغ الدم من المنخرين وحده محمود
عند انقطاع الطمث، لكنّه إنّما حمده حمداً مطلقاً من غير أن يلحق في قوله محمود دون غيره. فإن قال قائل إنّ استفراغ الدم من المقعدة محمود في المرأة التي هذه حالها فليس قوله بمناقض لهذا الفصل. فإنّا قد نجد أبقراط في مواضع كثيرة بذكر الشيء الواحد فيقضي فيه بقضية وهو يريد أن يجعله مثالاً يلزم الحكم فيه جميع ما هو نظير له.
قال أبقراط: المرأة الحامل إن ألحّ عليها استطلاق البطن لم يؤمن عليها أن تسقط.
قال جالينوس: إنّ أبقراط في هذا الموضع أيضاً إنّما قال إنّه يخاف على الحامل أن تسقط بسبب الاستفراغ كما بيّنّا قبل عند ذكره الفصد.
قال أبقراط: إذا كان بالمرأة علّة الأرحام أو عسر ولادها فأصابها عطاس فذلك محمود.
قال جالينوس: الغامظ ممّا قيل في هذا الفصل حرف واحد وهو قوله «علّة الأرحام». وذلك أنّ قوماً فهموا هذا جميع علل الرحم، وقوماً فهموا أنّه عناية من علل الرحم ما يلحقه ذلك العرض الذي يقال له خنق الرحم فقظ على أنّ ذلك العرض ليس هو خنقاً بالحقيقة لكنّه بطلان النفس، وقوماً فهموا أنّه عنى به المشيمة لأنّه قد يشرك الرحم والمشيمة في لسان اليونانيين باسم واحد. وهؤلاء يخطئون خطأ بيّناً على أنّه قد يظنّ بهم خاصّة أنّهم الصادقون من قبل أنّ المشيمة إذا احتبست في الرحم فالعطاس يخرجها. وخطاءهم بيّن من قبل أنّ أبقراط قد وصف هذا في فصل غير هذا الفصل من قبل أنّ الرحم والمشيمة، وإن كانا في لسان اليونانيين يشتركان في الاسم، ليس يجوز كما تقال علّة الرحم أن تقال علّة المشيمة، والقول أيضاً بأنّه عنى بعلّة الأرحام جميع العلل التي تعرض في الرحم باطل. وذلك أنّ العطاس لا ينفع القرحة التي تكون في الرحم ولا الورم الحادث فيه ولا الحمرة ولا الخراج. فأمّا القول فإنّ المرأة إذا بطل نفسها بسبب علّة الأرحام ثمّ أصابها عطاس خفّ ما بها فحقّ يقين، وليس ذلك لأنّ العطاس إذا حدث طوعاً بالمرأة التي هذه حالها فهو علامة محمود فقط، لكنّ لأنّه مع ذلك سبب محمود لأنّه يصير كالدواء
لتلك العلّة. وإنّما قلت إنّه علامة محمودة من قبل أنّه يدلّ على أنّ الطبيعة وقد كانت قبل قد جمده وماتت قد انتهضت وانتعشت وراجعت حركاتها الخاصّية بها، وعند ذلك يدفع بعض الفضول. فقد كنّا بيّنّا في كتابنا في أسباب الأعراض أنّ العطاس قد يكون على هذا الوجه وإنّما قلت إنّ العطاس يكون سبباً للمنفعة في هذه العلّة من قبل أنّه بشدّة هذه ونفضه للبدن. أمّا من وجه فيثير الطبيعة وينبهها، وأمّا من وجه آخر فإنّه ينفض عن أعضاء البدن ما هو لاصق بها منتشب فيها يعسر تحلّصه منها. وبهذا الوجه قد يرى العطاس الفواق.
قال أبقراط: إذا كان طمث المرأة متغيّر اللون ولم يكن مجيئه في وقته دائماً دلّ ذلك على أنّ بدنها يحتاج إلى تنقية.
قال جالينوس: قد نجد هذا الفصل في نسخ كثيرة مكتوباً على هذا المثال «إذا كان طمث المرأة مختلفاً ولم يكن مجيئه في وقته دائماً، دلّ ذلك على أنّ بدنها يحتاج إلى تنقية». وقد يمكن أن يدلّ الطمث المختلف،
وبسبب المرّة الصفراء. وقد علمنا أبقراط في المقالة الأولى من كتابه في أوجاع النساء كيف ينبغي أن يستدلّ على الخلط الغالب في البدن. وأمّا في هذا الموضع فأخبر أنّ استفراغها ينبغي أن يكون بالتنقية أعني بالدواء المستهل أو المقيّء. وأمّا قوله «ولم يكن مجيئه في وقته دائماً» فهو لهذه النسخة أشدّ موافقه حتّى يكون قوله كلّه على هذا المثال «إذا كان طمث المرأة متغيّر اللون ولم يكن مجيئه دائماً في وقته الذي كانت جرت عادة المرأة بأن يجيئها فيه قبل ذلك دلّ ذلك على أنّ بدنها يحتاج إلى تنقيته». فإنّه قد يعرض للمرأة إذا غلب على بدنها بعض الأخلاط الرديئة ألّا يتغيّر لون طمثها فقط، لكن يفسد مع ذلك حدّاً دواره. فإن كانت الأخلاط في بدنها قد صارت أغلظ ممّا كانت عليه في الحال الطبيعية وأعسر جريه، أبطأ مجيء الطمث وتأخّر. فإن كانت صارت إلى ضدّ ذلك أعنى أرطب وأرقّ، تقدّم مجيء الطمث الوقت الذي كانت جرت العادة أن يجيء فيه.
قال أبقراط: إذا كانت المرأة حاملاً فضمر ثدياها بغتة فإنّها تسقط.
قال جالينوس: إنّ هذا الفصل أيضاً هو من تلك الفصول التي تدلّ على ما يعرض للطفل في البطن بسبب نقصان غذائه. وذلك أنّ فيما بين الرحم والثديين عروقاً مشتركة. فإذا نقص الدم في تلك العروق، ضمر الثديان. وبسبب نقصان الغذاء ربّما مات الطفل، وربّما تحرّك للخروج للسبب الذي ذكره أبقراط في كتابه في طبيعة الطفل. وهذا قوله فيه أيضاً أنّ الغذاء ومادّة النشوء التي تنحدر من الرحم إلى الطفل لا تكفيه إذا جاوز العشر الأشهر وأمعن في النشوء. وذلك أنّه يجتذب إليه من الدم أعذب ما فيه وأحلاه، وهو مع ذلك ينال من اللبن اليسير. فإذا لم يجد منهما إلّا ما هو له نزر قليل وكان قد شبّ وقوي فطلب أكثر ممّا يجد من الغذاء، ارتكض فهتك أغشيته. فبيّن أنّ الطفل وإن عدم الغذاء قبل هذه العشر الأشهر فإنّه يرتكض ويهتك أغشيته. فيكون ذلك أوّل السبب في أن تلذّه أمّه.
قال أبقراط: إذا كانت المرأة حاملاً فضمر أحد ثدييها
وكان حملها تؤماً فإنّها تسقط أحد طفليها، وإن كان الضامر هو الثدي الأيمن أسقطت الذكر، وإن كان الضامر هو الأيسر أسقطت الأنثى.
قال جالينوس: إنّ الأمر الذي قيل في الفصل الذي قبل هذا في الثديين كلّاهما قيل في هذا الفصل في أحد الثديين. ومن قبل السبب الذي تقدّم وصفه وهو اشتراك العروق صار الطفل الذي بإزاء الثدي الذي ضمر هو الذي يسقط. فأمّا قوله إنّ الحمل إذا كان توماً وكان أحد الطفلي ذكراً والآخر أثنى، فإن ضمر الثدي الأيمن أسقط الذكر وحده، وإن ضمر الثدي الأيسر هلكت الأنثى فقط. فهو مبنى على ذلك القول الذي قاله حين قال إنّ تولّد الطفل إذا كان ذكراً يكون في الجانب الأيمن أكثر وإذا كان أنثى ففي الجانب الأيسر.
قال أبقراط: إذا كانت المرأة ليست بحامل ولم تكن ولدت ثمّ كان لها لبن فطمثها قد ارتفع.
قال جالينوس: إنّ في هذا الباب كلاماً كثيراً ويحتاج من أراد فهمه أن يكون قد ارتاض في كتابي في القوى الطبيعية واستقصى فهمه، لكنّي سأقول على حال طرفاً منه يقدر ما يمكن أن يكون على غاية من الايجاز ويبلغ الحاجة فيما قصدنا إليه. فأقول إنّه يعمّ جميع أعضاء البدن التي تولّد رطوبات تنتفع بها أعضاء أخر ويحتاج إليها في تناسل الجنس أو في غذاء الطفل ما دام في البطن أنّ تلك الرطوبة إنّما تكون كالفضل من غذاء ذلك العضو الذي يولّدها. وذلك أنّ العضو المولّد لها ليس يولّدها من قبل أنّه يعلم أنّه ينتفع بها في البدن، لأنّا إن قلنا ذلك ادّعينا أنّ لذلك العضو من العقل مثل العقل الذي نريده من القوم الذين يدبّرون البلد، وليس الأمر كذلك لكنّ الذي خلق الحيوان تبارك وتعالى هو الذي معه ذلك العلم. فأمّا العضو فإنّما تدبيره كما بيّنّا بقوى طبيعته، وتلك القوى كثيرة، وأحدّها القوّة المغيّرة التي بها يشبه العضو غذاءه بنفسه. فما بلغ من أمره من الغذاء الذي يستحلّ منه أن يتشبّه بالمغتذي به تشبّهاً مستقصاء.
بلغت تلك العروق من الامتلاء إلى مثل حالها في آخر وقت الحمل من قبل احتباس الطمث، وهي الحال التي ذكرها أبقراط في هذا ا لفصل.
قال أبقراط: إذا انعقد للمرأة في ثدييها دم دلّ ذلك من حالها على جنون.
قال جالينوس: قد قلت في تفسيري للفصل الذي قبل هذا إنّ الدم إذا صار إلى الثديين ثمّ استحال من اللحم الرخو الذي فيهما صار لبناً. وابقراط يقول في هذا الفصل إنّ الدم الذي يصير إلى الثديين إذا بقي فلم يتغيّر دلّ على جنون. وأمّا أنا فما رأيت هذا كان قطّ إلى هذه الغاية فيدلّني ذلك أنّه وإن كان ممّا قد يكون فهو ممّا لا يكون إلّا في الندرة. فأمّا أبقراط فوصفه وصف من قد راه «وإن كان الأمر صحيحاً فينبغي أن يتوهّم في علّته ما أصف». أقول إنّ طبيعة اللحم الرخو وخاصّة ما هو منه في الثديين عديمة للدم
باردة، لأنّ كلّ ما هو عديم للدم فهو بارد، وهو يجعل استحالة الدم الذي يجيئه إلى ما هو أميل إلى البرد. فبحسب فضل برد ذلك اللحم الرخو على الحمر الكبد، فضل برد اللبن على الدم. فإذا انثبت في البدن كلّه في وقت من الأوقات دم كثير حارّ في مقدار حرارة ما يغلي وصار ذلك الدم خاصّة إلى الرأس، فإنّ المرأة التي هذه حالها تجنّ بمصير الدم الذي هذه حاله إلى الرأس. فأمّا ما يصير منه إلى الثديين فلا يمكن فيه أن يستحيل إلى ضدّ حاله حتّى يصير لبناً لشدّة حرارته وتلذيعه ولكثرته.
قال أبقراط: إن أحببت أن تعلم هل المرأة حامل أم لا فاسقها إذا ارادت النوم ماء العسل، فإن أصابها مغص في بطنها فهي حامل، وإن لم يصبها مغص فليست بحامل.
قال جالينوس: إنّ المغص قد يكون من التلذيع، ويكون من رياح غليظة نافخة ليس لها منفذ سهل. وهذا النوع من المغص هو الذي ينبغي أن يتوهّم أنّه يعرض للحامل بسبب مزاحمة الرحم وتضييقه لطريق تلك الرياح. وأمر أن يسقي المرأة ماء العسل عند النوم، وبيّن أنّه يريد أن يكون عسلاً نياً غير مطبوخ لأنّه إنّما يحتاج منه في تعرّف ما يريد تعرّفه إلى ما يولّد من الرياح والنفخة. وأراد بإسقائها ذلك عند النوم أن يواقي ذلك منها وقت سكون وامتلاء من الطعام. فإنّ هذين الأمرين جميعاً معيشان على حدوث المغص.
قال أبقراط: إذا كانت المرأة حبلى بذكر كان لونها حسناً، وإذا كانت حبلى بأنثى كان لونها حائلاً.
قال جالينوس: إنّ أبقراط إنّما وصف ما وصف من الاستدلال بحسن اللون وقبحه على أن يقاس لون المرأة بما كان عليه لا يكون غيرها. فإنّ المرأة إذا كانت حبلى بأنثى رأيت لونها أقبح ممّا كان، وذلك لأنّ الأنثى أبرد
من الذكر. وليس يكون ما تحمله المرأة أبرد، إلّا أن يكون متى كان مني الرجل ورحم المرأة في وقت ما يعلق ذلك الحمل أبرد، ولذلك إنّما هذا القول من الأقاويل التي تقال على الأمر الأكثر. وذلك أنّه قد يمكن أن تبالغ المرأة في حسن التدبير بعد أن تعلق فيحسن لونها. وبيّن أن يحمل الذكر دلائل أخر مثل كثرة الحركات وقوّتها، وليس تلك الدلائل أيضاً من العلامات الدائمة التي لا تحول. وذلك أنّه قد يمكن في الندرة أن تكون المرأة حبلى بأنثى وتلك الأنثى أقوى من الذكر فتكون تتحرّك حركات أقوى وأكثر، ويمكن أن تكون المرأة حبلى بذكر وذلك الذكر أضعف من الأنثى فيكون يتحرّك حركات أقلّ وأضعف.
قال أبقراط: إن حدث بالمرأة الحبلى الورم الذي يدّعى الحمرة في رحمها فذلك من علامات الموت.
قال جالينوس: قد ينبغي أن ننظر هل الورم الذي يدّعي الحمرة وحده إذا حدث في الرحم والمرأة حامل أيدلّ على الموت أم قد يدلّ على مثل ذلك أيضاً الورم الحارّ الذي يسمّي خاصّة فلغموني. والأمر في أنّ الورم الذي يدّعي الحمرة إذا حدث مات الطفل ضرورة بيّن، إذ كانت الحمّى الحادّة وحدها من غير الحمرة قد تقتله كثيراً. فأمّا غيرها من الورم الحارّ إذا حدث في الرحم هل يمكن أن يسلم عليه الطفل أم لا فذلك ممّا يحتاج إلى بحث ونظر.
قال أبقراط: إذا حملت المرأة وهي من الهزال على حال خارجة من الطبيعة فإنّها تسقط قبل أن تسمن.
قال جالينوس: إنّ القوم الذين فسّروا هذا الكتاب فهموا معنى هذا الفصل على ثلاثة أنحاء. وذلك أنّ بعضهم توهّم أنّه لا بدّ من أن تسقط المرأة على حال إذا كانت هذه حالها، وبعضهم توهّم أنّها إن لم تسمن ويحسن قبول بدنها للغذاء لكنّ بقيت على نحافتها وهزالها أسقطت، وبعضهم توهّم أنّه إذا تراجع بدنها وحسن قبولها للغذاء عند ذلك خاصّة تسقط. وقد يظنّ أنّ هذا القول
أبعد من القنوع من القولين الأوّلين، إلّا أنّ نومسياوس على هذا المعنى فسّر هذا الفصل فقال إنّ هذا الفصل إنّما قيل في المرأة التي تخرج عن طبيعتها إلى الهزال ويحتاج بدنها أن يتراجع ويحسن قبوله للغذاء قبل أن تحبل قتحمل قبل ذلك، قال «فليس يمكن أن يتراجع بدنها ويحسن قبوله للغذاء دون أن ينصرف الدم الذي ينبعث إلى الطفل ليغتذي به إلى بدن أمّه لتغتذي به، فلذلك يجب إذا عدم الطفل الغذاء الكافي له أن يعطب». وقول أبقراط أيضاً وهي من الهزال على حال جارجة من الطبيعة قد فهمه أقوام على ما فهمه نوميسياوس أن تكون تلك المرأة قد عرض لها إن صارت على حال خارجة من طبيعتها، وفهمه قوم على الإفراط في تلك الحال، وإنّ أبقراط إنّما أراد أن يدلّ به على أنّه ليس إذا كان هزال المرأة يسيراً عرض لها ما ذكر ضرورة، لكنّه إنّما يعرض لها متى كانت قد هزلت هزالاً شديداً مفرطاً. ولصاحب كلّ واحد من هذين التفسيرين حجّة مقنعة.
قال أبقراط: متى كانت المرأة وبدنها معتدل تسقط في الشهر الثاني والثالث من غير سبب بيّن
فقعر الرحم منها مملوء مخاطاً ولا تقدر على ضبط الطفل لثقله لكنّه ينهتك منها.
قال جالينوس: عنى بقوله «من غير سبب بيّن» أي من غير حمّى شديدة أو استطلاق البطن أو انفجار الدم أو الورم الذي يدّعي الحمرة إذا حدث في الرحم أو وثبة شديدة تكون من الحامل أو صيحة أو عصبة أو فزعة أو إقلال من الغذاء أو غير ذلك ممّا أشبه ممّا تفعله المرأة أو ممّا ينالها. فإنّ المرأة إذا كانت تسقط عن غير سبب من هذه الأسباب وهي كما قال معتدلة البدن فأولى الأشياء أن يكون السبب في إسقاطها أن تكون أفواه العروق المتناهية في الرحم التي بها تعلق المشيمة مملوءة رطوبة مخاطية. وهذه الأفواة التي سمّاها النقر، وليس هي كما ظنّ قوم اللحم الرخو الذي يتولّد على أفواه تلك العروق. وممّا يدلّ على ذلك أنّ أبقراط قال في المقالة الأولى من كتابه في علل النساء إنّه متى كانت النقر التي في الرحم مملوءة بلغماً كان الطمث أقلّ. وقال أيضاً بركساغورس في المقالة الأولى من كتابه في الأمور الطبيعية إنّ النقر هي أفواه العروق الضوارب وغير الضوارب التي تجلب الدم إلى الرحم.
قال أبقراط: إذا كانت المرأة على حال خارجة من الطبيعة من السمن فلم تحبل فإنّ الغشاء الباطن من غشائي البطن الذي يسمّى الثرب يزحم فم الرحم منها وليس تحبل دون أن تهزل.
قال جالينوس: قد فهم قوله «على حال خارجة من الطبيعة» على ضربين. فقوم توهّموا أنّه عنى بها على حال إفراط، وقوم توهّموا أنّه عنى به حال خارجة من طبيعة تلك المرأة الحامل. وأصحّ القولين القول الأوّل. فإنّ الشحم الذي في الثرب يضغط ويزحم فم الرحم في المرأة التي هي من السمن على حال مفرطة. وعنى بفم الرحم في هذا الموضع الفم الداخل الذي عنده ينتهي الرحم ومنه تبتدئ رقبة الرحم، وهذا هو أولى وأحقّ بأن يسمّى فم الرحم. فإنّ طرف رقبة الرحم الآخر المتّصل بفرج المرأة إنّما يجب أن يسمّي رقبة الرحم لا فم الرحم.
قال أبقراط: متى تقيّح الرحم حيث يستبطن الورك وجب ضرورة أن يحتاج إلى الفتل.
قال جالينوس: عنى بقوله «يحتاج إلى الفتل» أي يحتاج إلى العلاج بالفتائل. وليس ممّا يخفى أنّ الرحم إذا تقيّح وحاصّة ما يلي منه ما خارج فإنّ أبقراط كأنّه إنّما يدلّ على هذا في هذا الموضع فلا بدّ له من أن يعالج بالفتائل.
قال أبقراط: ما كان من الأطفال ذكراً فأحرى أن يكون تولّده في الجانب الأيمن، وما كان أنثى ففي الجانب الأيسر.
قال جالينوس: قد بيّنت في كتابي في المني أنّ الطفل إنّما يكون ذكراً من قبل مزاجه إذا كان منذ أوّل الأمر أسخن. وممّا يعيّن على أن يكون مزاج الطفل أسخن الموضع الذي يتولّد فيه إذا كان أسخن،
وأسخن جانبي الرحم الجانب الأيمن، وأنّما صار هذا الجانب أسخن بمجاورته الكبد. وممّا يعيّن أيضاً على سخونة مزاج الجنين مني الأنثى الذي ينبعث من الأنثيين منها في كلّ واحد من قرني الرحم: أمّا ما يجيء منه من اليمنى فإلى الجانب الأيمن، وما يجيء من اليسرى فإلى الجانب الأيسر، وهذان مختلفان كما قد بيّنّا ذلك أيضاً. وذلك أنّ المني المتولّد في اليسرى من الأنثيين أرقّ وأقرب إلى المائية وأبرد من المني المتولّد في اليمنى، فلهذا أيضاً قد يجب أن يكون الجنين المتولّد في الجانب الأيسر منذ أوّل أمره أبرد. وقد تكلّمت في هذه الأشياء كلّها كلاماً شافياً في المقالة الخامسة من كتابي في تشريح أبقراط.
قال أبقراط: اذا أردت أن تسقط المرأة المشيمة فادخل في الأنف دواء معطّساً وامسك المنخرين والفم.
قال جالينوس: إنّه يحدث عند هذه الحال للبطن تمدّد وتوتّر فيعيّن ذلك على سقوط المشيمة.
قال أبقراط: إذا إردت أن تحبس طمث المرأة فالق عند كلّ واحد من ثديها محجمة من أعظم ما يكون.
قال جالينوس: كما قد علمنا أبقراط علاج الطمث إذا نقص استفراغه أو لم يستفرغ بتّة، كذلك علمنا الآن علاج إفراطه وأمر أن يلقى عند الثديين محجمة من أعظم ما يكون. والأجود أن لا تعلق المحجمة على نفس الثدي، لكنّ على ما دونه من أسفل حيث تنتهي العروق المتصاعدة إلى الثديين من أسفل. وقد نجد أيضاً في بعض النسخ مكان «فالق عند كلّ واحد من ثديها» «فالق دون كلّ واحد من ثديه». وإنّما يقدر بأن تكون المحجمة من أعظم ما يكون، حتّى يكون الجذب بها من الرحم
إلى فوق أشدّ وأقوى وأبلغ وتلطّف، لأنّ يكون ذلك بالعروق المشتركة فيما بين الرحم والثديين.
قال أبقراط: إنّ فم الرحم من المرأة الحامل يكون منضمًّا.
قال جالينوس: إنّ هذا من أعطم دلائل الحمل إذا قدرت القابلة أن تدخل أصبعها فتلتمس فم الرحم. فإنّ الرحم منذ يرد عليه المني فيعلقه ينقبض تجويفه عليه من جميع النواحي وينضمّ فمه. وقد نجد فم الرحم ينضمّ بسبب الورم، إلّا أنّه قد يفرق بين الانضمام الذي يكون من قبل الورم وبين الانضمام الذي يكون بسبب الحمل لأنّ مع الانضمام الذي تكون من قبل الورم صلابة ليست معه إذا كان بسبب الحمل.
قال أبقراط: إذا جرى اللبن من ثدي الحبلى دلّ ذلك على ضعف من طفلها، ومتى كان الثديان مكتنزين دلّ ذلك على أنّ الطفل أصحّ وأقوى.
قال جالينوس: إنّ اللبن يجري من المرأة التي تجده يجري منها في الوقت الذي من شأنه في الطبع أن يتولّد في الحامل. فإنّه ليس يتولّد فيها في الأشهر الأوّل. فأمّا خروجه حتّى يجري ولا يبقى داخلاً فإنّما يكون من قبل كثرة ما يجتمع منه. وإنّما يجتمع منه مقدار أكثر إذا امتلئت العروق المشتركة فيما بين الرحم والثديين إمتلاءاً أكثر. وإنّما تمتلئ تلك العروق إمتلاءاً أكثر إذا كان ما يناله الطفل ممّا فيها يسيراً، وذلك إنّما يكون لضعفه. فبيّن أنّه لا ينبغي أن ترى الثديين ضامرين، مثل ما كانا قبل أن تحمل المرأة. فأنّ هذا إذا كان دلّ على نقصان من الدم، ولذلك إذا عرض هلك الطفل، ولا ينبغي أيضاً أن يبلغ الأمر بالثديين من الامتلاء أن يجري منهما اللبن. لكنّ ينبغي أن يكون مقدار امتلائهما مقداراً إذا لمستهما معاً وجدتهما مكتنزين. فإنّ هذه الحال حال متوسّطة بين حالهما إذا كانا صلبين مدافعين لليد لشدّة امتلائهما وبين حالهما إذا كانا لينين مسترخيين لنقصان الدم. ولذلك حمد أبقراط هذه العلامة، لأنّها تدلّ على أنّ الطفل ليس بضعيف ولا غذاءه بالناقص.
قال أبقراط: إذا كانت حال المرأة تؤول إلى أن تسقط فإنّ ثدييها يضمران، فإن كان الأمر على خلاف ذلك أعني إن كان ثدياها صلبين فإنّه يصيبها وجع في الثديين أو في الوركين أو في العينين أو في الركبتين ولا تسقط.
قال جالينوس: قد قال أبقراط فيما تقدّم إنّه إذا كانت المرأة حاملاً فضمر ثدياها بغتة فإنّها تسقط. وقال أيضاً إنّه إذا كانت المرأة حاملاً فضمر أحد ثدييها وكان حملها توماً فإنّها تسقط أحد طفليها. وأمّا في هذا الموضع فقلت نظام الاتّصال، فلم يبتدئ من العلامات لكنّ من المرأة التي تسقط فقال إنّه يتقدّم إسقاطها ضمور ثدييها. وليس القول بأنّ الثديين إذا ضمر أتبع ذلك الإسقاط هو من جميع الوجوه القول بأنّ الإسقاط إذا كان مزمعاً أن يكون تقدّمه ضمور الثديين، لأنّ القائل بأنّ الإسقاط يتبع ضمور الثديين
ولذلك يحدث للثديين فضل ضمور على ما كانا عليه قبل.
قال أبقراط: إذا كان فم الرحم صلباً فيجب ضرورة أن يكون منضمًّا.
قال جالينوس: قد قلت فيما تقدّم إنّ انضمام فم الرحم دليل عامّ للورم الحادث فيه وللحمل، وإنّه ينبغي أن يفرق بينهما بالصلابة. وذلك أنّه في الحامل ليناً على الحال الطبيعية، ومتى حدث فيه ورم من الأورام الحادّة أو الصلبة كان صلباً. فقد كان الأجود أن يكون وضع هذا الفصل بعد ذلك الفصل الذي قال فيه إنّ فم الرحم من المرأة الحامل يكون منضمّاً.
قال أبقراط: إذا عرضت الحمّى لمرأة حامل وسخنت سخونة قوية من غير سبب ظاهر فإنّ ولادها يكون بعسر وخطر أو تسقط فتكون على خطر.
قال جالينوس: قد يعرض لبعض الحوامل أن يكون قد اجتمع في أبدانهنّ قبل وقت الحمل خلط رديء، فربّما حدث لهنّ من ذلك الخلط حمّى شديدة حتّى يسقطن ضرورة، وربّما حدث لهنّ منه حمّى لينة إلّا أنّهنّ لا يخرجن منها خروجاً صحيحاً، لكنّه يبقى من ذلك الخلط الرديء الذي عنه كانت الحمّى بقايا من قبل أنّ الأطبّاء لا يقدرون لمكان حمل المرأة أن يعالجوها بعلاج قوي ولا يستقصون أمر صلاح التدبير في غذائها. ولذلك تعاودهنّ الحمّى كثيراً وتدوم بهنّ في أكثر مدّة الحمل التياث البدن وثقله. فيجب من قبل ذلك أن يكون الطفل ربّما لم يحتمل ما يعرض له من ذلك فيهلك بسبب الحمّى والخلط الرديء المتحيّر في بدن أمّه، وربّما احتمل فبقي إلى أن يولد،
إلّا أنّه يكون سقيماً لطول مدّة ما يبقى به من مرض أمّه وتكون أمّه أيضاً قد ضعفت فلا يكون ولاده سليماً من الخطر، لأنّه يحتاج في سهولة الولاد إلى أن يكون البدنان جميعاً قويين أعني بدن الحامل وبدن الطفل المحمول.
قال أبقراط: إذا حدث بعد سيلان الطمث تشنّج وغشي فذلك رديء.
قال جالينوس: ليس حين يكون سيلان الطمث يحدث هذه الأعراض ولا غيرها ممّا يقول فيه فيما يأتي بعد من قوله إنّه يحدث بعد شيء غيره، لكنّه إنّما تحدث هذه الأعراض إذا كانت تلك العلل التي تحدث بسببها إمّا قوية شديدة وإمّا طويلة مزمنة. فأمّا الغشي فهو عرض عامّ لكلّ استفراغ مفرط. وأمّا التشنّج فإنّه وإن لم يكن عرضاً عامًّا لكلّ استفراغ فإنّه في أكثر الاستفراغ ولا سيّما إذا كانت قد حدثت آفة بعضو عصبي.
قال أبقراط: إذا كان الطمث أزيد ممّا ينبغي عرضت من ذلك أمراض، وإذا لم ينحدر الطمث حدثت من ذلك أمراض من قبل الرحم.
