Galen: In Hippocratis Aphorismos I–V (On Hippocrates' Aphorisms I–V)

Work

Galen, In Hippocratis Aphorismos I–V (Ἱπποκράτους ἀφορισμοὶ καὶ Γαληνοῦ εἰς αὐτοὺς ὑπομνήματα I–V)
English: On Hippocrates' Aphorisms I–V

Text information

Type: Translation (Arabic)
Translator: Ḥunayn ibn Isḥāq
Translated from: Syriac (Close)
Date: between 840 and 870

Source

Peter E. Pormann et al.. Šarḥ Ǧālīnūs li-Fuṣūl Abuqrāṭ bi-tarǧamat Ḥunayn ibn Isḥāq. 2017

Text made available under a Creative Commons Attribution 4.0 International license.

Pormann, P., Karimullah, K., Carpentieri, N., Mimura, T., Selove, E., Das, A., and Obaid, H. (2017). Šarḥ Ǧālīnūs li-Fuṣūl Abuqrāṭ. University of Manchester. https://doi.org/10.3927/51689293 (bk. 1), https://doi.org/10.3927/51689327 (bk. 2), https://doi.org/10.3927/51689446 (bk. 3), https://doi.org/10.3927/51931732 (bk. 4), https://doi.org/10.3927/51931800 (bk. 5)

Source manuscripts:

Paris, Bibliothéque Nationale, arabe 2837 (1), fol. 1r–101v (P1)
Madrid, Escorial, árabe 789 (1), fol. 1v–166v (E5)
Madrid, Escorial, árabe 790 (1), fol. 1r–158v (E6)
Madrid, Escorial, árabe 791 (1), fol. 1r–111r (E7)
Madrid, Escorial, árabe 818 (3), fol. 88r–128v (E11)
Rome, Biblioteca Apostolica Vaticana, Vat. ebr. 426 (1), fol. 1r–101r (R1)

Download

gal_inhippaphor_pt1-transl-ar1.xml [883.24 KB]

بسم اللّه الرحمن الرحيم ربّ وفّق

المقالة الاولى من تفسير جالينوس لفصول أبقراط ترجمة حنين بن إسحاق

قال أبقراط: العمر قصير والصناعة طويلة والوقت ضيّق والتجربة خطر والقضاء عسر وقد ينبغي لك أن لا تقتصر على توخّي فعل ما ينبغي دون أن يكون ما يفعله المريض ومن يحضره كذلك والأشياء التي من خارج.

قال جالينوس: قد اتّفق جلّ من فسّر هذا الكتاب على أنّ هذا القول فصلاً واحداً كان أو فصلين فهو صدر لهذا الكتاب كلّه، لكنّه يعسر أن يعلم ما الذي أراده أبقراط باتسعماله هذا الصدر. ولعّلنا نقف على ذلك أنّ نحن تقدّمنا وبحثنا عن جميع ما في هذا القول شيئاً شيئاً. وقد اتّفق جميع من فسّر هذا الكتاب أنّ أبقراط إنّما قال إنّ «العمر قصير» لمّا قاسه إلى طول صناعة الطبّ. فأمّا الصناعة فأرى أنّه إنّما قال إنّها طويلة، لأنّ الوقت الذي يفعل فيه كلّ واحد من جلّ أفعالها الجزئية يسير ضيّق ولذلك يعسر الوقوف عليه حتّى يحتاج الذي يريد تعرّفه إلى رياضة طويلة ودربة بالغة، ولأنّ استخراج جميع ما يستخرج في الصناعة يكون بآلتين أحدهما التجربة والأخرى القضاء بالقياس، واستعمال الأولى خطر، واستعمال الثانية ليس يسهل لكنّه من أعسر ما يستعمل. وإنّما صار الوقت ضيّقاً من قبل جنس العنصر الذي تستعمله هذه الصناعة وهو أبدان الناس. وذلك لأنّ البدن سريع الاستحالة سهل التغيّر من نفسه فضلاً عن تغيّره من الأسباب التي من خارج.

فأمّا التجربة فإنّما صارت خطراً لشرف هذا العنصر لا لسرعة استحالته، فإنّ هذا قد دخل في ضيّق الوقت. فأمّا القضاء فإن فهم منه ما قد فهمت أنّه يعني به القياس فصعوبته بيّنة إذا كان الاختلاف فيه باقياً في سالف الدهر إلى هذه الغاية. وإن كان إنّما عنى به ما قال قوم من أصحاب التجارب وهو الحكم على الأشياء التي تمتحن بالتجربة وما يعقب فإنّ ذلك أيضاً ممّا لا تخفى صعوبة الوقوف على حقيقته، إلّا أنّه يستبين في غرض هذا الكتاب كلّه أنّ الذي وضعه رجل من أصحاب القياس. وفي هذا الموضع يقضي الجزء الأوّل من صدر هذا الكتاب. وأمّا الجزء الثاني منه فلم يخرجه مخرج خبر كما فعل في الجزء الأوّل لكنّه أخرجه مخرج مشوّره، فقال «وقد ينبغي لك أن لا تقتصر على توخّي فعل ما ينبغي دون أن يكون ما يفعله المريض ومن يحضره كذلك والأشياء التي من خارج» كأنّه قال «قد ينبغي لك أيّها القارئ لكتابي هذا إن أردت أن تختبر وتمتحن وتعرف حقيقة ما كتبت في كتابي هذا أن لا تقتصر إذا كنت متطبّباً على أن تفعل جميع ما تفعله على ما ينبغي،
لكنّه قد يجب أن يجري جميع أمر المريض ومن يخدمه والأشياء التي من خارج على الصواب وما لا يلحقه ذمّ». فتصير جملة القول الأوّل محصورة في قوله «العمر قصير والصناعة طويلة»، لأنّ جميع ما يتلو هذا من القول الأوّل إنّما هو برهان على أنّ «الصناعة طويلة». ويصير القول الثاني بعده كأنّه شرط وصلح فيما بينه وبين من يريد قراءة كتابه وامتحانه. وقد ينبغي الآن أن ننظر ما الذي أراد بتصديره في أوّل كتابه أنّ «العمر قصير» إذا قيس إلى طول صناعة الطبّ. فإنّ هذا هو الغرض الذي قصدنا إليه منذ أوّل كلامنا. وقد قال قوم إنّه إنّما أراد بذلك أن يحثّ من يقصد لتعلّم هذه الصناعة على ما ينبغي وما يستحقّ، وقال آخرون إنّه إنّما أراد بذلك الصدّ عنها، وقال آخرون إنّه إنّما أراد بذلك محنة من يريد تعلّم هذه الصناعة على ما ينبغي ومن ليس كذلك والتمييز بينها. وقال آخرون إنّه إنّما أراد بذلك أن يبيّن العلّة التي لها ينبغي أن يوضع كتب الطبّ على طريق الفصول. وقال آخرون إنّه إنّما وصف في هذا القول الأسباب التي من أجلها صارت هذه الصناعة تستعمل الحدس والتقريب،
وقال آخرون إنّه إنما أراد به أن يصف من كم سبب يخطئ المتطبّب غرضه. وأنا مبتدئ بقول آخر ممّا ذكرت فأقول إنّهم قد بعدوا جدّاً عن المعنى فيما أرى . وذلك أنّه ليس من فعل حكيم ولا ممّا يشبه عقل أبقراط خاصّة وعلمه أن يفتح كتابه بأن يعلّم أنّ هذه الصناعة صناعة إنّما تستعلم الحدس والتقريب أو أنّها قد تخطئ غرضها والغاية التي يقصد إليها إما بسبب المستعملين للصناعة وإما بسبب طول الصناعة نفسها. وقوله أيضاً «وقد ينبغي لك أن لا تقتصر على توخّي فعل ما ينبغي دون أن يكون ما يفعله المريض ومن يحضره كذلك والأشياء التي من خارج» يدلّ على ضدّ ما ذكر هؤلاء. وذلك أنّ هذا القول إنّما يليق برجل يتضمّن صحّة جميع ما يصفه في كتابه لا برجل يقرّ بأنّه قد يخطئ غرضه والغاية التي يقصد إليها من قبل أسباب كثيرة. ولو كان أراد ذلك لما كان يقول «وقد ينبغي لك»، لكنّه كان من بعد قوله «العمر قصير والصناعة طويلة والوقت ضيق والتجربة خطر والقضاء عسر» سيتبع قوله هذا بأن يقول «وقد يخطئ المتطبّب أيضاً على المريض والمريض على نفسه وخدمه عليه».
ومن قال أيضاً إنّه إنّما أراد بقوله إنّ «العمر قصير والصناعة طويلة» أن يصدّ عنها فلا أرى أنّه محسن. فإنّه من غاية الجهل أن يضع رجل كتاباً يخلفه لمن يأتي بعده كأنّه مما ينتفع به، ثمّ يجعل افتتاح كلامه فيه الصدّ عن الصناعة بأسرها التي تضمن تعليمها فضلاً عن قراءة كتابه وتعلّم ما كنت فيه. فأمّا من قال إنّه إنّما أراد بهذا القول أن يحثّ على تعلّم هذه الصناعة بحرص وعناية لأنّه لا يمكن تعلّمها واستيفاؤها بأسرها إلّا بذلك إذ كان العمر الذي يتعلّم فيه قصيراً وكانت هي في نفسها طويلة فإنّه وإن كان قد قال حقاً فإنّه لا يشبه فيما أرى هذا الصدر عقل أبقراط ورأيه ولا ما قاله في كباته هذا وكذلك عندي قول من قال إنّه إنّما قصد بهذا القول إلى امتحان من يريد تعلّم هذه الصناعة، فإنّ هذا القول أيضاً حقّ وقد قال أفلاطون إنّ من أبلغ الأشياء في امتحان همّه المتعلّم لصناعة ما أيّ صناعة كانت أن يبيّن له أنّ تعلّمها طويل عسر
إلّا أنّ ذلك إنّما يكون بالمشافهة لا توضعه في كتاب ولا أرى أيضاً أنّ هذا الصدر يشبه هذا الكتاب. وذلك أنّه ينبغي أن يكون الصدر مشاكلاً لما يذكر في الكتاب إلّا أن يكون أبقراط أراد أن يقرأ كتاب الفصول قبل سائر كتبه كلّها فجعل لذلك في صدره كلاماً عامًّا لصناعة الطبّ كلّها يدلّ به على أنّ تعلّم الطبّ ليس يصل إليه كلّ من أراده إذ كانت صناعة طويلة وإنّما يصل إليها من كان يتّسع له من الزمان ما يمكنه فيه تعلّمه وكانت طبيعته طبيعة مواتية له على ذلك.  ومن رأي أنّ هذا القول مقبولاً أعني أنّ أبقراط جعل صدر هذا الكتاب عامًّا لصناعة الطبّ كلّها فليس يذمّ أيضاً قول من قال إنّه إنّما أراد بهذا القول يبيّن العلّة التي من أجلها ينبغي أن توضع كتب الطبّ. وقد جعل أبقراط في كتاب له سمّاه قاطياطرين أي مدخل الطبّ صدراً عامًّا لجميع أنحاء الاستدلال في الطبّ كما سنبيّن في تفسيرنا لذلك الكتاب. فقد حصل عندي أنّ الذين قالوا إنّه إنّما أراد بهذا الصدر أن يبيّن العلّة التي من أجلها جعل طريق كلامه وتعليمه في هذا الكتاب على هذا النحو أعني على طريق الفصول أو أن يخبر بالجملة بمنفعة وضع الكتب هم أحمد قولاً من غيرهم.
وذلك أنّ هذا الطريق من التعليم أعني طريق الفصول وهو استقصاء جميع خواصّ المعنى الذي يقصد إليه بالإيجاز والإحاطة بها من أنفع الأشياء لمن أراد أن يتعلّم صناعة طويلة في عمر قصير. ومن أصوب الأشياء أيضاً أن يقال إنّه قد ينبغي بالجملة أن توضع كتب الطبّ، لأنّ العمر قصير إذا قيس إلى طول الصناعة. وذلك أنّه ليس أحد من الناس يقوى على أن يستخرج هذه الصناعة ويستتمّها عن آخرها ويودّ الآتي بعده أن يتعلّم في المدّة القصيرة من الزمان ما علمه من كان قبله في مدّة طويلة من الزمان ثمّ يزيد ويستخرج هو أيضاً أشياء أخر فيصير يوماً ما إلى استكمال الصناعة. فإنّي أرى أنّ أبقراط إنّما استعمل هذا الصدر لأحد هذين المعنيين أو لهما جميعاً، كأنّه قال إنّه لمّا كان مقدار طول الصناعة مجاوزاً لمقدار عمر الإنسان حتّى لا يمكن الإنسان الواحد وإن بلغ الغاية من الحرص والاجتهاد أن يبتدئ بهذه الصناعة ويبلغ منها إلى غايتها ومنتهاها، صار من أجود الأشياء أن يكون الإنسان يخلف جميع ما علم في دهره لمن يأتي بعده في كتب كثيرة يشرح فيها جميع أمر الأشياء التي ذكرناها باستقصاء وإيجاز وبيان. فأمّا ما ذكره بعد هذا فإنّما جعله برهاناً على أنّ الصناعة طويلة وهو قوله «والوقت ضيّق
والتجربة خطر والقضاء عسر»، كما لو قال «العمر قصير والصناعة طويلة» لأنّ الوقت ضيّق والتجربة خطر والقضاء عسر. وذلك أنّ الصناعة إنّما صارت طويلة لأنّ وقت فعل ما يفعل منها ضيّق، يعني أنّه قليل المدّة ومع ذلك لأنّ الاشياء التي يتداوى بها تستخرج وتؤخذ باثنين وهما القياس والتجربة، والتجربة خطر والقياس عسر، يعني أنّه ليس يسهل معرفته. وليس يعسر أن تتبيّن صحّة كلّ واحد من هذه الأشياء التي ذكرناها بإيجاز واختصار. أمّا قوله «الوقت ضيّق» فمنحّل العنصر الذي تعالجه بهذه الصناعة أعني بدن الإنسان إذ كان يجري كما يجري الماء ويتغيّر في أقلّ الأوقات. وأمّا قوله «التجربة خطر» فلمكان العنصر الذي تعالجه صناعة الطبّ. وذلك أنّه ليس الجوهر الذي يعالجه الطبّ لبن أو طين أو خشب أو حجارة أو أجر أو جلود كالجواهر التي تعالجها سائر الصناعات فلا يضرّ أن يجرّب عليه ما يجرّب بأنحاء شتّى من التجربة ويرتاض في الصناعة ويدرس علومها ويتدرّب فيها كما يعمل النجّارون في الخشب والأساكفة في الجلود.
وذلك أنّ النجّار والإسكاف إن استعملا الخشب والجلود استعمالاً رديئاً فأفسدا هما فليس في ذلك خطر. والخطر في تجربة شيء لم يجرّب على بدن إنسان عظيم لأنّ التجربة إن وقعت رديئة عطب من يجرّب عليه وتلف حياته. والقضاء وهو القياس لأنّ به يقضى ويحكم على ما ينبغي أن يفعل فعسر والوقوف عليه صعب أعني القياس الصحيح كما قد ندلّك كثرة الفرق في الطبّ. وذلك أنّه لو كان يمكن أن يوجد الحقّ بسهولة لما كان يقع بين الطالبين له هذا الاختلاف كلّه، إذ هذه حالهم في أنفسهم وعلمهم وبهذا المقدار من الكثرة همّ. وأمّا أصحاب التجارب فيقولون إنّه لم يرد بالقضاء القياس وإنّما أراد به الحكم على الأشياء التي توجد بالتجربة وما يعقب. وبالحقيقة فإنّ هذا أيضاً عسر والوقوف عليه صعب أعني أن يكون المريض قد عولج بأصناف شتّى من العلاج فتظهر منفعته أو مضرّته فيحكم أن تكون المنفعة أو المضرّة إنّما كان سببها واحد من أصناف ذلك العلاج. وذلك أنّك إن جعلت في المثل أنّ مريضاً نام نوماً صالحاً ثمّ انتبه فمسح بدهن ثمّ ضمّد ثمّ حقن أو انطلق بطنه من تلقاء نفسه ثمّ أكل طعاماً بحال ما
ثمّ حدثت له بعد هذه الأشياء كلّها منفعة أو مضرّة فليس يسهل أن يقال من قبل أيّ هذه الأشياء كلّها التي كانت حدثت هذه المنفعة للمريض أو المضرّة. وجملة القول أنّه من أجل هذه الأشياء كلّها صارت الصناعة طويلة إذا قيست بمقدار عمر الإنسان الواحد. وصار وضع الكتب وتخليفها لمن يأتي بعدنا نافعاً لا سيّما إن كانت مختصرة على طريق الفصول، لأنّ هذا النحو من التعليم يصلح لأوّل تعلّم الإنسان بالشيء وليحفظه لما قد يعلّمه ولتذكّره ما ينساه بعد. وما قاله بعد هذا أيضاً موافق لهذا. وذلك أنّه أتبع قوله كلامه كأنّ في صدر كتابه في نفس الكتاب وما ذكر فيه فإنّه قال «وقد ينبغي لك أن لا تقتصر على توخّي فعل ما ينبغي دون أن يكون ما يفعله المريض ومن يحضره كذلك والأشياء التي من خارج». ومعنى قوله هذا أنّك إن أردت أن تختبر ما في كتابي هذا وتعرف حقيقته فليس ينبغي لك أن تقتصر على فعل ما يجب عليك فعله ولا تقتصر في شيء

ممّا ينتفع به المريض، لكنّه ينبغي أن يكون المريض أيضاً مطاوعاً لك غير متبع للذّته في شيء من الأشياء وينبغي أيضاً أن تكون خدم المريض فرهة أكياساً وينبغي أن تكون الأشياء التي من خارج كلّها مهيّأة معدّة على ما يصلح للمريض. فإنّ كثيراً ما يعرض من تلك أيضاً أن تبطل صحّة ما يتقدّم بمعرفته أو يفسد العلاج فلا ينجح أو يعرض الأمران جميعاً ويعني بالاشياء التي تعرض من خارج أمر المنازل أن تكون موافقة أو غير موافقة أو أن يكون يلحق المريض منها أذى أو لا يلحقه وما يختبر به المريض وما يفعل به ممّا يهيج به غضب أو غمّ أو غير ذلك ممّا أشبهه وما يمنعه بالليل من النوم وهي أشياء كثيرة لا يحصى عددها، كأنّه قال فإن جزئ أمر هذه الأشياء كلّها على ما ينبغي وما لا يذمّ منه بشيء لم يوجد شيء من جميع ما في هذا الكتاب باطلاً.