قال جالينوس: قد ظنّ قوم من الأطبّاء أنّه يكون من كثرة الأخلاط أمراض كثيرة ولا يكون من قلّتها مرض بتّة. فأمّا أبقراط فيرى أنّ الناس قد يمرضون أيضاً من قلّة الأخلاط وليس يعرض ذلك للنساء فقط، لكنّ قد يعرض للرجال أيضاً. وذلك أنّه عند قلّة الأخلاط ربّما لزم البدن يبس وربّما لزمه برد وربّما لزمه الأمران جميعاً. وقد بيّنت أنّ كلّ مزاج رديء يتفاقم أمره حتّى يضرّ بفعل من الأفعال فهو من جنس الأمراض. ففي هذا لا نجد في قول أبقراط شيئاً باطلاً ولا شيئاً غامضاً. ولكنّ لمّا كنّا نجده قد حكم بأنّه يكون من تزيّد الطمث أمراض حكيماً مطلقاً من غير أن يزيد في قوله «من قبل الرحم»، وحكم في الطمث «إذا لم ينحدر» أنّه يحدث منه أمراض من قبل الرحم، وجب أن ننظر ونبحث هل قوله «من قبل الرحم» يشتمل على قوليه جميعاً أو يخصّ الطمث الذي لا ينحدر.
فليس يعرض للرحم شيء من أسباب هذه الأمراض التي يشركه فيها البدن كلّه، فالقول إذاً بان ما قال من أنّه يعرض الأمراض من قبل الرحم إنّما اختصّ به احتباس الطمث أصوب وأقرب إلى الإقناع.
قال أبقراط: إذا عرض في طرف الدبر أو في الرحم ورم تبعه تقطير البول، وكذلك إذا تقيّحت الكلى تبع ذلك تقطير البول، وإذا حدث في الكبد ورم تبع ذلك فواق.
قال جالينوس: إذا بال الانسان بولاً قليلاً مراراً متوالية سمّيت هذه العلّة تقطير البول، وربّما كانت من ضعف القوّة الماسكة التي في المثانة، وربّما كانت من حدّة البول. وضعف تلك القوّة يكون من المزاج الرديء ومن ورم من الأورام، وحدّة البول يكون إمّا من علّة في الكلى
وإمّا من قبل الفضلة المائية التي تتصفّى من العروق وتجيء الكلى وهي بتلك الحال. فبالواجب قال أبقراط إنّ تقطير البول يحدث من قبل ورم يعرض في طرف الدبر أو في الرحم أو من قبل مدّة تتولّد في الكلى. وذلك أنّه متى كان في طرف الدبر أو في الرحم ورم شاركته المثانة في العلّة، ومتى تولّدت في الكلى مدّة كان بطريق خروج تلك المدّة على المثانة. وتلك المدّة بحدّتها تلذع المثانة وتهيجها لدفعه. فأمّا عند ورم طرف الدبر فيجب ضرورة أن تعتل المثانة بطريق المجاورة وما ينالها من المزاج الرديء الذي لذلك الورم ومن نفس الورم ومن ضغط ذلك الورم لها ومزاحمته إياها. وقد قلت قبل إنّ أبقراط إذا قال في علّة من العلل إنّ علّة أخرى تتبعها أو تكون بعدها أو تكون منها فليس يعني أنّ ذلك يكون مطلقاً، لكنّه يعني أنّ ذلك يكون إذا كانت العلّة ذات قدر في عظمها. وعلى هذا الطريق قال إنّه يتبع ورم الكبد فواق، وذلك يكون بسبب اشتراك العصب، وليس يكون دائماً، لكنّه إنّما يكون إذا كان ورم الكبد على أعظم ما يكون.
قال أبقراط: إذا كانت المرأة لا تحبل فأردت أن تعلم هل تحبل أم لا فغطها بثياب ثمّ بخر تحتها، فإن رأيت أنّ رائحة البخور تنفذ في بدنها حتّى تصل إلى منخريها وفمها فاعلم أنّه ليس سبب تعذّر الحمل من قبلها.
قال جالينوس: قد دلّ بقوله «بخر» أنّه يريد المادّة التي تصلح لتبخيرها مثل الكندر والمرّ والميعة وغير ذلك ممّا أشبهه ممّا مزاجه حادّ، وله مع ذلك رائحة طيّبة. وذلك أنّه يريد أن يتراقى قوّته في البدن كلّه حتّى إذا صارت معما تصير إليه إلى الفم والمنخرين أحسّت بها المرأة حسّاً بيّناً. وليس يكون ألّا تنفذ كيفية ذلك البخور في البدن كلّه إلّا فيمن كان من النساء جرم الرحم منها متكاثفاً. وإذا كان كذلك فليس يصلح للحمل، كما يقول أبقراط بعد قليل إنّه متى كان الرحم من المرأة بارداً متكاثفاً لم تحبل. فأمّا قوله في آخر هذا الفصل «فاعلم
أنّه ليس سبب تعذّر الحمل من قبلها» فدلّ به على منفعة هذا الفصل. فإنّا قد نجد كثيراً أو أهل المدن يحرصون على اتّخاذ ولد من رجل أو من امرأة لم يبق من جنس أحدهما غيره ليبقى نسله إذا كان بقية أهل بيت كبيرين وأهل بيت ملوك. فإذا لم تحبل المرأة، احتييج إلى البحث والطلب من قبل أيّ الزوجين تعذر الحمل حتّى يفرق بينهما ليكون الحمل. وقد أشار افلاطن في كتابه المسمّى ثاطيطوس إلى أنّ هذه صناعة الخيار من الدلالات. وسأحكي في ذلك قوله كلّه بعد قليل إذا فسّرت جميع الفصول التي ينتفع بها في فهمه.
قال أبقراط: إذا كانت المرأة الحامل يجري طمثها في أوقاته فليس يمكن أن يكون طفلها صحيحاً.
قال جالينوس: قد دلّ بقوله «يجري» وبقوله «في أوقاته» على الكثير
أنّه ليس يعني أنّه متى جاء من الطمث شيء يسير، ولا متى إذا جاء منه شيء مرّة أو مرّتين دلّ على أنّ الطفل سقيم، لكنّه إنّما يدلّ على ذلك متى جاء منه شيء كثير مراراً كثيرة. فإنّ اليسير الذي يجيء منه مرّة أو مرّتين قد يعرض للمرأة كثيراً من غير أن تكون بطفلها علّة. فأمّا متى كان الطمث لا ينقص عن المقدار الذي كان عليه قبل الحمل وكان حافظاً لأوقات أدواره في الشهور على الولاء، فلا يمكن أن يكون معه الطفل صحيحاً، لأنّ الطفل إذا كان صحيحاً قوياً صرف ما يجيء من البدن كلّه من الدم إلى الرحم في غذائه. ويشبه أن يكون الطمث الجاري من الحوامل إنّما يجري من العروق التي في رقبة الرحم، لأنّ المشيمة معلقة بأفواه جميع العروق التي من داخل في تجويف الرحم فليس يمكن أن يخرج من تلك شيء إلى فضاء الرحم.
قال أبقراط: إذا لم يجر طمث المرأة في أوقاته ولم تحدث بها قشعريرة ولا حمّى لكن عرض لها كرب وغثي وخبث نفس فاعلم أنّها قد علقت.
قال جالينوس: إنّ قول أبقراط هذا إنّما هو في المرأة التي لا ينكر من طمثها شيئاً ثمّ احتبس بغتة من غير سبب ظاهر وعلمنا فيه شيئاً قد عرفه أكثر النساء بالتجربة، وهو أنّه إذا عرض للمرأة خبث نفس وكرب وغثي وقد احتبس طمثها، استدلّت بذلك على أنّها قد علقت. وهذه الأعراض تعرض للحامل كما يعرض لها الشهوات الرديئة بسبب إضرار الحمل بفم المعدة. وقد يمكن أن تعرض هذه الأعراض بسبب خلط رديء في البدن كلّه، إلّا أنّها إذا كانت إنّما تعرض بسبب ذلك عرضت للمرأة القشعريرة والحمّى وبهذا يفرق بينها وبين الحامل.
قال أبقراط: متى كان رحم المرأة بارداً متكاثفاً لم تحمل ومتى كان أيضاً رطباً جدّاً لم تحمل، لأنّ رطوبته تغمر المني وتخمده وتطفئه. ومتى كان أيضاً أجفّ ممّا ينبغي أو كان حارًّا محرقاً لم تحمل
لأنّ المني يعدم الغذاء فيفسد. ومتى كان مزاج الرحم معتدلاً بين الحالين كانت المرأة كثيرة الولد.
قال جالينوس: لو استجزت أن أنقل فصول أبقراط عن مواضعها فأنظمها على ما ينبغي، لما عملت عملاً حتّى أنقل فصلاً قد وضعه قبل هذا بفصلين فأجعله مكان هذا الفصل، حتّى يكون القول في الطمث قد تمّ وأتبع به القول في الرحم الذي يخبر فيه من كم ضرب تكون المرأة عاقراً. فكان يكون أوّل هذه الفصول الفصل الذي قال فيه إذا كانت المرأة لا تحبل فأردت أن تعلم هل تحبل أم لا فغطها بثياب ثمّ بخّر تحتها. وكان يكون الفصل الثاني بعد هذا الفصل الذي نحن في تفسيره الذي جملته أنّ الرحم إذا كان مزاجه معتدلاً، كان مستعدًّا للحمل، وإذا كان مزاجه رديئاً ثمّ كان ذلك المزاج الرديء ليس بالمفرط عسر الحمل، ومتى كان مفرطاً صيّر المرأة عاقراً. وقد يفهم من هذا السبب الذي من قبله يكون الرجل لا يولد له إلّا أنّ ذلك يذهب على الكثير.
فأمّا الرطوبة فكما قال فيها إنّها تغمر المني وتخمده وتطفيه، كذلك تفعل بكيفية الأشياء التي لها روائح طيّبة. وبقيت الحرارة الشديدة التي تكون في الرحم فإن كانت بغلبتها في قوّة تلك الأشياء التي لها روائح طيّبة تغيّرها وتفسدها، ولذلك لا تدعها أن ترتفع إلى الفم والمنخرين وهي باقية على حالها لم يشبّها شيء، والتبخير بالأشياء الطيّبة الرائحة كاف في هذه الطبيعة أيضاً أن يستدلّ به على ما يحتاج إليه. وإن كانت لا تقوى أن تفعل ذلك فينبغي أن ننظر في علامات أخر يستدلّ بها على أمر هذه الطبيعة بعد أن يعلم أنّه لا يكاد أن يوجد هذا المزاج في النساء لأنّ الأنثى في طبيعتها أبرد من الذكر. فيكون من هذا الوجه أيضاً استدلال أبقراط بالبخور بالأشياء الطيّبة الرائحة من أبلغ الأشياء وأنقعها في معرفة المرأة العاقر إذ كان يعرف به إمّا كلّ مزاج مفرط وإمّا أن لا يشتدّ عنه إلّا في الندرة مزاج واحد في المرأة التي تراها قضيفة إدماء زبّاء، فيمكنك بهذه الدلائل أن تستدلّ على المزاج المفرط فيها دون التبخير بالأشياء التي لها روائح طيّبة.
قال صاحب هذا الفصل المفتعل: والحال في الذكورة أيضاً على شبيه بهذا. وذلك أنّه أمّا أن يكون البدن متخلخلاً فتتحلّل الروح لتخلخله إلى خارج فلا يعين المني على الانبعاث أو يكون متكاثفاً فلا تجري الرطوبة لتكثافه إلى جارج ، وأمّا أن يكون بارداً فلا يسخن المني لبرده حتّى يجتمع في هذا الموضع أو يكون حارًّا فيكون هذا بعينه بحرارته.
قال جالينوس: إنّه قد بلغ من أمر المدلّس في هذا الفصل أنّه لم يفهم كلام نفسه. وذلك أنّه وعد أن يبين أنّ القول في الذكورة شبيه بالقول الذي قاله أبقراط في النساء فلم يف بما وعد من ذلك، لأنّ أبقراط ذكر أربعة أصناف من المزاج المفرط فكان ينبغي لهذا أن يذكر تلك الأربعة الأصناف في الذكورة كما فعلنا نحن. فلم يفعل ذلك، لكنّه ذكر أوّلاً تخلخل البدن قدّمه كأنّه قد ذكر في أمر النساء، وإذا بحث أيضاً عن قوله في نفسه
وذلك أنّه إنّما يجب أن يقال إنّ المني بسبب الحرارة يحترق أو يعرض له غير ذلك ممّا أشبهه. وأمّا القول بأنّ المني بسبب الحرارة لا يسخن فمنكر تشنيع.
قال أبقراط: اللبن لأصحاب الصداع رديء وهو أيضاً للمحمومين رديء ولمن كانت المواضع التي دون الشراسيف منه مشرفة وفيها قراقر ولمن به عطش ولمن الغالب على برازه المرار ولمن هو في حمّى حادّة ولمن اختلف دماً كثيراً، وينفع أصحاب السلّ إذا لم تكن بهم حمّى شديدة جدّاً ولأصحاب الحمّى الطويلة الضعيفة إذا لم يكن معها شيء ممّا تقدّمنا بوصفه وكانت أبدانهم تذوب على غير ما توجبه العلّة.
قال جالينوس: اللبن هو من الأشياء التي يسرع إليها الاستحالة واستحالته تكون على وجهين. وذلك أنّه إن صادف حرارة البدن أكثر ممّا ينبغي استحال إلى الدخانية سريعاً، وإن صادف حرارة البدن أقلّ ممّا ينبغي حمض سريعاً.
إن لم يكن بهم صداع أو نفخة أو ورم فيما دون الشراسيف أو كان الغالب على البراز المرار أو كان بهم غير ذلك ممّا أشبهه، إلّا أنّي أقول في هذا قولاً وهو أنّه يشبه أن يكون أبقراط ليس يستعمل الإيجاز مطلقاً ولا دائماً لكنّه متى رأى الخطر في الشيء الذي يصفه إن قصر مقصر في فهمه عظيماً لم يكسل أن يعيد ذكر الشيء الواحد مرّتين أو ثلاثة.
قال أبقراط: من حدثت به قرحة فأصابه بسببها انتفاخ فليس يكاد يصيبه تشنّج ولا جنون، فإن غاب ذلك الانتفاخ دفعة ثمّ كانت القرحة من خلف عرض له تشنّج أو تمدّد، وإن كانت القرحة من قدّام عرض له جنون أو وجع حادّ في الجنب أو تقيّح أو اختلاف دم إن كان ذلك الانتفاخ أحمر.
قال جالينوس: إنّ أبقراط يعني بالانتقاخ كلّ ورم أو غلظ خارج من الطبيعة يحدث في البدن،
فليس إذاً الحكم الكلّي بأنّ التشنّج إنّما يحدث بسبب ما هو من خلف فقط بحقّ، إلّا أنّا قد نرى أنّ أكثر الأمر على هذا يكون لا في الرجلين فقط لكن في اليدين أيضاً. وخليق أن يكون ذلك إنّما يكون لأنّ تلك المواضع مسامتة للنخاع، وعصب اليدين والرجلين إنّما تنبت من النخاع، وكذلك عصب عضل أعضاء أصل الصلب.
قال أبقراط: إذا حدثت خراجات عظيمة خبيثة ثمّ لم يظهر معها ورم فالبلية عظيمة.
قال جالينوس: إنّه قد يمكن أن تكون نسخة هذا الفصل على حسب ما ينصرف تأليف كلامه في اللغة اليونانية على أحد ثلاثة أوجه. أحدها أن يضاف العظم إلى البلية والرداءة، والثانية أن يضاف العظم إلى الورم والثالث أن يضاف العظم إليها جميعاً. فيكون الكلام على النحو الأوّل على هذا المثال «إذا حدثت خراجات عظيمة خبيثة ثمّ لم يظهر معها ورم فالبلية عظيمة»، ويكون على النحو الثاني على هذا المثال «إذا حدثت خراجات عظيمة خبيثة ثمّ لم يظهر معها ورم فالبلية عظيمة فذلك رديء»،
فإنّه إذا لم يكن مع الخراجة وجع لم ينصب إليها شيء. والوجع يعرض خاصّة فيما كان من الأعضاء عصبياً، وما كان كذلك فهو يحتاج إلى أن يعالج بالأدوية المسخّنة المجفّفة.
قال أبقراط: الرخوة محمودة واللينة مذمومة.
قال جالينوس: هذا القول كأنّه جزء من القول الذي تقدّمه يخبّر فيه أبقراط أنّه كلّما كان من الأورام رخواً فهو محمود، وكلّما كان على ضدّ ذلك فهو مذموم رديء. وضدّ الرخو بالحقيقة هو الصلب المدافع. فأمّا أبقراط فسمّاه اللين. وذلك أنّه لا يمكن أن يكون في وقت من الأوقات الورم صلباً مدافعاً، وقد أنضجت الطبيعة التي في موضع ما جرى إليه من الأخلاط على ما ينبغي.
قال أبقراط: من أصابه وجع في مؤخّر رأسه فقطع له العرق المنتصب الذي في الجبهة انتفع بقطعه.
قال جالينوس: إنّ أبقراط ليس يقتصر على أن يلتمس الاستفراغ حيث ينبغي أن يستفرغ لكنّه قد يلتمس معه جذب ذلك الشيء الذي يستفرغه. وهذا الجذب يكون إلى الجهة المضادّة للناحية التي فيها ذلك الشيء الذي يراد استفراغه، والجهتان المتضادّتان في الطول هما العلو والسفل، والجهتان المتضادّتان في العرض هما الجانبان أعني الأيمن والأيسر، والجهتان المتضادّتان في العمق هما المقدّم والمؤخّر. فأمر في هذا الموضع إذا كان الوجع في مؤخّر الرأس أن يكون الاستفراغ الذي يقصد معه إلى الجذب من الجبهة، وكذلك إن كان الوجع في مقدّم الرأس فينبغي أن يقصد بعضه معه إلى الجذب من نقرة القفا. وعلى هذا الطريق قد أبرأنا مراراً كثيرة علل العينين من الرطوبات التي كانت تنصب إليها منذ زمان طويل باستفراغ الدم من نقرة القفا وما فوقها باستعمال المحجمة على تلك المواضع.
قال أبقراط: إنّ النافض أكثر ما يبتدئ في النساء من أسفل الصلب ثمّ يتراقى في الظهر إلى الرأس وهي أيضاً في الرجال تبتدئ من خلف أكثر ممّا تبتدئ من قدّام مثل ما قد تبتدئ من الساعدين والفخذين، وذلك أنّ الجلد إيضاً في مقدّم البدن متخلخل ويدلّ على ذلك الشعر.
قال جالينوس: كلّ نافض يبتدئ مع برد محسوس، والبرد إلى ما يلي الظهر أسرع. وتلك النواحي أيضاً مع ذلك إلى أنّ يحسّ ما يعرض لها من البرد أسرع. فبالواجب صارت النافض إنّما تبتدئ من تلك المواضع، وذلك إلى النساء أسرع منه إلى الرجال، لأنّ الأنثى من كلّ جنس أبرد في طبعها وأضعف. ثمّ إنّ النافض إذا ابتدأت من تلك المواضع تتراقى إلى أصل العصب وأوّله وهو الرأس وتتّصل به المشاركة في الألم بأسرع ما يكون بتوسّط النخاع، لأنّ النخاع أيضاً بارد في طبيعته بمنزلة الدماغ وهو أيضاً لين جوهره سريع الاستحالة. فأمّا من مقدّم البدن فليس تبتدئ القشعريرة، لأنّ مزاجه أسخن من مزاج مؤخّر البدن. وجعل دليله على ذلك تخلخل الجلد في مقدّم البدن وجعل دليله على تخلخل الجلد أيضاً في مقدّم البدن كثرة الشعر فيه. وقد شرحت أمر تولّد الشعر شرحاً كافياً في كتابي في المزاج.
قال أبقراط: من اعترته الربع فليس يكاد يعتريه التشنّج، وإن اعتراه التشنّج قبل الربع ثمّ حدثت الربع سكن التشنّج.
قال جالينوس: أمّا التشنّج الذي يكون من الاستفراغ فهو من أحدّ الأعراض وأقتلها. وأمّا التشنّج الذي يكون من امتلاء الأعضاء العصبية مثل التشنّج العارض لأصحاب الصرع فليس هو بالحادّ ولا فيه من الخطر مثل ما في الأوّل. والتشنّج الذي ذكره أبقراط في هذا الموضع هو هذا الثاني. فإنّ قوله يعتريه واعتراه قد يدلّ على طول مدّة من الزمان. وهذا النوع من التشنّج قد تمنع حمّى الربع من حدوثه وليس ذلك فقط لكن إن كان قد حدث قبل الربع ثمّ حدثت الربع حلّلته. وذلك أنّ هذا التشنّج إنّما يكون من الأخلاط لزجة بلغمية برشح في الأعضاء العصبية. ومداواة ما هذه حاله من الأخلاط يكون بسببين أحدهما نفضه والآخر إنضاجه، وقد يجتمع له في الربع هذان الأمران كلّاهما. أمّا نفضه فبنافضها فإنّ هذا الانتفاض وحده قد يكتفي
في بعض الخلط الغليظ. وأمّا إنضاجه فبحرارة الحمّى التي تمنع النافض وتعين على الأمرين جميعاً طول مدّة هذه الحمّى.
قال أبقراط: من كان جلده متمدّداً قحلاً صلباً فهو يموت عن غير عرق، ومن كان جلده رخواً متخلخلاً فإنّه يموت مع عرق.
قال جالينوس: من كان ممّن قد أشرف على الموت جلده يابساً متمدّداً صلباً فإنّه يموت من غير أن يصيبه عرق، ومن كان جلده على ضدّ ذلك أعني رخواً متخلخلاً ليناً فإنّه يموت مع عرق، لأنّ الأوّل إمّا أن لا يكون فيه رطوبة بتّة وإمّا أن لا تكون الرطوبة فيه في الجلد، وأمّا الثاني ففيه رطوبة وهي مع ذلك منه في الجلد.
قال أبقراط: من كان به يرقان فليس يكاد تتولّد فيه الرياح.
قال جالينوس: ينبغي أن يفهم عنه أنّه يعني بمن تتولّد فيه الرياح في هذا الموضع ممّن تجتمع في بطنه رياح كثيرة غليظة. فأمّا أن تستفرغ بالحشا أو بالخروج من أسفل أو تبقى في البطن منه فتمدّده. وذلك ربّما كان من قبل ضعف في الأعضاء التي في البطن، وربّما كان من خلط بلغمي بارد. فمن كان إنّما يتولّد فيه الرياح بسبب الخلط البلغمي فحاله ضدّ حال صاحب اليرقان إذ كان الغالب على بدن صاحب اليرقان المرار، فيجب من ذلك ألّا تكون تولد الرياح في حال من الأحوال في صاحب اليرقان من قبل طبيعة الخلط الغالب على بدنه. وقد يمكن أن تتولّد فيه الرياح من قبل ضعف الأعضاء التي في البطن. ولذلك زاد في قوله «فليس تكاد»، فإنّه إنّما أراد بذلك أن يدلّ أنّ حكمه بما حكم به يقصر عن أن يكون ممّا يصحّ دائماً، إلّا أنّه وإن كان لا يصحّ دائماً فإنّه قد يصحّ في أكثر الأمر، لأنّا لا نكاد نجد آلات البطن ضعيفة في صاحب اليرقان.
تمّت المقالة الخامسة من تقسير جالينوس لفصول ابقراط
[E5] بحمد اللّه وعونه.
[P1] وللّه الحمد كثراً كما هو أهله. حسبي اللّه ونعم الوكيل.
بسم اللّه الرحم الرحيم عونك يَا رب
المقالة السادسة من تفسير جالينوس لفصول أبقراط
قال أبقراط: إذا حدث الجشاء الحامض في العلّة التي يقال لها زلق الأمعاء بعد تطاولها ولم يكن كان قبل ذلك فهو علامة محمودة.
قال جالينوس: العلّة التي يقال لها زلق الأمعاء ويسمّيها اليونانيون ملاسة الأمعاء هي خروج ما يؤكل ويشرب بسرعة وحاله الحال التي كان عليها في وقت ما ازدرد. وقد يمكن أن
إلى فيلستون وبعضهم ينسبه إلى ارسطن وبعضهم نسبه إلى فانطس فنجد هذا القول مكتوباً «وقد يعرض لقوم هذا العارض وهو أنّ طعامهم يخرج غير منهضم رقيقاً لا بسبب مرض مثل ما يعرض بسبب زلق الأمعاء ولا يعرض لهم وجع بتّة». فجميع هؤلاء القوم قد كانوا قبل اراسسطراطس وأتى بعدهم قوم آخرون كثيرون يعرفهم اراسسطراطس وافقوا من كان قبلهم في القول في زلق الأمعاء. فلست أدري ما الذي دعا اراسسطراطس إلى أن كذب على من كان قبله فقال إنّهم يرون أنّ في زلق الأمعاء يخالط البراز وهو غير نضيج شيء من جنس الدم والمخاط.
قال أبقراط: من كان في منخريه بالطبع رطوبة أزيد وكان منيه أرقّ فإنّ صحّته أقرب إلى السقم، ومن كان الأمر فيه على ضدّ ذلك فإنّه أصحّ بدناً.
قال جالينوس: أمّا البدن الذي مزاجه بالطبع أجفّ فليس يجري منه في المنخرين من الدماغ فضل بيّن ولا محسوس. وكذلك أيضاً ليس يجري منه في الجلد عرق لكنّ فضوله ترقّ وتلطف فتستفرغ، خاصّة بالتحلّل الذي يسمّيه الأطبّاء التحلّل الخفي. وأمّا البدن الذي مزاجه بالطبع أرطب فتجري منه فضول محسوسة، وخاصّة من الدماغ لأنّه في طبيعته بارد. قال «والمني أيضاً في صاحب هذا البدن يكون أرقّ وأرطب كما أنّه في صاحب المزاج الأجفّ تفنى منه الرطوبة المائية فتصير أغلظ وأجفّ». فمن كان مزاجه أرطب إمّا في دماغه فقط وإمّا في بدنه كلّه فقد يعرض له أن تكون صحّته صحّة غير مستوية غير معراة من الذم حتّى يعرض له البول كثيراً من أدنى سبب، وإن انحدر الفضل من اللهوات إلى أسفل، أضرّ بما دون ذلك من الأعضاء أعني الحلق والحنجرة وقصبة الرئة والمريء والمعدة فيجب ضرورة أن يحدث لهم السعال وضيق النفس والذبحة وسوء الهضم.
وربّما عرض لهم الذرب واختلاف الدم إذا كان ما ينحدر إلى الملوحة أميل. وقد ذكر هذه الأشياء في كتابه في الماء والهواء والمواضع وفي كتابه في الأمراض وفي كتابه في الأحداث.
قال أبقراط: الامتناع من الطعام في اختلاف الدم المزمن دليل رديء وهو مع الحمّى أردأ.
قال جالينوس: اختلاف الدم يكون من أخلاط حادّة يعرض منها سحج الأمعاء. وفي أوّل الأمر يكون ذلك السحج في ظاهر سطح الأمعاء. فإذا تمادى به الزمان، غار العفن وتزيّد عمقه وفي أكثر الأمر تصير قرحة فيها عفونة، وفي ذلك الوقت خاصّة تألم المعدة مع الأمعاء بالمشاركة فينالها الضرر في الاستمراء. ثمّ إنّ الآفة لا تزال تتراقى حتّى تنال فم المعدة بالمشاركة للمعدة، فيعرض عند ذلك لصاحب هذه العلّة الامتناع من الطعام، وأعني بالامتناع من الطعام ذهاب الشهوة. وقد يعرض لصاحب هذه العلّة في أوّلها الامتناع من الطعام بسبب فضول تجري إلى المعدة من الكبد وهي الفضول التي قلنا إنّها تسحج
الأمعاء وخاصّة إذا كانت من جنس المرار. فإنّه يطفو منها جزء فيعلو فيصير في فم المعدة فيعرض منه ذهاب الشهوة. فأمّا متى حدث هذا العارض بعد تطاول اختلاف الدم فإنّه يدلّ على خمود وموت من القوى التي في المعدة بسبب مشاركتها في العلّة للأمعاء بطل بسببه فعل من الأفعال الطبيعية التي لا تقوم الحياة إلّا بها. فإن حدثت بصاحب اختلاف الدم مع ذهاب الشهوة حمّى فليس يخلو الأمر من أحد شيئين إمّا أن تكون في قرحة الأمعاء عفونة وإمّا أن يكون معها ورم عظيم قوي. فإذا عرض للمعدة كلّها بسبب ذلك المشاركةُ في العلّة للأمعاء كان المريض على شرف هلاك.
قال أبقراط: ما كان من القروح ينتثر ويتساقط ما حوله من الشعر فهو خبيث.
قال جالينوس: إذا رأيت الشعر ينتثر من المواضع التي حول القرحة أو رأيت مع ذلك الجلد تنقشر منه قشور فاعلم أنّه تجري إلى ذلك العضو أخلاط رديئة فتحدث في تلك القرحة تأكّلاً وتمنعها من الاندمال.
وذلك أنّها ما كانت لتفسد وتتأكّل أصول الشعر وتدع موضع القرحة يندمل.
قال أبقراط: ينبغي أن تتفقّد من الأوجاع العارضة في الأضلاع ومقدّم الصدر وغير ذلك من سائر الأعضاء عظم اختلافها.
قال جالينوس: قد ينبغي أن لا تقتصر على تعرّف مواضع الوجع أيّ موضع هو، لكن تتفقّد وتتعرّف مع ذلك كم مقدار عظم وجعه. فإنّ ذلك ممّا ينتفع به في تعرّف الموضع الذي فيه العلّة وفي تقدمة المعرفة بما ستؤول إليه حال المريض وفي استخراج ما ينبغي أن يعالج به. من ذلك أنّه متى عرض في الأضلاع وجع عظيم يتراقى إلى الترقوة أو ينحدر إلى ما دون الشراسيف، دلّ على ثلاثة معان أحدها أنّه يعلم منه أنّه لا يمكن أن يكون حدث ذلك الوجع إلّا وقد حدثت عليه علّة في الغشاء المستبطن للأضلاع، والثاني أنّ العلّة ليست بعيدة من الخطر، والثالث أنّها تحتاج من العلاج إلى ما هو أقوى وأعظم. فإن كان الوجع يتراقى إلى الترقوة فالعلّة تحتاج إلى فصد العرق. وإن كان الوجع ينحدر إلى ما دون الشراسيف فالعلّة تحتاج إلى الإسهال كما خبّر أبقراط في كتابه في تدبير الأمراض الحادّة.
مع حسّ الثقل وبين الوجع الذي يخيّل إلى الإنسان فيه أنّ موضع الوجع منه يثقب أو يناله بعض الأشياء التي تقدّمت صفتها.
قال أبقراط: العلل التي تكون في الكلى والمثانة يعسر برءها في المشايخ.
قال جالينوس: يقول إنّ العلل العارضة في الكلى والمثانة بكدّ ما تبرأ، أي بعناء كثير وفي مدّة طويلة. وذلك لأنّ فعل هذه الأعضاء ليس يفتر، وكلّ عضو فهو يحتاج في برء العلّة الحادثة فيه أيّ علّة كانت إلى سكون وهدوء، ولأنّه يمرّ بهذه الأعضاء فضل حادّ بها يكون استفراغه ومن شأن ذلك الفضل إذا كان على ما هو عليه من الحدّة أن يهيج قرحة إن كانت فيها أو ورم أو غيرهما من سائر العلل. وأحرى أن يكون ما يعرض في المثانة من العلل إذا حدث بالمشايخ يعسر برؤه من قبل أنّ غير هذه العلل أيضاً من سائر جميع الأمراض وخاصّة ما كان منها طويلاً مزمناً. فهذه حاله فقد قال أبقراط فيما تقدّم إنّ هذه الأمراض إذا حدثت بالمشايخ لزمتهم إلى أن يموتوا.
قال أبقراط: ما كان من الأوجاع التي تعرض في البطن أعلى موضعاً فهو أخفّ، وما كان منها ليس كذلك فهو أشدّ.
قال جالينوس: ينبغي أن يفهم عنه من قوله في هذا الموضع «أعلى موضعاً» لا في طول البدن لكن في عمقه. والحدّ بين الموضع الأعلى وبين الموضع الذي ليس هو كذلك فيما يلي البطن هو الغشاء الممدود على آلات البطن الذي يسمّيه اليونانيون فاريطوناون. فما كان من الأوجاع يعرض فيما هو موضوع على هذا الغشاء سمّاه أعلى موضعاً. وما يعرض منها فيما هو من وراء هذا الغشاء أعني في الأمعاء والمعدة فهو الذي عناه بقوله «وما كان منها ليس كذلك». وبيّن أنّه قد أحسن في قوله أنّ ما يعرض من الأوجاع في هذه المواضع هو أشدّ وأقوى.
قال أبقراط: ما يعرض من القروح في أبدان أصحاب الاستسقاء ليس يسهل برؤه.
قال جالينوس: قد أخبر أبقراط في كتابه في القروح أنّ القروح لا تندمل حتّى تجفّ جفوفاً بالغاً. وليس
يسهل أن يفعل ذلك في أبدان أصحاب الاستسقاء لإفراط الرطوبة فيها.
قال أبقراط: البثور العراض لا يكاد تكون معها حكّة.
قال جالينوس: كما أنّ الخراجات كلّها صنفان فمنها شاخص متحدّد. ومنها ما يمتدّ فيأخذ موضعاً أوسع ولا يرتفع شاخصاً كثير ارتفاع. كذلك البثور منها ما يرتفع شاخصاً ومنها ما يذهب في العرض. فما كان من الخراجات والبثور أشدّ إرتفاعاً وإشرافاً، فالخلط الذي يحدث عنه حارّ، وما منها أخفض وألطأ فالخلط الذي يحدث عنه أبرد. فالبثور العراض لا يكاد أن تكون معها حكّة بسببين، أحدهما ذهابها في العرض والآخر أنّ الخلط المحدث لها أقّل حدّة.
قال أبقراط: من كان به صداع ووجع شديد في رأسه فانحدر من منخريه أو من أذنيه قيح أو ماء فإنّ مرضه ينحلّ بذلك.
قال جالينوس: قد بيّنّا أنّ أبقراط قد يتكلّم بكلام كثير على هذا الوجه فمن لم يدقّ النظر فيه ويتدبّره، ظنّ أنّ بذلك الشيء الذي وصفه وحده يكون برء العلّة ولا يكون بغيره. وبقراط ليس يريد أنّ برء العلّة إنّما يكون بذلك الشيء وحده لكنّه إنّما أطلق القول فقال إنّه إن انحدر من الأذنين أو من المنخرين مدّة أو ماء كان بذلك انقضاء المرض وانحلاله. ولو قلب الكلام فقاله على النحو الذي أنا قائله عليه لما كان عليه فيه متعلّق. وذلك النحو هو هذا إذا حدث في الرأس وجع من قبل ورم من الأورام التي تكون من الدم أو من قبل كثرة رطوبات غير نضيجة مجتمعة في الرأس، فإنّ ذلك الورم في تلك الحال إذا تقيّح ثمّ خرج القرح، أو خرجت تلك الرطوبة سكن ذلك الوجع. وإذا حدث في الرأس الوجع من قبل ريح غليظة نافجة أو من قبل كثرة الدم أو
من قبل مرّة صفراء تلذّع الرأس أو كان بالجملة من مزاج رديء فبرء العلّة يكون بأشياء أخر.
قال أبقراط: أصحاب الوسواس السوداوي وأصحاب البرسام إذا حدثت بهم البواسير، كان ذلك دليلاً محموداً فيهم.
قال حنين: إنّ الأطبّاء يعنون بالوسواس السوداوي اختلاط الذهن الذي يكون من المرّة السوداء من غير حمّى، واسمه باليونانية ماليخوليا. ويعنون بالبرسام حمّى تكون من ورم حارّ يعرض في أغشية الدماغ أو في الحجاب، ويعرض معها ضرورة اختلاط العقل، ويسمّونه باليونانية فرانيطس. ويعنون بالبواسير انفتاح أفواه العروق التي في المقعدة حتّى يجري منها الدم كما قد يعرض لكثير من الأصحّاء أن يجري منهم هذا الدم بأدوار من الزمان، واسم البواسير باليونانية امروايدس.
قال جالينوس: إنّ البواسير ليس بطريق الاستفراغ فقط تشفي هذه الأمراض، لكن قد تشفيها مع ذلك بكيفية الشيء الذي يستفرغ، لانّ من شأن الدم الذي يستفرغ من البواسير أن يكون أسود مملوءاً من الخلط السوداوي الذي حكمه في الدم حكم الدردي في الخمر. فليس هو إذاً بعجب أن يبرأ الوسواس والبرسام بالبواسير لأنّ من شأن البواسير أن يستفرغ ما هو من الدم بمنزلة العكر.
قال أبقراط: من عولج من بواسير مزمنة حتّى يبرأ ثمّ لم يترك منها واحد فلا يؤمن عليه أن يحدث به استسقاء أو سلّ.
قال جالينوس: ليس يمكن أن تحدث البواسير دون أن تنفتح أفواه العروق في المقعدة بسبب كثرة الدم وغلظه بدفع الكبد إليها الدم العكر السوداوي. فإن حبس حابس ذلك الدم حتّى لا يجري من أفواه تلك العروق فإنّه يحدث بسبب ذلك في الكبد ورم جاسئ، ومع ذلك أيضاً فإنّ ذلك الدم بكثرته وغلظه يثقل على الكبد فيطفئ حرارتها، فيكون ما يعرض من ذلك شبيهاً بما يعرض خارجاً للهيب النار، فإنّه متى جمع على لهيب النار حطب كبير خنق تلك النار وأطفأها. فإن كان الدم إنّما يتولّد من الحرارة الغريزية فبيّن أنّ تلك الحرارة إذا طفئت لم يتولّد الدم، والاستسقاء إنّما يكون إذا بطل تولّد الدم. فإن قدرت الكبد أن تدفع ذلك الدم الكثير إلى العروق التي في الرئة انصدع فيها عرق فحدث بسبب ذلك السلّ. فبالواجب أشار أن يترك من البواسير إذا اعولجت ولو واحدة حتّى يستفرغ بها ما يتولّد في الكبد من عكر الدم، ولا سيّما إذا كانت العادة قد جرت زماناً طويلاً أن يستفرغ ذلك من تلك العروق.
قال أبقراط: إذا اعترى إنساناً فواق فحدث به عطاس سكن فواقه.
قال جالينوس: قد قال أبقراط إنّ الفواق يكون كما يكون التشنّج من الامتلاء ومن الاستفراغ. فإذا كان الفواق من الامتلاء وأكثر ما يكون إنّما يكون من الامتلاء فإنّه يحتاج إلى حركة قوية مزعجة حتّى تنقلع تلك الرطوبة فتتحلّل وتستفرغ. وقد يفعل ذلك العطاس. وأمّا الفواق الذي يكون من الاستفراغ فليس يكاد يكون إلّا في الندرة فليس يبرئه العطاس. وقد يدلّك على أنّ الفواق يكون كثيراً من الامتلاء ما تراه يعرض للصبيان فإنّه يعرض لهم الفواق كثيراً إذا تملئوا من الطعام. وبرد الهواء أيضاً وكلّ برودة قد تمنع الأجسام العصبية من التحلّل فيحدث فيها بسبب ذلك الامتلاء فيكون بسبب ذلك الفواق.
قال أبقراط: إذا كان بإنسان استسقاء فجرى الماء منه في عروقه إلى بطنه، كان بذلك انقضاء مرضه.
قال جالينوس: هذا واحد من المثالات في الاستفراغ الذي يكون من تلقاء نفسه فينتفع به. وبيّن أنّا إنّما نعني بقولنا «من تلقاء نفسه» لا أن يكون من غير سبب لكن أن يكون من غير سبب منّا. فإنّا إن سقينا صاحب هذه العلّة دواء يسهل الماء فاستفرغه، لم يسمّى ذلك الاستفراغ من تلقاء نفسه.
قال ابقراط: إذا كان بإنسان اختلاف قد طال فحدث به قيء من تلقاء نفسه، انقطع بذلك اختلافه.
قال جالينوس: هذا أيضاً مثال في الاستفراغ الذي يكون من الطبيعة على ما ينبغي الذي قد ينبغي للطبيب أن يمتثله ويقتدي به. والمنفعة في هذا وشبهه إنّما يكون بطريق الجذب إلى الجهة المضادّة .
قال أبقراط: من اعترته ذات الجنب أو ذات الرئة فحدث به اختلاف فذلك فيه دليل سوء.
قال جالينوس: إنّه ليس يشرك العضو الذي تحدث فيه العلّة غيره فيها متى حدث فيه لكنّه إنّما يكون ذلك إذا كانت العلّة شديدة قوية. وعلى هذا الطريق يحدث بصاحب علّة الكبد فواق بمشاركة فم المعدة لها في العلّة، ويحدث به السعال وضيق النفس بسبب مشاركة آلات التنفّس للكبد في علّتها. وعلى هذا الطريق ايضاً متى حدثت علّة شديدة في آلات التنفّس شاركتها الكبد في علّتها، وقد دلّ أبقراط على هذا المعنى دلالة بيّنة بنفس ألفاظه، وذلك أنّه لم يطلق قوله فيقول إنّه متى حدث اختلاف في ذات الجنب أو في ذات الرئة فهو علامة رديئة أو محمودة، لكنّه زاد في قوله «من اعترته»، فإنّه إنّما أراد بهذه اللفظة أي من استولت عليه هذه العلل واستحوذت عليه وأثخنته فمن كان كذلك فحدث به اختلاف فهو فيه علامة رديئة، وإنّما يعرض الاختلاف لمن هذه حاله إذا لم تقدر الكبد على أن تجذب الغذاء إليها على ما ينبغي
ولا تغيّره فتصيره دماً، وربّما كانت المعدة أيضاً تفسد الغذاء. فأمّا متى كانت ذات الجنب أو ذات الرئة يسيرة فحدث بصاحبها اختلاف فقد يمكن أن ينتفع به بطريق الاستفراغ ولا سيّما إذا كانت تري فيه علامات الهضم حاضرة وينبغي أن يكون حاضراً لذهنك في هذا. وفي جميع ما سواه ممّا يقال على هذا الوجه أمر عامّ وهو ألّا يكون ذلك العارض الذي يذكر من سبب آخر حادث ظاهر مثل الاختلاف في هذا الموضع ولا يكون من طعام أو من شراب لكن بسبب المرض نفسه. فإنّ ما يعرض بسبب شيء آخر سوى المرض لا يمكن أن يدلّ على حال المرض إذ كان يجب ان يكون الدليل متّصلاً بوجه من الوجوه بالشيء الذي يدلّ عليه.
قال أبقراط: إذا كان بإنسان رمد فاعتراه اختلاف فذلك محمود.
قال جالينوس: إنّ أبقراط لم يعن بقوله أنّ الاختلاف محمود لصاحب الرمد على أنّه دليل محمود فيه لكنّه إنّما عنى به أنّه سبب محمود فيه، لأنّه يستفرغ الخلط الغالب في البدن ويجتذبه إلى أسفل. وهذا أيضاً من أبقراط أحد المثالات في الاستفراغ الذي يكون طوعاً فينتفع به الذي قد ينبغي للطبيب أن يمتثله ويقتدي به. وقد يرى جميع الأطبّاء يفعل هذا أعني أنّهم متى حدث بإنسان رمد أسهلوا بطنه بالحقن وبدواء الإسهال.
قال ابقراط: إذا حدث في المثانة خرق أو في الدماغ أو في القلب أو في الكلى أو في بعض الأمعاء الدقاق أو في المعدة أو في الكبد فذلك قتّال.
قال جالينوس: قوله «قتّال» قد نجده يقوله كثيراً في هذا الكتاب وفي غيره، وهو يعني به أنّ صاحبه يموت لا محالة، ونجده كثيراً يقوله وهو يعني به أنّ صاحب يموت في أكثر الحالات. فمن قبل ذلك ليس يتبيّن في هذا الموضع هل يريد أنّ الموت لا محالة نازل بمن عرض له في بعض الأعضاء التي ذكر خرق أو قد يمكن أن
إذا حدثت فيها الجراحة فلم تكن غائرة فكثيراً ما تلتحم. فأمّا متى انخرق بدن واحد منها حتّى تنفذ الخرق إلى الفضاء الذي في جوفه فلا يكاد صاحبه يبرئ إلّا في الندرة. وليس السبب الأعظم في تعذّر برء هذه الأعضاء فيما أحسب هو جوهرها، لكنّه إنّا لا نقدر فيها أن نضع على الجرح دواء كما يمكنّا أن نفعل ذلك في الجراحات الخارجة. ولذلك التمس صاحب كتاب الجراحات المهلكة أن يداوي أصحاب جراحة المعدة بالأدوية التي تشرب كان ذلك الرجل هو أبقراط أو كان غيره.
قال أبقراط: متى انقطع عظم أو غضروف أو عصبة أو الموضع الرقيق من اللحي أو القلفة لم تنبت ولم تلتحم.
قال جالينوس: أمّا قوله «ينبت» فعنى به أن يتولّد جوهر مثل جوهر ذلك الشيء الذي قد انقطع، مثل ما قد نرى اللحم ينبت في القروح التي فيها تجويف. وأمّا قوله «يلتحم» فعنى به أن تلتزق شفتا ذلك الجسم الذي انقطع حتّى تلتئما. وقد اتّفق الناس على أنّ العظم والغضروف لا يتولّدان إذا ذهب منهما شيء.
ولكن من قبل أنّها أيضاً إذا كانت كذلك قد تتباعد شفتا الجراحة إحداهما عن الأخرى إذا حدث فيها تباعد كثير.
قال أبقراط: إذا انصبّ دم إلى فضاء على خلاف الأمر الطبيعي فلا بدّ من أن يتقيّح.
قال جالينوس: إنّ هذا الفصل يوجد مختلفاً في النسخ، وذلك أنّه يوجد في بعضها «إذا انصبّ دم إلى البطن» ويوجد في بعضها «إذا انصبّ دم إلى بطن» أي إلى فضاء. وأصحاب هذه النسخة يريدون أن يدلّ هذه اللفظة على كلّ فضاء. وممّا يشهد على صحّة قولهم ما استثناه فقال «على خلاف الأمر الطبيعي»، فإنّ أبقراط إنّما أراد أن يدلّ بما استثنى من ذلك على ما أنا واصفه أنّه متى انصبّ الدم من الفضاء الذي هو فيه ما دام يجري أمره المجرى الطبيعي إلى فضاء غيره أيّ فضاء كان، فليس يمكن أن يبقي دماً. وكذلك نرى الأمر يكون في الأورام التي تكون من الدم وفي الدم الذي يمكن في المواضع التي تحدث فيها وهي من غير أن ينحرق الجلد والدم. أمّا في تلك الأورام فإنّه يتفرّق إلى أجزاء صغار وينبث في مواضع الفضاء من العضل الذي لا يدركها الحسّ وإنّما يعرف بالقياس. وأمّا في المواضع التي يمكن فيها الدم فإنّه ينصبّ في المواضع الخالية المحيطة بالعروق.
وأمّا قوله «فلا بدّ من أن يتقيّح» فليس بصواب لأنّ هذا الاسم إنّما يقع على نوع واحد من أنواع تغيّر الدم. ولذلك قد استعمل مكانه قوم اسماً هو أعمّ منه وهو أن يفسد، وقالوا إنّ هذا هو المعنى الذي أراده. وكذلك نرى الأمر يكون أعني أنّ الدم إذا خرج عن موضعه الطبيعي لم يبق دماً، لكنّه ربّما تقيّح وربّما اسوّد وربّما صار إلى الكمودة وربّما جمد فصار عبيطاً وخاصّة إذا صار إلى فضاء عظيم ليس هو له بطبيعي.
قال أبقراط : من أصابه جنون فحدث به اتّساع العروق التي تعرف بالدوالي أو البواسير انحلّ عنه جنونه.
قال جالينوس: لأنّ الطبيعة تدفع الأخلاط التي ولّدت الجنون إلى أعضاء أقلّ شرفاً من الدماغ،
وإنّما يكون خاصّة حدوث هذه العلل التي وصف أعني الدوالي والبواسير وانحلال الجنون إذا كانت تلك الأخلاط سوداوية غليظة.
قال أبقراط: الأوجاع التي تنحدر من الظهر إلى المرفقين يحلّها فصد العروق.
قال جالينوس: قد يوجد في كثير من النسخ مكان «الأوجاع» «الفسخ»، والنسخ التي توجد فيها «الأوجاع» أصوب. وذلك أنّ نفس الفسخ لا يمكن أن ينحدر لأنّ الفسخ إنّما هو تفرّق يحدث في المواضع اللحمية من العضلة. وقد نرى الدم عياناً ربّما اجتمع كلّه في موضع الفسخ وعلاجه إنّما هو تحليل ذلك الدم من ذلك الموضع. وأمّا سائر الأوجاع التي تكون في الظهر وتنتقل فالفاعل لها خلط يجري وينتقل من موضع إلى موضع، وربّما كان ذلك الخلط وحده وفي أكثر الأمر تكون معه ريح نافخة غليظة، فينبغي أن يستخرج ويستفرغ ذلك الخلط بالفصد من باطن المرفق إذا كنّا نراه يجري إلى تلك الناحية. فقد أمر أبقراط
أن يجعل استفراغ الخلط بحسب ميله. ودلّ على هذا المعنى أيضاً حين قال إنّه ينبغي أن يستخرج الشيء من الموضع الذي يميل اليه من المواضع التي تصلح لاستفراغه. فإن كان أبقراط إنّما قصد بهذا القول الفسخ فينبغي أن يفهم عنه أنّه إنّما يريد بقوله «تنحدر من الظهر إلى المرفقين» الأوجاع التي تحدث على طريق المشاركة في العلّة لا نفس التفرّق الذي يحدث في الموضع اللحمي من العضلة. وقد يمكن أن ينتفع في هذه الأوجاع بفصد العروق بطريق الاستفراغ المشترك.
قال أبقراط: من دام به التفزّع وخبث النفس زماناً طويلاً فعلّته سوداوية.
قال جالينس: متى عرض لإنسان تفزّع وخبث نفس من غير سبب ظاهر فالأمر فيه بيّن أنّ ما عرض له من ذلك إنّما هو من طريق الوسواس السوداوي، وإن لم تكن تلك الأعراض طالت ودامت به. ومتى كان ابتداء هذه الأعراض من سبب ظاهر ثمّ دامت وطال لبثها فلا يذهبنّ عليك أنّها تدلّ على الوسواس السوداوي. فإنّا قد نراه يعرض لكثير
من الناس الجنون فضلاً عن الوسواس من غضب أو غيظ أو حزن أو غم يعرض له فيكون ذلك ابتداء جنونه، وبيّن أنّه إنّما يكون ذلك إذا كان البدن في ذلك الوقت متهيّئاً مستعدًّا لقبول تلك العلل.
قال ابقراط: إن انقطع بعض الأمعاء الدقاق لم يلتحم.
قال جالينوس: قد دلّ أبقراط على هذا المعنى في فصل قد تقدّم قبل وهو الفصل الذي أوّله «إذا حدث في المثانة خرق أو في الدماغ» فإعادته في هذا الموضع فضل، لا أعرف له معنى. ومعناه أيضاً يعرف من فصول أخر فحذفه وإسقاطه أجود.
قال أبقراط: انتقال الورم الذي يدّعي الحمرة من خارج إلى داخل ليس هو محمود، وأمّا انتقاله من داخل إلى خارج فهو محمود.
قال جالينوس: ليس ينبغي أن يتوهّم أنّ الورم الذي يدّعي الحمرة فقط هذه قصّته لكنّ كلّ علّة من العلل بالجملة إذا انتقلت من الأعضاء الباطنة التي هي أشرف إلى ما يلى الجلد فانتقالها هذا دليل محمود وسبب محمود. ومتى كان الأمر على خلاف ذلك أعني متى انتقلت العلّة من ظاهر البدن إلى باطنه فانتقالها دليل رديء وسبب رديء. لكنّا قد نرى أبقراط قد ذكر أشياء كثيرة في هذا الكتاب على هذا الطريق كأنّه جعلها مثالات للأقاويل الكلّية وجعل تلك الأشياء التي يذكرها من الأشياء التي يمكنّا أن نختبرها بالتجربة الأمر الذي يذكر أنّه يظهر فيها اختباراً ظاهراً للعيان.
قال أبقراط: من عرضت له في الحمّى المحرقة رعشة فإنّ اختلاط ذهنه يحلّها عنه.
قال جالينوس: أنا أدع غيري يبحث هل أبقراط كتب هذه الفصول فجعلها مثالات للأقاويل العامّية الكلّية أم غيره ألحقها في كتابه وأقصد قصد
أمر قد قلته فيما تقدّم، وأقوله الآن في الحمّى المحرقة. فأتمسّك به وهو أنّ الأسباب التي تحدث عنها هذه الحمّى إنّما هي في العروق، فإذا انتقلت إلى العصب أحدثت أوّلاً ارتعاشاً، ثمّ إنه إذا شارك العصب في العلّة الأصل الذي منه ينبت وهو الدماغ حدث اختلاط الذهن. فكما تكون في الحمّى المحرقة نقلة الأخلاط المولّدة لها من العروق إلى العصب كذلك يمكن أن تكون في كلّ حمّى غيرها نقلة الأخلاط المولّدة لها من العروق الضوارب وغير الضوارب إلى العصب، كما قد يمكن أيضاً أن تكون النقلة من العصب إلى العروق. فقوله إنّ اختلاط الذهن يحلّ عن صاحبه الحمّى المحرقة لم يجر على حقيقة اللفظ. وذلك أنّه إنّما من عادة أبقراط أن يقول في الشيء الذي يحدث في العلّة إنّه يحلّها متى كان يكون بذلك الشيء البرء التامّ من تلك العلّة، لا إذا كان يحدث على المريض علّة أخرى ليس الخطر فيها بدون الخطر في الأولى.
قال أبقراط: من كوي أو بطّ من المتقيّحين أو المستسقين فجرى منه من المدّة أو من الماء شيء كثير دفعة فإنّه يهلك لا محالة.
قال جالينوس: إنّ من عادة أبقراط أن يعني بالمتقيّحين خاصّة من كانت به مدّة في الفضاء الذي فيما بين الصدر والرئة. وقد وصف كيف ينبغي أن يكوي صاحب هذه العلّة في كتابه الكبير في الأحداث الذي أوّله: «إن كانت عروق الرئة». وقد جعل قوم عنوان ذلك الكتاب في المتقيّحين. وإنّما يحتاج إلى الكي من أصحاب هذه العلّة من كان به منها شيء كثير جداً حتى يوئس من اشتفائه منها بالنفث. وصاحب هذه الحال يعرض له من عسر النفس لضيق فضاء الصدر أمر صعب شديد، فيضطرّ أيضاً بسبب عسر النفس إلى أن يكويه. وأمّا أصحاب الاستسقاء فمن عادة الأطبّاء أن يستعملوا فيهم العلاج الذي يسمّونه الثقب أكثر ممّا يستعملون الكي. وقصد أبقراط في هذا القول إلى الأمر العامّ في الثقب والكي وهو الاستفراغ الكثير دفعة فنهى عنه، وأشار بأن يتوقّى. فإنّا قد نرى عاقبة الأمر فيه تؤول إلى ما وصف. وقد وصف إرسسطراطس أيضاً من أمر أصحاب الاستسقاء ما هو أشدّ استقصاء من هذا فقال إنّه قد جرّب في كثير منهم الاستفراغ الكثير دفعة فوجده يجلب على صاحبه الحمّى والموت. وقد نرى أيضاً في سائر الأعضاء ما نراه في الصدر من أنّه متى حدث في واحد منها ورم عظيم فتقيّح
واستفرغ القيح دفعة، كان ذلك خطر، لأنّه يعرض لصاحبه على المكان الغشي وسقوط القوّة ثمّ إنّه فيما بعد يبقى على ضعف يعسر ردّه عنه إلى القوّة. ويشبه أن يكون إنّما يعرض ذلك أمّا لأصحاب المدّة فمن قبل أنّه تتفتّح بعض العروق الضوارب من شدّة تمدّد المواضع التي فيها المدّة ومن حدّة المدّة فتكون أوّلاً المدّة كأنّها سدّة في أفواه تلك العروق التي تفتّحت، فإذا استفرغت تلك المدّة دفعة تبعها وخرج معها من أفواه تلك العروق روح كثير، ومن قبل ذلك يعرض الضرر. وأمّا أصحاب الاستسقاء فليس لهذا السبب فقط يعرض الضرر، لكنّه يعرض مع ذلك من قبل أنّه ما دام الماء في البطن فهو يحمل ثقل الورم الجاسي الذي في الكبد، فإذا استفرغت تلك الفضلة المائية دفعة وعدمت الكبد ما كانت ترتفق به من حمل تلك الرطوبات لثقل ورمها، فأرجحت وجذبت معها إلى أسفل الحجاب وما في الصدر من الأحشاء.
قال أبقراط: الخصيان لا يعرض لهم النقرس ولا الصلع.
قال جالينوس: إنّ الفعل الذي يفعل بالخصيان من قطع الأنثيين يشبههم بالنساء. فكما أنّه لا يعرض للنساء الصلع كذلك لا يعرض للخصيان لرطوبة مزاجهم. وأمّا قوله إنّه «لا يعرض لهم النقرس» فقد كان ذلك على عهد أبقراط حقًّا. وأمّا اليوم فليس يصحّ لما قد غلب على الناس في دهرنا هذا من الترفة واستعمال الخفض وكثرة الشرّة والجموح في الشهوات. وجملة القصّة في هذا هي ما أصف، وهو أنّه يجب ضرورة فيمن يعرض له النقرس أن تكون قدماه بالطبع ضعيفتين كما يجب فيمن يصيبه الصرع أن يكون دماغه ضعيفاً. وليس يجب ضرورة أن تصيب كلّ واحد منهما العلّة، وإن لم يسئ التدبير في وجه من الوجوه. وقد يمكنك أن تعلم علماً يقيناً أنّ ضعف العضو لا يكفي في أن تحدث عليه العلّة من الوقت الذي فيما بين كلّ نوبتين من نوائب النقرس على أنّ ضعف القدمين الطبيعي لازم لصاحب هذه العلّة في جميع الأوقات. وهذا أيضاً من أمر أصحاب النقرس بيّن يظهر عياناً أنّ هذه العلّة إنّما تكون عندما يجري فيهم إلى القدمين خلط من الأخلاط. فإن كان هذا الخلط لا يجري إلى القدمين في وقت من الأوقات، فبيّن أنّه لا تعرض هذه العلة لصاحبها
ليس يستعملون الجماع. وذلك أنّه يبلغ من كثرة استعمالهم الخفض والنهم والإلجاج على النبيذ ما يمكن أن يعتريهم النقرس مع امتناعهم من الجماع. وما قلته في أصحاب النقرس فهو قولي في أصحاب أوجاع المفاصل. فإنّه في أكثر الأمر إنّما يعرض أوّلاً لجميع أصحاب أوجاع المفاصل النقرس ثم يصيرون منه إلى أوجاع المفاصل. وقد زاد أيضاً معما وصفنا من الأسباب التي من قبلها يعرض النقرس لكثير من أهل زماننا هذا أنّ أكثرهم ولدوا من آباء أو من أجداد بهم النقرس، فكان المني الذي يولدون منه منياً رديئاً ومن قبل ذلك تضاعف على أولادهم ضعف القدمين وزاد على ما كان عليه في آبائهم.