قال أبقراط: إن كان ما يستفرغ من البدن عند استطلاق البطن والقيء اللذين يكونان طوعاً من النوع الذي ينبغي أن ينقى منه البدن
نفع ذلك وسهل احتماله، وإن لم يكن كذلك كان الأمر على الضدّ، وكذلك خلاء العروق فإنها إن خلت من النوع الذي ينبغي أن يخلو منه نفع ذلك وسهل احتماله، وإن لم يكن كذلك كان الأمر على الضدّ وينبغي أن ينظر أيضاً في الوقت الحاضر من أوقات السنة وفي البلد وفي السنّ وفي الأمراض هل يوجب استفراغ ما هممت باستفراغه أم لا.

قال جالينوس: إنّ أبقراط لم يقل هذا القول في كمّية ما يستفرغ كما توهّم قوم، لكنه إنما قاله في كيفيته فقط، وممّا يدلّ على ذلك تكريره اسم النوع في قوله هذا مرتين. وذلك أنه تقدم فقال في الاستفراغ الذي يكون طوعاً: إن استفرغ البدن «من النوع الذي ينبغي أن ينقى منه نفع ذلك وسهل احتماله». ثم قال في الاستفراغ الذي يكون بالعلاج إن خلت العروق «من النوع الذي ينبغي أن يخلو منه نفع ذلك وسهل احتماله». وقد كان يمكنه أن يقول: إن استفرغ البدن بالمقدار الذي ينبغي أن ينقى، وأيضاً إن خلت العروق من المقدار الذي ينبغي أن يخلوا منه. والدليل على هذا أيضاً قوله «ينقى منه». وذلك أنه لم يستعمل اللفظة التي هي أعمّ فيقول: إن استفرغ البدن من النوع الذي ينبغي أن يستفرغ منه، لكنه قال «من النوع الذي ينبغي أن ينقى منه».

وإنّما يكون النقي أمر الشيء المؤذي بكيفيته. وقد أخطأ في هذا أكثر المفسّرين ولم يفهموا كلام الرجل ولا معناه. وخطأهم في أنّ بعضهم فهم من قوله «خلاء العروق » أي ترك الطعام، وبعضهم فهم عنه إخراج الدم، وخطأ هؤلاء أكثر من خطأ أولائك وأفحش. وذلك أنّ أبقراط يسمي كلّ استفراغ خلاء العروق من قبل ما يعرض منه، لأنه يعرض للعروق أن تخلو في كلّ استفراغ. فقوله هذا إنّما هو كما قلنا في كيفية ما يستفرغ. وكما أنّ أبقراط يأمر في جميع الحالات يقتدي الطبيب بما تفعله الطبيعة على ما ينبغي، كذلك فعل في هذا الموضع أيضاً فقدم القول في جزء الاستفراغ الذي يكون طوعاً فقال إنّه إذا استفرغ من البدن ما ينبغي، يعني به الأشياء المؤذية، نفع ذلك وسهل احتماله. وإن كان الاستفراغ من غير الشيء المؤذي كان الأمر على الضد، يعني أنّه لا ينفع وينال المريض في احتماله مشقّه. وكذلك أيضاً إن التمس الطبيب للبدن استفراغاً ما فليكن للاشياء المؤذية كالذي أمر به في مواضع أخر
أن يستفرغ الكيموس الذي يؤذي لا غيره. فإن كان البلغم قد غلب في البدن فينبغي أن يكون هو الذي يستفرغ بكلّ وجه يمكن به استفراغه. وإن كانت المرة الصفراء أو السوداء هي الموذية للبدن فينبغي ألّا يتعرّض للبلغم ويستفرغ المرّة المؤذية للبدن. وكذلك أيضاً إن كان الغالب في البدن الدم فإنّما ينبغي أن يستفرغ الدم، وإن كان الغالب مائية الدم فإيّاها ينبغي أن يستفرغ. وينبغي أن يستدلّ على الكيموس الغالب في البدن بلون البدن إلا أن تكون الكيموسات قد غارت في عمق البدن. فقد قال أبقراط إنّ اللون دالّ على الكيموسات ما لم تغر في عمق البدن. وإذا كانت الكيموسات على هذه الحال قد غارت وليست بمنثته في البدن كلّه بالسواء فيحتاج حينئذ خاصة إلى أن ينظر مع ما نظرت في الوقت الحاضرة من أوقات السنة والبلد والسنّ والأمراض هل توجب استفراغ ما هممت باستفراغه أم لا. فإنّ لكلّ واحد من الكيموسات إذا غلب في البدن علامات خاصّية سذكرها ذكراً شافياً فيما بعد، لكن قد ينبغي أن ننظر أيضاً في الوقت الحاضر من أوقات السنة
والبلد الذي مرض فيه ذلك المريض وفي سنّه وفي نوع مرضه ليستتمّ الاستدلال. فانزل أنّه ظهر في المثل في البدن علامات تدلّ على أنّ المرّة الصفراء قد غلبت عليه، فأقول إنّك تحتاج أن تنظر أيضاً هل الوقت الحاضر صيفاً وهل البلد حاراً وهل المريض في مشهّي الشباب. وكذلك إذا رأيت علامات البلغم تحتاج أن ننظر هل الوقت الحاضر شتاء وهل البلد بارداً وهل المريض شيخاً. وينبغي أن تنظر مع هذه الأشياء كلّها في نفس طبيعة المرض. مثال ذلك أنّ حمّى الغبّ في المثل من غلبه المرّة الصفراء، وحمّى الربع من غلبه السوداء، والحمّى الثانية في كلّ يوم من غلبه البلغم، والحمّى المطبقة هي من غلبه الدم وكذلك الورم المعروف بالفلغموني هو من غلبه الدم والمعروف باوذيما هو من غلبه البلغم، والسرطان هو من غلبه السوداء، والحمرة من غلبه المرّة الصفراء، وكلّ واحد من سائر الأمراض على هذا المثل. فإنّا نحن إن تحشّى عن هذه الوجوه كلّها كنّا من استفراغ ما يستفرغ من الكيموس الذي يؤذي على بصيره أصحّ وأوكد. فقد تبيّن أنّ أقبح المفسّرين قولاهم الذين توهّموا أنّ قوله هذا إنّما هو في الممتنع من الغذاء في الحمّى فقط. وذلك أن أبقراط لم يذكر في قوله هذا الحمّى وقوله عامّ في جميع الأشياء الخارجة عن الأمر الطبيعي

فعلمنا فيه أغراضاً إذا قصدنا إليها ونظرنا فيها وجدناها كيفية الاستفراغ لا كمّيته. وإنّما يذكر كمّيته في الفصل الذي يأتي بعد هذا. وسنذكر بعد في فصول أخر في أيّ وقت من أوقات المرض ينبغي أن تروم الاستفراغ وبأيّ وجه ينبغي أن تفعل. فليس تضطرّ في الأمر إلى ذكر هذه الأشياء في هذا الموضع، لأني إن ذكرتها لم أت بشيء أحسن ممّا قاله أبقراط وأكون قد طولت تفسيري بكلام ليس يضطرّ إليه شيء.

قال أبقراط: خصب البدن المفرط لأصحاب الرياضة خطر إذا كانوا قد بلغوا منه الغاية القصوى. وذلك اّنه لا يمكن أن يثبتوا على حالهم تلك ولا يستقرّوا. ولمّا كانوا لا يستقرّون وليس يمكن أن يزدادوا إصلاحاً، فبقي أن يميلوا إلى حال أردأ. فلذلك ينبغي أن ينقص خصب البدن بلا تأخير كيما يعود البدن فيبتدئ في قبول الغذاء. ولا يبلغ من استفراغه الغاية القصوى
فإنّ ذلك خطر لكن بمقدار احتمال طبيعة البدن الذي يقصد إلى استفراغه. وكذلك أيضاً كلّ استفراغ يبلغ فيه الغاية القصوى فهو خطر. وكلّ تغذية أيضاً هي عند الغاية القصوى فهي خطر.

قال جالينوس: أمّا القول الذي قد قيل قبل هذا فقد بيّنّا أنّ أبقراط إنّما قاله في كيفية ما يستفرغ. وأمّا في هذا القول وأقاويل أخر تتلوه فقصد فيها إلى ذكر كمّية ما يستفرغ وابتدأ بذكر الامتلاء المفرط والاستفراغ المفرط ووضع في قوله هذا، كما وضع في القول الذي قبله مثالاً وأجرى قوله نحوه كعادته. والمثال الذي وضعه هو خصب أبدان أصحاب الرياضة. وأعني بأصحاب الرياضة الذين جعلوها مهنة وأفنوا دهرهم في الاقتصار عليها والتغالب فيها كمثل المصارعين وغيرهم. وذلك أنّ خصب البدن الذي يقال قولاً مطلقاً يوجد في كثير من أصحاب الكدّ في حرث الأرض وإثارتها وحصد ثمره ما ينبت فيها

وعمل سائر ما يعمل لمصالح العيش ممّا في عمله تعب لا يبلغ الغاية القصوى من امتلاء البدن. وأمّا خصب أبدان أصحاب الرياضة فيذمّ منه مذمّة ليست باليسيرة، وذلك أنهم يقصدون إلى أن تكون أبدانهم كبيرة وتعظم أن تكثر الكيموسات فيها لا محالة، إذ كانت الكيموسات فيها عدّة لتغذية البدن كلّه وكان لا يمكن أن ينتفع البدن ويعظم أكثر ممّا ينبغي دون أن يكثر فيه، فيجب من قبل ذلك ضرورة أن تكون حالهم هذه حال خطر. وذلك أن العروق إذا امتلأت أكثر ممّا ينبغي لم يؤمن أن تنصدع أو نتخنق الحرارة الغريزية وتطفى، وقد عرض من هذا الوجه لقوم كثير من أصحاب الصراع عندما صارت أبدانهم إلى غاية الامتلاء أن ماتوا فجأة. وأمّا خصب البدن الذي يصلح لمن يقصد من الأعمال إلى ما يجري في المجر ى الطبيعي فمأمون عليه أن لا يلحقه شيء من أشباه هذه الأشياء التي فيها خطر من قبل أنه لا يبلغ الغاية القصوى من الامتلاء، ولذلك لا ينبغي أن ينقص كمثل ما ينبغي أن يفعل بحصب أبدان أصحاب الصراع إذا بلغوا إلى الغاية القصوى. فإنّ ذلك الخصب ينبغي أن يبادر إلى نقضه ويسابق
ما يتخوّف أن يحدث على صاحبه. وقد وصف أبقراط العلّة التي لها ينبغي أن ينقض هذا الخصب عند ما قال «وذلك أنّه لا يمكن أن يلبثوا على حالهم تلك ولا يستقرّوا». وذلك أنه لمّا كانت الطبيعة التي في البدن تنضج الغذاء دائماً وتنفذه إلى مواضعه وتقلبه في الكبد ويصير دماً ثمّ توزعه في الأعضاء ويصله بها ويشبهه بها، وجب من قبل هذا ضرورة أن يكون البدن إذا صار إلى حال لا يمكن معها أن يقبل أعضاؤه الأصلية شيئاً من الزيادة ولم يبق في العروق موضع لقبول ما ينفذ إليها من الغذاء، إمّا أن ينصدع بعض تلك العروق وإمّا أن يهجم الموت عليهم فجأة. فقد ينبغي لذلك أن يبادر إلى تغيير هذا الخصب ونقضه كيما يعود البدن فيكون فيه متّسع لقبول الغذاء ونقضه. فهذا هو استفراغ البدن وينبغي أن لا يفرط فيه، لأن حال الاستفراغ المفرط في الخطر ليس بدون حال الامتلاء المفرط. وليس ينبغي أن يكون الغرض في تقدير ما يستفرغ مقدار كثرة الشيء الغالب فقط، دون طبيعة البدن، أعني بالطبيعة قوّة بدن الانسان الذي يستفرغ. فإنّ الأبدان تتفاضل في احتمال الاستفراغ. وما قال في هذا الكلام إلى هذا الموضع جعله في أمر خصب أبدان أصحاب الرياضة وهو على وجهها نافع لمن أراد
علاج تلك المهنة وجعله للطبيب مثالاً بنى عليه القول الذي يأتي بعد. وذلك أنّه قال «وكذلك أيضاً كلّ استفراغ تبلغ فيه الغاية القصوى فهو خطر وكلّ تغذية أيضاً هي عند الغاية القصوى فهي خطر»، فدلّ بهذا أنّه يريد بجميع هذا القول أن يبيّن لنا أنّه لا ينبغي أن يفرط في استعمال ما يستفرغ البدن ولا في استعمال ما يملأه. وإنّ من أبلغ الأشياء في الدلالة على هذا خصب أبدان أصحاب الرياضة إذ كان في جميع حالاته إلّا اليسير غير مذموم، لأن الكيموسات في أبدان أصحاب الرياضة معتدلة المزاج والقوى قوية وقد يذمّ منه على حال بلوغه إلى غاية الامتلاء. ولذلك ينبغي أن يبادر إلى نقضه، وكما لا ينبغي أيضاً أن يبلغ في استفراغ من كانت هذه حاله الغاية القصوى كذلك لا ينبغي في استفراغ من احتاج إلى استفراغ ما أيّ استفراغ كان. وبالجملة فينبغي أن ينحوا في كل استفراغ نحو القوة ويخرج الفضل من البدن ما دامت القوة تحتمل ولم تخور، وإن ضعفت
فينبغي أن يمسك الاستفراغ وإن كانت قد بقيت من الفضل بقية. وأما قوله «وكلّ تغذية أيضاً هي عند الغاية القصوة فهي خطر» فإن أراد مريد أن يسوق الكلام نحوما وضع من المثال عليه لئلّا يكون مبتوراً، فإنّما يجوز عنده أن يكون قبل في البدن الذي تبلغ فيه الغاية القصوى من الامتلاء حتّى يكون كأنّه يتقدّم بالتحدير من أن يبلغ في تغذية الأبدان إلى الغاية القصوى من الامتلاء. فإن مال إلى ما ينحو إليه مخرج الكلام كما قال قوم ممّن فسّر هذا الكتاب فإنّه يتوهّم كلامه هذا في شيء واحد قد كرّره مرّتين على وجهين مختلفين. أمّا في قوله «وكذلك أيضاً كلّ استفراغ تبلغ فيه الغاية القصوة فهو خطر» فيكون قصده إلى أن يتقدّم بالتحدير من الاستفراغ المفرط لهذه العلّة فقط، أعني لأنّ الخطر فيه عظيم. وأمّا في قوله «وكلّ تغذية أيضاً هي عند الغاية القصوى فهي خطر» فيكون قصده أن ينهي عن الاستفراغ المفرط لأنّ في تغذية البدن من بعد حدوثه خطر من قبل أنّ القوّة قد خارت وضعفت وليس يمكنها أن تغيّر الغذاء على ما ينبغي ولا أن تثبته ولا أن تشبهه بالبدن. فإن فهم أحد كلامه على هذا المعنى كان أحد جزئي هذا القول قد سقط،

وهو قوله في الامتلاء الذي في الغاية القصوى، ويكون ذكره بحصب أبدان أصحاب الصراع باطلاً. وأقول أيضاً إنّ زيادته في قوله أيضاً يدلّ على أنّ هذا المعنى الذي قلت، وذلك أنه قال «وكلّ تغذية أيضاً هي عند الغاية القصوى فهي خطر» كأنّه إنّما قال أيضاً، لأنّ كلامه قبل هذا كان في شيء غير ما يزيد في هذا الكلام.

قال أبقراط: التدبير البالغ في اللطافة عسر مذموم في جميع الأمراض المزمنة لا محالة، والتدبير الذي يبلغ فيه الغاية القصوى من اللطافة في الأمراض الحادّة إذا لم تحتمله القوّة فهو عسر مذموم.