قال أبقراط: المرأة لا يصيبها النقرس إلّا أن ينقطع طمثها.
قال جالينوس: إنّما صار النقرس لا يعرض للنساء من قبل استفراغ أبدانهن بالطمث. فقد بيّنت في تفسيري للفصل الذي قبل هذا أنّه لا يمكن أن يكون النقرس من ضعف الأعضاء التي يعرض فيها واستعدادها لقبول العلّة فقط دون أن يجري إليها فضل من الأخلاط.
وهذا القول أيضاً قد كان فيما تقدّم حقًّا، أعني أنّه لا يكون النقرس بالمرأة دون أن ينقطع عن المرأة طمثها، وإنّما كان ذلك حقًّا في ذلك الزمان لقلّة الخطأ الذي كان يخطئه النساء في الزمان المتقدّم. وأمّا في هذا الزمان فلعظم الخطأ الذي يخطئه على أنفسهنّ قد يعرض لبعضهنّ النقرس من غير أن يكون الطمث انقطع عنهنّ، وذلك يعرض للكثير منهنّ إذا انتقص الطمث وللقليل منهنّ والطمث معتدل.
قال أبقراط: الغلام لا يصيبه النقرس قبل أن يبتدئ في مباضعة الجماع.
قال جالينوس: إنّ لاستعمال الجماع في توليد النقرس قوّة عظيمة جدًّا، وممّا يدلّ على ذلك ما قاله أبقراط قبيل من أمر الخصيان. وقد رأيت من الخصيان قوماً أصابهم النقرس. وأمّا الغلمان فما رأيتهم تصيبهم هذه العلّة. وإن كان أحد منهما أصابته هذه العلّة فإنّها أصابته مع إنتفاخ في ركبتيه ومفاصل يديه على طريق أوجاع المفاصل بغتة من امتلاء اجتمع في بدنه من تخم كثيرة.
قال أبقراط: أوجاع العينين يحلّها شرب الشراب الصرف أو الحمام أو التكميد أو فصد العرق أو شرب الدواء.
قال جالينوس: أرى أنّ أبقراط إنّما عرف كلّ واحد من هذه الأشياء التي ذكرها بالتجرة لا بالقياس. فإنّه ليس بعجب أن يكون بإنسان وجع في عينيه فيدخل الحمام فيسكن عنه الوجع أو يكون قد منع من الشراب، فلم ينتفع بذلك فأقدم عليه وهو من الأصل مشته له فينتفع بشربه. فكما أنّ أشياء أخر كثيرة ممّا رئي على هذا الطريق قد أثبته الأطبّاء في كتبهم على غير تحديد واشتراط، كذلك أظنّ أنّ أبقراط أثبت في هذا الموضع ذكر هذه الأشياء ولم يسلك طريق أصحاب القياس فيصف الحالات التي ينتفع في كلّ واحد منها بكلّ واحد ممّا وصف ولا طريق أصحاب التجربة فيصف اجتماع الدلائل التي معها ينتفع بكلّ واحد ممّا وصف . والمنفعة التي يستفيدها من الأقاويل التي توصف وتكتب على هذا المثال هي أن تثبته على أن يبحث عن الحالات التي ينتفع في كلّ واحد منها بكلّ واحد ممّا وصف من شرب الخمر الصرف والحمام وغير ذلك ممّا ذكره بعد، وقد عرض هذا بعينه.
بشدّة حركته من تلك العروق التي قد لحج فيها حتّى يفتحها. وهذان النوعان من أنواع علاج وجع العين عظيما المنفعة إن استعملا في مواضعهما، وعلى حسب ذلك الخطر فيها إن لم يسلعملا على الصواب. وأما التكميد فهو أسلم وأبعد من الخطر والمستعمل له منه على حال على ربح، وذلك أنّه إمّا أن يصير له علامة يستدلّ بها على ما يحتاج إليه وإمّا أن يصير له شيئاً لصحّة العين. وذلك أنّه إن كانت قد انقطعت مادّة ما يجري إلى العين وليس يجري منها شيء بتّة إليها فإنّ التكميد يحلّل ما حصل منها في العين فيبرئها ويردّها إلي الصحّة. وإن كانت المادّة تجري إليها بعد، فإنّه أوّل ما يستعمل التكميد يسكن الوجع بعض التسكين بالإسخان فقط، ثمّ إنّه بعد قليل يزيد في الوجع فيصير عند ذلك علامة دالّة على العلّة حتّى يكون إذا عرفناها به قصدنا لاستفراغ البدن كلّه إن كان فيه امتلاء مطلقاً بالفصد، وإن كان قد غلب فيه بعض الأخلاط الرديئة فبالإسهال. فإنّه ليس ممّا تعسر عليك التفرّقة بين غلبة الكيموس الرديء على البدن وبين كثرة الدم فيه.
قال أبقراط: اللثغ يعتريهم خاصّة اختلاف طويل.
قال حنين: إنّ للثغة أسماء مختلفة في لسان اليونانيين بحسب اختلاف الحرف الذي ينكسر فيها. فيسمّون من يكسر الراء فيقول مكانها اللام طرولوس، ويسمّون من يكسر السين فيجعل مكانها التاء فسللوس. وأبقراط يسمّي اللثغة في هذا الموضع بالاسم الذي يدلّ على انكسار الراء حتّى يقال مكانها لام. ووجدت جالينوس في تفسيره لهذا الفصل كأنّه يذهب اوّلاً إلى أنّ أبقراط إنّما أراد أصحاب هذه اللثغة خاصّة ثمّ إذا صار إلى أن يؤدي العلّة فيما ذكر أبقراط ممّا يعرض لهم من الاختلاف الطويل يقول شيئاً كأنّه يعمّ كلّ صاحب لثغة. وذلك أنّه إنّما اعتلّ في ذلك باسترخاء اللسان بسبب الرطوبة، وهذه هي فيما أحسب العلّة في كلّ لثغة. والدليل على ذلك ما ذكره من أمر الصبيان. وذلك أنّا نجدهم مع كسرهم للراء يكسرون السين والراء واللام وكثيراً من الأحرف التي تعرض اللثغة فيها. فإذا نشؤوا وجفّت ألسنتهم واشتدّت، انطلقت بهذه الأحرف، وربّما بقوا على كسر بعضها فيدلّ ذلك على أن العلّة كانت في كسرها علّة واحدة، إلّا أنّ الأحرف مختلفة في مقدار ما يحتاج إليه من شدّة اللسان وقوّته. فإن بلغ اللسان من القوّة ما يمكن معه الانطلاق بجميعها، سلم صاحبه من اللثغة. وإن لم يبلغ ذلك بقي يكسر أحوج الأحرف إلى شدّة اللسان. وأحسب على هذا القياس أنّ أبقراط وإن كان إنّما استعمل الاسم الذي يدلّ على اللثغة بالراء خاصّة إذا كان صاحبها يقول مكانها لاماً فإنّه لم يقصد لهذه اللثغة دون غيرها وإنّما استعار هذا الاسم الخاصّ فجعله مكان عامّ لأنّ ليس للثغة اسم عامّ في لسان اليونانيين. ولذلك أطلقت هذه اللفظة في ترجمتي لكلام أبقراط فقلت اللثغ ولم أستثني فأقول بالراء. ووجدت جالينوس مع هذا كأنّه يذهب إلى أنّ هذه اللثغة التي تكون بالراء حتّى يجعل مكانها لاماً إنّما تكون إذا كان قبل الراء طاء فقط. ونحن نجد من يكسر الراء فيجعل مكانها لاماً قد يعرض له ذلك وإن كان قبلها حرف غير الطاء. ويشبه أن تكون القصّة في ذلك أنّ أهل ذلك الدهر أو اليونانيين خاصّة منهم لم يكن يعرض لهم من هذه اللثغة ما ينكسر الراء فيها مع كلّ حرف وإنّما يعرض لهم منها ما ينكسر منه الراء بعد الطاء فقط لأنّه خليق أن يكون الراء بعد الطاء أصعب على اللسان الرخو منها مع غيرها. وذلك من قبل أن التخليط في ذلك الزمان في التدبير وفي اليونانيين خاصّة من أهل ذلك الزمان كان أقلّ منه اليوم بكثير. وممّا يشهد على صحّة هذا القول أنّا نجد من أصناف اللثغة وكثرة الأحرف التي يعرض فيها في هذا الزمان ما لم نجد اليونانيين عرفوه ولا وضعوا لكلّ واحد منه أسماء خاصًّا كما فعلوا فيما عرفوه فإنّا لا نجد اليونانيين عرفوا اللثغة التي تكون بالراء إذا كان يقال مكانها غين أو ياء ولا عرفوا أيضاً اللثغة التي تكون في اللام حتّى يجعل مكانها ياء ولا اللثغة التي تكون بالسين حتّى يجعل مكانها شين ولا اللثغة التي تكون بالقاف حتّى يجعل مكانها طاء وهي أشدّ اللثغة وأدلّها على ضعف حسّه صاحبها. وذلك أنّ الصبى الصغير قد ينطلق لسانه بالقاف فيدلّ بذلك على أنّ صاحب هذه اللثغة في لسانه من الضعف لرطوبته أو رطوبة الدماغ ما قد جاوز مقدار ضعف لسان الصبى.
قال جالينوس: كما أن فساليون وهي اللثغة بالسين إنّما هي آفة في الكلام لا في الصوت، كذلك طراوليذن وهي اللثغة بالراء وإنّما يكون إذا لم يقدر اللسان أن يبيّن بالحقيقة الألفاظ التي يتلو فيها الطاء راء، مثل صاحب هذه اللثغة نفسها وهي طرولوس وألفاظ أخر تشبهها مثل قول طراحي طربي طراخوس طروخوس طروفارس وما أشبه ذلك من الألفاظ. وذلك أنّ هذه الألفاظ كلّها تحتاج إلى أن يعتمد اللسان على مقدم الأسنان. وقد عرض فإذا كان اللسان في الأسنان ضعيفاً، كان اعتماده أيضاً ضعيفاً ولم يتبيّن صوت الطاء والراء، فيكون منه مكانه صوت الطاء واللام. وقد يمكن أن يعرض هذا في اللسان من قبل أنّه أقصر ممّا ينبغي، وذلك ممّا لا يكون إلّا في الندرة. ويمكن أن يعرض من قبل أنّ اللسان ألين وأرطب مزاجاً، ومن قبل هذا صارت هذه اللثغة تعرض للصبيان، وما يعرض لهم منها شبيه بما يعرض لهم في المشي. فإنّ من الصبيان من لا يكون بعد قوياً على المشي ومنهم من لا يكون قوياً عليه قوّة الاقتدار لأنّ الرجلين من الصبى للينهما لا يقدران على الاعتماد والتمكّن على الأرض المحكم.
بسبب هذا اختلاف طويل. وإذا كان اللسان بالطبع أرطب فالمعدة جديرة بأن تكون كذلك، لأنّ إحدى طبقتيها هي الغشاء المغشي للسان، والاختلاف الطويل المزمن هو عرض خاصّ لازم لضعف المعدة بسبب الرطوبة.
قال أبقراط: أصحاب الجشاء الحامض لا تكاد تصيبهم ذات الجنب.
قال جالينوس: يقول إنّ أصحاب الجشاء الحامض وهم الذين يعرض لهم الجشاء الحامض كثيراً قليلاً ما تصيبهم ذات الجنب. فإنّ قوله «لا تكاد» إنّما يدلّ على الشيء القليل الذي يكون في الفرط والندرة، لا على الشيء الذي لا يكون بتّة، كما قال قوم ممّن فسّر هذا الكتاب. وقد قلنا في كلامنا في ذات الجنب إنّه إذا كان ما ينفث معها أصفر أو أحمر إلى الصفرة فتولّدها عن خلط من جنس المرار، وإذا كان النفث معها زبدياً فتولّدها عن خلط بلغمي. وإذا كان النفث معها يضرب إلى السواد فتولّدها عن خلط سوداوي،
إنّ من كانت طبيعته بالطبع لينة فقلّ ما تعتريه الشوصة وسائر الأمراض.
قال أبقراط: الصلع لا يعرض لهم من العروق التي تتّسع التي تعرف بالدوالي كثير شيء، ومن حدث به من الصلع الدوالي عاد شعر رأسه.
قال جالينوس: إذا وجدت في كتاب رجل عاقل قولاً باطله ظاهر فحقّ للقارئ له أن تعرض له الحيرة حتّى أنّه أوّلا يشكّ في نفسه فيرى أنّه لا يعرف الأمور الظاهرة، ثم إنّه من بعد يتّهم ذلك القول فيقول العلّة أن يكون مفتعلاً. فما من أحد يجهل أنّ الصلع لا يبرأ. والقول أيضاً بأنّه لا حدثت بالصلع من الدوالي شيء كثير ليس يحقّ، ولا القول أيضاً بأنّه متى حدثت بالأصلع الدوالي ذهب عنه الصلع وعاد شعر رأسه يحقّ إّلا أن يكون كما قال قوم أنّه إنّما عنى بالصلع العلّة التي يسمّيها الأطبّاء القرع.
فإنّ أمثال هذه العلّة إنّما تكون من أخلاط رديئة مثل ذا الثعلب وذا الحيّة، فإذا انتقلت تلك الأخلاط إلى الرجلين جاز أن يحدث الدوالي ويعود الشعر. وذلك أنّ الشعر إنّما كان عرض له الفساد من قبل إفساد تلك الأخلاط لأصوله، فوجب عند انتقال تلك الأخلاط عن الرأس أن يعود الشعر إلى حاله الطبيعية.
قال أبقراط: إذا حدث بصاحب الاستسقاء سعال كان ذلك دليلاً رديئاً.
قال جالينوس: إنّ من عادة قدماء الأطبّاء إذا قالوا حدث أو يحدث بصاحب علّة من العلل عرض من الأعراض أو علّة من العلل أن يعنوا بذلك الأعراض والعلل التي من شأنها أن تحدث به بسبب نفس علّته إذا تزيّدت. وعلى هذا بنى بركساغورس الأمر في كتابه في الأعراض الحادثة. وعلى هذا الوجه قال أبقراط في هذا الفصل ما قال في السعال. فإنّه ليس متى عرض لصاحب الاستسقاء سعال من سبب من غير علّته فهو دليل هلاكه، لكنّه إنّما يكون كذلك إذا كان إنّما حدث بسبب نفس مرضه.
وذلك أنّه إذا بلغ من تزيّد كثرة الرطوبة المائية في المستسقي أن يبلغ إلى قصبة الرئه فإنّه يحدث به السعال، ويكون في تلك الحال قد أشفى على أن تخنقه تلك الرطوبة.
قال حنين: إنّ قصبة الرئة تنقسم في بدن الرئه إلى أقسام تتفرّغ فيها كما تتفرّغ العروق. فمتى قلنا قصبة الرئة فنحن نريد الأصل الذي منه انقسمت تلك الأقسام وهو الحلقوم. ومتى قلنا أقسام قصبة الرئة فنحن نريد تلك الأقسام.
قال أبقراط: فصد العرق يحلّ عسر البول وينبغي أن تقطع العروق الداخلة.
قال جالينوس: هذا القول لا يكون صحيحاً حتّى يزاد فيه «قد» حتّى يكون على هذا المثال «فصد العرق قد يحلّ عسر البول». فإنّ فصد بالحقيقة قد يبرئ عسر البول إذا كان سببه ورم من الدم وكثرة الدم في البدن. وأمّا قوله «وينبغي أن تقطع العروق الداخلة» فإن كان إنّما قيل في العروق التي في اليدين، فليس هو بحقّ ولا موافق لقول أبقراط، لأنّا نرى بقراط في جميع كتبه إنّما يستخرج الدم فيما كان من العلل فيها فوق الكبد من عروق اليدين وفيما كان من العلل فيما هو أسفل من الكبد من العروق التي في باطن الركبتين ومن العروق التي على الكعاب.
فإن توهّم متوهّم أنّه عنى بقوله «وينبغي أن تقطع العروق الداخلة» العروق التي في الرجل من داخل فالفرق بين هذه العروق وبين الخارجة يسير. وذلك لأنّ الصنفين جميعاً إنّما ينبتان من عرق واحد وهو الذي في باطن الركبة بعد أن ينقسم ثلاثة أقسام من قبل أنّه إنّما ينحدر إلى الرجل عرق واحد لا عرقان مثل العرقين الذين نابتان اليد. فالأجود عندي أن يتوهّم هذا الفصل أيضاً أحد الفصول التي أدخلت في هذا الكتاب.
قال حنين: متى قيل «الداخل» فإنّما يعنى به الجانب الإنسي ومتى قيل «الخارج» فإنّما يعنى به الجانب الوحشي. فالعرق الداخل في اليد هو الذي يسمّى الباسليق لأنّ مجراه من الجانب الإنسي، وذلك أنّه إنّما ينحدر من الإبط. والعرق الخارج في اليد العرق الذي يسمّى القيفال لأنّ مجراه من الجانب الوحشي، وذلك أنّه إنّما ينحدر من الكتف. والعرق الداخل في الرجل هو الصافن لأنّه من الجانب الإنسي. والعرق الخارج في الرجل هو عرق النسا لأنّه من الجانب الوحشي. وأرى جالينوس يقلّل الفرق بين فصد العروق الداخلة والخارجة في الرجل وقوله في القياس من الوجه الذي ذهب إليه صحيح إلّا أنّا قد نجد بالتجربة أنّ صاحب وجع النسا قد ينتفع بفصد عرق النسا منفعة عظيمة وليس ينتفع بفصد الصافن كبير منفعة.
قال أبقراط: إذا ظهر الورم في الحلقوم من خارج فيمن اعترته الذبحة كان دليلاً محموداً.
قال جالينوس: هذا القول قول حقّ والعلّة فيه بيّنة إذ كان الأصلح أن ينتقل العلل من الأعضاء الباطنة التي هي أشرف إلى ما يلي الجلد.
قال أبقراط: إذا حدث بإنسان سرطان خفي فالأصلح أن لا يعالج، فإنّه إن عولج هلك وإن لم يعالج بقي زماناً طويلاً.
قال جالينوس: يعني بالسرطان الخفي إمّا الذي لا تكون معه منه قرحة وإمّا الذي لا يظهر أعني الذي هو باطن في عمق البدن. وقوله أيضاً «يعالج» يحتمل معنين أحدهما أن يفعل جميع ما ينبغي أن يفعل كيما يبرأ منه العضو الذي هو فيه ويعود إلى صحّته، والآخر أن يعني به العناية التي تصلح للعضو الذي فيه هذه العلّة أعني أن يسكن من عاديته ويجفّف من شره، ولا سيّما إذا كان مع قرحة. فإنّه يجب ضرورة عند ذلك وإن ترك فلم يعالج بشيء أن يغسل الصديد من تلك القرحة باستعمال رطوبة من الرطوبات، وليس ينبغي أن تكون تلك الرطوبة أيّ رطوبة كانت، لكن ينبغي أن تكون ممّا قد وجدنا بالتجربة أو بالقياس ليس من شأنه أن يعفن ولا يهيج العضو الذي فيه العلّة. وهذا العلاج لا ينبغي أن يترك متى كانت مع السرطان قرحة ولا يحتاج إليه السرطان إذا لم تكن معه قرحة.
قد نهوا عن قطع هذا أيضاً، ولم يأذنوا إلّا في قطع ما كان من السرطان معه قرحة يعظم أذاه على صاحبه، حتّى اشتهى قطعه وكان مع ذلك من الأعضاء فيما يمكن فيه قطع السرطان مع أصوله وكيه. فقد نهى قوم أيضاً عن علاج هذا بالقطع وأشاروا بأن يحذّر في كلّ سرطان كلّ علاج شديد. فأمّا أبقراط فما كان يشير بعلاج السرطان الباطن بالقطع ويدلّك على ذلك نفس طبيعة هذه العلّة . فأمّا ما كان من السرطان العارض في ظاهر البدن ليس معه قرحة فليس يتبيّن ممّا قاله في هذا الفصل هل ينهي عن علاجه بالقطع أم لا . وإرطاميدروس ودياسوقوريدوس وأشياعهما إنّما يكتبون هذا الفصل إلى قوله «والاصلح أن لا يعالج» ويسقطون ما بعد ذلك.
قال أبقراط: التشنّج يكون من الامتلاء ومن الاستفراغ، وكذلك الفواق.
قال جالينوس: التشنّج كما قد يدلّ اسمه إنّما يكون إذا انجذب وتقلّص العضل نحو رؤوسه. وأبين من هذا أن يقال إذا انجذب وتقلّص إلى فوق، وهذه الحركة هي حركته أيضاً في طبيعته، إلّا أنّ حركته في طبيعته لا تكون إلّا بإرادة من الحيوان. وأمّا التشنّج فهو حركة تحدث فيه عن غير إرادة تصير فيها الأجزاء العصبية منها إلى حال شبيهة بالحال التي كانت تصير إليها في الحركات الإرادية. وذلك أنّها تصير في حال الامتلاء كما تصير هذه الأوتار التي يتّخذها الناس إذا كان الهواء رطباً فقد يعرض لها كثيراً بسبب ما ينالها من ندى الهواء ورطوبته أن تنقطع. وكذلك يعرض لها إذا صار الهواء إلى الغاية من اليبس، لأنّ جميع الأجسام العصبية تجتمع أجزاؤها بعضها إلى بعض وتنقبض إذا أفرط عليها اليبس، مثل ما يصيب السيور إذا سخّنت عند النار مدّة طويلة. وما تسخّنه أيضاً منها الشمس الصيفية يعرض له شبيه بذلك. فقد وجب أن يكون حدوث التشنّج من الضدّين. وأمّا الفواق فقد يجوز أن يسمّى تشنّجاً حادثاً في المعدة والمريء في الكلام الذي ليس يقصد به إليه خاصّة.
ثمّ شرب بعده شراباً ممزوجاً بماء حارّ، عرض له على المكان الفواق، لأنّ سخونة ذلك الشراب توصل الفلفل إلى عمق جرم المعدة فيتأذّى بحرافته وتروم دفع الشيء المؤذي لها بحركة خفر واستكراه. وقد بيّنت في المقالات التي وصفت فيها أسباب الأعراض أنّ السعال أيضاً والعطاس والنافض هي من هذه الحركات.
قال أبقراط: من عرض له وجع فيما دون الشراسيف من غير ورم ثمّ حدثت به حمّى، حلّت ذلك الوجع عنه.
قال جالينوس: إنّ الوجع قد يكون من اللذع، إلّا أنّ الوجع الذي يكون منه ليس من عادتهم أن يسمّوه وجعاً وإنّما يسمّونه باسم اللذع والحرقة. وقد يكون الوجع من الورم الحارّ. وأعني بالورم الحارّ الذي يكون من الدم والذي يكون أيضاً من الصفراء الذي يدّعي الحمرة، فإنّ الوجع قد يلزم هذا الورم أيضاً.
فإذا حدث فيما دون الشراسيف وجع من غير ورم وليس معه حسّ لذع وحرقة، فقد بقي أن يكون ذلك الوجع إنّما حدث بسبب مزاج مفرط مختلف أو بسبب تمدّد أو بسبب ريح غليظة نافخة، ومن شأن حرارة الحمّى أن تشفي جميع هذه الأسباب، لأنّها تقطع وتذيب وتلطّف الفضل المولّد للسدد والريح الغليظة، ويصير المزاج المختلف إلى حال استواء.
قال أبقراط: إذا كان موضع من البدن قد تقيّح وليس يتبيّن تقيّحه فإنّما لا يتبيّن من قبل غلظ المدّة أو الموضع.
قال جالينوس: إنّ هذا الفصل يوجد مكتوباً على نسختين مختلفتين ويفسّر على وجهين مختلفين، وكلّ واحدة من النسختين والتفسيرين صواب. وذلك أنّه قد تخفى المدّة ويعسر تعرّفها من قبل غلظها ومن قبل غلظ الموضع الذي يحويها. فبالواجب كتب بعضهم
«فإنّما لا يتبيّن من قبل غلظ المدّة»، وكتب بعضهم «فإنّما لا يتبيّن من قبل غلظ الموضع». والأجود جمعهما جميعاً.
قال أبقراط: إذا كانت الكبد فيمن به يرقان صلبة فذلك دليل رديء.
قال جالينوس: ذلك من قبل أنّ صلابتها في تلك الحال تدلّ على أنّ فيها ورماً حارًّا أو ورماً جاسياً. فإن لم تكن مع اليرقان صلابة في الكبد فقد يمكن أن يكون حدوثه من سدّة عرضت فيها، ويمكن أن يكون من قبل أنّ الطبيعة دفعت خلطاً كان قد كثر في العروق إلى ناحية الجلد على طريق البحران.
قال أبقراط: إذا أصاب المطحول اختلاف دم فطال به حدث به استسقاء أو زلق الأمعاء وهلك.
قال جالينوس: كان ينبغي أن يقدّم قبل هذا الفصل الفصل الذي قال فيه «إذا حدث بالمطحول اختلاف دم فذلك محمود»، لكنّه وضع هذا الفصل فيما بعد من بعد أربع فصول بتوسّط بينهما. وأمّا أنا فقد يضطرّني الأمر أن أذكر معنى ذلك الفصل في تفسيري لهذا الفصل. فأقول إنّ أبقراط يقول إنّ المطحول، ويعني بالمطحول من كان في طحاله صلابة مزمنة. إذا حدث به اختلاف دم، أذهب عنه تلك الصلابة إذا كان ذلك الاختلاف إنّما كأنّ على طريق انتقال تلك الأخلاط الغليظة السوداويه التي كانت قد تنشّبت في جرم الطحال واستفراغها. لكن لمّا كان هذا الاستفراغ كثيراً ما يجاوز القدر فيتطاول فيضرّ بصاحبه كما وصف أبقراط فأحسن الأحوال التي يؤول إليها اختلاف الدم المفرط إذا دام بمن هذه حاله. وذلك أنّ مرور هذه الأخلاط الرديئة في الأمعاء ويضرّ بها ويهدّ قوّتها ويفسد اعتدال الحرارة الغريزية. ومن قبل ذلك يحدث زلق الأمعاء والاستسقاء. أمّا زلق الأمعاء فلمّا ينال الأمعاء خاصّة من الآفة والضرر، وأمّا الاستسقاء فلمشاركة الكبد وجنس العروق كلّه للأمعاء في العلّة.
قال أبقراط: من حدث به من تقطير البول القولنج المعروف بإيلاوس وتفسيره المستعاذ منه فإنّه يموت في سبعة أيّام إلّا أن تحدث به حمّى فيجري منه بول كثير.
قال جالينوس: إنّ في هذا الصنف من القولنج ليس ينفذ منه شيء إلى أسفل بتّة ولا يخرج شيء بتّة. وإن استعمل من الحقن أحدّ ما يكون ويحدث بصاحبه قيء رجيعه إذا كان ممّن قد أشفى على الهلاك. وقد اتّفق جميع الأطبّاء به إلّا الخطأ على أنّ هذه العلّة إنّما تكون إذا استدّ مجرى البراز إلى أسفل، وأنّها إنّما تكون في الأمعاء الدقاق لا في الغلاظ. وقد قال قوم كثير منهم أيضاً إنّها إنّما تكون من ورم أو من سدّة أو من رجيع يابس صلب وإمّامن أخلاط لزجة غليظة. وأمّا أنا فإنّي أرى أنّ الورم من جنس الأورام الحارّة كان أو من جنس الأورام الصلبة أو من جنس الدبيلات قد يحدث هذا الضيق الذي لا ينفذ معه شيء بتّة إلى أسفل. ولا أجد نفسي تقبل أنّ هذا الضيق كلّه يكون من رطوبات غليظة لزجة. وأنا أسامحك في هذا فأقول إنّه يكون أو غيره إن قالوا إنّ هذه العلّة تحدث بسببه سوى شيء واحد، قد توهّمه جميع من فسّر كتاب الفصول إلّا الخطأ،
فإنّي لا أدري هل هذا الفصل لأبقراط أو لغيره. فالأجود أن يجعل السبب في هذه الأعراض التي ذكرت كثرة أخلاط غليظة نيّة مع برد شديد. فإنّ الأمر إذا كان كذلك، كان البرء من هذه العلّة بالحمّى وكان استفراغ البول على ما وصف. فإنّه على هذا يجري الأمر بالحقيقة أن تكون تلك الأخلاط إذا أنضجت جرى من البول شيء غليظ كثير بغتة.
قال أبقراط: إذا مضى بالقرحة حول أو مدّة أطول من ذلك، وجب ضرورة أن يتبيّن منها عظم وأن يكون موضع الأثر بعد اندماله غائراً.
قال جالينوس: القروح التي تطول مدّتها إمّا أن لا تندمل بتّة وإمّا إن اندملت انتقضت من غير أن يكون الأطبّاء يخطّون في علاجها، وإنّما يعسر برءها ضرورة إمّا لأنّه تجري إليها رطوبات رديئة وإمّا لأنّه قد صارت في العضو الذي هي فيه
في القروح. وبيّنته أنا في المقالة الثالثة من كتابي في حيلة البرء، وهو أنّ جميع القروح تحتاج إلى أن تجفّف وخاصّة ما كان فيها عظم فاسد. والحدّ الذي ينبغي أن ينتهي إليه التجفيف هو أن يتبيّن ما فسد من العظم، ويجب أن يكون لموضع أثر القرحة بعد اندمالها من الغور بحسب ما للجزء الذي يأتي من الثخن.
قال أبقراط: من أصابته حدبة من ربو أو سعال قبل أن ينبت له الشعر في العانة فإنّه يهلك.
قال جالينوس: قد خبّر أبقراط كيف تكون الحدبة في كتابه في
والناس اليوم أيضاً يجرون هذا الاسم هذا المجرى. وذلك أنّهم يسمّون النفس المتواتر الذي يعرض لمن يحضر أو يرتاض رياضة قوية ربواً. وقد سمّى باسم الربو قوم ممّن جاء بعد أبقراط علّة مزمنة تحدث في الصدر، وبعضهم سمّاها باسم يدلّ على أنّ نفس صاحبها إنّما يكون وهو منتصب، وهذه العلّة تكون إذا ما لم تكن بصاحبها حمّى وكان نفسه دائماً من الرداءة على هذه الحال.
قال أبقراط: من احتاج إلى الفصد أو شرب الدواء فينبغي أن يسقى الدواء أو يفصد في الربيع.
قال جالينوس: إنّ من البيّن أنّ كلام أبقراط في هذا الفصل فيمن كان صحيح البدن بعد، إلّا أنّه إن لم يسفرغ بدنه مرض. فإنّ من كانت هذه حاله فينبغي أن يبادر باستفراغه إذا دخل الربيع إمّا بفصد إن كان ما يصيبه من الأمراض من جنس ما يحدث منها من الامتلاء وإمّا بالإسهال والقيء إن كان ما يصيبه من الأمراض من جنس ما يكون من الفساد. فقد حفظنا أبدان قوم كثير بهذا الطريق حتّى لم يعرض لهم مرض بتّة منذ سنين كثيرة وقد كانوا فيما قبل ذلك يمرضون في كلّ سنة. وقد صادفنا قوماً قد ابتدأ ببعضهم النقرس وببعضهم وجع المفاصل ولم يكن قوياً حتّى يحدث تحجّراً في المفاصل فتداركناهم بهذا الطريق من الاستفراغ فحسمنا عنهم حدوث تلك العلل بهم منذ سنين كثيرة.
وأمّا أوجاع المفاصل فما كان معه منها حرارة شديدة فتحتاج إلى نفض الأخلاط التي من جنس الصفراء، وما كان منها مع أورام باردة فتحتاج إلى نفض الأخلاط البلغمية. وأعرف رجلاً كان لا يخلو في كلّ صيفه من أن تعرض له حمّى الغبّ فمنذ تولّيت أمره وقد مضى لذلك سنون كثيرة لم يحمّ. وذلك أنّي أبادر فأنفض بدنه من الصفراء في آخر الربيع. فإنّ الأجود لأصحاب هذه الحال أن تستفرغ أبدانهم من الصفراء في ذلك الوقت. فأمّا أصحاب الصرع والفالج وأوجاع المفاصل والوسواس السوداوي وغيرهم ممّن مرضه من أخلاط غليظة فإنّما ينبغي أن يستفرغ في أوّل الربيع، وقد أفردت لصفة هذه الأشياء كلّها كتاباً مفرداً جعلت عنوانه فيمن يحتاج في وقت الربيع إلى استفراغ. وذلك العلم هو جزء من كلّية علم تدبير الأصحّاء.
قال أبقراط: إذا حدث بالمطحول اختلاف دم فهو محمود.
قال جالينوس: قد فسّرت هذا الفصل قبيل في تفسيري لفصل تقدّم وهو الذي قال فيه
«إذا أصاب المطحول اختلاف دم فطال به حدث به استسقاء أو زلق الأمعاء وهلك». فليس يحتاج منّي في هذا الفصل الذي وصفته إلى تفسير ثان.
قال أبقراط: ما كان من الأمراض من طريق النقرس وكان معه ورم فإنّ ورمه يسكن في أربعين يوماً.
قال جالينوس: إنّ ورم أصحاب النقرس يكون من فضل ينحدر إلى مفاصل القدمين. وأوّل ما يقبل ذلك الفضل إلى مواضع المفاصل، ثمّ جميع ما حول ذلك إلى الجلد. وإذ كان ذلك الفضل يملأ مواضع المفاصل، فيجب ضرورة أن تتمدّد الرباطات التي تحيط بتلك المفاصل من خارج. فأمّا العصب والأوتار فلا يشبه أن تكون ترم في صاحب النقرس، وإنّما يحدث فيها الوجع يتمدّدها مع المفاصل فقط.
وذلك أنّ من الوجه الذي من قبله صارت لا تكاد تقبل في جرمها شيئاً من الرطوبة الخارجة عنها إلّا بعسر وهو أنّ هذه الأعضاء ملزّزة كثيفة صلبة من ذلك الوجه بعينه لا يكاد يجري ويتحلّل منها شيء إلّا بعسر. وبهذا السبب جعل أبقراط الحدّ في تحلّل أورام أصحاب النقرس وانقضائه التامّ لا اليوم الرابع عشر بل يوم الأربعين، لأنّ الرطوبات التي في المفاصل تحتاج أن تتحلّل حتّى تصير بخاراً وينفذ في الرباطات المحيطة بالمفاصل حتّى يستفرغ. وكذلك ما قد داخل من تلك الرطوبات جرم تلك الرباطات. وقد ذكر أبقراط يوم الأربعين في كتاب تقدمة المعرفة ووصف أنّ فيه يكون بحران ما ليس هو داخلاً بالحقيقة في عداد الأمراض المزمنة، وقد جاوز حدّ الأمراض الحادّة. وقد شرحت أمر جميع هذه الأشياء غاية الشرح في كتابي في أيّام البحران.
قال أبقراط: من حدث به في دماغه قطع فلا بدّ من أن تحدث به حمّى وقيء مرار.
قال جالينوس: أمّا الحمّى فتعرض عند حدوث القطع في الدماغ بالطريق العامّ الذي من قبله صار كلّ عضو رئيس متى حدث فيه ورم حارّ تبعت ذلك الحمّى. وأمّا قيء المرار فيحدث بمشاركة المعدة وخاصّة فمها للدماغ في العلّة للاشتراك الذي بينهما في العصب. وذلك أنّه يتّصل بفم المعدة من الدماغ عصبتان عظيمتان. ومن شأن المرار أن يتحلّب إلى المعدة من غير هذا السبب عند الأوجاع الشديدة أو الاغتمام الشديد، وأحرى أن يكون ذلك إذا ضعفت المعدة. فإنّ الأعضاء التي تضعف تنصبّ إليها فضول الأعضاء المجاورة لها وخاصّة ما كان منها رقيقاً مثل المرار والرطوبة المائية وقد تخالط هذه الرطوبة المائية كثيراً المرار الذي يتقيّأ، ولا يكاد يرى مراراً صحيحاً صرفاً يتقيّأ ليس تخالطه رطوبة مائية. وقد يرى أيضاً الصحيح إذا أبطأ عن الطعام أبطأ كثيراً وخاصّة إن كان الغالب عليه في طبيعته المرار ينصبّ إلى معدته المرار. ويدلّك على ذلك ما يعرض له فيها من اللذع وما يتقيّأه إن تقيّأ.
وليس متى وقعت الجراحة في الدماغ فقط يعرض قيء المرار، لكنّه قد يعرض ذلك أيضاً إذا وقعت الجراحة بالغشاء الصلب المحيط بالدماغ. وذلك أنّه لما إن كان هذا الغشاء يتّصل بالدماغ في مواضع كثيرة كانت العلل التي تحدث فيه تسرع إلى الدماغ. وأمّا أصحاب أراسسطراطس فإذ كانوا يقولون إنّ أصل نبات العصب من غشائي الدماغ فإنّهم يقولون متى وقعت الجراحة بالغشاء الصلب وحده فإنّ هذه الأعراض إنّما تحدث من قبل نفس طبيعة ذلك الغشاء. ومتى كانت الجراحة قد وصلت إلى الدماغ فإنّهم يقولون إنّ تلك الأعراض إنّما تحدث من قبل أنّ الجراحة قد وقعت بالغشائين جميعاً قبل أن تصل إلى الدماغ. وإنّما قلت إنّ أصحاب أراسسطراطس يقولون هذا القول، ولم أقل إنّ أراسسطراطس يقوله، من قبل أنّي وجدت أراسسطراطس في وقت قد كان بلغ فيه سنّ المشائخ وهو الوقت الذي يذكر أصحابه أنّه وضع فيه كتبه في التشريح قد حكم بأنّ الدماغ أصل العصب ومبتدئه. وقد وصفت هذه الأشياء بشرح أكثر من هذا في كتابي في علم أبقراط بالتشريح.
قال أبقراط: من حدث به وهو صحيح وجع بغتة في رأسه ثمّ أسكت على المكان وعرض له غطيط فإنّه يهلك في سبعة أيّام إن لم تحدث به حمّى.
قال جالينوس: إنّ من عادة أبقراط إذا قال أسكت أو سكات أن لا يكون قصده إنّما هو آفة حدثت بالصوت فقط أو بالكلام لكنّه يريد أن يفهم عنه بذكره الآفة الحادثة لأشرف الأفعال الإرادية الآفة الحادثة بجميعها. وربّما كانت تلك الأفعال قد نزلت بها الآفة والحسّ لم يبطل. فقد قال أبقراط في بعض أقاويله إنّه يعرض لبعض الناس أن يسكتوا وهم يحسّون، وربما كانت الآفة قد نزلت بهما جميعاً، أعني بالأفعال الإرادية والحسّ، وتسمّى تلك العلّة السكتة. والسكتة ضربان منهما ضعيفة ومنهما قوية. ولذلك قال أبقراط إنّ السكتة إن كانت قوية لم يمكن أن يبرأ صاحبها منها، وإن كانت ضعيفة لم يسهل أن يبرأ. وكأنّه قد ذكر في هذا الفصل علامة تدلّ على السكتة القوية وهي الغطيط الذي يعرض للمستثقل
وليس تحتمل الأعضاء الشريفة الأمراض التي تجمع الصعوبة والطول كما بيّنّا مراراً كثيرة.
قال أبقراط: قد ينبغي أن يتفقّد باطن العين في وقت النوم فإن تبيّن شيء من بياض العين الجفن مطبق وليس ذلك بعقب اختلاف ولا شرب دواء فتلك علامة رديئة مهلكة جدًّا.
قال جالينوس: إنّما يظهر شيء من بياض العين إذا لم ينطبق انطباقاً محكماً، وذلك يكون لأحد وجهين إمّا ليبس في الأجفان وإمّا لضعف من القوّة المحركة لهما. فلذلك عند الذرب وعند شرب الدواء يعني شرب الدواء المسهل يظهر من بياض العينين شيء في وقت النوم. وذلك أنّ الأبدان تجفّ وتضعف القوة التي فيها عند أشباه هذه الأشياء من الاستفراغ.
واليبس يظهر في الأجفان أكثر ممّا يظهر في غيرها لأنّها في طبيعتها يابسة. فكما أنّ الجلد المدبوغ إذا جفّ عسر تمديده كذلك الحال في هذه الأعضاء. وليس يشكّ أحد أيضاً أنّ القوّة إذا كلّت وضعفت، لم يمكن الإنسان أن يطبق عينيه وليس العينين فقط لكنّ الفم أيضاً، ولذلك ينام المريض الذي تلك حاله وفمه مفتوح، وذلك بيّن لمن قصد النظر في طبيعة هذا الشيء وتدبّره.
قال بقراط: ما كان من اختلاط العقل مع ضحك فهو أسلم وما كان منه مع همّ وحزن فهو أشدّ خطراً.
قال جالينوس: ليس من اختلاط العقل شيء سليم، إلّا أنّ الاختلاط الذي يكون معه ضحك أقّل خطراً كما أنّ الاختلاط الذي يكون معه إقدام وتقحّم أشدّ خطراً كما قال أبقراط في موضع آخر أشدّ الاختلاط كلّه خطراً. فأمّا الاختلاط الذي يكون معه همّ وحزن فهو متوسّط بينهما. وجميع أصناف الاختلاط يكون من علّة في الدماغ كانت العلّة منه ابتداء أو كانت بمشاركته لعضو آخر، إلّا أنّه يخالف بعضها بعضاً
بالعلل الفاعلة لكلّ واحد منها. فإنّ الاختلاط الذي يكون من حرارة فقط من غير خلط رديء فهو شبيه بالاختلاط الذي يكون من شرب النبيذ. والاختلاط الذي يكون من المرّة الصفراء يكون معه همّ وحزن. فإذا تزيّدت الصفراء احتراقاً حتّى تميل الى السوداء، مال الاختلاط إلى طريق الجنون. وقد ينبغي أن يكون ما لخّصناه من أمر المرّة السوداء في غير هذا الكتاب لذكرك حاضراً وهو أنّ منها ما يكون من احتراق المرّة الصفراء وهي أصعبها من جميع الوجوه، ومنها ما يكون من عكر الدم وما هو منه بمنزلة الدردي. وهذا الصنف منها أغلظ في قوامه من الصنف الأوّل وأقلّ كثيراً منه في رداءة كيفيته. وقد قلنا أيضاً إنّ هذا الصنف من السوداء الذي هو بمنزلة عكر الدم وثفله ودرديه إن استعملنا الأسماء على حقائقها، لم نسمّه مرّة سوداء لكنّا نسمّيها خلطاً سوداوياً. فأمّا على طريق الاستعارة فإنّا ربّما سمّيناه مرّة سوداء لأنّه عن قليل سيصير مرّة سوداء إن لم يبادر فيستفرغه.
قال أبقراط: نفس البكاء في الأمراض الحادّة التي معها حمّى دليل رديء.
قال جالينوس: قد يرى الصبيان كثيراً في وقت بكائهم ينقطع عليهم إدخال الهواء في النفس حتّى يقف في الصدر وقفة في وسط منه ثمّ يتمّ ما بقي عليه منه. وقد وصف أبقراط هذا النفس في كتاب أبيديميا بأن قال إنّ نفساً يتضاعف رجوعه إلى داخل كأنّه يكون استنشاقاً بعد استنشاق، وذلك ربّما كان من كلال القوّة وضعفها، وربّما كان من صلابة الآلات، وربّما كان من اجتماع الشيئين، وربّما كان من حال قريبة من التشنّج يكون في عضل الصدر. فإنّ القوّة الضعيفة إذا عجزت عن أن يتبسّط الصدر في مرّة واحدة المقدار من البسط الذي يحتاج إليه الحيوان، وقفت وقفة في حال فعلها حتّى تستريح أوّلاً، ثمّ تعود. فتكون الآلة الصلبة لا تواتي القوّة التي تبسطها بسلاسة فترتعد في انبساطها قسراً. وأمّا الحال القريبة من التشنّج
فليست بي حاجة إلى أن أصف أنّها تفعل هذا النفس. وإذا غلب البرد على عضل الصدر أو على عصبه، حدث في تلك الآلات صلابة وحركة من جنس حركة التشنّج ومن شأن الحمّى وكلّ علاج يسخن أن يبرأ تلك الحال. فإذا كان مع هذا العارض حمّى فليس يمكن أن يكون السبب فيه غلبة البرد على عضل الصدر أو عصبه، ولا يخلو عند ذلك حدوثه من أن يكون إمّا من صلابة حدثت بسبب يبس وإمّا من ضعف القوّة وإمّا من حال قريبة من التشنّج. وأيّ هذه الأسباب كان سببه فليس يحمد أن يعرض في مرض حادّ. فإن كان أبقراط إنّما عنى بقوله «نفس البكاء» هذه الحركة التي وصفنا من حركة آلات التنفّس، فقد فرغت من تفسير ما قال. وإن كان أراد به أن يكون مع هذا النفس الذي ذكره صوت شبيه بصوت الباكي، فهو يدلّ مع دلالته على الأسباب التي ذكرنا على حال موجعة مؤلّمة يكون التنفّس معها من صاحبه وهو كأنّه يأمن أو يتنفّس الصعداء أو يكون منه صوت مركّب منهما.
قال أبقراط: علل النقرس تتحرّك في الربيع وفي الخريف على الأمر الأكثر.
قال جالينوس: علل النقرس وجميع علل المفاصل أكثر ما يتزيّد في الربيع، ولذلك ذكر أبقراط فيما تقدّم من تعديده الأمراض الربيعية أوجاع المفاصل، وبيّن أنّ النقرس يدخل في عداد أوجاع المفاصل. وربّما هاجت في الخريف فيمن تجتمع فيه في الصيف في وقت الفواكه خلط رديء. وقد بيّنت في كتابي في القوى الطبيعية أنّ لكلّ واحد من الأعضاء قوى طبيعية إحداها القوّة الدافعة للشيء المؤذي. والشيء المؤذي ربّما كان أذاه من قبل أنّه يكون كثيراً فيثقل، وربّما كان أذاه بأنّ كيفيته تكون مخالفة منافرة للشيء الذي يؤذيه. فالأمراض المزمنة تهيج في الربيع فيمن كان تدبيره في الشتاء تدبيراً رديئاً من قبل هذين الوجهين جميعاً. وذلك أنّ الأخلاط تذوب في الربيع،
ثمّ تدفع على المواضع الضعيفة من المواضع التي هي أقوى منها وتهيج في الخريف لأحد السببين فقط.
قال أبقراط: الأمراض السوداوية يخاف منها أن تؤول إلى السكتة والفالج أو إلى التشنّج أو إلى الجنون أو إلى العمى.
قال جالينوس: السكتة والفالج والتشنّج والعمى قد تكون من الخلط البلغمي ومن الخلط السوداوي، لأنّ الشيء الذي يعرض منها فيهما عامّ. وأمّا أمر الجنون فليس يعمّهما. وذلك أنّ هذه العلّة لا تكون في حال من الأحوال من الخلط البلغمي، لأنّها تحتاج في تولّدها إلى أن يكون الخلط المحدث لها خلطاً مهيّجاً لذاعاً. والمرّة الصرفاء دائماً على هذه من الحال. وأمّا الخلط السوداوي فليس هو على هذه الحال دائماً، إلّا أنّه إن احترق احتراقاً كثيراً أو عفن صارت له أيضاً حدّة خبيثة.
قال أبقراط: السكتة والفالج يحدثان خاصّة لمن كان سنّه فيما بين الأربعين سنة والستّين.
قال جالينوس: ليس كلّ سكتة ولا كلّ فالج إنّما يحدث خاصّة في أصحاب السنّ التي وصفها لكنّ السكتة والفالج اللذان ذكرهما فقط وهما اللذان يحدثان من المرّة السوداء، لأنّ المرّة السوداء تغلب خاصّة على أصحاب تلك السنّ، كما تغلب وتكثر في الخريف. فأمّا على الحكم المطلق فالمشايخ الذين قد جاوزوا السنّ الذي وصف يعرض لهم السكتة والفالج أكثر. فينبغي أن يوصل هذا القول بالقول الذي تقدّم حتّى يكون صحيحاً صادقاً فيكون كأنّه قال إنّ الأمراض السوداوية يخاف منها أن تؤول إلى السكتة والفالج الذين يحدثان خاصّة بمن كان سنة فيما بين الأربعين والستّين.
قال أبقراط :إذا بدأ الثرب فهو لا محالة يعفن.
قال جالينوس: قد يظنّ بهذا الفصل لشدّة إيجازه أنّه باطل من لم يفهمه على ما ينبغي. فإنّ الذي قصد إليه فيه أبقراط هو ما أصف أنّ الثرب وهو الغشاء المبسوط على المعدة وما دونها إذا بدأ يعني إذا ظهر وخرج من الغشاء الآخر الممدود على البطن كلّه ثمّ لبث فضل لبث فليس يمكن إذا أدخل أن يبقى صحيحاً سليماً، كما قد يمكن أن يكون ذلك في غيره إذا خرج مثل الأمعاء أو الطرف من أطراف الكبد. فإنّ هذه إن لم تبق خارجاً مدّة طويلة حتّى يبرد برداً شديداً فإنّها تعود إلى مزاجها الأوّل بعد اندمال الخرق الذي كان حدث في البطن. فأمّا الثرب فإنّه وإن كان لبثه خارجاً أدنى مدّة تكون فإنّه إذا أدخل عفن، ولذلك قد يقطع الأطبّاء ما يبؤوا منه. فهذا هو معنى هذا الفصل وإن كان لم يحدّد لفظه غاية التحديد. فإن قال قائل إنّه قد يرى في حال من الأحوال الثرب قد بدأ ثمّ لم يلبث إن أدخل فلم يعفن، فهو وإن بطل دوام صحّة حكم بقراط بما حكم به في هذا فليس يبطل أنّ حكمه بما حكم به يصحّ في أكثر الحالات، ويصير يعمّ هذا الفصل أمر قد نجده في أقاويل كثيرة قالها أبقراط يدلّ
في مخرج الكلام على أنّ الحكم بما حكم به فيها يصحّ دائماً. وليس الأمر كذلك لكن قد يعرض في الندرة أن يكون الأمر على خلاف ما وصف.
قال أبقراط: من كان به وجع عرق النساء وكان وركه ينخلع ثمّ يعود فإنّه قد حدثت فيه رطوبة مخاطية.
قال جالينوس: كثيراً ما يجتمع في المفاصل كيموس بلغمي وهو الذي سمّاه رطوبة مخاطية فتبتّل به رطوبات تلك المفاصل فتسترخي، ولذلك يخرج العظم من النقرة المركّب فيها خروجاً سهلاً سريعاً ويرجع إليها أيضاً رجوعاً سهلاً. وهذا هو الأمر الذي ذكره أبقراط في هذا الفصل أنّه يعرض لمن هذه حاله من أصحاب أوجاع الورك. وينبغي أن يفهم عنه من قوله أنّ الورك ينخلع لا نفس الورك لكنّ عظم الفخذ المركّب فيه كما قال في كتاب المفاصل. أمّا مفصل الكتف فلا أعلمه ينخلع إلّا على جهة واحدة، وإنّما عنى أنّ عظم العضد المركّب في الكتف إنّما ينخلع على جهة واحدة.
قال أبقراط: من اعتراه وجع في الورك مزمن وكان وركه ينخلع فإنّ رجله كلّها تضمر وتعرج إن لم تكو.
قال جالينوس: ليس ينبغي أن يعزل هذا الفصل عن الفصل الذي قبله، لكنّه ينبغي أن يقرن به حتّى يكون قولاً واحداً، ويفهم على هذا الوجه الذي أصف، وهو أنّه يريد أن يقول إنّ صاحب وجع النساء الذي يعرض له من قبل كثرة الرطوبة البلغمية في الورك أن ينخلع فخذه ثمّ يعود إلى موضعه فرجله كلّها لا محالة على طول المدّة تضمر وتنتقص إن لم نبادر فنجفّف تلك الرطوبة بالكيّ. وقد أمر أبقراط في كتاب المفاصل أن يفعل ذلك بالعضد إذا كان ينخلع كثيراً. ومعناه فيما قاله من هذا في ذلك الكتاب وفي هذا الفصل معنى واحد. وذلك أنّه أمر في هذا الفصل بأن يكوى مفصل الورك كما خبّر في كتاب المفاصل كيما تنفذ تلك الرطوبة البلغمية وتشتدّ بالكي رخاوة الجلد في الموضع الذي يقبل ذلك المفصل إذا انخلع فتحصره وتمنعه من النقلة عن موضعه.
فإنّ مفصل الورك إذا لبث مدّة طويلة وهو منخلع من قبل كثرة الرطوبة البلغمية حدثت من قبل ذلك عرجة لا محالة. ويتبع ذلك ضرورة أن لا يغتذي الرجل على ما ينبغي فتضمر وتنتقص ، كما يعرض لسائر الأعضاء التي تعدم حركاتها الطبيعية.
تمّت المقالة السادسة من تفسير جالينوس لفصول ابقراط.
[E5] تحمد اللّه وعونه وتأييده. تتلوه في المقالة السابع قال جالينوس إنّ جميع من سبقني إلى تفسير الفصول ابتدؤوا في أوّل الأمر بتطويل.
[P1] والحمد للّه كثيراً على تعمير وإحسانه.
بسم اللّه الرحمن الرحيم توكّلت على اللّه تعالى
المقالة السابعة من تفسير جالينوس لفصول أبقراط
قال جالينوس: إنّ جميع من سبقني إلى تفسير الفصول ابتدؤوا في أوّل الأمر بتطويل فاضل عمّا يحتاج إليه ثمّ إنّهم جعلوا كلّما أمعنوا في الكتاب تراخوا ونقصوا من الكلام إلى أن اقتصروا أوّلاً على ذكر ما يحتاج إليه ثمّ قصروا دون ذلك فلم يبلغوا إلى آخر الكتاب إلّا وقد بلغ بهم الأمر في حذف ما يحتاج إليه في التفسير إلى أن لا يقفوا على أنّ بعض الفصول التي يفسّرونها ليست لأبقراط والباطل فيها صراح.
وعرض لهم ما تراه يعرض لأصحاب الجدل إذا ملّوا وكلّوا فإنّهم عند ذلك يسامحون في جميع ما يقال لهم، وكذلك أولائك المفسّرون جعلوا يقبلون كلّ فصل يجدونه مكتوباً في هذا الكتاب وبلغوا من الإيجاز والإقلال من الكلام الغاية القصوى ونسوا ما افتتحوا به تفسيرهم من التطويل والإطناب. وأمّا أنا فقد التمست الحذر والتحفّظ من جميع الوجوه التي لزم تفسيرهم بها القبح والشناعة وحرصت أن أجعل تفسيري لجميع الفصول متساوياً وقصدت فيه قصد المعاني التي تجمع الصحّة والمنفعة في هذه الصناعة وتجنّبت من الإيجاز في العبارة الغاية القصوى منه، فإنّ ذلك لا يليق بالتفسير وإنّما يليق بالقصص ومن الإطناب والتطويل ما استعمله أولائك المفسّرون في أوائل تفسيرهم. وحرصت أن ألزم منذ أوّل تفسيري إلى آخره أفضل المقادير في جميع الكلام وهو المقدار المعتدل في كلّ غرض من الأغراض.
قال أبقراط: برد الأطراف في الأمراض الحادّة دليل رديء.
قال جالينوس: أمّا في الأمراض المزمنة وخاصّة ما كان ليس معه منها حمّى في الشتاء وفي المشائخ فليس ينكر أن تبرد أطراف البدن أعني الأنف والأذنين والقدمين والكفّين. وأمّا في الأمراض الحادّة فليس البليه في ذلك يسيرة لكنّ هذا العرض فيها عرض خبيث قتّال. وذلك أنّه إنّما يلزم بسبب أورام عظيمة قوية تكون في الأحشاء. وقد قال أبقراط إنّ الأمراض الحادّة هي التي تكون الحمّى فيها في أكثر الحالات مطبقة دائمة. فإذا كانت هذه الأمراض ولم يكن معها ورم عظيم فليس أنّ الأطراف لا تبدر فقط لكنّها تلتهب وتحترق. فأمّا متى كانت حرارة الورم تبلغ من قوّتها أن تجتذب إليها بمنزلة الحجمة الدم من البدن كلّه، كانت الأحشاء من صاجب هذه الحال تلتهب وتحترق وأطرافه باردة لنقصان الدم فيها إذ كان قد خلا عنها وصار إلى الأحشاء، وأكثر أصحاب هذه الحال لا يحتمل أن يلقى عليه ثوب لما يجد في أحشائه من التلهّب والاحتراق.
قال أبقراط: إذا كانت في العظم علّة وكان لون اللحم عنها كمداً فذلك دليل رديء.
قال جالينوس: ذلك لأنّ هذا النوع من اللون ليس يكون عند الآفة اليسيرة تحدث بالعظم لكنّه إنّما يكون من عفونة قوية فتحدث عند ذلك في اللحم الذي حول العظم هذا اللون إذا خمدت وطفئت الحرارة الغريزية التي فيه.
قال أبقراط: حدوث الفواق وحمرة العينين بعد القيء دليل رديء.
قال جالينوس: إنّ حال الفواق من المعدة كحال التشنّج من العضل ويكون ما رطوبات تؤذيها، وربّما كانت تلك الرطوبات تؤذيها كلّها، وفي أكثر الأمر إنّما يكون أذاها في فمها وفي المريء. فإذا دفعت المعدة تلك الرطوبات وقذفتها بالقيء سكن عنها الفواق على المكان. فإذا ما لم يسكن ذلك عنها بالقيء دلّ ذلك على أحد أمرين إمّا على أنّ أصل العصب وهو الدماغ قد حدث فيه ورم ليس باليسير وإمّا على أنّ ذلك حدث في المعدة.