قال جالينوس: أمّا في القول الذي قبل هذا فإنّ أبقراط أحمل فيه ذكر كلّ امتلاء مفرط وكلّ استفراغ مفرط. وأمّا في هذا القول فإنّه قصد إلى ذكر تدبير تغذية المرضى

وأمرنا أن نحذّر دائماً في الأمراض المزمنة التدبير اللطيف ونحذّره في الحادّة أحياناً. وذلك أنّ أكثر الأمراض الحادّة يحتاج إلى الغذاء اللطيف وبعضها يحتاج إلى التدبير الذي قد بلغ الغاية القصوى من اللطافة، وهو ترك تناول الطعام البتة والاقتصار على تناول ماء العسل وحده إلى أن يأتي البحران. فأمّا التدبير اللطيف الذي لم يبلغ فيه الغاية القصوى فهو تناول اليسير من الطعام أو تناول ما يغذو منه غذاء يسيراً مثل ماء كشك الشعيرة. وحدّ التدبير اللطيف هو نقصان القوّة التي إنّما تغذو بسببها. فينبغي أن يقصد في أمر القوّة بتدبير الغذاء في الأصحّاء لأحد أمرين إمّا لتحفظ قواهم فيهم على الحال التي يجدها عليها وإمّا لتزيد فيها. والغذاء الذي يزيد فيها فهو غليظ، والغذاء الذي يحفظها فهو معتدل، والغذاء الذي ينقص منها فهو لطيف. وقد ينبغي لنا أن نحذّر دائماً هذا الغذاء اللطيف فيهم. ويكون استعمالنا أحد الوجهين الآخرين على حسب ما تدعو إليه حالهم. وأمّا في المرضى فليس يكاد نعني الزيادة في قواهم لكنّا نعني في الأكثر إما بأن يحفظها على الحال التي وجدناها عليها وذلك في الأمراض المزمنة وإمّا بأن لا يكون نقصانها نقصاناً قادحاً وذلك في الأمراض الحادة، لأنّا إن قصدنا دائماً لحفظها على الحال التي وجدناها عليها في الأمراض الحادّة
أو الزيادة فيها زدنا في المرض. وقد تبيّن وشرح لنا أبقراط في كتابه في تدبير الأمراض الحادّة الذي رسمه قوم بكتاب ماء الشعير أيّ الأمراض الحادة تحتاج إلى التدبير الذي هو في الغاية من اللطافة وليس في الغاية القصوى وأيّها تحتاج إلى التدبير الذي ليس هو في الغاية. وسأبيّن لك أيضاً هذا كلّه وأشرحه في تفسيري لذلك الكتاب. فأمّا الآن فنكتفي أن نقتصر على هذا المقدار من القول وهو أنّه إذا كانت القوّة قوية وكان منتهى المرض وبحرانه مزمع أن يكون في اليوم الرابع أو قبله فينبغي أن يلزم المريض بترك تناول الطعام البتّة، وهذا هو التدبير الذي هو في الغاية القصوى من اللطافة. وإذا كانت القوة أيضاً قوية وكان منتهى المرض وبحرانه لا يتجاوز اليوم السابع فينبغي أن يقتصر بالمريض على تناول ماء العسل وحده. وهذا هو التدبير الذي في الغاية من اللطافة، إلا أنه ليس في أقصاها. فإن لم يثق بالقوّة استعملنا مع ماء كشك الشعير، وهذا هو التدبير اللطيف الذي ليس في الغاية. وأمّا تناول ماء كشك الشعير بثفله فليس هو تدبير لطيف

إلا أن يتناول منه الشيء اليسير، وليس هو أيضاً بتدبير غليظ، كمثل التدبير بكشك الحنطة والبيض والسمك وسائر ما أشبه ذلك. فقوله «إذا لم تحتمله» في ذكره الأمراض الحادّة ليس إنّما قاله لمكان أنّ الأمراض الحادّة جدًّا، لأنه يقول فيما بعد «إذا كان المرض حادّاً جدّاً فإنّ الأوجاع التي في الغاية القصوى تأتي فيه بدياً فيجب ضرورة أن يستعمل فيه التدبير في الغاية القصوى من اللطافة».

قال أبقراط: في التدبير اللطيف قد يخطئ المرضى على أنفسهم خطأ يعظم ضرره عليهم، وذلك أنّ جميع ما يكون منه من الخطأ أعظم ضرراً ممّا يكون منه في الغذاء الذي له غلظ يسير ومن قبل هذا صار التدبير البالغ في اللطافة في الأصحّاء أيضاً خطراً لأنّ احتمالهم لما يعرض من خطائهم أقلّ ولذلك صار التدبير البالغ في اللطافة في أكثر الحالات أعظم خطراً من التدبير الذي هو أغلظ قليلاً.

قال جالينوس: إنّ أوّل هذا الفصل قد يوجد في بعض الكتب على هذه النسخة التي تستأنف وصفها لا على المتقدّمة وهي هذه: في التدبير اللطيف قد يخطئ المرضي على أنفسهم خطأ كثيراً يعظم ضررهم. وقد اختار قوم هذه النسخة على النسخة الأولى، وظنّوا أنّ أبقراط يعني بقوله هذا أنّ المرضي يضطرّون إلى أن يخطئوا على أنفسهم إذا حملهم الأطبّاء على التدبير اللطيف شرًّا منهم لأخذهم إيّاهم بالتدبير اللطيف، ولذلك ينالهم من الضرر أعظم ممّا كان ينالهم لو كانوا ليس يدبّرون بالتدبير اللطيف. وذلك لأنّهم يضطرّون إلى الخطأ فتخطئون ولأنّ ذلك يكون منهم بعد أن تكون القوّة قد ضعفت بحمل الحمّية عليها. والنسخة الأولى هي أجود. وذلك أنّ معنى ما في هذه النسخة داخل فيها والقول في تلك أعمّ لأنّه يشتمل على كلّ خطأ للمريض بإرادته وعن غير إرادته حتّى يكون القول على معنى ما في النسخة الأولى على هذا المثال: أنّ الخطأ الذي يعرض لأصحاب التدبير اللطيف أيّ خطأ كان أعظم خطر من قبل ضعف القوّة بحمل التدبير عليها ومن قبل أنّهم لم يعتادوا الشيء الذي يحدث فيه الخطأ.

وممّا يشهد أيضاً على صحّة النسخة الأولى ما قال أبقراط في الأصحّاء. وذلك أنه قال أن التدبير اللطيف في الأصحّاء خطر لأنّ احتمالهم لما يعرض من خطائهم أقلّ لا أنّهم يضطرّون إلى الخطأ من قبل لطافة تدبيرهم. وأمّا ما يتلو ممّا ذكرنا في هذا الفصل فهو بيّن.

قال أبقراط: أجود التدبير في الأمراض التي في الغاية القصوى التدبير الذي في الغاية القصوى.

قال جالينوس: إنّ أبقراط يعني بالأمراض التي في الغاية القصوى الأمراض التي هي في غاية العظم وليس ورائها غاية من الأمراض. وأمرنا أن يكون تدبيرنا فيها التدبير الذي ليس ورائه غاية في الاستقصاء، وإذا كان كذلك فبيّن أن يجعل الغذاء في غاية اللطافة. وهذه الأمراض لا محالة هي الأمراض التي يسمّيها حادّة جدّاً ولذلك أتبع أبقراط هذا الفصل بفصل بعده قال فيه هذا القول:

قال أبقراط: وإذا كان المرض حادّاً جدّاً فإنّ الأوجاع التي في الغاية القصوى تأتي فيه بديئاً فيجب ضرورة أن يستعمل فيه التدبير الذي في الغاية القصوى من اللطافة.
فإذا ما لم يكن كذلك لكن كان يحتمل من التدبير ما هو أغلظ من ذلك فينبغي أن يكون الانحطاط على حسب لين المرض ونقصانه عن الغاية القصوى. وإذا بلغ المرض منتهاه فعند ذلك يجب ضرورة أن يستعمل التدبير الذي هو في الغاية القصوى من اللطافة.

قال جالينوس: كما أنّ أبقراط عنى فيما تقدّم بقوله «الأمراض التي في الغاية القصوى» الأمراض التي في غاية العظم، كذلك عنى في هذا القول بقوله «الأوجاع التي في الغاية القصوى» الأوجاع التي في غاية العظم وعنى بالأوجاع نوائب الحمّى أو جميع الأعراض بالجملة. فإنّ نوائب الحمّى وجميع الأعراض بالجملة تكون في المرض الحادّ جدّاً في الأيّام الأوّل منه في غاية العظم من قبل أنّ فيها يكون منتهاه وليس المنتهى شيء سوى عظم أجزاء المرض في أعراضه. والمرض الحاد جدّاً هو الذي يكون منتهاه بديئاً. وينبغي أن يفهم من قوله «بديائً» الأربعة الأيّام الأوّل أو بعدها قليلاً. فينبغي لذلك أن يستعمل فيها منذ أوّلها التدبير الذي في الغاية القصوى من اللطافة، إذ كان ينبغي أن يستعمل التدبير الذي في الغاية القصوى من اللطافة في منتهى المرض، كما قد بيّن أبقراط في كتابه في تدبير الأمراض الحادّة وفي هذا الفصل. وكان منتهى المرض الحادّ جدّاً يكون في الأيّام الأوّل منه.

وقد بيّنّا في كتب أخر بياناً شافياً أنّ استعمال التدبير اللطيف الذي في الغاية القصوى من اللطافة في وقت منتهى المرض واجب. فليكتفي الآن هذا المقدار من القول أنّه إن توقّى متوقّ من إعطاء المريض غذاء ذا قدر من أجل أورام كانت به أو التهاب أو من أجل الحمّى اللازمة في المرض الحادّ جدّاً فواجب أن يكون توقّيه كذلك في وقت المنتهى غاية التوقّي. وذلك أنّ الأورام والالتهاب في ذلك الوقت تكون في غاية عظمها، كما قد بيّن أبقراط في كتابه في تدبير الأمراض الحادّة. والاسم الذي سمّى به أبقراط هذا المعنى في ذلك الكتاب يفهم على معنى خاصّ وهو الورم الحارّ وعلى معنى عامّ يشتمل على الأورام وعلى الحرارة الزائدة وعلى الالتهاب وعلى الحمّى على نحو عادة القدماء فعلى أيّ المعنيين فهمتم فهو حقّ، وأيضاً معما قلناه من أمر الأورام الحارّ والحمّى فالأجود في وقت المنتهى أن تدع الطبيعة والمثابرة على إنضاج المرض ولا تشغلها عنه بإنضاج غذاء تورده عليها في ذلك الوقت. فلهذه الأسباب ينبغي أن يستعمل في المنتهى التدبير الذي في الغاية القصوى من اللطافة. وإذا كان هذا هكذا فليس يمكن أن يستعمل في الأمراض التي منتهاها متأخّر عن ذلك المقدار متداول ما يحدث التدبير الذي في الغاية القصوى من اللطافة. وذلك أنّك إن فعلت هذا مات المريض قبل أن يبلغ إلى منتهى مرضه.

وأمّا الأمراض التي ينتهي منتهاها بدياً أعني في الاربعة الايّام الأوّل فيمكن أن يستعمل فيها التدبير الذي هو في الغاية القصوى من اللطافة لأنّ في الطبيعة احتملاً لترك الغذاء بتّة والاقتصار على ماء العسل وعلى اليسير جدّاً من ماء الشعير. وهذا هو التدبير الذي في غاية اللطافة. وما كان دون هذا في اللطافة وهو الذي سمّاه التدبير الأغلظ فإنّما يصلح الأمراض التي منتهاها متأخّر عن هذا الوقت، وأمر أبقراط في هذه الأمراض أن يكون انحطاطنا في التدبير من الغاية القصوى من اللطافة إلى ما دون ذلك على حسب نقصان المرض عن الغاية القصوى، يعني بالمنتهى. وذلك أنّه إذا كان المنتهى قريباً فينبغي أن يكون تغليظنا للغذاء يسيراً. وإذا كان أبعد فينبغي أن يكون تغليظنا للغذاء أزيد، وكلّما كان المنتهى فيما يقدر أبعد فعلى حسب ذلك ينبغي أن يكون تغيير ظريق الغذاء.

قال أبقراط: إذا بلغ المرض منتهاه فعند ذلك يجب ضرورة أن يستعمل التدبير الذي هو في الغاية القصوى من اللطافة.

قال جالينوس: إنّ هذه القول أيضاً من أبقراط هو جزء من علم التدبير، وبعضهم يفرده ويكتبه على حدّة مثل ما وصفناه في هذا الموضع، وبعضهم يضيفه بالفصل الذي قبل هذا كما وصفناه فيما تقدّم. وكيف ما كتب فالمعنى الذي يدلّنا عليه معنى واحد وهو أنّ أبقراط أمر أن يستعمل في وقت منتهى المرض التدبير الذي في الغاية القصوى من اللطافة، وذلك لعظم الأعراض في ذلك الوقت ولكيما ينضج المرض. وذلك لأنّه لا ينبغي أن تشغل الطبيعة عن إنضاج الأخلاط المولدة للمرض إذ كانت في ذلك الوقت مكثه عليها بقوّتها كلّها وإنّما بقي لها اليسير حتّى تستكمل الغلبة عليها. فيجب أن لا تشغلها بانضاج غذاء جديد يورده عليه كما قد يبّنّا في كتاب البحران وجميع هذا القول من أبقراط إنّها هو في الأمراض التي تروم علاجتها والتدبير فيها،

وهي التي يأتي بعد منتهاها انحطاط، لأنّ الأمراض التي يأتي عند منتهاها الموت فإنّما يستعمل فيها جزءاً جزءاً من الطبّ وهو تقدمة المعرفة ويقتصر على أن يتقدّم فنخبّر بما تكون كيما لا ينسب إلى أنّه كان لنا فية سبب. وهذا وجه واحد يستدلّ به على طريق تقدير الغذاء وهو من أوقات المرض وله وجه آخر يستدلّ به عليه من قوّة المريض نصفه في الفصل الذي بعد هذا.

قال أبقراط: وينبغي أيضاً أن تزن قوّة المريض فتعلم هل كانت تثبت إلى وقت منتهى المرض وتنظر أيّ الأمرين كائن أقوّة المريض تخور قبل غاية المرض ولا يبقى على ذلك للغذاء أم المرض يخور قبل وتسكن عاديته.

قال جالينوس: ولمّا كان أبقراط قد أمر في الفصل الذي قبل هذا أن يكون انحطاط في التدبير الذي قد بلغ الغاية القصوى من اللطافة على حسب بعد المرض عن منتهاه،

زادنا في هذا الفصل مطلباً أخر ليكون معرفتنا بالمقدار الذي ينبغي أن لا يتجاوزه في الأنحطاط على الاستقصاء والصحّة. والمطلب الذي زادنا هو قوّة المريض. وذلك أنّا إنما نغذو بسببها، لا بسبب المرض نفسه. فمتى قدّرنا مقداراً ما من الغذاء بحسب بعد منتهى المرض وقربه فرأينا القوّة تفي بالثبات عليه إلى وقت منتهى المرض فإنّا نكون قد قدّرنا الغذاء على الاستقصاء. ومتى رأيناها تضعف على أن تفي به فينبغي أن تزيد في الغذاء وتغلظه على حسب ما يوجبه مقدار ضعف القوّة. ولهذا قد نضطرّ في بعض الأوقات إلى أن نغذو المريض في وقت منتهى المرض نفسه إذا عرض له عارض تحلّ قوّته. وهذا القول أيضاً هو جزء من جملة قول أبقراط في تدبير الغذاء وإن جعل جاعل هذا الفصل والفصل الذي قبله والذي يأتي بعده قولاً واحداً لم يخطأ. وأمّا أنا فإنّي إنّما جزّئته وفسّرته جزئاً جزئاً ليكون بيّن وأوضح.

قال أبقراط: والذين يأتي منتهى مرضهم بديئاً فينبغي أن يدبّروا بالتدبير اللطيف بديئاً، والذين يتأخّر منتهى مرضهم فينبغي أن يجعل تدبيرهم في ابتداء مرضهم أغلظ ثمّ ينقص من غلظه قليلاً قليلاً كلّما قرب منتهى المرض وفي وقت منتهاه بمقدار ما تبقى قوّة المريض عليه. وينبغي أن يمنع من الغذاء في وقت منتهى المرض فإنّ الزيادة فيه مضرّة.

قال جالينوس: إنّ هذا القول أيضاً متّصل بمعنى القول الأوّل الذي تقدّم، إلّا أنّه أعمّ منه. وذلك أنّ أبقراط قال في الفصل الذي تقدّم إنّه ينبغي أن يستعمل في الأمراض الحادّة جدّاً التدبير اللطيف جدّاً منذ أوّل المرض. وقال في هذا الفصل قولاً مطلقاً إنّه ينبغي في جميع الأمراض التي يأتي منتهاها بديئاً أي بعد ابتداء المرض بقليل أن يستعمل التدبير اللطيف. وأمّا الكلام الذي يتلو هذا فبيّن أنّه في هذا المعنى.

قال أبقراط: إذا كان للحمّى أدوار فامنع من الغذاء في أوقات نوائبها.

قال جالينوس: أمّا تقرير جملة الغذاء في كلّ واحد من الأمراض فأمرنا أبقراط أن نقصد فيه قصد غرضين، أحدهما منتهى المرض بحسب قربه وبعده والآخر قوّة المريض بحسب شدّتها وضعفها. وأمّا كيف تكون الأغذية الجزئية التي تتناول يوماً فيوماً على ما ينبغي فإنّه علّمنا ذلك في هذا الفصل فأمرنا أن نحذر أوقات نوائب الحمّى ولا نغذو فيها. وقد شرح ذلك شرحاً أبين من هذا في كتابه في تدبير الأمراض الحادّة فقال إنّه لا ينبغي أن يعطى المريض أغذيته في أوقات نوائب الحمّى ولا إذا قرب وقتها لكن في أوقات انحطاطها وسكونها.