وحمرة العينين تلزم في الحالين جميعاً إلّا أنّها بأورام الدماغ الحارّة أولى.
قال أبقراط: إذا حدث بعد العرق إقشعرار فليس ذلك بدليل محمود.
قال جالينوس: قد قال أبقراط إنّ أعراض البحران إذا ما لم يكن بها بحران ربّما دلّت على الموت وربّما دلّت على أنّ البحران يعسر لأنّ الطبيعة تخور في هذه الأحوال وتنهزم من المرض.
قال أبقراط: إذا حدث بعد الجنون اختلاف الدم أو استسقاء أو حيرة فذلك دليل محمود.
قال جالينوس: أمّا اختلاف الدم والاستسقاء فلا يمكن أن يكون بهما البرء من الجنون على طريق انتقال الشيء المؤذي من الرأس إلى أسفل.
وأمّا الحيرة فيبلغ من بعدها أن يكون بها ذهاب الجنون أن يكون أولى أن تنسب إلى الزيادة فيه. وأنا أقول إنّه إن صحّ أنّ أبقراط إنّما عنى بالحيرة الجنون الدائم القوي، فقد رأينا من كان به جنون يسير فاشتدّ وقوي ودام وكان بذلك سكونه وفكّرت في أمره فوجدت أنّ السبب كان في برئه شدّة حركة تلك الأسباب التي كانت أحدثت له الجنون، كما قد نرى في الأمراض الحادّة أنّه إذا حدثت فيها أعراض قوية فكثيراً ما تجلب بحراناً محموداً.
قال أبقراط: ذهاب الشهوة في المرض المزمن والبراز الصرف دليل رديء.
قال جالينوس: ذهاب الشهوة على حدته هو دليل رديء في الأمراض المزمنة. وذلك أنّ الذي يسلم من هذه الأمراض يعرض له ضدّ ذلك أعني أنّ شهوته للطعام تكون أقوى، فذهاب الشهوة وحده ليس بدليل محمود. فإذا كان مع ذلك البراز رديئاً
فأحرى أن يكون أردأ. وعنى بالبراز الصرف الذي لا يخالطه شيء من الرطوبة المائية وإنّما يخرج فيه ذلك الداء الذي في البدن فقط كان من جنس الصفراء أو من جنس السوداء أو من جنس المرار الأخضر الذي لونه لون الكرّاث والزنجاري، فإن كلّ براز يكون على هذه من الحال فهو يدلّ على أنّ الرطوبة الطبيعية كلّها قد احترقت من حرارة الحمّى.
قال أبقراط: إذا حدث من كثرة الشرب إقشعرار واختلاط ذهن فذلك دليل رديء.
قال جالينوس: ليس يشكّ أحد أنّه إنّما عنى بكثرة الشرب شرب الشراب الكثير لا شرب الماء الكثير. وقد يعرض لقوم من ذلك اختلاط في الذهن إذا امتلأ الرأس دماً وريحاً حارّين. ولذلك توجد الحرارة فيهم أكثر وبخاصّة في الرأس، ويوجد أيضاً البدن كلّه على شبيه بذلك. ولا يكاد يعرض مع اختلاط الذهن الإقشعرار والبرد إلّا لقليل من أصحاب هذه الحال، والذين يعرض لهم ذلك هم الذين لا تشتغل حرارتهم الغريزية من الشراب،
لكنّها تخمد وتطفأ من قبل كثرته عليها، كما يعرض للنار إذا ألقي عليها حطب كثير وللسراج إذا صبّ فيه زيت كثير دفعة.
قال أبقراط: إذا انفجر خراج إلى داخل حدث عن ذلك سقوط قوّة وقيء وذبول نفس.
قال جالينوس: يعني بالخراج الدبيلة ومن عادته أيضاً أن يسمّيه في مواضع كثيرة تقيّحاً، وعنى بانفجاره إلى داخل انفجاره إلى المعدة. فإنّه إنّما يكون القيء إذا كان انفجاره إليها. فأمّا انفجار المدّة إلى الصدر والرئة فليس يحدث قيئاً، لكنّه يحدث ضرورة سعالاً، وربّما أحدث اختناقاً، وانفجار الدبيلة إلى الأمعاء يحدث اختلاف المدّة. ويعمّ كلّ انفجار سقوط القوّة وذبول النفس والغشي بخروج الروح الحيواني، كما بيّنت في غير هذا الموضع.
قال أبقراط: إذا حدث بعد سيلان الدم اختلاط في الذهن أو تشنّج فذلك دليل رديء.
قال جالينوس: هذا الفصل ينفعنا منفعة عظيمة في أن نصدق أنّه قد يكون اختلاط الذهن من النقصان ومن الخواء على الطريق الذي يعرض له الرعدة لليدين والرجلين. فإنّ اليدين والرجلين تعدمان في تلك الحال الثبات والتمكّن في حركتهما لضعف القوّة المحرّكة لهما، والدماغ أيضاً تضطرب حركاته على ذلك الطريق. ولذلك ليس يكون في حال من الأحوال هذا النوع من الاختلاط قوياً، لكنّه يكون ضعيفاً شبيهاً بالهذيان، فإنّ من عادة أبقراط أن يسمّي اختلاط الذهن الضعيف هذياناً. فإن اجتمع مع هذا الاختلاط تشنّج فليس يبرأ صاحبها بتّة. وفي بعض النسخ يوجد «اختلاط في الذهن وتشنّج»، وفي بعضها «اختلاط في الذهن أو تشنّج»، والمعنى على حسب ما في هذه النسخة أنّ اختلاط الذهن من بعد سيلان الدم ليس هو بدليل محمود، وإن كان وحده. وأكثر منه في الرداءة كثيراً التشنّج، وإن كان ليس معه اختلاط الذهن، والبلية العظمى
إذا اجتمعا جميعاً، إذ كان التشنّج وحده الذي يكون بسبب استفراغ مفرط رديئاً جدّاً قتّالاً. وأمّا اختلاط الذهن فهو أقلّ رداءة منه.
قال أبقراط: إذا حدث عن القولنج المستعاذ منه قيء أو فواق واختلاط ذهن وتشنّج فذلك دليل سوء.
قال جالينوس: في هذا الصنف من القولنج لا ينحدر شيء من أسفل بتّة وهذه هي خاصّة هذه العلّة اللازمة لها التي لا تفارقها. وأمّا القيء فليس هو ممّا هو لازم لها دائماً، لكنّه يحدث إذا أشرف صاحبها على الهلاك. وإن تزيّد به التهوّع تقيّأ الرجيع وأصابه فواق. ومن أصحاب هذه العلّة من يعرض له التشنّج واختلاط الذهن بمشاركة أصل العصب وهو الدماغ للمعدة في العلّة. وذلك يعرض فيما أحسب من قبل أنّ الأمعاء التي حدثت فيها الآفة تشتاق إلى دفع البراز إذا أذاها بطول لبثه فيها فإذا لم يقدر على دفعه إلى أسفل لانسداد الطريق إلى تلك الجهة اضطرّت إلى
أن تتحرّك بخلاف طبعها حركة مستكرهة إلى فوق فتقذف ما يؤذيها إلى ما هناك.
قال أبقراط: إذا حدثت عن ذات الجنب ذات الرئة فذلك دليل رديء.
قال جالينوس: أمّا في أكثر النسخ فيوجد هذا الفصل على ما وصفته. وقد يوجد في بعض النسخ مبتوراً على هذا المثال «من بعد ذات الجنب ذات الرئة» من غير أن يلحق فيه أنّه «دليل رديء»، ومن يكتبه على هذه النسخة يريد أنّه لم يقصد بهذا الفصل لأن يخبّر فيه أنّ ذات الرئة إذا حدثت بعد ذات الجنب فهي دليل رديء أو جيّد، وإنّما قصد به إلى هذا فقط أنّ من شأن ذات الجنب أن تنتقل إلى ذات الرئة وأنّ ذات الرئة تحدث عن ذات الجنب. وبيّن أن يقال إنّ علّة كذا تنتقل إلى علّة كذا وبيّن أن يقال إنّ علّة كذا تحدث عنها أو تتبعها علّة كذا فرق وهو أنّه إنّما يقال إنّ علّة كذا تنتقل إلى علّة كذا إذا كانت العلّة الأولى تسكن وتحدث مكانها الأخرى وإنّما يقال إنّ علّة كذا تحدث بعد علّة كذا أو تتبعها إذا كانت العلّة الأولى باقية وحدثت معها الأخرى. ونرى أنّ أبقراط إنّما قصده في هذا الموضع من كتابه قصد الأمراض التي يحدث بعضها عن بعض ويتبع بعضها بعضاً وتلك الأمراض لا محالة أمراض رديئة.
فيجب وإن لم نجده قد ألحق في الشيء الذي يذكر منها أنّه رديء أن يفهم ذلك إمّا من حقّ اللفظ أن يفهم في الشيء ما قيل في نظيره وإمّا من حقّ المعنى إذا كان يوجبه. وذلك أنّه لا يحدث مرض عن مرض وذلك المرض الذي حدث عنه لا يسير ولا سليم، لكنّه لا محالة عظيم خبيث. مثال ذلك الأمراض التي ذكرت في هذا الفصل إذا ما لم يسع الخلط المحدث لذات الجنب موضعه من الأضلاع حتّى يفيض منه شيء إلى الرئة. فأمّا ذات الرئة فليس يكاد يتبعها ذات الجنب لأنّه إن كانت ذات الرئة يسيرة سليمة خرج جميع ذلك الخلط المحدث لها بما يقذف مع السعال. وإن كانت صعبة قتّالة خنقت صاحبها قبل أن تشارك الأضلاع الرئة في علّتها.
قال أبقراط: وعن ذات الرئة البرسام.
قال جالينوس: إذا كانت ذات الرئة من خلط حارّ ارتفع منه إلى الرأس بخار كثير فيملأ ذلك البخار الدماغ ويحدث البرسام.
وأمّا سائر أمر هذا الفصل فعامّ مشترك بينه وبين الفصل الذي قبله وكذلك الأمر في سائر الفصول التي تأتي بعده.
قال أبقراط: وعن الاحتراق الشديد التشنّج أو التمدّد.
قال جالينوس: أمّا أكثر المفسّرين فهكذا يعرف هذا الفصل يكتب. وأمّا ماريس فجعل مكان «الاحتراق الشديد» «الجراحة الشديدة». وقال إنّه قد يشهد على صحّة نسخته الفصل الذي يأتي بعد هذا. والقول بأنّه يلحق الجراحة الشديدة ورم وتشنّج حقّ، لكن لمّا كان جميع المفسّرين إلّا الخطأ وخاصّة القدماء منهم إنّما يعرف النسخة التي فيها «الاحتراق الشديد» فالأجود أن نفسّر أيضاً نحن هذا الفصل على تلك النسخة. وقد فهم قوم أنّه يعني بالاحتراق الحمّى. وفهم قوم أنّه يعنى به شدّة حرّ الهواء وفهم قوم أنّه يعني به الكي وكلّهم محقّ. وذلك أنّ التشنّج يحدث عن جميع هذه الأشياء وليس يؤول أمره إذا حدث عنها إلى خير.
وذلك أنّ التشنّج والتمدّد الذي يحدث عن هذه الأسباب إنّما يكون من قبل يبس العصب، وقد بيّنّا أنّ هذا هو أصعب التشنّج وأردأه.
قال أبقراط: وعن الضربة على الرأس البهتة واختلاط الذهن رديء.
قال جالينوس: أمّا اختلاط الذهن فيعرف من أن يكون صاحبه يتكلّم ويفعل ما لا معنى له. وأمّا البهتة فهي إذا كان صاحبها لا يتكلّم بشيء ولا يعقل شيئاً لكنّه يبقى مفتوح العينين ساكتاً بمنزلة من قد أصابته خنقة من فزعه. وليس يشكّ أنّ جميع هذه الأشياء إنّما تكون إذا حدثت بالدماغ علّة. فقد بيّنّا أنّ قوّة النفس التي بها يكون التدبير إنّما هي في الدماغ. فإن كان في آخر هذا الفصل بعد قوله «واختلاط الذهن» قد ألحق «رديء» فالقول صواب مستقيم. وذلك أنّ هذه الأعراض تدلّ أنّ الضربة قد وصلت إلى داخل أعني إلى نفس الدماغ. وإن لم يكن ذلك ملحقاً فقد يمكن أن يفهمه كما قلنا فيما تقدّم إمّا من حقّ الألفاظ وهو أن يضيف إلى الشيء ما قيل في نظيره
وإمّا من حقّ المعنى من قبل أنّ هذه الأعراض التي ذكر تدلّ على أنّه قد حدثت في الدماغ آفة فيجب من ذلك أن يتوهّم أنّ البلية عظيمة.
قال أبقراط: وعن نفث الدم نفث المدّة.
قال جالينوس: قد يدلّك أيضاً هذا الفصل على أنّ هذا التعديد كلّه من أبقراط إنّما هو تعديد الأعراض والعلل التي تحدث عن علل أخر التي كتب فيها فركساغورس كتاباً مفرداً بأسره ليس بالصغير. وذلك من قبل أنّه ليس كلّ نفث دم يلحقه نفث مدّة، لكنّه إنّما يلحق ذلك ما كان من نفث الدم خبيثاً، ولذلك نفث الدم الذي يكون من الرئة في أكثر الحالات هو على هذه من الحال.
قال أبقراط: وعن نفث المدّة السلّ والسيلان فإذا احتبس البزاق مات صاحب هذه العلّة.
قال جالينوس: إنّ أبقراط يعني بالسلّ هزال البدن كلّه الذي لا يبرأ الكائن مع حمّى دقيقة بسبب قرحة في الرئة. وأمّا قوله «السيلان» فإمّا أن يكون عنى به تساقط الشعر وانتثاره إذ كان اليونانيون قد يستعملون اسم السيلان وهم يريدون به الانتثار وإمّا أن يكون عنى به رقّة البراز وانطلاقه، فإنّ هذين الأمرين جميعاً إنّما يحدثان بصاحب السلّ إذا أشفى، والأوّل يحدث من اليبس والثاني من ضعف القوّة. وأمّا قوله في آخر هذا الفصل «فإذا احتبس البزاق مات صاحب هذه العلّة» فأراد به أن يدلّ على الوجه الذي يكون به موت صاحب السلّ. وذلك أنّه لا يزال باقياً وهو يزداد هزالاً ما دام يقدر أن يسعل وينفث فينقى بما ينفث رئته. فإذا ضعف عن ذلك بقي ذلك الذي كان ينفثه داخلاً فسدّ مجاري النفس واختنق المريض فمات.
قال أبقراط: وعن ورم الكبد الفواق.
قال جالينوس: قد قلت فيما تقدّم إنّ هذه الفصول كلّها التي تتلو بعضها بعضاً إنّما تخبّر عن الأعراض التي تحدث عن الأمراض وتلحقها إذا تزيّدت عظم رداءة. وعلى هذا الطريق قيل في هذا الفصل إنّ الفواق يحدث عن ورم الكبد، وليس يحدث عنه دائماً ولا كيف كانت حاله، لكن إذا كان ورماً عظيماً قوي الحرارة حتّى يشارك الكبد في علّتها منه فم المعدة وما فوقه، وذلك ربّما كان من طريق مشاركة الكبد في المعدة للعصب، وقد خبّر أبقراط في المقالة الثانية من كتاب أبيديميا أنّ ذلك العصب دقيق جدًّا. ولذلك لا تشارك المعدة الكبد في علّتها إلّا إذا كان ورم الكبد من العظم والرداءة على أشدّ ما يكون. ويكون ذلك أيضاً من قبل أنّه يتولّد في الكبد عند حدوث الورم الحارّ فيها مرار قوي الحرارة ثمّ ينصبّ إلى أوّل الأمعاء، فإذا تراقى ذلك المرار فصار في المعدة حدث فيها منه لذع وعرض في فمها منه الفواق. وقد ظنّ قوم أنّ عظم ورم الكبد يضغط المعدة
فيحدث الفواق إذ كانت الريح لا تجد فيها عند ذلك في قولهم منفذاً.
قال أبقراط: وعن السهر التشنّج واختلاط الذهن.
قال جالينوس: قد يلحق قوم في آخر هذا الفصل أيضاً اللفظة التي ألحقت في غيره وهي «رديء». وقد قلنا فيما تقدّم إنّ هذه اللفظة وإن لم تلحق فهي محصورة في المعنى. ومن كان ذاكراً لما تقدّم فالسبب عنده الذي من قبله يلحق السهر المفرط تشنّج واختلاط ذهن بيّن. وذلك أنّ التشنّج قد قال فيه أبقراط إنّه يكون من الامتلاء ومن الاستفراغ. والسهر من أبلغ الأسباب في الاستفراغ والجفوف، ولذلك يحدث التشنّج الذي يكون من اليبس. فأمّا اختلاط الذهن فيحدث عن السهر من طريق إفراط اليبس ، ومع ذلك أيضاً فمن قبل أنّ الدم عند السهر الطويل يحتدّ ويميل إلى طبيعة المرار. وقد نجد في بعض النسخ وهي أصحّها هذا الفصل
ليس فيه ذكر اختلاط الذهن لكنّه يكتب على هذا المثال «وعن السهر التشنّج» لأنّ أبقراط فيما أحسب إنّما قصده أن يخبّر بأردأ الأعراض التي تحدث عن الأمراض.
قال أبقراط: وعن انكشاف العظم الورم الذي يدعى الحمرة.
قال جالينوس: ينبغي أن يفهم في هذا القول خاصّة أنّ الحادث الذي وصفه رديء. وذلك أنّه ليس يعني بهذا القول أنّه يحدث عن انكشاف العظم الورم الذي يدعى الحمرة دائماً أو في أكثر الأمر، لأنّ الحقّ ضدّ هذا وهو أنّه إنّما يحدث الورم الذي يدعى الحمرة عن انكشاف العظم في الندرة. وإنّما يعني به أنّه إذا انكشف العظم فرأيت اللحم الذي حوله قد حدث فيه الورم الذي يدعى الحمرة فذلك عرض رديء.
قال أبقراط: وعن الورم الذي يدعى الحمرة العفونة والتقيّح.
قال جالينوس: إنّ الأمر بيّن في هذا القول أيضاً أنّ هذه الأعراض إنّما تحدث عن الورم الذي يدعى الحمرة إذا كان خبيثاً.
قال أبقراط: وعن الضربان الشديد في القروح انفجار الدم.
قال جالينوس: إنّ الضربان إنّما يكون في القروح التي معها ورم حارّ لأنّ اللحم المحيط بالعروق لا تحتمل حركتها لكنّه يناله مصادمتها إياه إذا انبسطت وجع. فإنّ الضربان إنّما هو حسّ مؤلم يحدث من حركة العروق الضوارب وليس يحسّ بنبض العروق ما دامت الأعضاء بحالها الطبيعية، لأنّ ملاقاة العروق لما حولها في تلك الحال لا يكون معها أذى ولسعة المكان الذي تتحرّك فيه العروق في تلك الحال. فإذا حدث في تلك الأعضاء ورم حارّ كان الضيق ووجع الورم يحدثان حسًّا مؤذياً للعليل من حركة العروق، وذلك هو الذي يسمّيه جميع الناس فضلاً عن الأطبّاء الضربان. ويشبه أن تكون هذه الحركة أعني حركة العروق الضوارب تتزيّد في هذه الحال.
فقد بيّنت في كتابي في القوى الطبيعية أنّ إحدى تلك القوى هي القوّة الدافعة للأشياء المؤذية وهي التي تفعل العرق الذي يكون به البحران وانفجار الدم وانطلاق البطن وغير ذلك ممّا أشبهه. فإذا كان فعل الطبيعة في وقت من الأوقات بتلك القوى أشدّ وأقوى جعلت حركة العروق عظيمة مستكرهة لتشوّقها لدفع الأشياء المؤذية وعلى هذا الطريق تحدث انفجار الدم.
قال أبقراط: وعن الوجع المزمن فيما يلي المعدة التقيّح.
قال جالينوس: ذلك لأنّه إن كان السبب في الوجع إنّما هو برد أو بالجملة مزاج مختلف في المعدة أو كان ريحاً غليظة أو حدّة ملذعة فلا يمكن أن يلبث شيء من هذه الأسباب زماناً طويلاً إذا دبّر المريض بكلّ ما يحتاج إليه على ما ينبغي. فإنّه لا بدّ من أن يفهم هذا موصولاً بجميع أشباه هذه من الأقاويل.
فبقي أن يكون الوجع المزمن إنّما هو من ورم. وذلك أنّ الورم سيقيّح على طول المدّة إن لم يمت المريض قبل ذلك. فإنّ هذا أيضاً ممّا ينبغي أن يفهم موصولاً بجميع أشباه هذه من الأقاويل.
قال أبقراط: وعن البراز الصرف اختلاف الدم.
قال جالينوس: قد قلت إنّ أبقراط يعني بالبراز الصرف ما ليس تخالطه منه رطوبة مائية وليس فيه شيء سوى الخلط الذي ينحدر وحده محضاً كان ذلك الخلط مرّة صفراء أو كان مرّة سوداء. فليس يعجب أن يحدث عن هذا البراز تأكّل في بعض الأمعاء فتكون منه قرحة يعرض بسببها اختلاف الدم.
قال أبقراط: وعن قطع العظم اختلاط الذهن إن نال الخالي.
قال جالينوس: إنّ قول أبقراط هذا إنّما هو في قحف الرأس إذا انقطع وليس كلّ قطع مطلق لكنّ القطع الذي ينفذ فيه حتّى يبلغ إلى سطحه الداخل الذي يفضي إلى الموضع الخالي الذي يحوي الدماغ فإنّه إذا كان القطع كذلك حدث منه اختلاط الذهن. وذلك أنّ العلّة تقرب من غشاء الدماغ ومن نفس الدماغ. فأمّا مارينس فلا أدري ما دعاه إلى أن كان يقطع قول أبقراط «وعن قطع العظم اختلاط الذهن» ويقرأه على حدته، ثمّ يجعل «إن نال الخالي» ابتداء فصل ثان آخر ويلحق به قوله «التشنّج من شرب الدواء مميت»، حتّى يكون الفصل الثاني كلّه على هذا المثال «إن نال الخالي التشنّج من شرب الدواء فهو مميت». وقال إنّ هذا القول قيل بالواجب. وذلك أنّ أبقراط يذمّ دائماً التشنّج الذي يكون من الاستفراغ. وقد أحسن مارينس في هذا القول أعني قوله إنّ التشنّج الذي يكون من الاستفراغ المفرط رديء مهلك. فإنّ بهذا الطريق صار التشنّج الحادث من شرب الدواء رديئاً مهلكاً، لكنّه لم يشعر أنّه قد جعل القول الأوّل قولاً باطلاً. وذلك أنّ قول من قال إنّ قطع العظم يحدث اختلاط الذهن كذب صراح. وذلك أنّه ليس يلحق قطع العظم
لا في الرأس ولا في غيره من الأعضاء اختلاط الذهن دون أن تصل الآفة إلى أغشية الدماغ.
قال أبقراط: التشنّج من شرب الدواء هو مميت.
قال جالينوس: قد قلت فيما تقدّم إنّ من عادة أبقراط إذا أطلق اسم الدواء أن يريد به خاصّة الدواء المسهل أو المقيء. وليس يجهل من كان ذاكراً لما تقدّم من قولنا مراراً كثيرة أنّ التشنّج الذي يحدث عن هذه الأدوية إذا استفرغت استفراغاً مفرطاً خبيث مهلك.
قال أبقراط: برد الأطراف عن الوجع الشديد فيما يلي المعدة رديء.
قال جالينوس: قد يكون برد الأطراف كما قلت فيما تقدّم من الورم العظيم الحادث في الأحشاء.
ويكون أيضاً من ذبول النفس والغشي إمّا من قبل خمود الحرارة الغريزية وانطفائها وإمّا من قبل انغمارها واختناقها بسبب كثرة المادّة عليها وخاصّة إذا كانت المادّة باردة. ويكون أيضاً من وجع شديد في الجوف تنقبض بسببه الطبيعة إلى نفسها ويتبعها الدم فيتخّلى عن الجلد كلّه فضلاً عن أطراف البدن مثل القدمين والكفّين والرأس. فذكر أبقراط في هذا القول إنّما هو بسبب جزئي من أسباب برد الأطراف كما قد بيّنّا أنّه يذكر أشياء كثيرة على هذا الوجه في أقاويل كثيرة، وليس يعجب أن يكون المبتدء لاستخراج أشياء كثيرة لا لجمع تلخيصها وتقسيمها في موضع واحد لكن يذكر كلّ واحد منها على حدته.
قال أبقراط: إذا حدث بالحامل زحير كان سبباً لأن تسقط.
قال جالينوس: الزحير هو علّة تحدث في المعاء المستقيم الذي يقال له في بعض الحيوان المبعر وطبيعته والسبب الفاعل له هما الطبيعة والسبب اللذي لاختلاف الدم من قبل القرحة العارضة فيما فوق هذا الموضع من الأمعاء. واسمه مشتقّ من التزحّر الذي يعرض فيه الذي بسببه لشدّة ما يحدث عليه من طلب البراز يقوم صاحبه قياماً متواتراً. ومن قبل هذا التزحّر وكثرة العناء والاختلاف ينال البدن كلّه منه تعب وخاصّة الرحم لاتّصالها بذلك المعاء. وما هو بعجب أن تسقط المرأة بسبب الزحير الشديد الدائم إذ كانت قد تسقط عند سائر جميع الحركات الشديدة وعند سائر جميع الأوجاع المقلقة.
قال أبقراط: إذا انقطع شيء من العظم أو من الغضروف لم ينم.
قال جالينوس: قد دخل معنى هذا الفصل في فصل قد مرّ، وهو الذي قال فيه «متى انقطع عظم أو غضروف أو عصبة أو الموضع الرقيق من اللحي أو القلقة لم ينم ولم يلتحم»، وفسّرناه في مقالة السادسة.
قال أبقراط: إذا حدث بمن قد غلب عليه البلغم الأبيض اختلاف قوي انحلّ عنه به مرضه.
قال جالينوس: إنّ من عادة أبقراط وسائر الأطبّاء أن يسمّوا صنفاً من أصناف الاستسقاء البلغم الأبيض وهو الذي يسمّى الاستسقاء اللحمي وإنّما يسمّى البلغم الأبيض إمّا لأنّه قد يكون من البلغم ما هو كمد اللون وإمّا لأنّ البلغم في طبيعته أبداً أبيض، وإنّما يتغيّر لونه حقيقة البياض لمخالطة بعض الأخلاط الأخر له. وقد يمكن أيضاً أن لا يكون أراد باستثنائه الأبيض تفرقته من غيره لكنّ الدلالة على الشيء الذي هو له موجود، كما قال في كتاب المفاصل فقار الصلب لا لأنّ في البدن فقاراً في غير الصلب فأراد أن يفصلها منها
لكن أراد أن يدلّ على موضعها. وأمّا برء من غلب عليه البلغم الأبيض بالاختلاف القوي الدائم فقد نجد في بعض النسخ «القوي» وفي بعضها «الدائم المزمن» قد أدخل في جملة نعته وأشياء كثيرة قد قيلت على هذا الوجه.
قال أبقراط: من كان به اختلاف فكان ما يختلف زبدياً فقد يكون سبب اختلافه شيئاً ينحدر من رأسه.
قال جالينوس: لم يلخّص هذا المعنى ويحدّده. وذلك أنّه قد يكون الشيء الذي يختلف زبدياً إذا كانت تنحدر من الرأس إلى المعدة رطوبة تخالطها ريح، ويكون أن تنصبّ تلك الرطوبة إلى المعدة من العروق التي تنتهي إليها. ويجوز أن يكون تولّد تلك الرطوبة في نفس المعدة والأمعاء، وكيف كان خروج هذا البراز وتولّده والسبب المقوم له الذي لا يكون إلّا به هو واحد. وأمّا الأسباب المتقدّمة لذلك فشتّى. والسبب المقوم لهذا البراز هو ريح غليظة تتحرّك في وقت مخالطتها للرطوبة
وقد يقذف الدم الزبدي في بعض الحالات أصحاب ذات الجنب، وأقلّ منهم أصحاب ذات الرئة. وإنّما يكون ذلك فيما أحسب إذا كانت في تلك المواضع التي فيها العلّة حرارة مفرطة نارية. وإن كان ما ينحدر من الرأس إلى أسفل إنّما يكون انحداره إلى قصب الرئة ثمّ ينفذ منها إلى أسفل كما قال قوم، فهو يحتاج أوّلاً أن يصير إلى بطون القلب ثمّ لا يخلو بعد ذلك من أحد أمرين إمّا أن ينفذ في العرق المعروف بالأجوف أوّلاً ثمّ إلى حدبة الكبد ثمّ ينفذ منها إلى باطن الكبد ثمّ ينفذ في العروق المعروفة بالباب إلى استدارات الأمعاء وإمّا أن ينفذ أوّلاً في العرق العظيم ثمّ يصير منه إلى العرق الذي ينبث في الجداول. فكيف يمكن أن يبقى زبدياً وهو قد خالط الدم ونفذ معه في هذه العروق كلّها.
قال أبقراط: من كانت به حمّى فكان يرسب في بوله ثفل شبيه بالسويق الجريش فذلك يدلّ على أنّ مرضه طويل.
قال جالينوس: هذا القول أيضاً إنّ حدد كان قولاً حقًّا تشهد على صحّته التجربة. وذلك أنّ البول الذي يرى فيه شيء شبيه بالسويق الجريش قد يدلّ على الهلاك كما قد قيل في كتاب تقدمة المعرفة وأكثر من يرى هذا في بوله يموت قبل أن يطول مرضه. فأمّا الذين يسلمون ممّن يرى هذا في أبوالهم فكلّهم يطول مرضهم، لأنّ المرض الذي يرى فيه هذا البول يحتاج إلى نضج كثير. وقد وصفنا في كتاب البحران أمر جميع الأبوال بصفة شافية. وقد ذكر أبقراط في كتاب أبيديميا عدّة مرضى ظهر في بولهم هذا الثفل بعضهم مات سريعاً وبعضهم سلم بعد أن طال مرضه. ويكفى أن نذكر منهم مريضين أحدهما ذكره في المقالة الأولى من بعد ذكره للحالات الثلاث من حالات الهواء وهو المريض الثاني واسمه سيلينس ووصف حاله فقال «بال بولاً كثيراً دفعة إلى الغلظ ما هو إذا حرّك رئي فيه ثفل شبيه بجريش السويق أبيض وكانت أطرافه أيضاً بعد باردة ومات في اليوم الحادي عشر»، والآخر ذكره في المقالة الثالثة من ذلك الكتاب وهو المريض الثالث افتتح صفته لحاله بأن قال «المريض الذي كان ملقى في مبقلة ذا القسّ». ثمّ قال بعد قليل «وبال بولاً رقيقاً مختلفاً فيه أشياء معلّقة صغار بمنزلة جريش السويق.
ثمّ قال في هذا إنّه أتاه البحران في يوم الأربعين. فقد تبيّن من هذين المثالين أيضاً أنّ من يسلم ممّن يبول البول الذي فيه هذا الثفل الشبيه بالسويق يطول مرضه. وأمّا من يعطب ممّن بال هذا البول فقد يمكن أن يسرع إليه الموت.
قال أبقراط: إذا كان الغالب على الثفل الذي في البول المرار وكان أعلاه رقيقاً دلّ على أنّ المرض حادّ.
قال جالينوس: كلّما كان المرار عليه غالباً فهو يدلّ على أنّ المرض حادّ. فقد قلنا إنّ اسم المرار إذا قيل مطلقاً فإنّما من عادة الأطبّاء أن يعنوا به المرار الأصفر. فأمّا المرار الأسود فليس يفردونه باسم المرار كما يفردون الأصفر لكنّهم يلحقون مع اسمه زيادة دائماً فيقولون مرار أسود. فأمّا قوله «أعلاه رقيق» فعنى به رقيقاً مائياً. وكذلك من عادة أبقراط أن يستعمل هذه اللفظة، وقد توهّم قوم قوله هذا أنّه ليس بصواب. وذلك أنّ البول الرقيق غير نضيج ويدلّ من المرض على طول.
وأنا أيضاً لم أر بولاً قطّ فيه ثفل يغلب عليه المرار والشيء الطافي فوقه رقيق مائي. فما أبعد عندي قوم من المفسّرين قالوا إنّ قوله في هذا الموضع «أعلى» لم يرد به أعلى في المكان وإنّما أراد به أعلى في الزمان كما لو قال إنّ ثفل البول إذا كان في أوّل الأمر رقيقاً ثمّ غلب عليه بعد المرار دلّ على أنّ المرض حادّ.
قال حنين: إنّ اللفظة التي يسمّي بها أبقراط الرقيق في هذا الفصل يحتمل أن يكون معناها الرقيق في القوام ويحتمل أن يكون معناها الرقيق في الشكل فقد يجوز على هذا القياس عندي أن يكون أبقراط أراد بقوله «أعلاه رقيق» أي ينخرط أعلاه ويميل إلى الرقّة لأنّ الثفل الراسب في البول إذا كان غليظاً ثقيلاً نيًّا كان سطحه الأعلى شبيهاً بالمسطّح وإذا كان رقيقاً خفيفاً نضيجاً كان أعلاه منخرط وينقلب، وممّا يقوى هذا المعنى أنّ أبقراط إنّما نسب الرقّة إلى أعلى الثفل ولم ينسبها إلى ما فوقه، وقد كان قادراً أن يقول مكان ما قال أعلاه ما فوقه.
قال أبقراط: من كان بوله متشتّتاً فذلك يدلّ على أنّ في بدنه اضطراباً قوياً.
قال جالينوس: إن فهمنا من قوله «متشتتاً» حقيقة ما تدلّ عليه هذه اللفظة، كان المعنى محالاً. وذلك أنّ البول متّصل دائماً لا يتوسّط بين أجزائه في حال من الأحوال موضع خال. وإن فهمنا من قوله «متشتتاً» أي مختلف الأجزاء، فبالواجب قال إنّ هذا البول يدلّ على اضطراب شديد قوي.
وذلك أنّ الطبيعة إذا غلبت واستولت كانت الأجزاء كلّها مستوية، وإذا كانت أسباب المرض تقاومها وتعاندها كانت منظرة الشيء الذي تستولي عليه وتنضجه غير منظرة الشيء الذي لم تستول عليه وهو مقاوم منافر لها. وإذا كانت هذه الأجزاء أكثر دلّت على أنّ اختلاف البول والسبب الفاعل له وهو الاضطراب أكثر.
قال أبقراط: من كان فوق بوله عبب دلّ على أنّ علّته في الكلى وأنذر منها بطول.
قال جالينوس: إنّ العبب إنّما يكون إذا امتدّت رطوبة حول ريح غليظة. وأحرى أن يعرض ذلك إذا كان مع تلك الرطوبة شيء من اللزوجة. وعند ذلك يكون العبب أطول لبثاً وأعسر انحلالاً. وإذا خرجت مع البول ريح غليظة فذلك دليل على أنّ في الكلى مرضاً بارداً، لأنّ المرض البارد هو الذي يجمع الريح الغليظة ولذلك قال إنّ هذه العلامة تنذر من المرض بطول،
لأنّ كلّ مرض بارد فهو عسر الانحلال وعسر النضج ولذلك هو مزمن. وقد قال قوم إنّ البول إذا كان حادّاً فتح بحدّته أفواه العروق الضوارب التي في الكلى فخرج شيء من الروح الذي فيها، فإذا خرج ذلك الروح مع البول أحدث العبب.
قال أبقراط: ومن رئي فوق بوله دسم جملة دلّ ذلك على أنّ في كلاه علّة حادّة.
قال جالينوس: متى كان البراز أو البول دسماً فذلك إنّما يكون من ذوبان الشحم وما هو بأولى أن يكون من شحم الكلى من أن يكون من الشحم الذي في البدن كلّه. ولذلك ليس هذا الدليل على هذا القياس دليلاً خاصًّا للكلى، لكنّه دليل عامّ لكلّ شحم يذوب من حرارة نارية. فينبغي أن يفهم المعنى على أحد وجهين إمّا على أنّه قد اتّفق أنّ العلّة في الكلى وإنّما قصد أبقراط في هذا الكلام لا أن يستدلّ ويتقدّم فيعلم من أمر هذه العلّة جنسها لكنّ حدّتها،
ولا يكون قليلاً قليلاً، لكنّه يجيء كلّه جملة دفعة ولذلك يدلّ على أنّ العلّة في الكلى خاصّة. وقد نجد التجربة تشهد على صحّة هذا إن تدبّرته واستقصيت أمره. وهذا الفصل قد يوجد مختلفاً في النسخ فيوجد في بعضها «ومن رئي فوق بوله دسم» وفي بعضها «من رئي في أسفل بوله دسم»، وأنا أقول إنّ النسخة الأولى أصحّ النسختين. وذلك لأنّ الشيء الدسم إنّما من شأنه أن يطفو فوقه دائماً لا أن يرسب. وهذه النسخة أيضاً أحرى بأن تكون موافقة لما ذكره في الفصل الذي قبل هذا. فإنّ أبقراط قال فيه «من كان فوق بوله عبب دلّ ذلك على أنّ علّته في الكلى وأندر منها بطول». فالذي يتبع هذا أو يتّصل به أن يقول «ومن رئي فوق بوله دسم جملة دلّ ذلك على أنّ في كلاه علّة حادّة».
قال أبقراط: من كانت به علّة في كلاه وعرضت له هذه الأعراض التي تقدّم ذكرها وحدث به وجع في عضل صلبه
فإنّه إن كان ذلك الوجع في المواضع الخارجة فتوقّع خراجاً يخرج به من خارج، وإن كان ذلك الوجع في المواضع الداخلة فأحرى أن تكون الدبيلة من داخل.
قال جالينوس: أمّا في الفصلين الذين قبل هذا فوصف أبقراط دليلين يستدلّ بهما على علل الكلى. وأمّا في هذا الفصل فوصف من أمر من لا شكّ أنّ به علّة في الكلى منذ مدّة طويلة أن قال إنّه إن اجتمع مع العلامات التي تقدّم ذكرها وجع في عضل الصلب دلّ ذلك على أنّه سيحدث به في ذلك الموضع خراج. وهذا العضل جنسان أحدهما من خلف من تحت الجلد يحيط من الجانبين بالصلب كلّه والآخر من قدّام وليس هو ممدود على باطن الصلب كلّه لكنّه منه على الخمس الخرز السفلية. ففي أيّ هذين الجنسين من هذا العضل حدث الوجع فتوقّع حدوث الخراج فيما يليه. ولم يلخّص هل يكون حدوث الخراج في نفس الكلى أم في العضل
أم فيهما جميعاً. وأمّا التجربة فقد تدلّ على أنّ جميع هذه الأحوال قد تكون. وذلك أنّه ربّما حدث الخراج في العضل وحده إمّا الذي من داخل من باطن الصلب وإمّا الذي من خارج من ظاهره وربّما حدث في الكلى دون العضل وإذا كان ذلك فربّما كان الخراج إلى خارج أميل وربّما كان إلى داخل أميل.
قال أبقراط: الدم الذي يتقيّأ من غير حمّى سليم وينبغي أن يعالج صاحبه بالأشياء القابضة والدم الذي يتقيّأ مع حمّى رديء.
قال جالينوس: إنّ الشيء الذي يتقيّأ إنّما يقال بالحقيقة في الشيء الذي يخرج من المريء والمعدة. وأمّا الشيء الذي يرتفع من الرئة وقصبتها فإنّما يقال فيه إنّه ينبفث بالسعال. وقد قال قوم ممّن فسّر هذا الكتاب إنّه إنّما قيل في هذا الموضع «يتقيّأ» على الاستعارة وعنى به ما يقذف من الرئة وقصبتها على أنّه ليس يصحّ أنّ هذه العلّة تكون سليمة أي يمكن أن تبرأ
متى لم تكن معها حمّى. وذلك أنّه وإن قذف قاذف من رئته دماً من غير حمّى فليس يؤمن عليه على حال أن لا يبرأ، فإذا دامت به علّته وطالت فإنّه لا محالة سيعرض له بآخرة الحمّى. ولذلك فقد ينبغي أن يفهم من قوله «يتقيّأ» المعنى الذي يدلّ عليه هذا الاسم بالحقيقة ثمّ يجعل التحصيل والتمييز لا من السلامة في ذلك والخطر من حال المريض في أن تكون به مع ذلك حمّى أو لا تكون به. وذلك أنّه إن لم تكن به حمّى فقد علمت أنّه ليس في الموضع الذي خرج منه ذلك الدم ورم لكنّه إمّا أن يكون سبب ذلك الدم انفتاح عرق أو يكون سببه قرحة حدثت إلّا أنّها ليس معها ورم. والقروح التي لا يكون معها ورم قد تبرأ سريعاً بالأشياء القابضة. فأمّا القروح التي يكون معها ورم وحمّى فليس يمكن أن تبرأ وهي مع ذلك لا تبقى على مقدار واحد من العظم. وذلك أنّها دائماً تزداد عظماً وخبثاً.
قال أبقراط: النزلة التي تنحدر إلى الجوف الأعلى تتقيّح في عشرين يوماً.
قال جالينوس: يعني بالجوف الأعلى في هذا الموضع الموضع الذي يحويه الصدر وهو الموضع الذي تشغله الرئة ولذلك انحدار النزلة من الرأس في قصبة الرئة إنّما يكون إلى الرئة. واقصى حدّ تقيّحها عشرون يوماً لا كما يوجد في أكثر النسخ إثنان عشرون يوماً. وذلك أنّ أبقراط إنّما يصف دائماً أنّ يوم العشرين هو يوم البحران لا اليوم الثاني والعشرين كما بيّنت في كتابي في أيّام البحران.
قال أبقراط: من بال دماً عبيطاً وكان به تقطير البول وأصابه وجع في نواحي الشرج والعانة دلّ ذلك على أنّ فيما يلي مثانته وجعاً.
قال جالينوس: قد يوجد هذا الفصل في مثل هذا الموضع في جميع النسخ إلّا الخطأ. وينبغي أن يحذف لأنّه قد مرّ فيما تقدّم. وقد فسّرناه في المقالة الرابعة من كتابنا هذا وذلك الفصل قيل بهذا اللفظ «من بال دماً عبيطاً وكان به تقطير البول وأصابه وجع في أسفل بطنه وعانته فإنّ فيما يلي مثانته وجعاً». فأمّا هذا الفصل المثنّى في هذا الموضع فآخره يكتب على نسختين إحداهما على ما وصفته قبيل والأخرى على هذا المثال «دلّ ذلك على أنّ ما يلي مثانته وجع».
قال أبقراط: متى عدم اللسان بغتة قوّته أو استرخى عضو من الأعضاء فالعلّة سوداوية.
قال جالينوس: أمّا اللسان الذي يعدم قوّته فلا يخلو أن يكون عنى به إمّا الذي يعدم الثبات والتمكّن حتّى لا يبيّن الألفاظ على حقائقها وإمّا الذي يعدم الحركة حتّى تسترخي بتّة. وأمّا استرخاء العضو فعنى به أن يعدم الحسّ والحركة.
لكن نقول إنّها تكون سوداوية وتكون بلغمية. وأمّا قوله «بغتة» فإنّما استثناءه لمكان الآفات الحادثة قليلاً قليلاً بسبب الورم الذي يصلب فيحدث هذه الأعراض وبسبب المزاج الخارج عن الاعتدال المتمكّن الثابت الذي يعسر انحلاله.
قال أبقراط: إن حدث بالشيخ بسبب استفراغ مشي أو قيء فواق فليس ذلك بدليل محمود.
قال جالينوس: هذا القول قول عامّ من الوجهين جميعاً أعني من قبل أنّ الفواق في جميع من يفرط عليه الاستفراغ بالمشي أو بالقيء غير محمود ومن قبل أنّ جميع الأعراض الرديئة إذا عرضت للشيخ كانت أردأ لضعفه بسبب سنّه.
قال أبقراط: من أصابته حمّى ليست من مرار فصبّ على رأسه ماء حارّ كثير أنقضت بذلك حمّاه.
قال جالينوس: قد دلّ أبقراط بهذا القول دلالة بيّنة أنّه ليس جميع الحمّيات تكون من المرار. ودلّ مع ذلك على أنّ جميع الحمّيات سوى ما يكون منها من المرار إذا صبّ على رأس صاحبها ماء حارّ كثير انحلّت وأنقضت. وعلى حسب هذا القول قال في المقالة الأولى من كتاب أبيديميا في رجل اسمه مليطون إنّه استعمل صبّ الماء الحارّ على رأسه. وذلك لأنّ الحمّى إن كانت من حرّ شمس أو من برد فإنّ صاحبها ينتفع بالاستحمام وصبّ الماء الحارّ على الرأس، وإن كانت الحمّى من تعب فليس منفعة صاحبها بذلك دون غيره، وكذلك الحمّى التي تكون من ضيق المسام كان ذلك الضيق من سدد فيها أو كان من انضمامها. وذلك أنّ صاحبها يحتاج إلى أن تنفش حرارة الحمّى وتتحلّل . وليس ينتفع بصبّ الماء إذا كان مع الحمّى ورم أو لم يكن معها ورم وكان معها عفونة من الأخلاط فإنّ متى كان مع الحمّى شيء من هذين لم ينتفع فيها بالاستحمام وصبّ الماء دون أن تستفرغ تلك الموادّ المؤذية أو تنضج، إلّا أنّ هذه الأمراض إنّما كانت عادة الأوائل أن يسمّوها ذات الجنب وذات الرئة وذات الكبد وذات الطحال وكانوا يجعلون الحمّى فيها إنّما هي عارض وليست نفس العلّة.
أكثر وأغلب منه في سائر الحمّيات وهي الحمّى الغبّ والحمّى المحرقة فضلاً عن ما سواها تنحلّ بالعرق. فالنسخة الأولى أجود إذ كان قد وصف فيها علاجاً صحيحاً للجنس الذي ذكرناه من أجناس الحمّى وهو الذي يكون من تعب أو من حرّ شمس أو من برد وبالجملة من ضيق مسام الجلد. وقوله «ليست من مرار» يحتمل أن يكون دلّ به على المرّة الصفراء والسوداء. وقد بيّنّا أنّ الحمّى ليست تكون من المرّتين فقط إذا عفنتا، لكنّها قد تكون من البلغم إذا عفن وهذا هو فقط ما ليس يصحّ فيه ممّا حكم به في هذا الفصل، إلّا أن يقول قائل إنّ البلغم إذا عفن أيضاً استحال فصار من جنس طبيعة المرار.
قال أبقراط: المرأة لا تكون ذات يمينين.
قال جالينوس: إنّه قد يكون من الرجال كثيراً يعملون باليدين جميعاً مثل العمل باليمين ولم نر إلى هذه الغاية امرأة هذه حالها وذلك لضعف طبعها. فإنّه إنّما صار الرجال يستعملون اليدين جميعاً استعمال اليمين لقوّة العصب والعضل فيهم، فيجب من قبل ذلك أن لا تقدر المرأة على هذا إذ كان قصاراها أن تستعمل اليمين استعمالاً معتدلاً. فقد قال أبقراط في نساء الصقالبة أنّهنّ يكوين الثدى الأيمن منهنّ حتّى يأتي اليد التي في ذلك الشقّ غذاء أكثر فتزيد قوّة تلك اليد لأنّ تلك اليد أيضاً في طبعها ضعيفة. وقد قال قوم مكان «ذات يمينين» «ذات يمين» وفهموا أنّه إنّما يريد بذلك أنّ الجارية لا تحمل في الجانب الأيمن من الرحم.
وبعد قوم آخرون من المعنى أكثر من هذا البعد فقالوا إنّ قول أبقراط هذا إنّما أراد بة ذات الفرجين وهي الخنثى وهو أنّ الذكر يكون له مع فرجه فرج المرأة والأنثى لا يكون لها مع فرجها فرج الذكر.
قال أبقراط: من كوي من المتقيّحين فخرجت منه مدّة نقية بيضاء فإنّه يسلم، فإن خرجت منه مدّة حمائية منتنة فإنّه يهلك.
قال جالينوس: أمّا التقيّح فمن عادته أن يقوله وهو يعني به كلّ خراج ودبيلة يستحيل ما فيه فيصير قيحاً لا متى كان ذلك في الصدر فقط لكن في أيّ عضو كان من أعضاء البدن. وأمّا المتقيّح فإنّما يعني به خاصّة في أكثر الأمر من كان قد اجتمع فيما بين صدره ورئته قيح، وهو الذي قد كانت جرت عادة الأوائل أن يستعملوا فيه الكي ليستخرجوا به تلك المدّة.
وما يجهل أحد أنّ المدّة البيضاء محمودة والمدّة الحمائية المنتنة رديئة.
قال أبقراط: من كانت في كبده مدّة فكوي فخرجت منه مدّة نقية بيضاء فإنّه يسلم وذلك أنّ تلك المدّة فيه في غشاء الكبد، وإن خرج منه شبيه بثفل الزيت هلك.
قال جالينوس: قد خبّر أبقراط بالعلّة التي من قبلها بعض أصحاب هذه العلّة يهلك وبعضهم يسلم. وذلك أنّه من كانت المدّة فيه في غشاء الكبد وجوهر كبده سليم لم تحدث به آفة فإنّه يسلم، ومن كان الفساد قد سعى فيه حتّى وصل إلى لحم كبده فواجب أن يموت. وأمّا الحال التي وصف بها المدّة الرديئة فليس يشكّ أحد أنّه واجب أن يكون متى كانت في الكبد عفونة من غير نضج فإنّه يهلك.
ثمّ قيل بعد هذا: إذا كان في العينين وجع فاسق صاحبه شراباً صرفاً ثمّ أدخله الحمام وصبّ عليه ماء حارًّا كثيراً ثمّ افصده.
قال جالينوس: هذا الفصل عندي أحد الفصول التي دلست في هذا الكتاب. وذلك أنّ هذا القول لا يوافق قولاً قد تقدّم من أبقراط قال فيه «أوجاع العينين يحلّها الشراب الصرف أو الحمام أو التكميد أو فصد العرق أو شرب الدواء. وقد فسّرت هذا الفصل في المقالة السادسة من كتابي هذا وبيّنت الحالات التي ينبغي أن يستعمل في كلّ واحدة منها كلّ واحد من هذه الأصناف من العلاج. وأمّا هذا الفصل الذي قصدنا بيان أمره فيأمر في علّة واحدة أن يستعمل ثلاثة أصناف من هذا العلاج. وإن وجدنا من يعلّمنا أيّ حال هي هذه الحال التي يحتاج فيها إلى هذه الثلاثة الأصناف من العلاج حمدناه وشكرناه. فأمّا ما داموا يفسّرون لنا هذا الفصل على أنّه لبقراط وليس يعلّموننا أيّ حال هي تلك الحال فليس يقبل تفاسيرهم. والذي قال من تعاطى أن يقول شيئاً يقرب فيه من الإقناع هو ما أصف قالوا إنّه متى كان قد كثر في البدن دم غليظ يحتاج
بسبب ذلك إلى الاستفراغ، والأجود بزعمهم أن يذاب ذلك الدم أوّلاً ثمّ يستعمل الفصد وإنّما يذوب ذلك الدم بشرب الشراب الصرف واستعمال الحمام. والقائلون لهذا القول لم يخبّروا قطّ ما قالوا، وإنّما يعرف هذا من قد عانى أمور كتب الطبّ. وذلك أنّه متى كان في البدن امتلاء لم يحتمل شرب الشراب ولا استعمال الحمام وإن استعملهما ناله منهما أعظم الضرر، وإنّما يصلح هذان العلاجان إذا كان دم غليظ قد لحج في عضو من الأعضاء من غير امتلاء في البدن كلّه. وعلى هذا الطريق يستعمل اسقلبنيادس الشراب من بعد استفراغ البدن كلّه كيما يداوي به من لحج ما يلحج في العضو ويغيض فيه. وأمّا متى كان في البدن كلّه امتلاء ثمّ دام صاحبه شرب الشراب والدخول إلى الحمام لم يكن ببعيد من أن تتمزّق وتنفطر الأغشية التي في عينيه. فإن كان الوجع إنّما هو بسبب سدّة ولحج من دم غليظ من غير أن يكون في البدن امتلاء فاستعمالهم الحمام والشراب صواب واستعمالهم الفصد ليس بصواب. وإن كان في البدن امتلاء فاستعمالهم الفصد صواب واستعمالهم الحمام والشراب ليس بصواب.
قال أبقراط: إذا حدث بصاحب الاستسقاء سعال فليس يرجى.
قال جالينوس: قد مرّ هذا الفصل فيما تقدّم بهذا اللفظ: إذا حدث بصاحب الاستسقاء سعال كان دليلاً رديئاً.
قال أبقراط: تقطير البول وعسره يحلّهما شرب الشراب والفصد وينبغي أن تقطع العروق الداخلة.
قال جالينوس: قد يدلّك اسم تقطير البول أنّ معناه إنّما هو خروج البول نقطة نقطة. وأمّا عسر البول فيحتمل أن يكون يعني به أن يكون مع خروجه وجع ويحتمل أن يكون خروجه يعسر حتّى تكون المثانة لا تفعل فعلها إلّا بكدّ. وتقطير البول يكون من حدّته ويكون من ضعف القوّة الماسكة التي في المثانة، وذلك الضعف يكون من مزاج مفرط وخاصّة من المزاج البارد. وأمّا عسر البول فإن كان معه وجع
فإنّه يكون إمّا من ورم حارّ وإمّا من خراج وإمّا من قرحة وإمّا من مزاج خارج عن الاعتدال مختلف وإمّا من ريح غليظة. وإن كان إنّما هو عسر في الحركة فهو يكون إمّا من ضعف القوّة وإمّا من ورم. ومن هذه العلل كلّها أمّا البرد فيشفى منه شرب الشراب، ويعني شرب الشراب في هذا الموضع أن يكثر من النبيذ ويقلّل مزاجه. ويشفى أيضاً من الورم إذا كان من من سدّه قد حدثت من دم غليظ من غير امتلاء في البدن. وأمّا الورم الذي يكون معه امتلاء في البدن وكلّ علّة غيره لا يكون معها في البدن نقصان وتكون القوّة معها قوية فالفصد يشفى منها. وأمّا قوله «وينبغي أن تقطع العروق الداخلة» فقد قلت فيه ما ينبغي في المقالة التي قبل هذه عند تفسيري لفصل قال فيه هذا القول فصد العرق يحلّ عسر البول، وفي بعض النسخ «تقطير البول وينبغي أن تقطع العروق الداخلة».
قال أبقراط: إذا ظهر الورم والحمرة في مقدّم الصدر فيمن اعترته الذبحة كان ذلك دليلاً محموداً لأنّ المرض يكون قد مال إلى خارج.
قال جالينوس: قد مرّ هذا الفصل أيضاً فيما تقدّم بهذا اللفظ: إذا ظهر الورم في الحلقوم من خارج فيمن اعترته الذبحة كان دليلاً محموداً. وقد فسّرت هذا الفصل في المقالة السادسة من كتابي هذا. وما أرى إلّا أنّ إنساناً ألحقه في هذا الكتاب وهو يريد أن يزيد فيه هذه الزيادة وهي قوله «لأنّ المرض يكون قد مال إلى خارج».
قال أبقراط: من أصابه في دماغه العلّة التي يقال لها سفاقيلوس فإنّه يهلك في ثلاثة أيّام، فإن جاوزها فإنّه يبرأ.
قال جالينوس: قد ذكر هذه العلّة مراراً كثيرة في كتابه في الخلع وفي كتابه في الكسر في العظام خاصّة وهو يريد بهذا الاسم أن يدلّ على فساد جوهر العضو المسمى به أجمع. وأمّا ما في هذا الفصل فليس يمكن أن يفهم عنه أنّه أراد فساد الدماغ مع ما استثناءه في قوله أنّه إن جاوز الثلاثة الأيّام فإنّه يبرأ. وذلك أنّه إن كانت هذه العلّة إنّما هي فساد جوهر العضو الذي يصيبه كلّه فليس يمكن أن يبرأ من أصابته هذه العلّة في دماغه،
في الأيّام الثلاثة الأوّل وبقي إلى الرابع فينبغي أن نرجو له أنّ علّته قد انحطئت وانتعشت قوّته وقويت حتّى تقاوم العلّة وتقهرها غاية القهر.
قال أبقراط: العطاس يكون من الرأس إذا سخن الدماغ ورطب الموضع الخالي الذي في الرأس فانحدر الهواء الذي فيه فسمع له صوت لأنّ نفوذه وخروجه يكون في موضع ضيق.
قال جالينوس: إنّ كلّ كلام يخرج هذا الخرج فهو ينتظم أحد معنيين إمّا معنى عامًّا كلّياً يقال في جميع الشيء الذي يقصد بذلك الكلام إليه مثل العطاس في هذا الكلام وإمّا معنى خاصًّا جزئياً مثل العطاس الذي يكون من الدماغ في هذا الكلام. والقول الذي يعبر عن المعنى الأوّل يكون على هذا المثال: العطاس إنّما يكون من الدماغ وحدوثه يكون إذا أسخن الدماغ ورطب الموضع الخالي الذي في الرأس، والقول الذي يعبر عن المعنى الثاني يكون على هذا المثال: العطاس الذي يكون من الدماغ يحدث إذا سخن الدماغ ورطب الموضع الخالي الذي في الرأس، وهذا هو أصحّ القولين.
وإنّما تسخن من الحرارة الغريزية إذا انبعتت، فإنّ تلك الفضول الرطبة إنّما كانت اجتمعت لضعفها. وأمّا قوله «الموضع الخالي الذي في الرأس» فأولى ما يفهم عنه منه موضع بطون الدماغ، ويجوز أن يفهم عنه أيضاً مع ذلك الموضع الذي يحيط بالدماغ من خارج. فإنّه قد يمكن أن ينفذ ما في ذلك الموضع من الهواء أيضاً في جرم الدماغ حتّى يصير أوّلاً إلى بطونه ثمّ تنحدر منها إلى الأنف. وقد وصف أبقراط أنّ الصوت الذي يكون مع العطسة إنّما يكون بكثرة ما يخرج من ذلك الهواء دفعة. وهذا هو قول عامّ له من أيّ الموضعين جاء أعني إن كان إنّما يرتفع من الرئة أو كان إنّما ينحدر من الرأس.
قال أبقراط: من كان به وجع شديد في كبده فحدثت به حمّى حلّت ذلك الوجع عنه.
قال جالينوس: قوله «فحدثت» يدلّ على أنّه قيل لمن كان به الوجع الشديد ولم يكن به حمّى.