قال أبقراط: إنّه يدلّ على نوائب المرض ونظامه ومرتبته الأمراض أنفسها وأوقات السنة
وتزيّد الأدوار بعضها على بعض نائبة كانت في كلّ يوم أو يوماً ويوماً لا أو في أكثر من ذلك من الزمان والأشياء التي تظهر بعد. ومثال ذلك ما يظهر في أصحاب ذات الجنب فإنّه إن ظهر النفث فيهم بدياً منذ أوّل المرض كان المرض قصيراً، وإن تأخّر ظهوره كان المرض طويلاً، والبول والبراز والعرق إذا ظهرت بعد فقد تدلّنا على جودة بحران المرض ورداءته وطول المرض وقصره.

قال جالينوس: إن كنت ذاكراً لما تقدّم قول أبقراط في تدبير الغذاء فإنّ الحاجة إلى ما قاله في هذا الفصل يكون عندك أبين. والذي تقدّم من قوله هو أنّه نحا في طريق تدبير الغذاء في الجملة نحو غرضتين، أحدهما قوّة المريض والآخر مرتبة المرض. فإنّ النظر في المرض هل يكون حادّاً أو حادّاً جدّاً أو مزمناً ومتى يكون منتهاه هو النظر في مرتبة المرض. وألحق الدليل على الأغذية الجزئية التي تتناول يوماً فيوماً من نوائب الحميات الجزئية.

فصارت الأعراض للتعرّف لتدبير الغذاء معرفة تامّة لا نقصان فيها ثلاثة أغراض، الأوّل قوّة المريض الثاني نظام المرض والثالث النوائب الجزيئة. فأمّا قوّة المريض فقد يمكنّا أن نعرفها منذ أوّل دخلة ندخلها إلى المريض من بيض عروقه ومن سائر ما قد وصفه أبقراط في كتاب تقدمة المعرفة. ومن قبل هذا أنّه لم يقل أحد إنّه لا يمكن أن يعرف مقدار القوّة، لكنّ جميع الأطبّاء متّفقون على أنّه كان لا يمكن أن يعرف مقدارها بالحقيقة فقد يعرف بالحدس الصناعي وهو الحدس الذي على سبيل التسديد والتقريب. وأمّا مرتبة المرض وكيف تكون نوائب الحمّى فإنّ كثيراً من الأطبّاء قد ظنّ أنّه لا يمكن أن يعرف من قبل أن يكون. وأمّا أبقراط فلم يظنّ هذا، وأمرها يعرف فيه كما يعرف سائر ما في الطبّ. وذلك أنّا ربّما عرفناها معرفة صحيحة يجوز أن نسمّيها يقيناً وربّما عرفناها بالحدس إلّا أنّ ذلك الحدس ليس هو الحدس العامّ كيف ما وقع لكنّه حدس صناعي قريب من الحقيقة واليقين فيتقدّم ويعلم متى يكون منتهى المرض وفي أيّ وقت الأوقات يعود نوبة الحمّى.
وقد شرح أبقراط هذا شرحاً أبين من هذا في كتابه في تقدمة المعرفة وفي كتاب أبيديميا، وقد فسّرنا نحن أيضاً ما وصف أبقراط في ذلك في هذين الكتابين شرحاً شافياً على رأي أبقراط في المقالة الأولى من كتابنا في البحران، وبيّنّا كيف يعلم متى يكون منتهى المرض قبل أن يكون بأقرب الطرف. وأمّا في هذا الموضع فإنّ أبقراط إنّما أتى بجملة من هذا المعنى بإجاز، ونحن أيضاً نمثّل طريقته فنبيّن ما وصف بأخصر ما يمكننا من القول وأوجزه. فإن أراد مريد أن يعلم جميع أمر هذا الطريق على ما ينبغي فليقرأ كتابنا في البحران. فأقول إنّ الأمراض أنفسها قد تدلّ على تناسب نوائب الحمّى وعلى نظام الأمراض. ومثال ذلك أنّ الحمّى الغبّ من الحمّيات التي تأخذ وتدع تدلّ على أنّ المرض يكون قصيراً والبحران سريعاً. وأمّا الحمّى النائبة في كلّ يوم فتدلّ على أنّ المريض طويل. وأمّا الربع فتدلّ على أنّ المرض أطول من النائبة في كلّ يوم. وأمّا الحمّى التي لا تفارق فإنّ الحمّى التي تسمّى المحرقة تدلّ على أنّ المرض حادّ، والحمى التي تسمّى اللثغة أطول، والحمّى المركّبة التي يقال لها باليونانية أنطريطاوس تدلّ على أنّها مرض متوسّط بينهما. وقد وصفت بأبلغ ما يكون من الشرح كيف يعرف جميع الحمّيات منذ أوّل أخذها في المقالة الثانية من كتاب البحران.
فليس ينبغي أن ننقل إلى تفسير هذا الفصل كلّما قد تقدّمنا فقلناه في كبت أخر وشرحناه على ما ينبغي، ولا أن نروم تكرير قولاً واحداً مراراً كثيرة في كتب شتّى في معنى واحد، لكن ينبغي أن نقتصر على أن نذكر بأنّه إن كان ممكنّا أن نعرف حمّى الغبّ، وأوّل ما يبتدئ فقد يمكن أن يعلم منها أنّ المرض قصير وبحرانه سريع وأنّها تنوب غبًّا، وهذا هو ما أراد أبقراط حين قال إنّ الأمراض نفسها تدلّ على نوائبها ومرتبتها. وقد عرفنا مراراً كثيرة حمّى الربع مذ أوّل ما ابتدأت في أوّل يوم أخذت ولم تحتج في تعرّفها إلى انتظار الدور الثاني فقدّرنا تدبيراً للمريض منذ أوّل مرضه على حسب ما يصلح لمرض يأتي منتهاه بعد زمان طويل. وكذلك تقديرنا التدبير في الحمّى النائبة في كلّ يوم والنائبة غبًّا على حسب قرب منتهى كلّ واحدة منهما وبعده. والحال في سائر الأمراض كالحال في الحمّيات. فإنّ ذات الجنب وذات الرئة والسرسام أمراض حادّة. والذبحة والهيضة التشنّج هي أمراض حادّة جدًّا.
وحمّى الغبّ أيضاً في نفسها قصيرة سريعة البحران، لكنّها في الصيف أقصر وأسرع بحراناً كثيراً منها في الشتاء. وكلّ واحد من سائر الأمراض يزيد في الصيف سرعه وفي الشتاء أبطأ. ونوائب الحمّى أيضاً تكون في الصيف أكثر ذلك غبًّا وتكون في الخريف ربعاً وتكون في الشتاء في كلّ يوم. وحال أصناف المزاج أيضاً عند مرتبة المرض ونوائب الحمّى كحال أوقات السنة، وقد علمنا أبقراط أمر أصناف المزاج مراراً كثيرة وترك ذكره في هذا الفصل اتّكالاً منه على أنّ الناظر في كتابه سيصرف ما قال في الأوقات إلى غيرها ممّا هو في نظيرها. وذلك إنّما يدلّ عليه الوقت إذا كان صيفاً قد يدلّ عليه مزاج المريض أيضاً إذا كان حارًّا يابساً وسنّه إذا كان قد بلغ منتهى الشباب والبلد الذي هو فيه إذا كان حارًّا يابساً والمهن والعادات التي تذهب هذا المذهب وحال الهواء المحيط بالمريض في الوقت الحاضر إذا كانت كذلك، ونستعلمك أمر هذه الأشياء فيما بعد. وكذلك أيضاً كلّما يدلّك عليه وقت الخريف من أمر نظام المرض وأدوار نوائب المرض وأدوار نوائب الحمّى قد يمكن أن يستدلّ عليه
من سنّ المريض ومن طبيعته وعمله وعادته والبلد الذي مرض فيه ومزاج الهواء الذي من قبله عرض له ذلك المرض في ذلك الوقت. وقد تبيّن أنّه قد يعرف من هذه الأسباب التي ذكرنا نظام الأمراض ونوائبها. أمّا نظام المرض فهل هو حادّ أم حادّ جدّاً أو مزمن، وهذا ممّا تحتاج إليه حاجة اضطرارية في تقدمة المعرفة بمنتهى المرض. وأمّا نوائب الحمّى فهل تكون غبًّا أو ربعاً أو في كلّ يوم وفي أيّ وقت من النهار أو من الليل يبتدئ. فلننظر الآن بعد هذا هل تدلّ على ما قاله أبقراط في أخر هذا الفصل على المعنيين الذين ذكرناهما أم لا. وذلك أنّه قال «وتزيّد الأدوار بعضها على بعض نائبه كانت في كلّ يوم أو يوماً ويوماً لا أو في أكثر من ذلك من الزمان». وتبيّن أنّه يعني بتزيّد الأدوار تزيّد نوائب الحمّى التي تكون في الأدوار، وقد يمكنك أن تعلم أنّ تزيّد النوائب تدلّ على طريق تزيّد المرض وقرب منتهاه أو بعده .
وممّا أصف أقول إنّه يعرف تزيّد النوبة الثانية على النوبة الأولى من ثلاثة أشياء، أحدها وقت نوبة الحمّى والآخر طول النوبة والآخر عظمها. وسواء عليك قلت عظمها أو شدّتها. فإنّ عادة الأطبّاء قد جرت بهذين الاسمين جميعاً ويريدون بهما معنى واحد في موضع كثيرة، فربّما قالوا إنّ هذه الحمّى هي أعظم من الحمّى التي تقدّمتها، وربّما قالوا إنّها أشدّ وأقوى منها. وقد يمكن أن يكون لبث هذه الحمّى التي هي أشدّ مثل لثب 〈الحمّى〉 التي تقدّمتها أو أقلّ منه أو أكثر منه، وليس هذا هو عظم النوبة أو شدّتها، لكنّه طولها. وينبغي لك أن تفهم عنّي من قولي تزيّد النوبة في هذا الموضع أردأ جزء الدور كلّه وهو ما بين أوّل ابتداء الحمّى وبين منتهاها، وكذلك انحطاط النوبة وهو أصلح حرء الدور وهو باقيه. وإذا تقدّمت نوبة الحمّى على قياس ما تقدّم من نوائبها غبًّا كانت أو ربعاً أو نائبة كانت في كلّ يوم وامتدّت مع تقدّمها زمان أطول ممّا كانت تمتدّ وكانت مع ذلك أشدّ ممّا كانت تكون، فتزيد المرض يبين ومقدار كلّ واحد من هذه الثلاثة يدلّ على مقدار تزيّد المرض.
وذلك أنّ النوبة إذا تقدّم أخذها بمقدار من الزمان أكثر وطالت أيضاً بمقدار أكثر واشتدّت أيضاً بمقدار أكثر، دلّت على أنّ تزيّد الحمّى قوي وأنّ حركة المرض سريعة وأنّ المنتهى قريب. وذلك أنّه لا يمكن أن يكون تزيّد النوائب عظيماً ثمّ لا يكون المنتهى قريباً. وأمّا النوبة التي هي ضدّ هذه وهي التي يكون تزيّدها قليلاً قليلاً في كلّ واحد من الثلاثة الخصال التي وصفنا فهي التي تدلّ من قبل هذا أنّ المنتهى أبعد. فهذا ما قد يتعرّفه من تزيّد الأدوار أعني أن نخبّر بعد كم من الزمان يكون منتهى المرض ويعلم منه أيضاً حدّ وقت نوبة الحمّى على الصحّة. والأوّل ممّا وصفنا يحتاج إليه لتقدير غذاء المريض في مرضه كلّه، والثاني ممّا وصفنا يحتاج إليه تتقدير أوقات غذائه في يوم يوم في علتّه، وهذان هما الشيئان الذان قصد أبقراط منذ أوّل كلامه إلى أن يعلمنا الأغراض التي يقصد لها في طلبها. وليس يشكّ أحد في أنّه إنّما بالدور عود الشيء إلى ما كان عليه.
ثمّ قال «والأشياء أيضاً التي تظهر بعد» يريد أنّه ينبغي أن يستدلّ أيضاً على نوائب الحمّيات ونظام المرض كلّه من الأشياء التي تظهر بعد. وسواء عليك سمّيت هذه الأشياء من الاشياء التي تظهر بعد أعراضاً أو علامات. وينبغي أن يعلم من أمر جميع العلامات والأعراض أنّ منها ما هي مقوّمة للأمراض بها قوامها ومنا ما هي لاحقة بها ومنها ما يدلّ على البحران ومنها ما يدلّ على النضج ومنها ما يدلّ على تمام النضج ومنها ما يدلّ على عدم النضج ومنها يدلّ على الهلاك. فالقيّمة للأمراض تبتدئ مع المرض منذ أوّله واللاحقة لها ربّما ابتدأت مع المرض منذ أوّله، وربّما حدثت من بعد، وربّما لم تحدث البتّة. وذلك أنّها ليست ممّا لا يفارق المرض ولا هي بمقيمة مقوّمة للشيء الذي هو المرض بمنزلة الجوهر، لكنّها تصير فيه أصنافاً مختلفة. وأمّا الأعراض التي سمّاها أبقراط أعراض البحران فليس يمكن أن تبتدئ مع المرض منذ أوّل ابتدائه الصحيح، ويمكن أن يبتدئ مع ابتداء المرض على المعنى الثاني، والثالث من معاني الابتداء وسأذكرها بعد قليل. وكثيراً ممّا لا يظهر فيها لكن يظهر في صعود المرض أو في منتهاه.
وأمّا علامات النضج فليس تبتدئ أيضاً في وقت من الأوقات مع المرض منذ أوّل ابتدائه لكن يحدث ابتداء المرض الذي هو جزء من جملته. وأمّا علامات عدم النضج فتبتدئ مع المرض منذ ابتدائه وربّما حدثت بعد ابتدائه، وكذلك علامات الموت. فإنّه حدوث هذا أيضاً إنّما هو من بعد. فأمّا ابتداء المرض فقد بيّنّا في كتاب البحران أنّه يقال إنّه على أوّل وقت يبتدئ فيه وهو وقت لا ينقسم ولا جزء له، ويقال على الوقت الذي هو جزء من جملة المرض إذا قسم إلى ابتدائه وتزيّده ومنتهاه وانحطاطه، ويقال أيضاً على الوقت الذي بين أوّل المرض وبين أن يمضي للمريض ثلاثة أيّام. فقد بيّنّا في ذلك الكتاب أيضاً قوى جميع الأعراض التي ذكرناها وشرحنا مع ذلك أقاويل من كلام أبقراط تحتاج إليها في هذا الكتاب حاجة اضطرارية وسنذكر تلك القوى في غير هذا الموضع أيضاً بإجاز. ومن أراد أن يستوعب علم أبقراط كلّه في هذا الكتاب فليقرأ ذلك الكتاب. ولمّا أشار أبقراط بأن يستدلّ على نظام المرض كلّه والأشياء التي تظهر بعد
ذكراً واحداً من الأمراض باسمه جعله مثالاً، فقال «ومثال ذلك ما يظهر في أصحاب ذات الجنب فإنّه إن ظهر النفث فيهم بدياً منذ أوّل المرض كان المرض قصيراً، وإن تأخّر ظهوره كان المرض طويلاً». وقد يقدر أن يعلم ما وصفه أبقراط من هذا علماً واضحاً إن أنا كتبت لك في هذا الموضع ما قال أبقراط في المقالة الثالثة من كتاب إبيذيميا في الرجل الذي أصابته ذات الجنب واسمه أنكسين، وقد شرحنا أمر هذا الرجل في المقالة الأولى من كتاب البحران. وهذا هو قول أبقراط فيه «أصاب أنكسين الملقى الذي كان بمدينة أبديرا عند الباب الذي إلى ناحية بلد تراقي حمّى حادّة ووجع دائم في جانبه الأيمن وسعال يابس ولم يقذف شيئاً في الأيّام الأوّل من مرضه وكان به عطش وأرق، إلّا أنّ بوله كان حسن اللون رقيقاً كثيراً. وأصابه في اليوم السادس هذيان. وكان يكمد فلا يخفّ ألمه بالتكميد. واشتدّ وجعه في اليوم السابع. وذلك أنّ حمّاه تتزيّد ولم ينقص وجعه وكان السعال يؤذيه وكان نفسه عسراً. وفصد في اليوم الثامن من باطن مرفقيه وأخرج له دم كثير كما كان ينبغي فخفّ وجعه، ولزمه السعال اليابس الذي كان به ولم يبعد. ثمّ خفّت حمّاه في اليوم الحادي عشر وعرق رأسه عرقاً يسيراً.
ولأنّ سعاله ورطب ما كان يقذفه من رئته. ثمّ ابتدأ يقذف في اليوم السابع عشر شيئاً نضيجاً يسيراً وخفّ. ثمّ عرق في اليوم العشرين وأقلعت عنه الحمّى. وخفّ من بعد أن أصابه البحران، إلّا أنّه كان به عطش ولم يكن ما ينفثه من رئته بمحمود. ثمّ عاودته الحمّى في اليوم السابع والعشرين وسعل وقذف شيئاً نضيجاً كثيراً. وظهر في بوله ثفل راسب كثير أبيض وسكن عطشه ونام. ثمّ عرق بدنه كلّه في اليوم الرابع والثلاثين وأقلعت عنه الحمّى وأصابه بحران تامّ». وكان مرض أنكسين هذا منذ أوّله ذات الجنب، إلّا أنّه لم يكن ينفث شيئاً منذ أوّله، لكن كان سعاله إلى اليوم الثامن يابساً بعد كما قال أبقراط. ولذلك تطاول مرضه إلى أربعة وثلاثين يوماً على أنّ مرض ذات الجنب على الأكثر إنّما يكون حدّ بحرانه في الرابع عشر، فإن تجاوز هذا فإنّه لا محالة يكون في اليوم العشرين. ولو كان قذف قبل أن يأتي عليه في مرضه ثلاثة أيّام لقد كان سيأتيه البحران في اليوم السابع أو في التاسع وأقصاه في اليوم الحادي عشر، ولو ابتدأ يقذف في اليوم الثالث لما جاوز مرضه الرابع عشر.
والسبب في هذا أنّه يعرض في جميع الأورام إذا كانت في عضو ليس عليه غطاء كثيف، كمثل ما على الأورام الحادثة تحت الجلد أن يرشح منها صديد ويكون في ابتداء رشحه رقيقاً ثمّ يصير بعد ذلك أنّ هو نضيج وصار إلى حال هي أفضل وأغلظ ممّا كان. وهذا القذف الذي هو أغلظ يختلف فيكون بعضه أقلّ نضجاً وبعضه أكثل نضجاً. ويظهر لك ما وصفنا من هذه الأورام الحادثة في الفم والعينين. وفي غيرهما ممّا تحت الجلد من الأعضاء إذا كان قد حدث فيما يغشيه من الجلد خرق نافذ. فإنّه قد يسيل من الجرح إذا كانت هذه حاله من الصديد مثل ما وصفنا. فإذا حدث ورم في وقت من الأوقات في تلك الأعضاء التي وصفنا يمنع من سيلان الصديد حتّى لا يخرج منه شيء البتّة، وجب ضرورة أن يكون ذلك الورم عسر النضج طويل اللبث. فعلى هذا المثال فافهم حال من به ذات الجنب. وذلك أنّ هذا المرض هو من حبس الأورام فينبغي أن يطلب فيه علامات النضج. وذلك أنّه إذا كان صاحبه لا ينفث شيئاً بتّة فمرضه في الغاية من عدم النضج، وهذه هي المرتبة الأولى منه. والمرتبة الثانية منه إذا قذف صاحبه شيئاً رقيقاً، والمرتبة الثالثة منه إذا صار ما ينفث منه أغلظ ممّا كان،
والمرتبة الرابعة منه إذا نضج النضج التام، إلّا أنّ هذا إن ظهر في اليوم الثالث أو في اليوم الرابع فليس يمكن أن يجاوز المرض اليوم السابع. ويلزم ضرورة أن يكون طول كلّ واحد من سائر أصناف هذا المرض وقصره على حسب ما يظهر فيه من مقدار النضج. وكما أنّه إذا نفث المريض بزاقاً مستوي الأجزاء أبيض مستوياً في جميع الأيّام ولم يكن قوامه رقيقاً ولا مفرط الغلظ كان علامة النضج التامّ، كذلك احتباس النفث البتّة تكون علامة لعدم النضج كلّه. فإن نفث المريض شيئاً لكنّه رقيق بعد كان ذلك علامة تدلّ على أنّ النضج ضعيف خفي. فإن كان ما ينفث خالصاً وكان لونه اللون الأحمر الناصع أو اللون الأصفر المشبّع فليس بمحمود. فإن كان لونه كمداً أو لون الزنجار أو أسود، كان من أدلّ العلامات على الهلاك. وقد لخّصت العلامات الدالّة على النضج والدالّة على عدم النضج والدالّة على الهلاك فينبغي أن يعلم أنّ علامات النضج جيدة محمودة لا محالة لأنّها تدلّ على أنّ انقضاء المرض يكون سريعاً، وكذلك علامات الهلاك أبداً رديئة لأنّها تدلّ على أنّ تلف المريض يكون سريعاً.
وأمّا علامات عدم النضج فإنّها تدلّ على أنّ المرض يطول ضرورة، وليس فيها نفسها دلالة تدلّ على أنّ المريض يموت أو يسلم، لكنّك إذا نظرت مع نظرك فيها في قوّة المريض قدرت أن تتقدّم فتعلم ما سيكون من أمره. ومن العلامات جبس آخر سمّاه أبقراط بحرانياً أي الدليل على البحران، وهو العرق والنافض وسيلان الدم والاختلاف الكثير والقيء الكثير والصداع العارض بغتة وعسر النفس العارض من غير علّة ظاهرة، والخفقان والتمدّد العارض فيما دون الشراسيف من غير وجع، والأرقّ الشديد واختلاط الذهن والقلق العارض في الليل من غير سبب يعرف ويقدّم نوبة الحمّى والدموع إذا عرضت بغتة من غير علّة تكون في العينين ولا حزن، والحمرة العارضة في الوجه واختلاج الشفة السفلي وأن يرى المريض إمامه سواداً أو شعاعاً، والحمرة التي تعرض بغتة في الوجنتين أو في الأنف والورم الحادث في أصل الأذن والخراج الذي يعرض في بعض الأعضاء. وهذه كلّه وغيرها ممّا أشبهها تسمّى أعراضاً من جهة الشيء الخاصّ الذي هو له بمنزلة الجوهر