فإذا كان الوجع الشديد إنّما يعرض في الكبد إمّا من ورم حارّ قوي وإمّا من ريح غليظة نافخة، ولم يكن بصاحب هذه الحال ورم حارّ لأنّه لو كان به ورم لكان قد حمّ. فقد يجب أن يكون ذلك الوجع إنّما عرض له من ريح غليظة نافخة. وقد يكون الوجع في الكبد من قبل السدد، إلّا أنّ الوجع العارض بسببها ضعيف وهو بالثقل أشبه. وأمّا الوجع الشديد فإنّما يكون فيها إمّا من ريح غليظة نافخة وإمّا من ورم حارّ إمّا عظيم جدّاً وإمّا مائل إلى التقيّح.
قال أبقراط: من احتاج إلى أن يخرج من عروقه دم فينبغي أن تقطع له العروق في الربيع.
قال جالينوس: هذا الفصل هو جزء من فصل قد تقدّم قبل بهذا اللفظ «من احتاج إلى الفصد أو شرب الدواء فينبغي أن يسقى الدواء أو يفصد في الربيع». وليس يوجد مكتوباً في بعض النسخ. وبعض من فسّر هذا الكتاب يعرفه ويكتبه،
وتعجّبني أكثر من هؤلاء من قوم من المفسّرين يجدون الفصل الواحد في المعنى الواحد قد كرّر مرّتين فوضع مرّة في صدر الكتاب أو في وسطه ثمّ ألحق ثانية في آخره فيقسّرونه تفسيرين مختلفين في كلّ واحد من الموضعين.
قال أبقراط: من تحيّز فيه بلغم فيما بين المعدة والحجاب وأحدث به وجعاً إذ كان لا منفذ له ولا إلى واحد من الفضائين فإنّ ذلك البلغم إذا جرى في العروق إلى المثانة انحلّت عنه علّته.
قال جالينوس: إنّ مارينوس قد شكّ وتحيّر في هذا الفصل وأرى أن تحيّره كان في موضع تشكّك وحيرة. وذلك أنّه رأى أنّه لا يمكن أن يجتمع البلغم فيما بين الحجاب والمعدة. وذلك أنّه لو انصبّ ثمّ بلغم لا ينحدر إلى أسفل إلى أن يبلغ إلى عظم العانة. وقال أيضاً إنّه لا يمكن أن يدخل هذا البلغم إلى العروق كما تدخل الرطوبة الرقيقة المائية في أصحاب الاستسقاء في العروق فتجري في البول. ثمّ قال إنّه إذا كان الأمر على هذا فإنّما ينبغي
والصدر قد تنفث بالسعال. وربّما رأينا الدم ينفذ من الجلد وهو صحيح إذا صار العظم المكسور إلى حال الانجبار. فليس إذاً من المحال أن ينفذ البلغم فيمن وصف حاله أبقراط في هذا الفصل حتّى يجري مع البول، لكن قد يمكن أن يفعل ذلك الطبيعة بعد أن يتقدّم ويلطف ذلك البلغم قليلاً قليلاً كما تلطف المدّة فيمن اجتمعت فيه فيما بين الرئة والصدر.
قال أبقراط: من امتلئت كبده ماء ثمّ انفجر ذلك الماء إلى الغشاء الباطن امتلأ بطنه ماء ومات.
قال جالينوس: إنّ نفاحات الماء يسرع حدوثها في الكبد أكثر منه في سائر الأعضاء وإنّما تتولّد تلك النفاحات من الكبد في الغشاء المحيط بها من خارج. فقد نرى كبود ما يريح من الحيوان توجد كثيراً مملوءة من ذلك الماء. فإن اتّفق في بعض الأوقات أن تنفجر تلك النفاحات فإنّ ذلك الماء ينصبّ
وبالأدوية المدرّة للبول وبالضمادات التي من شأنها أن تحلّل تلك الرطوبة أن تستفرغ أيضاً هذه الرطوبة ممّن اجتمعت فيه بمثل ذلك العلاج.
قال أبقراط: القلق والتثاوب والقشعريرة يبرئها شرب الشراب إذا مزج واحد سواء بواحد سواء.
قال جالينوس: إنّ القلق قد يقال في الأصحّاء وذلك فيمن كان منهم يمل دائماً الحال الحاضرة ويستثقها
فقال «إذا مزج واحد سواء بواحد سواء» يعني أنّه ينبغي أن يمزج جزء من الحمر بمثله من الماء كيما يندفع ويستفرغ من الأشياء المؤذية ما يواتي الحمر بشدّة حركتها وحمّيها ويمتزج الباقي ويعتدل. فإنّ من شأن الحمر كما قد علمنا أن يسخن البدن كلّه ويتحرّك حركة سريعة إلى جميع الأعضاء ويصلح أخلاط البدن ويجوّدها.
قال أبقراط: من خرجت به بثرة في إحليله فإنّها إذا تقيّحت وانفجرت انقضى وجعه.
قال جالينوس: قد قال أبقراط هذا الفصل مرّة فيما تقدّم وفسّرناه، وكان قوله بهذا اللفظ «من خرجت به بثرة في إحليله فإنّها إذا انفتحت وانفجرت إنقضت علّته».
قال أبقراط: من تزعزع دماغه فإنّه يصيبه من وقته سكتة.
قال جالينوس: إنّ من عادة أبقراط أن يستعمل كثيراً اسم السكتة وهو يريد به أن يدلّ من هذا العرض الواحد البيّن وهو ذهاب الصوت على من لم يبق معه شيء من الحركات الإرادية أو يكون مع ذلك قد ذهب حسّه، وهو ملقى بمنزلة أصحاب الفالج الذي يقال له السكات عديم الحسّ والحركة. وقد يكون هذا من أسباب كثيرة. وأمّا في هذا القول فإنّما ذكر أبقراط تزعزع الدماغ فقط فقال إنّه قد تعرض منه أيضاً هذه الحال في البدن كلّه. وأكثر ما تعرض هذه الزعزعة للدماغ
عند سقطة شديدة يسقطها البدن كلّه من موضع عالي، فإنّ من شأن هذه السقطة أن يعرض منها هذا للدماغ. وقد تعرض منها أيضاً لبعض الناس حال في فقار الصلب يضطرب فيها مواضع تأليف الفقار ويصيب مخّ الصلب الذي يحويه التجويف الذي فيها وهن. وذلك أنّه إذا تزعزع تزعزعاً شديداً يكاد بعض العصب الذي ينبت منه أن ينهتك، وذلك بعينه يعرض في الدماغ، وأحرى أن يعرض ذلك للدماغ بحسب فضل الفضاء الخالي الذي يحيط به على الذي يحيط بالنخاع وخاصّة في المشائخ، كما بيّنت في كتابي في علاج التشريح. فتنقبض القوّة النفسانية عند هذه الحال لتأذيها بتلك الحركة لما فيها من الخطر وتمكن فتسكن. وأمّا ما بيّنت من الدماغ من العصب فبعضه يتمدّد تمدّداً شديداً وبعضه ينهتك منه شيء. ولذلك يبقى من أصابه هذا وقد عدم الصوت وحلّ الحركات من بدنه كلّه إلى أن تعود القوّة النفسانية إلى حالها وتنتعش. فإن كان قد انهتك الدماغ أو شيء منه لم يفق من أصابه ذلك.
قال أبقراط: من كان لحمه رطباً فينبغي أن يجوع فإنّ الجوع يجفّف الأبدان.
قال جالينوس: إنّ من البيّن أنّ كلّ علاج يجفّف فهو يبرئ الأمراض الرطبة لأنّ الضدّ هو دواء الضدّ. وما يخفي أيضاً أنّ الجوع يجفّف من طريق العرض. وذلك أنّه متى كان يتحلّل من البدن شيء كما كان يتحلّل، وليس يخلف مكان ما يحلل شيء من الغذاء، فإنّه يجب ضرورة أن يصير أجفّ ممّا كان. وذلك أنّه إنّما يتحلّل من كلّ واحد من أعضاء البدن أوّلاً أرطب ما فيه، لأنّ التحلّل إنّما يكون من قبل أنّ ما في البدن يلطف ويتحلّل فيصير بخاراً وذلك بسببين أحدهما من خارج وهو الهواء والآخر من داخل وهو الحرارة الغريزية. ولذلك صار الحيوان الذي يتحجّز ويستكن في الشتاء إذا كان لا يسخنه شيء من خارج ولا من داخل لا يتحلّل منه شيء البتّة، وإن تحلّل منه شيء كان يسيراً جدًّا. ولذلك صار بعض هذا الحيوان لا يحتاج بتّة
وربّما واتتها بعسر وكدّ، ولذلك إمّا أن لا يزدرد صاحب هذه العلّة بتّة وإمّا أن لا يزدرد إلّا بكدّ.
—
—
قال أبقراط: وإذا كانت تحدث في البدن كلّه تغايير ويبرد برداً شديداً ثمّ يسخن أو يتلوّن بلون ثمّ يتغيّر فيحول إلى غيره أنذر ذلك بطول من المرض.
قال جالينوس: إنّي قد فسّرت هذا الفصل أيضاً في المقالة الرابعة من كتابي هذا، وهذا الفصل في هذا الموضع وفي الموضع الأوّل شبيه بلفظ واحد إلّا تغيّراً يسيراً، وهو في الموضع الأوّل على هذا المثال: وإذا كانت تحدث في البدن كلّه تغايير وكان البدن يبرد مرّة ويسخن أخرى أو يتلوّن بلون ثمّ بغيره دلّ ذلك على طول من المرض.
قال أبقراط: العرق الكثير الذي يجري دائماً حارًّا كان أو بارداً يدلّ على أنّه ينبغي أن يخرج من البدن رطوبة إمّا في القوي فمن فوق وإمّا في الضعيف فمن أسفل.
قال جالينوس: قد كان هذا الفصل فيما تقدّم على غير ما وضع عليه في هذا الموضع وفسّرناه في المقالة الرابعة من هذا الكتاب وكانت نسخته فيما تقدّم على هذا المثال: العرق الكثير الذي يجري دائماً حارًّا كان أو بارداً فالبارد منه يدلّ على أنّ المرض أعظم والحارّ يدلّ على أنّ المرض أخفّ. وقلنا إنّ حال البدن الذي يجري منه هذا العرق حال كثيرة رطوبة مجتمعة فيه.
ولذلك أمر في هذا الفصل أن تستخرج تلك الرطوبة الفاضلة متى كان البدن قوياً من فوق أي بالقيء ومتى كان البدن ضعيفاً من أسفل أي بإسهال البطن. والقول بأنّه ينبغي أن تستفرغ دائماً من البدن الرطوبة الفضل صحيح بيّن. وأمّا القول بأنّه ينبغي أن تستفرغ دائماً الرطوبة الفضل من القوي من فوق ومن الضعيف من أسفل ففيه عندي نظر. والأجود عندي أن لا يجعل تقسيم الحاجة إلى هذين العلاجين على هذا الطريق لكن على الطريق الذي حدّدته في كتابي في علاج الأمراض. فهذا الفصل فيما أحسب هو من الفصول التي زيدت في هذا الكتاب. ثمّ من بعد هذا الفصل الذي تقدّم توجد ثلاثة فصول أخر في أكثر النسخ، وتوجد أيضاً في تفاسير من فسّر هذا الكتاب، وتلك الثلاثة الفصول ممّا قد مرّ وفسّرناه في المقالة الرابعة من كتابنا هذا وليس تخالف تلك إلّا مخالفة يسيرة في اللفظ.
وأوّلها هو هذا: إذا كانت الحمّى غير مفارقة ثمّ كانت تشتدّ غبًّا ففيها خطر، وإذا كانت الحمّى تفارق على أيّ وجه كانت فهي تدلّ على أنّه لا خطر فيها.
والثاني هو هذا: من أصابته حمّى طويلة فإنّه يعرض له إمّا خراجات مزمنة وإمّا وهن في مفاصله.
والثالث هو هذا: من أصابته خراجات مزمنة أو وهن في مفاصله بعد الحمّى فإنّه يتناول من الطعام أكثر ممّا يحتمل.
وبيّن أنّ هذه الفصول هي من الفصول التي حشّي بها هذا الكتاب إذ كان معناها معنى تلك ولفظها غير مخالف للفظ تلك وأنّ خالفه مخالفة يسيرة، وقد فسّرت تلك الفصول في المقالة الرابعة.
ثمّ قيل بعد هذا: الغذاء الذي يعطاه المحموم هو للصحيح قوّة وهو للمريض مرض.
وقد يكتب هذا الفصل على نسخة أخرى على هذا المثال: الغذاء الذي يعطاه المحموم إمّا للصحيح فهو قوّة وإمّا للعليل فهو مرض. واللفظتان جميعاً بعيدتان من مجرى الكلام الطبيعي وسوء العبارة ورداءة الحكاية فيها بيّنتان، ولا أدري ما دعا القوم الذين أفسدوا آخر هذا الكتاب بهذه الضروب المختلفة من الفساد إلى فعلهم ذلك، حتّى ثنّوا شيئاً قد قاله مرّة أبقراط بلفظة وأعادوا بعض ما قال وقد غيّروا من لفظة تغييراً يسيراً ودلسوا أقاويل كلّها مصنوع مثل هذا القول الذي تقدّم، فإنّه بعيد جدّاً من كلام أبقراط. وذلك أنّ أبقراط قد تقدّم فقال «البدن الذي ليس ينقى كلّما غذوته فإنّما تزيده ضرراً»، وقال أيضاً «الناقة من المرض إذا كان ينال من الغذاء وليس يقوى به دلّ ذلك على أنّه يحمل على بدنه منه أكثر ممّا يحتمل، وإذا كان ذلك وهو لا ينال منه دلّ على أنّ بدنه يحتاج إلى استفراغ»،
وقال أقاويل أخرى يجري لفظها المجرى الطبيعي. وأمّا الواضع لهذا الفصل الذي تقدّم فاستعمل سوء العبارة ورداءة الحكاية في قوله في الغذاء أنّه للصحيح قوّة وللعليل مرض. وذلك أنّه إنّما أراد أن يقول إنّ الغذاء يحدث للصحيح قوّة ويحدث للعليل مرضاً. وذلك أنّه أراد أن الغذاء يزيد في قوّة الصحيح ويزيد في مرض المريض، فاستعمل لفظاً بديعاً وحشاً في تصييره الغذاء نفسه قوّة للصحيح ومرضاً للعليل، وليس الغذاء بقوّة لكنّه فاعل للقوّة ومحدث لها ولا هو مرض لكنّه فاعل للمرض ومحدث له، والأجود أن يقال إنّه زائد في قوّة الصحيح وفي مرض المريض.
ثمّ قيل بعد هذا: ينبغي أن يتفقّد ما يخرج من المثانة هل هو شبيه بما يخرج من الأصحّاء أم لا فإنّ أقلّ الحالات شبهاً بحالات الأصحّاء هي أقرب إلى المرض وأشبه الحالات بحال الأصحّاء أبعد الحالات من المرض.
قال جالينوس: قد قال أبقراط في كتاب تقدمة المعرفة وفي كتب أخر إنّ جميع حالات البدن الشبيهة بحالات الأصحّاء أبعد الحالات من المرض وإنّها تدلّ على خير وإنّ جميع الحالات التي لا تشبه حالات الأصحّاء على ضدّ ذلك. فإلى هذا المعنى ذهب المفتعل لهذا الفصل. فإنّي أتّهمه أنّه ليس من كلام أبقراط ويدلّني على ذلك لفظه إذ كان ليس على طريق ألفاظ أبقراط، ويدلّني على ذلك أيضاً معناه من قبل أنّه لم يستوف حقيقة ما من شأن أبقراط أن يفعله، من ذلك أنّه قال إنّ «أقلّ الحالات شبهاً بحالات الأصحّاء هي أقرب إلى المرض» وهو في هذا القول مذموم عند كلّ من فهمه، إذ كان قد جعل مكان المرض الحال التي هي أقرب إلى المرض. وذلك أنّ قوله «أقلّ الحالات شبهاً بحالات الأصحّاء» يدلّ على تباعد كثير عن الحال الطبيعية إلى الحال الخارجة من الطبيعة. وكلّ حال خارجة من الطبيعة فبحسب بعدها من الحال الطبيعية تكون رداءتها. فأقلّ الحالات شبهاً بالحال الطبيعية هي أولى الحالات بأن تكون ضدّ الحال الطبيعية، وتلك الحال هي غاية المرض.
ثمّ قيل بعد هذا: ومن تركت برازه حتّى يستقرّ ولم تحرّكه فرأت فوقه شبيهاً بالخراطة فإنّ ذلك إن كان يسيراً فمرضه يكون يسيراً وإن كان كثيراً فمرضه يكون كثيراً. وهذا يحتاج إلى أن يسهل بطنه فإنّك إن لم تنق بطنه ثمّ أعطيته الأحساء فإنّك كلّما زدته منها ازداد ضرراً.
قال جالينوس: إنّ من عادة أبقراط أن يخصّ باسم البراز ما يبرز من الأمعاء خاصّة دون ما يبرز من سائر منافذ البد. وقد فهم قوم من هذا أنّه يراد فيه بالبراز ما يستفرغ من البطن، إلّا أنّ قوله «إن تركته حتّى يستقرّ ولم تحرّكه» يناقض قول هؤلاء، لأنّ هذا القول إنّما يجوز في البول، ولذلك فهم قوم آخرون أنّه إنّما يريد بالبراز البول. وكلّ واحدة من الفرقتين افترقت أيضاً فرقتين فكتب بعضهم «فرأيت فوقه» وكتب بعضهم «فرأيت تحته». والذي يفهم من البراز في هذا الموضع البول ليس يناقصه ولا واحدة من اللفظتين،
فإنّ ذلك إن كان يسيراً فمرضه يكون يسيراً وإن كان كثيراً فمرضه يكون كثيراً. وهذا يجتاج إلى أن يسهل بطنه، فإنّك إن لم تنق بطنه ثمّ أعطيته الأحساء فإنّك كلّما زدته منها ازداد ضرراً ومن كان يبرز منه من أسفل شيء ني أيضاً فإنّك كلّما زدته من تلك الأحساء ازداد ضرراً.
ثمّ يجعلون من بعد هذا ابتداء كلام على هذا المثال: فإنّ فيه مرّة سوداء إن كان كثيراً فكثير وإن كان قليلاً فقليل.
وأمّا المفسّرون الذين يفسّرون هذا الكلام على غير هذا التفسير فإنّه يكتبونه على هذه النسخة: ومن كان يبرز منه من أسفل شيء ني فإنّ فيه مرّة سوداء إن كان كثيراً كثيراً وإن كان قليل فقليل. وقد يكتب قوم آخرون هذا الكلام على هذه النسخة: ومن كان يبرز منه من أسفل شيء ني لأنّ فيه مرّة سوداء إن كان كثيراً فمرضه كثير وإن كان قليلاً فمرضه قليل. وقد قلت فيما تقدّم إنّه توجد نسختان أخريان سوى هذه النسخة. وذلك أنّه يقدر من يشاء أن يكتب الكلام الغامض كيف شاء لأنّه ليس لتحريف الكلام حدّ محدود ولا شرط قائم وكثيراً ما يضطرّهم إلى أن يزيدوا في الأصل المتقدّم الذي يجدونه من الكلام وينقصون منه أو يغيّروه لا لأنّه غامض ملتبس لكنّه باطل، مثل الذي أصابهم في هذا الفصل،
فقد نجد أوّل من فسّر كتاب الفصول وهم ايروفيلوس بهخيس وايروقليدوس وزوكس الذين كانوا من فرقه أصحاب التجارب وغيرهم يكتبون هذا الفصل على هذه النسخة: من كان يبرز منه من أسفل شيء ني فإنّ فيه مرّة سوداء إن كان كثيراً فكثير وإن كان قليلاً فقليل. لكنّ هذا القول على هذه العبارة إنّما يصحّ في شيء جزئي ومخرجه مخرج قولي كلّي، ولذلك وقع فيه ما وقع من الشكّ والحيرة. فأمّا معنى هذا الكلام على العبارة التي عبّرتها فليس فيه موضع شكّ ولا بحث، لكنّ قائله قد يحكم فيه بأنّ من كان يخرج منه براز ني ففيه مرّة سوداء، يعني في آلات الهضم منه فيبرد بسبب السوداء تلك الآلات فيكون هضمها للطعام أضعف ويحدث من قبل ذلك التخم التي تكون على طريق النهورة فإنّ المرّة الصفراء تفعل ضدّ ذلك لأنّ الطعام الذي لا يستمرئ بسبب الصفراء يحدث له شبيه بالاحتراق. وقد ظنّ قوم أنّ هذا القول أيضاً إنّما قيل في البول.
قال أبقراط: في الحمّى التي لا تفارق النخاعة الكمدة والشبيهة بالدم والمنتنة والتي هي من جنس المرار كلّها رديئة، فإن انتقصت انتقاصاً جيّداً فهي محمودة. وكذلك الحال فيما يخرج من البطن والمثانة. وكلّما كان يخرج فانقطع خروجه من غير أن يكون البدن نقياً منه فذلك رديء.
قال جالينوس: قد مرّ هذا الفصل أيضاً فيما تقدّم على هذا اللفظ «في الحمّى التي لا تفارق النخاعة الكمدة والشبيهة بالدم والمنتنة والتي هي من جنس المرار كلّها رديئة، فإن انتفضت إنتفاضاً جيّداً فهي محمودة، وكذلك الحال في البراز والبول، فإن خرج ما لا ينتفع به من أحد هذه المواضع فذلك رديء». وقد فسّرنا ذلك الفصل في المقالة الرابعة من كتابنا هذا.
قال حنين: إنّي قد كنت ترجمت هذا الفصل فيما تقدّم على نحو ما رأيت جالينوس يفسّره وكان لفظ أبقراط غير موافق للمعنى الذي تأوّله عليه جالينوس، ثمّ وجدت هذا الفصل لمّا ثني في هذا الموضع قيل بلفظ غير ذلك اللفظ يؤدّي ذلك المعنى الذي فهمته عن أبقراط بلفظه الأوّل. فرأيت أن أترجم الكلام الأوّل على المعنى الذي وجدت اللفظ الأوّل يؤدّيه على حقيقته. وعلى ما شهد له لفظ هذا الفصل المثنّى وهو هذا «فإن لم يخرج ما ينتفع بخروجه من أحد هذه المواضع فذلك رديء».
ثمّ قيل بعد هذا: كلّ بدن تريد تنقيته فينبغي أن تجعل ما تريد إخراجه منه يجري فيه بسهولة، فإن أردت أن يجري فيه الشيء بسهولة إلى فوق فينبغي أن تعقل البطن، وإن أردت أن يجري فيه الشيء بسهولة إلى أسفل فينبغي أن تلين البطن.
قال جالينوس: أمّا الجزء الأوّل من هذا القول فقد مرّ أيضاً فيما تقدّم من غير أن يكون ألحق فيه «فإن أردت أن يجري فيه الشيء بسهولة إلى فوق»، وما يتلو ذلك ممّا أراد الملحق لهذا اللحق أن يزيده فيه فإعادة ثانية في هذا الموضع مع هذا الشرح الذي ظنّ أنّه يشرحه على الحقيقة. وقد بيّنت في المقالة الرابعة أنّ لهذا القول شرحاً أصحّ من هذا قد امتحنّا صحّته بطول التجربة ووقفنا على حقيقته.
ثمّ قيل بعد هذا: النوم والأرق إذا جاوز كلّ واحد منهما المقدار القصد فذلك مرض.
قال جالينوس: إنّ هذا الفصل أيضاً قد يوجد ملحقاً في بعض النسخ، وقد مرّ فيما تقدّم كلّه بهذا اللفظ خلا حرف في آخره. وذلك أنّه قيل في هذا الموضع «فذلك مرض». وقيل فيما تقدّم «فتلك علامة رديئة»، وذلك أجود كثيراً.
ثمّ قيل بعد هذا: إذا كان في حمّى لا تفارق ظاهر البدن بارداً وباطنه يحترق وبصاحب ذلك عطش وحمّى فتلك من علامات الموت.
قال جالينوس: هذا الفصل أيضاً فصل لا يحتاج إليه. وذلك أنّه قد مرّ فيما تقدّم بأصحّ من هذا الكلام. وذلك أنّه لم يكن فيه حمّى، لأنّه قد كان تقدّم فقال في أوّل الكلام «إذا كان في حمّى لا تفارق» فزيادته في آخر قوله «وحمّى» فضل لا يحتاج إليه.
ثمّ قيل بعد هذا: متى التوت في حمّى غير مفارقة الشفة أو الأنف أو العينان أو الحاجب أو لم ير المريض أو لم يسمع أيّ هذه العلامات كان وقد ضعف فهي علامة الموت.
قال جالينوس: قد مرّ أيضاً هذا الفصل فيما تقدّم بهذا اللفظ «متى التوت في حمّى غير مفارقة الشفة أو العينان أو الأنف أو الحاجبان أو لم يبصر المريض أو لم يسمع أيّ هذه العلامات كان وقد ضعف فالموت منه قريب.»
ثمّ قيل بعد هذا: من البلغم الأبيض يكون الاستسقاء.
قال جالينوس: معنى هذا القول أنّ من اجتمع في عروقه في البدن كلّه بلغم أبيض فإنّه يصيبه منه النوع من الاستسقاء الذي يسمّى البلغم الأبيض، وهذا النوع اللحمي منه.
ثمّ قيل بعد هذا: ومن الاختلاف اختلاف الدم.
قال جالينوس: ينبغي أن يفهم في هذا القول اللفظة التي ألحقت في نظيره وهي تكون. وذلك أنّ الأمعاء تنجرد وتنسحج قليلاً قليلاً في الاختلاف
حتّى ينفذ ذلك إلى عمقها فيصير فيها قرح. وقد كان من قبل هذا فيما تقدّم قول في فصل لا يشكّ فيه أنّه لبقراط أتى على معنى هذا الفصل بأجود من هذه العبارة وهو هذا: وعن البراز الصرف يكون اختلاف الدم. وقد فسّرنا ذلك الفصل في المقالة السادسة من كتابنا هذا.
ثمّ قيل بعد هذا: ومن اختلاف الدم يكون زلق الأمعاء.
قال جالينوس: هذا الفصل أيضاً هو جزء من قول قد تقدّم كان قيل بهذا اللفظ: إذا أصاب المطحول اختلاف دم فطال به حدث به استسقاء وزلق الأمعاء وهلك. وقد فسّرناه في المقالة السادسة من كتابنا هذا.
ثمّ قيل بعد هذا: ومن الفساد خروج العظم.
قال جالينوس: ينبغي أن يفهم في هذا القول أيضاً ما زيد في نظيره، وهو يكون. ولم يتبيّن هل عنى بالفساد فساد العظم وإنّه متى فسد خرج أم إنّما عنى بالفساد فساد اللحم وإنّه إذا فسد اللحم الذي حول العظم فالعظم يخرج من تلك القرحة، والقولان جميعاً صحيحان.
ثمّ قيل بعد هذا: ومن قيء الدم الفساد وخروج المدّة من فوق، ومن الفساد النزلة من الرأس، ومن النزلة الاختلاف، ومن الاختلاف احتباس القذف من فوق، ومن ذلك الاحتباس الموت.
قال جالينوس: إنّ في أكثر النسخ وفي كتب أكثر المفسّرين يوجد «من قيء الدم الفساد». وأمّا في بعض النسخ فيوجد «من قيء الدم السلّ». وقد يتبيّن أنّ هذا الكلام أيضاً إنّما هو كلام من منتزع انتزاعاً رديئاً من أحكام كثيرة حكم بها أبقراط.
ثمّ قيل بعد هذا: خروج البدن عن طبيعته كما يخرج فيما يستفرغ من المثانة وفيما يستفرغ من البطن وفيما يستفرغ من اللحم أو من غيره من البدن إن كان يسيراً كان المرض يسيراً وإن كان كثيراً كان المرض عظيماً وإن كان كثيراً جدّاً كان ذلك دليلاً على الموت.
قال جالينوس: هذا الفصل يوجد آخر الفصول في أكثر النسخ، وقد يوجد في كثير من النسخ فصول كثيرة ملحقة مفتعلة، مثل هذه الفصول التي مرّت في تلك الفصول الصحيحة التي تقدّمت بعضها بذلك اللفظ بعينه وبعضها قد غيرت قليلاً عن ذلك اللفظ وبعضها قد زيد فيها زيادة يسيرة وكلّها يشبه ما تقدّم من قول أبقراط، لم نر أنّ بنا الحاجة إلى أن نذكرها ولا أن نفسّرها كما ليس نحتاج أيضاً هذا الفصل الذي وصفناه الآن منّا إلى تفسيره. وذلك أنّه ليس فيه معنى زائد على ما قد تقدّم أبقراط فوصفه مرار كثيرة وعبارته أيضاً لا تشبه عبارة أبقراط.
وأمّا جملة معناه فحقّ، وهي أنّ خروج العضو بمقدار يسير عن حاله الطبيعية أيّ عضو كان يدلّ على أنّ مرضه أقلّ، وخروجه عن ذلك أكثر يدلّ على أنّ مرضه أعظم، وخروجه إلى الحال الخارجة من الطبيعة بمقدار كثير جدّاً يدلّ على أنّ مرضه مرض قتّال.
تمّت المقالة السابعة من فصول أبقراط وتفسير جالينوس لها.