وتسمّى علامات البحران، لأنّها تدلّ على تغيّر سريع، وهي تنذر بأحد أمرين. وذلك أنّها إن ظهرت من بعد نضج المرض دلّتك على سلامة قريبة، وإن ظهرت قبل أن يظهر نضج دلّتك على بحران ليس بمحمود وتؤدي إلى تلف المريض أو إلى طول مرضه. وقد يدلّك دلالة يبنة على أنّ طبيعة هذه العلامات الدالّة على البحران غير طبيعة العلامات الدالّة على النضج ما أنا واصفه لك، وهو أنّ أبقراط قال في المقالة الأولى من كتاب إبيذيميا إنّ «النضج يدلّ على سرعة البحران وعلى الثقة بالصحّة». وأمّا الشيء الذي لم ينضج إذا صار إلى الخروج الرديء فيدلّ إمّا على أنّه لا يكون بحران وإمّا على صعوبة وإمّا على طول من المرض وإمّا على موت وإمّا على عودة تكون من المرض.

قال حنين: يعني بالخروج الرديء على ضربين إمّا خروج على جملة البدن إلى أن يصير منه خراج في موضع من باطن البدن وإمّا خروج من باطن البدن حتّى يصير في موضع من ظاهره فيكون خراجاً.

قال جالينوس: وهكذا يمدح أبقراط نضج المرض بالجملة. وقد مدحه في شيء من الأشياء الخزئية في كتاب تقدمة المعرفة وعلمنا علاماته. فقال إنّ أفضل البول ما كان فيه قشار راسب أبيض أملس مستوي الأجزاء متساوياً في الأيّام إلى وقت بحران المرض.

وذلك أنّه يدلّ على ثقة وعلى أنّ المرض بسيط. فهكذا مدح النضج في البول لأنه يدلّ على النضج الكائن في العروق. ومدح أيضاً النضج الكائن في المعدة وعلمنا علاماته عند ما قال إنّ أفضل البراز ما كان ليناً متّصلاً يخرج في الوقت الذي كان يخرج فيه في الصحّة ومقداره على قياس ما يتناول. وكذلك أيضاً مدح النضج الكائن في آلات النفس وعلمنا علاماته فقال إنّه ينبغي أن يخرج البزاق في جميع الأوجاع التي تكون في الرئة والأضلاع بسرعة وسهولة، ويرى الأحمر الناصع فيه كثير شديد الاختلاط بالبصاق. فعلامات النضج محمودة لا محالة. فأمّا علامات البحران فليست كذلك، فقد قال أبقراط إنّ العلامات التي تكون في وقت البحران إذا ظهرت ثمّ لم يكن بحران، ربّما دلّت على موت وربّما دلّت على أنّ البحران يعسر. ودلّ أيضاً على هذا المعنى بعينه حين قال إنّ الأشياء التي تدلّ على أنّ البحران إلى الحال التي هي أفضل لا ينبغي أن تظهر بدياً. فأمّا علامات النضج ففي أيّ وقت ظهرت فهي محمودة، من قبل أنّ هذا الحبس كلّه من العلامات دالّ على خير لا محالة.
فليس إذاً قوله في هذا الفصل حيث قال مثال ذلك أنّ ما يظهر في أصحاب ذات الجنب فإنّه إن ظهر النفث فيهم بدياً منذ أوّل المرض كان المرض قصيراً مضادًّا لقوله إنّ الأشياء التي يكون بها البحران إلى الحال التي هي أفضل لا ينبغي أن تظهر بدياً. وذلك أنّ علامات البحران قد تكون في بعض الأوقات رديئة، وليس يكون شيء من علامات النضج في وقت من الأوقات رديئاً، لكنّها كلّها جيدة محمودة لا محالة، وكلّما كان ظهورها أسرع دلّت على أنّ برء المريض يكون أسرع. وقد يكتفى بما وصفنا من هذا على الايجاز والاختصار في هذا الموضع. وقد بيّنت رأي أبقراط وقلوله كلّه في هذا الباب في كتاب البحران. وكيما يكون قولنا في قسمة العلامات التي قسمناها قبيل تامًّا فإنّا واصف أمر العلامات المقوّمة للمرض والعلامات اللاحقة له ومبيّن بماذا يخالف العلامات التي ذكرناها قبيل وواضع لذلك واحداً من الأمراض وهو الذي ذكره أبقراط ليكون مثالاً. فأقول إنّ في ذات الجنب تظهر الحمّى الحادّة وعسر النفس والسعال والوجع العارض في الجنب ننخس هي علامات مقوّمة لهذا المرض. وبلوغ الوجع إلى ما دون الشراسيف أو إلى الترقوة من العلامات اللاحقة للمرض، وكذلك أيضاً أن يكون سهولة الاضطجاع على المريض على الجنب الوجع أكثر منها على الجنب الآخر.

وقد كتب أفركساغورس الذي من آل فسرحس في هذه العلامات اللاحقة للمرض مقالتين، وكتب في العلامات التي تحدث بعد مقالة واحدة، وإنّما أعني بالعلامات التي تحدث بعد العلامات التي تظهر بعد، وهي التي قال أبقراط إنّها إذا ظهرت دلّت على جودة البحران وردءته وقصر المرض وطوله. ولم يقتصر على ذكر البراق، لكنّه ذكر معه البول والبراز والعرق وجعلها لنا مثالاً ليذكرنا بها ما قال أبقراط فيها في كتاب تقدمة المعرفة ونقل ما قال في ذلك الكتاب إلى هذا الكتاب أنّي فضل. وذلك أنّا قد بيّناه في كتاب البحران وفي تفسيرنا لكتاب تقدمة المعرفة وشرحنا فيها رأي أبقراط وقوله فيها.

قال أبقراط: المشايخ أحمل الناس للصوم ومن بعدهم الكهول والفتيان أقلّ احتمالاً له وأقلّ الناس احتمالاً للصوم الصبيان، ومن كان من الصبيان أقوى شهوة فهو أقلّ احتمالاً له.

قال جالينوس: إنّه قد ينتفع أيضاً بمعرفة اختلاف الإنسان في معرفة تدبير الأغذية. وذلك أنّ الإمساك عن الطعام على المشائخ سهل وعلى الصبيان صعب. ومعنى السهولة أنّهم لا يجوعون جوعاً شديداً ولا يضرّهم ذلك، ومعنى الصعوبة ضدّ ذلك. وذلك أنّ الصبيان يجوعون أكثر من غيرهم وينالهم من المضرّة عند الإمساك عن الطعام وقتاً طويلاً أكثر. فأمّا الإنسان المتوسّطة فيما بين سنّ الصبيان وبين سنّ المشايخ فعلى حسب قربها من كلّ واحدة من هاتين السنتين يكون ما ينال أصحابها من الأذي والمضرّة عند الإمساك عن الطعام وقتاً طويلاً. وقد أخبر أبقراط بالعلّة فيما قاله في هذا الفصل في فصل أتى بعده أوّله أنّ «ما كان من الأبدان في النشو فالحارّ الغريزي فيهم على غاية ما يكون عليه من الكثرة»، حتّى إن أراد مريد أن يصل هذين الفصلين بعد أن يزيد فيما بينهما، وذلك فإنّه يكون منهما قولاً واحداً بيّناً واضحاً على هذا المثال «المشايخ أحمل الناس للصوم ومن بعدهم الكهول والفتيان أقلّ احتمالاً له وأقلّ الناس احتمالاً للصوم الصبيان . وذلك أنّ ما كان من الأبدان في النشو فالحارّ الغريزي فيهم على غاية ما يكون عليه من الكثرة».

قال حنين: إنّ هذا القول في اليوناني يفهم على أنّه يجوز أن يكون أبقراط عنى أنّ أكثر الحارّ الغريزي في سنّ النشو أكثر من سائر أخلاطه، ويجوز أن يكون عنى أكثر الحارّ الغريزي في سنّ النشو في سائر الأسنان.

قال جالينوس:

ويعني بالكهول الذين سنّهم متوسّطة فيما بين منتهى الشباب وبين سنّ الشيخوخة حتّى يكونوا قد جاوزوا منتهى الشباب ولم يظهر فيهم للشيخوخة أثر. وبهذا الاسم سمّاهم أوّلاً توقديدس. وبين سنّ الكهول وبين سنّ الفتيان سنّ أخرى على حسب توسّطها في المرتبة فيما بين هاتين السنّين يكون توسّط أصحابها في سهولة الاحتمال الإمساك عن الطعام وعسر الاحتمال لذلك حتّى لا يمكنك أن تقول إنّ أصحاب يحتملون الإمساك عن الطعام بسهولة كمثل احتمال الكهول والمشايخ ولا إنّهم يعسر عليهم احتماله كما يعسر على الفتيان والصبيان، لكنّ أبقراط لم يذكر هذه السنّ، لأنّه قد يمنكن أن يفهم أمرها ممّا قاله في غيرها، وأراد بقوله «من كان من الصبيان أقوى شهوة فهو أقلّ أحتمالاً له أن يبيّن أمر الاختلاف الطبيعي. وذلك أنّ من كان من الصبيان الحرارة الغريزية فيه أكثر فإنّه أقوى شهوة للطعام وأقوى على هضمه، فإن لم يتناوله كان ما تناله من المضرّة أعظم. فهذا هو قول أبقراط، وهو «بعد يحتاج بعد إلى زيادة شيء يسير حتّى يكون تامًّا».

وذلك أن قوله إنّ المشايخ أحمل الناس لترك الطعام إنّما يصحّ فيمن هو في ابتداء الشيخوخة، وليس يصحّ فيمن بلغ الشيخوخة القصوى، لأنّ أولائك ليس يحتملون الإمساك عن الطعام وقتاً طويلاً. فينبغي إذاً أن تزاد في هذا الفصل زيادة يسيرة فيقال إنّ المشايخ الذين لم يبلغوا الشيخوخة القصوى أحمل الناس للإمساك عن الطعام ومن بعدهم الكهول، أو أن يجعل مكان الإمساك عن الطعام الإقلال من الطعام فيقال إنّ المشايخ أحمل الناس لتناول اليسير من الطعام ومن بعدهم الكهول. وذلك أنّ المشايخ أيضاً الذين قد بلغوا الشيخوخة القصوى. وإن كانوا لا يحتملوا الإمساك عن الطعام مدّة طويلة، فإنّك تجدهم إنّما يتحتاجون إلى تناول اليسير من الطعام. وذلك أنّ حالتهم شبيهة بحال السراج الذي قد شارف أن يطفأ فإنّ السراج عند تلك الحال يحتاج إلى أن يتعاهد تعاهداً إلّا يفوت فيه صبّ الزيت قليلاً قليلاً ولا يحتمل أن يصبّ فيه من الزيت شيء كثير دفعة وأخرة. فينبغي أن تكون جملة ما يطعم من كانت هذه حاله يسيراً ويطعم ذلك في مرار كثيرة ومتفرّقاً ولا يترك وقتاً طويلاً بلا غذاء.

قال أبقراط: ما كان من الأبدان في النشوء فالحارّ الغريزي فيهم على غاية ما يكون من الكثرة ويحتاج من الوقود إلى أكثر ممّا يحتاج إليه سائر الأبدان. فإن لم يتناول ما يحتاج إليه من الغذاء ذبل بدنه ونقص. وأمّا الشيوخ فالحارّ الغريزي فيهم قليل فمن قبل ذلك ليس يحتاجون من الوقود إلّا إلى اليسير لأنّ حرارتهم تطفأ من الكثير ومن قبل هذا أيضاً ليس تكون الحمّى في المشايخ حادّة كما تكون في الذين في النشوء وذلك لأنّ أبدانهم باردة.

قال جالينوس: قد شرحنا في كتاب المزاج من أين توهّم بعض الأطبّاء أنّ الحرارة فيمن قد انتهى شبابه أكثر منها في الصبيان، وتوهّم بعضهم أنّها في الصبيان أكثر منها فيمن قد انتهى شبابه. وإنّهم إنّما أتوا في ذلك من قبل أنّ الحرارة فيمن قد انتهى شبابه أشدّ حدّة والجوهر الذي فيه الحرارة في الصبيان أكثر مقداراً. وقد يضطرّنا الأمر في هذا الكتاب أيضاً أن نذكر ما يحتاج إليه من ذلك في هذا الوضع ونتحرّي بأن نأتي هاهنا على جميع ما احتيج إليه فيه هناك إلى كلام طويل بأوجز ما يمنكنا. فأقول إنّ اسم الحارّ ربّما سمّينا به الكيفية نفسها التي اسمها الخاصّ لها هو الحرارة. وربّما سمّينا الجسم حارًّا بالشتقاق من اسم الكيفية التي فيه، واستعمال هذه الأسماء كثير فيما جرت به اللغة

بين الناس وفيما تكلّم به القدماء كما دلّ تاوفرسطس في كتابه في الحارّ والبارد. ولمّا كان جوهر الأبدان إنّما يقبل مرة إحدى هاتين الكيفيتين المتضادّتين وهما الحرارة والبرودة ومرة أخرى فعند قبول البدن للحرارة يسمّى حارًّا، ويقال كثير فيه أو قليل إذا ما نظر في كمّية الجوهر الذي قبل تلك الحرارة، وذلك يقال على وجهين: أحدهما في الجواهر التي ليست بممتزجة والآخر في الجواهر الممتزجة. أمّا في الجواهر التي ليست بممتزجة فكأنّك وضعت حوضين غير متساويين وصيّرت فيهما ماء مقداره في الحرارة مقداراً واحداً ثمّ قلت إنّ الحارّ في أحد الحوضين أكثر وهو الذي حوضه أكثر وفي الآخر أقلّ. وأمّا في الجواهر الممتزجة فكأنّك وضعت حوضين متساويين وصيّرت فيهما ماء وشراباً ممتزجين إلّا أنّ مزاجهما غير متساوي، ثم قلت إنّ الشراب في أحدهما أكثر والآخر فيه الماء أكثر. وليس بين هذا الوجه وبين أن تجعل الحوضين غير متساويين ومزاجهما سواء كما وصفنا فرق.
وربّما لم نرد بهذا القول الكمية لكنّ الكيفية فقط، فنقول إنّ الحارّ في هذا أكثر وفي هذا أقلّ كأنّك وضعت حوضين متساويين في المقدار وفي أحدهما ماء أسخن من الماء الذي في الآخر فقلت إنّ الحارّ في الحوض الذي ماؤه أسخن أكثر وفي الحوض الذي ماؤه أبرد أقلّ، واستعمالنا أكثر وأقلّ في هذا الموضع ليس هو على حقيقة اللفظ. والأجود أن تستعمل في مكانهما أقوى وأضعف وما اشبههما من الألفاظ التي تستعمل على الكيفيات، وأن تحفظ اسم القليل والكثير على مقدار الجوهر فقط، إلّا أنّ الناس قد يستعملون أشباه هذه الاستعارات في الألفاظ ليس في هذه فقط لكن في أشياء كثيرة غيره ممّا قد جرت به اللغة واستعمله الناس فيما بينهم حتّى أنّه قد يستعمل ذلك في الطبّ. أيضاً من ذلك أنّ الأطبّاء يقولون في جميع الأمراض إنّ هذا المرض عظيم وهذا صغير وليست الأمراض بجواهرها، فيقولون حمّى عظيمة وحمّى صغيرة وفالج عظيم وفالج صغير، وعلى هذا المثال يقولون في ذات الجنب والسرسام وذات الرئة وسائر جميع الأمراض. فينبغي أن يتفقد ويتثبت في الأسماء المشتركة وينظر ما الذي يعني القائل بقوله كلّه في كلّ موضع مع المواضع.
فإن للقائل قولاً ما إذا كان يعني بلفظة أتى بها في قوله معنى ما ففهمنا عنه غيره فأنكرنا عليه ولمناه فاللوم أيّاه ليس يلزم بالحقيقة لكنّه إنّما يلحقنا فيما توهّمناه عليه وظننّاه به كما قد فعل في هذا الموضع قوم ممّن شأنهم الخلاف على أبقراط. وذلك أنّهم فهموا عنه أنّه أراد بقوله الحارّ الكيفية فراموا أن يثبتوا أنّها في من هو في منتهى الشباب أقوى. وأبقراط لم يرد باسم الحارّ في هذا القول الكيفية وإنّما أراد به الجوهر. وذلك أنّ جوهر الحارّ الغريزي جوهر هوائي مائي كما قد يدلّ عليه المني، وذلك أنّك تجد الجوهر الأرضي فيه قليلاً وأكثر ما فيه هو حارّ ورطوبة كما قد بيّنّا في كتابنا في المني. والأصل الآخر أيضاً الذي منه يتمّ كوننا هو رطب في طبعه. فإذا انتقل بدن الحيوان ومال إلى الأرضية وهو منتقل إلى ذلك في كلّ يوم منذ نشئه
فإنّه عند ذلك وإن كان قوي الحرارة جدّاً نارياً فإنّ جوهر الحرارة الغريزية يكون فيه على أقلّ ما يكون عليه، ولو لا ذلك لكان يجب أن نقول إنّ الحرارة الغريزية في المحمومين على أكثر ما يكون، وليس الحرارة الغريزية في المحمومين بمساوية لما كانت عليه فضلاً عن أن تكون أكثر. وذلك أنّ جوهر الحرارة الغريزية معتدل المزاج وجوهر الحرارة العرضية ناري. وما ينحلّ أيضاً من البدن كلّه إذا كانت حرارته حرارة عرضية فهو من جنس الدخان حارّ يابس، وإذا كانت حرارته حرارة طبيعية فهو من جنس البخارات لذيذ معتدل المزاج، وتقدر أن تتعرّف ذلك باللمس. وذلك أنّ حرارة الأصحّاء حرارة بخارية لذيذة موافقة للمس وليس لها أذاً ولا كراهية ولا لذع. وأمّا حرارة المحمومين لا سيّما الحمّى التي تكون في الأعضاء الأصلية والحمّى التي تكون من عفن الكيموسات فحادّة كريهة مؤذية لذاعة للمس. وكيفية الحرارة التي تكون للأصحّاء توجد على حقّها وصدقها في الصبيان لأنّ أكثر من قد تناهى في الشباب توجد الحرارة فيه لذاعة ليست برطبة ولا بخارية ولا هوائية، وليس ذلك يعجب.
وذلك لأن ما يتحلّل من شيء ما فينبغي أن يكون شبيهاً بالجوهر الذي يتحلّل منه. فإذا كان ذلك الجوهر رطباً هوائياً، كان الذي يتحلّل منه أيضاً بخارياً لذيذاً. وإذا كان ذلك الجوهر أرضياً يابساً، كان الذي يتحلّل منه دخانياً حادّاً كما قد نجد في الأشياء التي من خارج أنّ البخار المتحلّل من الماء العذب المسخن طيب لذيذ وهو بخار بالحقيقة، وما يتحلّل من الأجسام الصلبة إذا أحرقت ذخاني حادّ. فالجوهر صنفان صنف منها حرارته لذيذة وصنف آخر حرارته مؤذية غير لذيذة ، فالجوهر الذي حرارته لذيذة هو في الصبيان على أكثر ما يكون عليه، والجوهر الذي يكون حرارته مؤذية غير لذيذة فيمن قد تناهى شبابه على أكثر ما يكون عليه، فبيّن أنّ ذلك إنّما هو على قياس البدن كلّه. وأريد أن أشرح هذا بطريق هو أشبه بالمذهب الطبيعي فأردّه إلى الاستقصات ثمّ أتي على جميع ما قصدت له من هذا الباب، فأقول إنّ الاسطقسات التي تركّبت منها جميع الأجسام أربعة فبدن الصبى أقلّ ما فيه الاسطقس الأرضي وأكثر ما فيه الاسطقس الهوائي والاسطقس المائي. وبدن المنتاهي في الشباب على خلاف ذلك، وذلك أن الغالب عليه الاسطقس الأرضي.

والجوهر المائي والجوهر الهوائي فيه ناقصان حتّى أنّه وإن وضعنا أنّ الاسطقس الرابع متساو فيهما وقلنا إنّهما متساويان في الحرارة، لم يجب أن نقول إنّ الجوهر الحارّ في أحدهما شبيه بالجوهر الحارّ في الآخر لأنّ الجوهر الحارّ في الصبيان رطب والجوهر الحارّ فيمن سنّه في منتهى الشباب يابس.

قال حنين يريد بقوله ذلك ما وصفت من حال الحرارة اللذيذة الغريزية في الفتيان والمؤذية فيمن قد انتهى شبابه.

قال جالينوس: والجوهر الرطب أولى الجواهر بأن يكون هو الجوهر الحار الغريزي لنا، وذلك أنّ كوننا إنّما هو من الرطب، والجوهر اليابس أخرى بأن يكون هو الجوهر الحارّ بالحرارة المستفادة العرضية. فمن هذا الطريق إذا كان الصبى المولود أكثر ما فيه الجوهر الحارّ المائي والهوائي، وجب أن يقال إنّ الشيء الحارّ الغريزي فيه على أكثر ما يكون، وإذا كان الشباب المنتهى الشباب والمكتهل هذان الجوهران ناقصاً فيهما والزائد فيه عليهما الجوهر الأرضي، وجب أن يقال إنّ الجوهر الحارّ الغريزي بحسب ذلك فيه أنقص. وبيّن عند كلّ واحد أنّه يجب ضرورة أن يتحلّل من الجوهر الرطب والجوهر الهوائي أكثر ممّا يتحلّل من الجوهر الأرضي، وإن كانت الحرارة فيهما سوء. وتقدر أن ترى ذلك عياناً في الأشياء التي من خارج.

وذلك أنّك ترى جسمين مختلفين يسخنان سخونة واحدة فلا يكون مقدار ما يتحلّل منهما سواء، لكن ترى ما يتحلّل من الرطب أكثر وما يتحلّل من اليابس أقلّ، وأرطب الأجسام يتحلّل منه أكثر ممّا يتحلّل من سائرها، وأجفّها يتحلّل منه أقلّ ممّا يتحلّل من سائرها. وذلك أنّ الماء والدهن إذا أسخنتهما سخونة معتدلة كان ما يتحلّل منهما أكثر ممّا يتحلّل من سائر الأشياء، والحديد والنحاس والحجر إذا أسخنتها كان ما يتحلّل منها أقلّ ممّا يتحلّل من سائر الأشياء، حتّى أنّك إن أخذت ما في المثل ماء وحديداً ووضعتهما في شمس حارّة، وزنتهما سواء وتركتهما النهار كلّه ثمّ وزنتهما، وجدت الماء قد نقص عمّا كان نقصاناً كثيراً ووجدت الحديد مثل ما كان سواء. وكذلك إن قست وبين الدهن وبين النحاس والحديد والحجر، وجدت الدهن يتنقّص ووجدت تلك الأخر تبقى على وزنها. ثم دع هذه وخذ شمعاً وقيراً وزفتاً أو غيرهما ممّا فيه جوهر رطب، فضعهما في شمس حارّة فإنّك إذا فعلت ذلك وجدت ما يتحلّل منها أكثر كثيراً ممّا يتحلّل من الحجر والنحاس والحديد وغيرها من الأجسام التي هي من اليبس على مثل حالها. فيجب ضرورة إذ كانت الحاجة إلى الغذاء إنّما هي تستخلف مكان ما يتحلّل من البدن
وكان ما يتحلّل من الأبدان التي الرطوبة والهوائية عليها أغلب أكثر أن تكون حاجتها إلى الغذاء أكثر. وبدن الصبى كذلك لأنّ الجوهر الرطب والجوهر الهوائي أكثر ما فيه لا الجوهر اليابس الأرضي كما هو في أبدان المتناهين في الشباب والمتكهّلين. فلمّا كان غرض أبقراط في هذا الكتاب أن يستعمل في تعليمه اللإيجاز ومذهب الفصول، لم يشرح قوله في هذا الكتاب كما شرحته أنا في هذا الموضع، لكنّه يدلّ على أن يقول إنّ الأبدان التي هي في النشوء وإن كان ما فيها من الجوهر الحارّ الناري مساوياً لما في أبدان المتناهيين في الشباب فإنّ ما فيها من الجوهر المائي والجوهر الهوائي أكثر. قال إنّ ما كان من الأبدان في النشء ففيه من الجوهر الحارّ الغريزي أكثر ممّا في سائر الأبدان، وأراد بذلك أن يذكرنا بجوهر الحرارة الغريزية وأن يأتي بالبرهان على ما قصد إليه. وذلك أنه لمّا كان جوهر الأبدان التي في النشء رطباً حارًّا، وجب ضرورة أن يكون ما يتحلّل منها أكثر ممّا يتحلّل من سائر الأبدان، وأن يكون ما يحتاج إليه من الغذاء أكثر ممّا يحتاج إليه سائر الأبدان. قال: فإن لم يتناول من بدنه في النشء ما يحتاج إليه من الغذاء ذبل ونقص بدنه ، وذلك واجب، لأنّه إذا كان ما ينقص من البدن كثيراً وما يزيد فيه قليلاً وجب ضرورة أن يفسد فيه جوهره.
قال: والشيء الحارّ في الشيوخ قليل وعلى أيّ المعنيين الذين ينتظمهما اسم الحارّ فهمت قوله في هذا الموضع الحارّ، فإنّك تجده فيهم قليلاً على الكيفية فهمنه أم على الجوهر. وذلك أنّ كيفية الحرارة في الشيخ ضعيفة والجوهر الحارّ فيه فيه أقلّ منه في سائر الأبدان، وذلك بيّن لمن هو لما كان تقدّم من قولنا ذاكراً. قال: فمن قبل ذلك فليس يحتاج بدن الشيخ من الوقود يعني الغذاء إلّا اليسير. فإنّما سمّى الغذاء وقود ليذكر برأيه وبرأي جميع المشهورين من الفلاسفة، وهو قولهم بأنّ الحارّ أولى بأن يكون علّة الحياة من سائر الاسطقسات التي ركبت منها أبدان الحيوان. فكما أنّ نار السراج وإن كان الدهن هو غذاؤها فإنّه إن صبّ عليها منه شيء كثير دفعة طفيت فضلاً عن أن تغتذي به، كذلك الحرارة التي في بدن الشيخ وإن كان الغذاء لها بمنزلة الدهن للسراج فإنّها إن عمرت بغذاء كثير دفعة لم يؤمن أن تطفئ كما لو جمعت على شرارة صغيرة من نار حطباً كثيراً أطفيت. فأمّا ما أتي به بعد هذا وهو قوله «ومن قبل هذا أيضاً ليس يكون الحمّى في المشيخة حادّة كما يكون في الذين أبدانهم في النشء»
فإنّما جعله دليلاً على أنّ بدن الشيخ بارد، وذلك أنّه وإن كانت الحمّى إنّما تكون بتغيّر الحرارة الغريزية إلى النارية، فإنّه لا يكاد يمكن أن يبلغ من تغيّرها إلى النارية في الشيخ ما يساوي تغيّرها إلى ذلك في الشباب، وذلك أنّ الحرارة الكثيرة يسهل مصيرها إلى غاية الإفراط. وأمّا الحرارة اليسيرة فليس يسهل ذلك فيها إلّا أن تستكره غاية الاستكراه. ولذلك ليس يحمّ الشيخ حمّى حادّة في أكثر الأمر كما يحمّ الشباب، فإن اتّفق في الندرة أن يعرض للشيخ حمّى شبيهة بالحمّى التي تعرض للشباب. فإنّ عاقبتها تكون لا محالة إلى تلفه، وذلك أنّها تدلّ على عظم فرط من العلّة الفاعلة لها. وقد يكتفى بهذا من كان سليم الطبيعة ليفهم به ما قال أبقراط في هذا الموضع ويصح عنده. فأمّا الذين ألزموا أبقراط اللوم بسبب هذا القول على غير الواجب كما فعل لوقش فقد أفردت لهم مقالة بأسرها نقضت فيها ما احتجوا به على أبقراط في هذا الفصل بالظلم. وجعلت عنوان تلك المقالة

أنّ أبقراط لم يخطّ في الفصل الذي أوّله «ما كان من الأبدان في النشء ففيه من الحارّ الغريزي أكثر ممّا في سائر الأبدان». وإنّما وقع إليّ كتاب لوقش وقد فرغت من تفسيري لهذا الكتاب. فزدت فيه هذا الكلام وليس هو في النسخ التي انتشرت عنّي. وأفردت الاحتجاج عن أبقراط فيما ألزمه لوقس من اللوم بسبب هذا الفصل كما قلت مقالة مفردة.

قال أبقراط: الأجواف في الشتاء والربيع أسخن ما يكون بالطبع والنوم أطول ما يكون فينبغي في هذين الوقتين أن يكون ما يتناول من الأغذية أكثر وذلك أنّ الحارّ الغريزي في الأبدان في هذين الوقتين كثير ولذلك يحتاج إلى غذاء كثير والدليل على ذلك أمر الأسنان والصرّيعين.

قال جالينوس: إنّ أوقات السنة ممّا له حظّ عظيم في تدبير الغذاء. وذلك أنّ الناس في الشتاء يشتهون من الطعام أكثر ويكون استمراؤهم له أسهل

وحالهم في الصيف على خلاف ذلك. وقد أخبر أبقراط بالعلّة في ذلك فجدّد القول بأنّ الأجواف في الشتاء والربيع أسخن ما يكون بالطبع. وقد فسّر هو ما معنى قوله بالطبع وبيّن أنّه لم يزده عبثاً بعد قليل حين قال «وذلك أنّ الحارّ الغريزي في الأبدان في هذين الوقتين كثير ولذلك يحتاج إلى غذاء أكثر». فالأجواف في الشتاء والربيع أسخن ما يكون وليس بأيّ حرارة كانت، لكن بالحرارة الغريزية، وقد بيّنت قبل ما جوهر الحرارة الغريزية. وقد أخبر أرسطوطاليس بالسبب الذي من أجله تزداد وتنمو الحرارة الغريزية في الشتاء، وذلك أنّه قال إنّ الحرارة الغريزية تهرب من البرد الذي يحيط بالبدن من خارج فتبطن، كما أنّها في الصيف أيضاً تبرز وتخرج إلى الشيء المجانس لها. فيعرض من قبل ذلك أن يتحلّل جوهرها وينفش في الصيف ويحتقن ويجتمع ويكثر ويعود إلى عمق البدن في الشتاء. ولذلك صار الاستمراء وتولّد الدم الاغتذاء في الشتاء والربيع أجود. وزاد أيضاً مع ذلك شيئاً آخر يعرض في هذين الوقتين
وهو أنّ النوم يكون فيهما أطول الليل فيهما ومعونة النوم أيضاً على الأفعال الطبيعية معونة قوية. وأمّا ما زاد في آخر قوله وهو قوله «والدليل على ذلك أمر الأسنان والصريعين» فجعله دليلاً أنّ الحرارة إذا كثرت تحتاج إلى غذاء كثير. وذلك أنّ الصبيان لمّا كان الحارّ الغريزي أكثر ما فيهم احتاجوا من الأغذية إلى ما هو أكثر واحتملوه، والصريعين أيضاً لمّا كانت حرارتهم الغريزية تنمو بكثرة رياضتهم صاروا يقدرون أن ينالوا من الأغذية أكثر. وقد فسّرنا ما قيل في هذا الفصل تفسيراً كافياً. فإن نظر ناظر في حقيقة هذا القول فلا يفهمه عامًّا بجميع الحيوان لكن يخرج منه الحيوان الذي يكمن في الشتاء في أوكاره. فإنّ هذا الحيوان لا يحتاج في وقت كمونه في الأوكار إلى غذاء أكثر إذ كان ليس برز شيئاً البتّة ويبقى على ذلك. ولو توهّمت أنّه يأكل فأكل المقدار الذي كان يأكله من قبل أن يكمن لكان لا يستمرئه إلّا استمراء رديئاً. فإنّه يعرض للحيوان في الشتاء كما يعرض للناس في الشتاء من الاستحمام بالماء البارد. والذي يعرض للذين يستحمّون بالماء البارد أنّ من كان منهم ضعيف البدن برد بدنه وناله ضرر ومن كان منهم قوي البدن.
أمّا في أوّل ما يستحمّ فتهرب الحرارة إلى عمق البدن وتجتمع هناك ثمّ من بعد تعود إلى سطح البدن الخارج وهي أكثر ممّا كانت كثيراً. وكذلك الحيوان ما كان منه في طبعه أبرد، فإنّ برد الشتاء يغلب حرارته الغريزية حتّى تكاد أن تطفأ، ولذلك نرى أكثره شبيهاً بالميّت مطروحاً في وكره وهو عدم للحسّ والحركة. ومنها ما يعطب عند هذا العارض، وما كان من الحيوان أكثر دماً وأسخن فإنّه يعرض له في الشتاء شبيه بما يعرض الأبدان القوية من الاستحمام بالماء البارد. وذلك أنّ حرارته تجتمع في عمق بدنه وليس يعرض ذلك من فبل أنّ اللحم يزول عن مواضعه التي كان فيها منذ أوّل أمره ويهرب حتّى يصير إلى عمق البدن لكنّه إنّما يعرض لأنّ الدم والروح يغوران ويبطنان. وقد وضح أنّ الأجسام التي التامّ منها جوهرنا في أوّل كونه هي هذه الثلاثة الروح والدم ورطوبة المني التي كان منها أوّل الأمر،
كما بيّنّا في كتابنا في المني أنّ المني منه تولّد الأعضاء الأصلية الصلبة ثمّ منها يكون بعد ذلك نموها واغتذائها. وليس يشكّ أحد أنّ الاستمراء يكون في الشتاء أجود إذ كان الروح والدم في ذلك الوقت يغوران ويكمنان من عمق البدن، إلّا أنّ أبقراط لم يقتصر على أن قال هذا فقط لكنّه قال أيضاً إنّه ينبغي أن يتناول الناس في ذلك الوقت طعاماً أكثر. فإنّه قال ينبغي في هذين الوقتين يعني الشتاء والربيع أن يكون ما يتناول من الأغذية أكثر، على أنّه إن كان ما يتحلّل وينفش من البدن في الشتاء يسيراً فليس يحتاج البدن إلى كثير ممّا يغتذي به لأنّ الاغتذاء إنّما هو اختلاف مكان ما استفرغ ونقص. فينبغي أن يكون مقدار الغذاء على قياس مقدار التحلّل. لكنّ العيان يشهد على صحّة ما قال أبقراط من أنّه ليس يكون الاستمراء في الشتاء أجود فقط لكنّا مع ذلك أن تناولنا اليسير من الطعام غلب على أبداننا البرد ونالنا بسبب ذلك ضرر وإن أكلنا طعاماً أكثر لم يعرض لنا شيء من الأمراض التي تكون من كثرة الأخلاط وطلب العلّة في ذلك مشترك،
لأنّ هذه المسئلة ليست تلزم بقراط وحده لكنّها تلزم معه سائر الناس. فإنّه ليس أحد إلّا وهو يقول إنّ أبدان الحيوان تتحلّل تحلّلاً يخفى عن ذلك الحسّ. وذلك أنّه يتبيّن من قبل حاجتها إلى الغذاء أنّها تخلو وتتفرّغ، وذلك أنّه لو لم يكن يتحلّل من أبداننا شيء وكان مقدار جوهرها الأوّل يبقى دائماً لما كنّا نحتاج إلى الغذاء. فتفهم الآن وانظر كيف صار ليس لأحد من الناس في هذه المسئلة جواب سوى أبقراط ومن كان من حزبه. وذلك أنّ الشيء الذي به تكوين الحيوان عند تصويره وابتداء خلقه ونموه بعد ذلك وغذاؤه إلى أن يموت هو هذه الحرارة الغريزية التي كلام أبقراط الآن فيها. ولمّا كانت هذه الحرارة هي سبب الأفعال الطبيعية كلّها وكانت في الشتاء أكثر صارت في ذلك الوقت تزيد في الشهوة وتقوى الهضم وتجمع دماً أكثر وتسخن البدن وتلطفه وتعين على استفراغ الفضول. وأمّا الحارّ الذي يلقى البدن من خارج فليس يستفرغ الفضول وحدها ولكنّه يستفرغ كلّ ما في البدن بالسواء فيتحلّل
مع فضول بدن الحيوان الأشياء الطبيعية التي تحويها. وأمّا التحلّل الذي يسمّيه الأطبّاء التحلّل الخفي فإنّما تفعله الحرارة الغريزية، لأنّه ليس طبيعة الحيوان في قول أبقراط شيء سوى هذا أعني الحارّ الغريزي. وقد بيّنّا في كتاب القوى الطبيعية أنّ الطبيعة ليس تقتصر على أن تشتهي الغذاء الموافق وتهضمه وتصله بالأعضاء في كلّ واحد من الأبدان، لكنّها مع ذلك تحلّل فضول الغذاء، وكلّما كانت الحرارة الغريزية أقوى كان التحلّل أخفى عن الحسّ. ولذلك قال ديوقليس إنّ العرق خارج عن الطبيعة لأنّه إذا كان أمر البدن كلّه يجري على ما ينبغي واستولت الطبيعة على الغذاء أو قهرته لم تنبعث بتّة من الجلد رطوبة تحسّ. فإنّ العرق الذي يعرقه الناس في الحمام وعند الرياضة الشديدة أو في حرّ الصيف إنّما يكون من أسباب مستكرهة. فجميع أمر أبدان الحيوان يجري على ما ينبغي في الشتاء إذا كان معتدلاً.
فإنّ مزاجه إذا كان مفرطاً رديئاً فقد يذمّ أبقراط أمره فيما بعد. ومن أعظم الدلائل على أنّ جميع أمر البدن يجري في الشتاء على ما ينبغي قوّة الأفعال الطبيعية. وذلك أنّ الطعام ينهضم في المعدة بقوّة، لأنّ الحرارة الغريزية تكون في ذلك الوقت على أكثر ما تكون، والنوم يكون على أطول ما يكون، وفضول الدم تندفع وjستفرغ، فما لطف منها وبلغ في ذلك الغاية فإنّه يندفع ويخرج من الجلد، وما كان منها بخارياً فإنّه يخرج مع خروج النفس، وما كان منها غليظاً فإنّه يخرج مع البول. وقد يرسب في البول من الثقل في الشتاء أكثر ممّا كان يرسب في الصيف كثيراً مع أنّ مقدار البول كلّه أيضاً يزيد زيادة في الشتاء. ويغتذي البدن أيضاً ويزداد لحمه في الشتاء أكثر ويجتمع فيه دم كثير جيّد إلّا أن يكون تدبيره تدبيراً خبيثاً رديئاً مفرطاً في الرداءة. وإن تفقّدت حال البدن في قلّة دمه في الخريف وقضفه فإذا أتى عليه الشتاء كثر فيه الدم وأخصب، علمت أنّ القوّة التي بها يكون تدبير الغذاء تقوى في الشتاء، وتلك القوّة هي الحرارة الغريزية.
فإن لم يرد عليها غذاء كثير فإنّ برد الهواء أوّلاً يلقاه البدن من خارج ويوصله بالنفس إلى باطنه فليقهرها ويغلبها فتضعف، ويضعف لضعفها استمراء الطعام ويولد الدم الجيّد واغتذاء أعضاء البدن واستفراغ الفضول. فإن ورد عليها طعام كثير بمقدار ما يحتمله ويغنى به فإنّها تتزيّد وتنمو وتفعل في بدن الحيوان جميع الأفعال التي تقدّمنا بذكرها. وممّا يدلّك على أنّ اللحم يكون في الشتاء أزيد كثيراً والدم أكثر وأجود كثيراً من قبل زيادة المطعم في ذلك الوقت وجوده انهضامه لا في المعدة فقط لكن في العروق في كلّ عضو من أعضاء البدن أيضاً الشيء الذي قد عرفه الناس بالتجربة في دوائهم فضلاً عن أنفسهم. وذلك أنّ الناس قبل أن يبتدئ الصيف في آخر الربيع يستفرغون شيئاً من الدم من أبدانهم ومن دوابهم ليذكرهم ما يعتريهم من الأمراض إذا هجمت عليهم وفاجتهم طبيعة حارّة. وذلك أنّ حرّ الصيف يذيب الدم ويبسطه فيجعله أكثر ممّا كان ويجعل فيه كالغليان
حتّى أنّه لا تسعه العروق وإن كان قبل ذلك معاً دلالها لكنّه إمّا أن يشقّها وإمّا أن يصيرها متأكّله. وأمّا تميّل إلى واحد من الأعضاء وهو أضعفها كلّها فيحدث فيه الورم الحارّ الذي يسمّيه اليونانييون فلغموني أو الورم الذي يسمّيه الحمرة أو مرض آخر غيرهما ممّا أشبههما. فإنّ أكثر الأمراض التي تحدث من الامتلاء وأعظمها إنّما يكون إذا ذابت الكيموسات وانبسطت. فجميع هذه الأشياء يشهد بما قال أبقراط في هذا الفصل وخاصّة لقوله إنّه ليس يستمرأ في ذلك الوقت طعام أكثر فقط لكن قد يحتاج فيه أيضاً من الطعام إلى مقدار أكثر. وذلك أنّ الطعام ينبغي أن يكون دائماً على قياس كثرة الحرارة الغريزية إلّا أن يعرض كما قلت من قبل حرارة الهواء أن يذوب الدم وينبسط فيضطرّ إلى أن ينقص منه. ولذلك إذ كان أبقراط لم يحدّد قوله في الربيع التحديد الذي ينبغي فإنّي أنا أحدّه فأقول أوّلاً إنّ الربيع في أوّله أشبه في مزاجه بالشتاء منه بالصيف وفي آخره بالعكس. ثمّ أقول إنّ الربيع ربّما كان أيضاً بالجملة بارداً يشبه الشتاء،

وربّما كان حارًّا يشبه الصيف. فينبغي في أوّل كلّ ربيع أن يجعل تبدير الغذاء شبيهاً بتدبيره في الشتاء، وكذلك فليكن التدبير أيضاً في جملة الربيع إذا كان بارداً يشبه الشتاء. وأمّا في آخر الربيع ومتى اتّفق أن تكون الربيع في الجملة أسخن فينبغي أن يجعل تدبير الغذاء شبيهاً بتدبيره في الصيف، وإذا كان متوسّطاً في مزاجه فينبغي أن يجعل تدبير الغذاء على قياس مزاجه. وجميع هذا الكلام قد قاله أبقراط في تدبير غذاء الأصحّاء. ثمّ إنّه بعد هذا يصف تدبير المرضى.

قال أبقراط: الأغذية الرطبة توافق جميع المحمومين لا سيّما الصبيان وغيرهم ممّن قد اعتاد أن يغتذي بالأغذية الرطبة.

قال جالينوس: أمّا في الفصل الذي قبل هذا فكان كلام أبقراط في كمّية الغذاء. وأمّا في هذا الفصل فإنّه تكلّم في كيفية الغذاء فوصف أشياء كثيرة نافعة

بأوجز ما يكون من القول، أوّلها كيف ينبغي أن يغذي المحمومون، ثمّ بيّن في الثاني أنّه ينبغي أن يكون مبني العمل في الاستدلال على طريق تدبير الأصحّاء. أمّا في الأشياء الخارجة عن الطبيعة فعلى استعمال الضدّ. وأمّا في الأشياء الطبيعية فعلى استعمال التشبيه. وذلك أنّه أشار في الحمّى لأنّها مرض حارّ يابس، إذ كانت إنّما هي تغيّر الحرارة الغريزية إلى النارية بالغذاء الرطب. وأشار متى كانت الطبائع رطبة من قبل السنّ أو من قبل العادة أن لا يكون التدبير بالضدّ لكن بالتشبيه. وذلك أنّ طبيعة البدن إنّما ينبغي أن تحفظ بالتدبير لا أن تنقض وتتغيّر كما ينبغي أن يفعل بالمرضى. وأمّا الذين جاءوا بالاستسقاء الذي معه حمّى فظنّوا أنّهم قد ناقضوا به هذا الفصل، لأنّ أصحاب تلك العلّة لا يحتاجون إلى التدبير الرطب، لكن إلى التدبير اليابس، فقد جهلوا جملة من العلاج يحتاج إليها حاجة اضطرارية، وقد شرحنا هذا الشرح التامّ في كتاب حيلة البرء، وبيّنّا هناك أنّ كلّ واحد من الأمراض المفردة يحتاج إلى علاج خاصّي، فإذا تركّبت بعضها مع بعض فبحسب تركيبها يكون ما يستدلّ به عليها من اختلاف علاجها. فأمّا أن نقصد لمضادّة المرض الأقوى منها تحريكاً وحفزاً
من غير أن تغفل الأشياء الأخر، وأمّا أن نقصد لعلاجها جميعاً فصداً سواء. وما ذكر المستسقى المحموم إلّا بمنزلة ذكر من ينقث الدم وبه ذات الجنب. فإنّ هذين مرضين يحتاجان إلى علاجين متضادّين وهما نفث الدم وذات الجنب. وإذا اتّفقا معاً بإنسان واحد فينبغي أن يقصد بأكثر العلاج إلى أشدّهما حفراً ولا يغفل أمر الآخر. وكذلك إذا كان بإنسان حمّى واستسقى فينبغي أن يقصد للمرضين جميعاً بما يحتاجان إليه وهما يحتاجان إلى علاجين متضادّين ويتلطّف لمضادّة كلّ واحدة منهما، كمثل ما يفعل في جميع الأمراض التي تتركّب. وهذا وأشباهه من القول ليس فيما نقوله ولا يقبله من أحد أن قاله، بل إن وجدنا أبقراط قد ترك ذكر شيء باسمه في هذا الفصل وحاله كحال ما قد ذكره فيه، رأينا أنّه ينبغي أن يتوهّم أنّه قد قاله بمعناه، وقد ذكر السنّ والعادة، فيجب عليك من ذكره لهما أن تذكر معهما المزاج الطبيعي والوقت الحاضر من أوقات السنة والبلد، وقد نجد أبقراط ربّما زاد ذكر هذه الأشياء وربّما ذكر واحد منها أو اثنين وألغى ذكر سائر نظائر ما ذكر. وقد يوجد الاستدلال من هذه الأشياء

كما يؤخذ من السنّ ومن المرض. فإنّا إذا وجدنا الشيء على حال ليست بمذمومة حفظناه على تلك الحال بالأغذية وسائر التدبير الذي يشاكله في مزاجه، وإذا وجدنا الشيء على حالة مذمومة أصلحناه بالضدّ. وقد تكلّمنا في جميع أنحاء الاستدلال بأتمّ ما يكون من القول وأبلغه في كتاب حيلة البرء.

قال أبقراط: وينبغي أن يعطى بعض المرضى غذاءهم في مرّة واحدة وبعضهم في مرّتين ويجعل ما يعطونه منه أكثر أو أقلّ وبعضهم قليلاً قليلاً وينبغي أيضاً أن يعطى الوقت الحاضر من أوقات السنة حظّه من هذا والعادة والسنّ.

قال جالينوس: إنّ أبقراط لمّا تكلّم في كمّية الغذاء ثمّ تكلّف في كيفيته كلاماً كافياً أراد بعد أن يصف لنا طريق استعمال الغذاء. وذلك أنّه ليس يكتفى أن يعلم أنّ هذا المريض ينبغي أن يعطى من الطعام مقداراً أكثر أو أقلّ وأن يكون غذاؤه غذاء مجفّفاً

أو مرطّباً، لكن قد يحتاج حاجة اضطرارية مع ذلك أن يعلم هل ينبغي أن يطعم المريض الطعام مرّة واحدة أو مراراً كثيرة في كلّ يوم أو ليلة، وقد يؤخذ الاستدلال على ذلك من الوقت الحاضر من أوقات السنة ومن السنّ ومن العادة كما يؤخذ الاستدلال على كمّية الغذاء وكيفيته. فإنّ الأعراض الأول في هذا الباب أيضاً هي المرض وقوّة المريض ثمّ من بعدهما الوقت الحاضر من أوقات السنة والسنّ والعادة وسائر الأشياء التي تجري المجرى هذه. ولذلك زاد بقراط بقوله في هذا الباب في قوله فقال «وينبغي أن يعطى الوقت الحاضر من أوقات السنة حظّه من هذا والعادة والسنّ». فدلّ دلالة بيّنة بقوله «وينبغي أن يعطى الوقت الحاضر حظّه» أنّ الدلالة المأخوذة من هذه الأشياء على استعمال الغذاء هل ينبغي أن يكون في مرار كثيرة أو في مرار قليلة. وهذا ينبغي أن يستعمل بتّة أم لا ليست كلّ الدلالة التي يحتاج إليها في أمر الغذاء ولا أعظمها من قبل أنّ الدلالة إنّما تؤخذ أوّلاً من المرض وقوّة المريض وهما أولى ما أخذ منه. ثمّ من بعد ذلك من الوقت الحاضر من أوقات السنة ومن السنّ والعادة ومن أشباههما. وذلك أنّه إن كانت قوّة المريض ضعيفة وحال بدنه إمّا حال فساد وإمّا حال نقصان،
فينبغي أن تعطيه طعاماً قليلاً مراراً كثيرة. أمّا قليله فلأنّ القوّة إذا كانت ضعيفة لم تحتمل طعاماً كثيراً دفعة. وأمّا في مرار كثيرة فلأنّ حال البدن تحتاج إلى غذاء كثير، لأنّ النقصان يحتاج إلى الزيادة والفساد يحتاج إلى القمع والتعديل. فإن كانت القوّة ضعيفة وليس حال البدن حال نقصان ولا حال فساد لكنّ الكيموسات الطبيعية على حال اعتدال أو كانت مع ذلك كثيرة فينبغي أن يغذو المريض مراراً قليلة قليلاً قليلاً، وهذا الاستعمال إذا كانت القوّة قوية والكيموسات كثيرة أولى بأن يلزم. فإن كانت القوّة قوية وكان حال البدن حال نقصان أو حال فساد فينبغي أن يعطى المريض طعاماً كثيراً مراراً كثيرة لأنّ حال بدنه حال يحتاج إلى الطعام كثير وقوّة قوية تقي بإيضاحه. فإن عاقبتنا نوائب الحمّى فلم نجد أوقاتاً كثيرة للغذاء فينبغي أن يعطى المريض ذلك الطعام الكثير في مرار قليلة. وإذا كانت القوّة قوية وكان المريض من الامتلاء فينبغي أن تطعمه طعاماً قليلاً في مرار قليلة. وذلك لأنّه وإن كان الشيء الذي ينضج الطعام قوياً فإنّ حال البدن إذا كانت لا تحتاج إلى طعام كثير
فواجب أن يبستعمل طعاماً قليلاً. وهكذا ينبغي أن يأخذ الاستدلال على هذا الباب الذي قصدنا إليه من قوّة المريض ومن مرضه. فأمّا من الوقت والسنّ والعادة وغيرها ممّا يجري مجراها فعلى هذا المثال. أمّا في الصيف فالذي ينبغي على حسب الوقت أن يطعم المريض مراراً كثيرة قليلاً قليلاً، لأنّه يحتاج إلى زيادة من الغذاء لكثرة ما يتحلّل منه وقوّته ضعيفة. وأمّا في الشتاء فينبغي أن يعطى المريض طعاماً كثيراً لا في مرار كثيرة، وأمّا الكثرة فلشدّة القوّة. وأمّا بقليلة المرار فلأنّ المريض في ذلك الوقت ليس يحتاج إلى زيادة كثيرة جدّاً من الغذاء لأنّه ليس يستفرغ استفراغاً كثيراً. وقد بيّنّا قبل أنّ الأصحّاء هم الدين تستفرغ أبدانهم في الشتاء تفريغاً كافياً ممّا فيها لأنّ الحرارة الغريزية التي تكون فيهم في ذلك الوقت أكثر. وأمّا في وسط الربيع وما بعد الوسط خاصّة إذا قرب الصيف فينبغي أن يغذو بغذاء يسير فيما بين أوقات طويلة، لأنّ هذا الوقت تكاد تكون حاله قريباً من حال الأمراض التي تحدث من الامتلاء لأنّ الكيموسات التي كانت خامدة في الشتاء تتحلّل وتذوب فيه.

فكما أنّ في الأمراض التي تكون من الامتلاء إذا كانت القوّة قوية يعطى المريض غذاء قليلاً فيما بين أوقات طويلة، فكذلك ينبغي أن يفعل في وقت الربيع في المحمومين خاصّة الذين فيهم هذا القول لبقراط. فإنّ تدبير غذاء الأصحّاء قد وصفناه قبل. فأمّا في الخريف فتشبه حاله حال الأمراض التي تعرض من فساد الكيموسات، ولذلك من يحمّ في ذلك الوقت يحتاج إلى زيادة متتابعة من غذاء محمود. فإن كانت القوّة قوية فينبغي أن يغذو المريض مراراً كثيرة غذاء كثيراً، وإن كانت القوّة ضعيفة فينبغي أن يغذوه مراراً كثيرة قليلاً قليلاً، وعلى هذا المثال يؤخذ الاستدلال من الأسنان ومن العادات ومن البلدان ويضاف إلى ذلك جميع أنحاء الاستدلال من هذه الأبواب إلى الغرضين الأوّلين. وذلك أنّ كلّ واحد من هذه الأشياء التي ذكرناها إمّا أن تزيد في القوّة وتقويها وإمّا أن تنقص منها وتضعفها وإمّا أن تزيد في الكيموسات فتحدث امتلاء أو تنقص منها أو تصيرها إلى حال رديئة.

قال أبقراط: أصعب ما يكون احتمال الطعام على الأبدان في الصيف والخريف وأسهل ما يكون احتماله عليها في الشتاء ثمّ من بعده في الربيع.

قال جالينوس: ليس هذا من أبقراط تكرير للكلام في معنى واحد مرّتين كما قد ظنّ به قوم إذ كان قد وضع من قبل هذا الفصل الذي أوّله أنّ الأجواف في الشتاء والربيع أسخن ما تكون بالطبع. ثمّ قال في هذا الفصل إنّ أصعب ما يكون احتمال الطعام على الأبدان في الصيف والخريف وأسهل ما يكون احتماله عليها في الشتاء ثمّ من بعده في الربيع، لكنّه لمّا كان قد يأخذ الاستدلال على كمّية الغذاء وعلى جهة استعمال الأطعمة في الأصحّاء والمرضى من أوقات السنة وجب أن يذكرها عند ذكره لكلّ واحد من هذين الأمرين فبيّن هناك أنّه ينبغي أن يطعم الأصحّاء في الشتاء من الطعام أكثر لأنّ الحارّ الغريزي الذي هو الهاضم للطعام والمحتاج إلى أن يغتذي فيهم في ذلك الوقت أكثر. وبيّن هاهنا أنّك إن أعطيت إنساناً طعاماً كثيراً في مرّة واحدة لم يضرّه لأنّ جميع الناس يحتملون في الشتاء الطعام بسهولة ويصعب عليهم احتماله في الصيف ولذلك ينبغي في الشتاء أن يأذن في تناول طعام كثير في مرار قليلة. وأمّا في الصيف فإنّ احتمال للطعام يصعب على الأبدان لأنّ الحارّ الغريزي الذي هو الهاضم والمغيّر له قليل فينبغي أن يحذر بكلّ وجه من الحيلة أن يعطى من الطعام شيئاً كثيراً دفعة ويتوخّي أن يعطي طعاماً قليلاً في مرار متتابعة.

وذلك أنّ حال البدن في ذلك الوقت شبيهة بحاله في الأمراض التي تكون من النقصان، وكذلك يحتاج إلى الزيادة فهذا أمر الشتاء والصيف. وأمّا الوقتان الآخران فالخريف منهما يتلو الصيف والربيع يتلو الشتاء والسبب في ذلك بيّن وهو أنّ الأبدان تبتدئ في الخريف تبرّد وتجتمع وتتكاثف وتبتدئ في الربيع تسترخي وتسخف فمن قبل هذا ليس القول الذي تقدّم فيه في أمر أوقات السنة قولاً واحداً كرّره مرّتين، وأيضاً من قبل أنّ كلامه كان في ذلك الوقت في الأصحّاء وكلامه في هذا الفصل في المرضى.

قال أبقراط: إذا كانت نوائب الحمّى لازمة لأدوارها فلا ينبغي في أوقاتها أن يعطى المريض شيئاً أو أن يضطرّ إلي شيء لكن ينبغي أن ينقص من الزيادات من قبل أوقات الانفصال.

قال جالينوس: إنّ جمل تدبير الغذاء ثلاثة وهي كمّية الأطعمة وكيفيتها وطريق استعمالها. فأمّا الجملتان الأوليان فلم يكن لنا فيهما من قبل نوائب الحمّى شيء يستدلّ به عليهما أو ينتفع به فيهما. وأمّا في الجملة الثالثة فقد يمكن أن يستدلّ من نوائب الحمّى على أشياء من أمره ولذلك ذكر أبقراط نوائب الحمّى لما وجب من ذلك عند ذكره لهذه الجملة الثالثة. وذلك أنّ نوائب الحمّى على أكثر الأشياء دلالة على أوقات الأغذية الجزئية إذا كانت نوائب الحمّى لازمة لطريق واحد أعني إذا كان لها دور معروف، ولذلك قال أبقراط إنّه إذا كانت نوائب الحمّى لازمة لدور فلا ينبغي في أوقاتها أن يعطي المريض شيئاً لأنّه علم أنّه قد تكون أمراض فيها نوائب لكنّ تلك النوائب لا تكون لازمة لدور أعني بذلك أن لا تكون لازمة لطريقة واحدة ففي تلك الأمراض لا يمكن أن يوقف وقوفاً صحيحاً على الوقت الذي ينبغي أن يطعم فيه المريض الطعام. فأمّا متى كانت النوائب لازمة لطريقة واحدة فينبغي أن يحذر المريض المريض الطعام عند مبتدأ تلك النوائب ولا يغذوه وقد ابتدأت النوبة ولال ولا قد قرب وقت ابتدائها. وأمّا قوله من قبل أوقات الانفصال فينبغي أن يفهم إمّا من قبل أوقات النوائب وإمّا من قبل أوقات المنتهى وإمّا من قبل أوقات الشيء الذي يسمّى على الحقيقة انفصالاً وهو البحران.

فإنّ المعاني الثلاثة كلّها حقّ إلّا أنّ أشبهها بما قصد إليه وأقربها منه أن يكون أراد أبقراط بقوله من قبل أوقات الانفصال أي من قبل أوقات النوائب. وذلك أنّه قد فرغ من الكلام في المنتهى وإذ كان قد فرغ من الكلام في المنتهى فقد فرغ من الكلام في البحران لأنّ البحران على الأكثر إنّما يكون في المنتهى.

قال أبقراط: الأبدان التي يأتيها أو قد أتاها بحران على الكمال لا ينبغي أن تحرّك ولا يحدث فيها حدث لا بدواء مسهل ولا بغيره من التهييج لكن تترك.

قال جالينوس: إنّ أبقراط بعد أن فرغ من قوله في تدبير الغذاء قيل على فنّ آخر فعلّمنا متى ينبغي لنا أن ندع الطبيعة نفعل جميع ما ينبغي أن يفعل بالمريض من غير أن نتكلّف له نحن شيئاً سوى تدبير الغذاء ومتى لا يبنبغي لنا أن نخلي الطبيعة ونتّكل عليها في فعل كلّ ما ينبغي أن يفعل بالمريض

لكن بعينها بعض المعونة فقال إنّه إذا كان قد أتى المريض أو يأتيه بحران كامل فينبغي أن يترك الطبيعة وفعل كلّ ما ينبغي أن يفعل ولا نحدث نحن حدثاً وإن كانت حركة الطبيعة للبحران حركة ناقصة فينبغي أن نزيد نحن الشيء الذي قد نقص. وقد قال هذا القول بعينه في كتابه في الكيموسات حين قال إنّ الأبدان التي يأتيها أو قد أتاها بحران على التمام لا ينبغي أن يتحرّك ولا يحدث فيها حدث لا بدواء مسهل ولا بغيره من التهييج، والمعنى الذي قصد إليه في كتاب الفصول بقوله «على الكمال» هو المعنى الذي قصد إليه بقوله في كتاب الكيموسات «على التمام»، واللفظة التي استعملها في كتاب الفصول وأراد بها هذا المعنى هي في لسان اليونانيين أرطيوس، واللفظة التي استعملها في كتابه في الكيموسات وأراد بها هذا المعنى بعينه وهي في لسان اليونانيين أبارطس، وقد يفهم منها هذا المعنى بعينه الذي أخبرنا عليه تفسير كلام أبقراط في هذا الموضع ونجد غير أبقراط من القدماء من قد استعمل هذه اللفظة أعني أبارطس على هذا المعنى أعني على الشيء التامّ الكامل الذي لا نقصان فيه وهو المعنى الذي أراده أبقراط في هذا الموضع بقوله أرطيوس، وقد يفهم أيضاً من هذه اللفظة في لغة اليونانيين الروح وقد يفهم منها أيضاً قبل قليل، وليس يمكن أن يكون أبقراط أراد بها في هذا الموضع الروح حتّى يكون كأنّه قال إنّما أتى البحران في الأرواح لأنّ هذا كذب بشيع ظاهر الشاعة أن يقال إنّه لا ينبغي أن يحدث حدثاً فيمن أتاه أو يأتيه البحران في أيّام الأرواح، وليس يمكن أيضاً أن يكون أراد بهذه اللفظة في هذا الموضع قبل قليل، ومن أبين ما يدلّ على ذلك ما أصف وهو أنّه لم يقل من أتاه البحران فقط فيحتمل قوله أن يكون معنى تلك اللفظة قبل قليل
لكنّه قال الأبدان التي يأتيها أو قد أتاها بحران فينبغي أن يكون قبل قليل يشاكل قوله قد أتاها البحران. وأمّا قوله «التي يأتيها البحران» فليس يمكن أن يشاكله بوجه من الوجوه قبل قليل، ويستدلّ أيضاً على هذا من تفسير هذا المعنى. وذلك أنّه لا يجب متى كان مريض قد أتاه بحرانه قليلاً قليلاً إلّا يحدث فيه حدث لكنّه إن كان البحران تامًّا كاملاً لا نقصان فيه فهذا القول حقّ، وإن كان في البحران نقصان فينبغي أن يزاد ما ينقص لأنّ الذي يبقى بعد البحران كما قال أبقراط يحدث عودة من المرض والبحران التامّ الكامل هو الذي قد جرت أموره كلّها على ما ينبغي وليس ينقص من عدد علامات البحران المحمودة فيه شيء فإنّ أوّل تلك العلامات أنّ البحران الذي يكون بالاستفراغ أفضل من البحران الذي يكون بالخراج، والثانية أن البحران الذي يستفرغ الكيموسات التي تؤذي وهي علّة المريض والغالب في البدن أفضل من البحران الذي يستفرغ غيره، والثالثة أنّ البحران الذي يكون استفراغه على الاستقامة من الجانب الذي فيه المرض أفضل من البحران الذي ليس يكون كذلك، والرابعة أنّ البحران الذي يكون مع خفّة وراحة من البدن هو الأفضل، والخامسة أنّ البحران الذي يكون من بعد ظهور علامات النضج هو المحمود، والسادسة أنّ البحران الذي يكون في يوم من أيّام البحران أحمد من غيره. فجميع هذه الأشياء ينبغي أن تكون موجودة في البحران التامّ الكامل

فإذا نقص واحد منها أو أكثر من واحد فليس البحران بصحيح ولا بتامّ.

قال أبقراط: الأشياء التي ينبغي أن تستفرغ يجب أن تستفرغ من المواضع التي هي إليها أميل بالأعضاء التي تصلح لاستفراغها.

قال جالينوس: إنّ أبقراط يعني في هذا القول بالأشياء التي ينبغي أن يستفرغ الأخلاط المولّدة للأمراض التي يأتي أو قد أتى فيها بحران غير تامّ ويصف بأيّ الأعضاء ينبغي أن يستفرغها. وقد وصف لنا في ذكر ذلك غرضين، أحدهما طبيعة العضو الذي يستفرغ الفضل منه والآخر ميل الكيموس، فقال إنّه ينبغي أن يستفرغ الفضل من الموضع الذي يميل إليه من المواضع التي تصلح لاستفراغها. والمواضع التي تصلح للاستفراغ هي المعاء والمعدة والمثانة والرحم والجلد ومع هذه أيضاً اللهوات والمنخران إذا كنّا نريد استفراغ الدماغ أو كان الاستفراغ بانبعاث دم، ولا سيّما إذا كان ذلك على استقامة أعني على حال محاذاة العضو العليل

لأنّه إذا كان الرعاف من خلاف الشقّ الذي فيه العلّة فهو رديء. فأمّا ميل الكيموسات التي هي سبب المرض إلى المواضع التي لا تصلح لاستفراغها فذلك يكون إذا كانت تلك المواضع في طبائعها شريفة فبلغ الضرر الذي يتوقّع أن يحدث من قبلها مبلغاً أبلغ من قدر ذلك المرض الذي يكون بحرانه فيها أو إذا لم يكن فيها منفذ البتّة وأضرّ به؟ لك؟ في ذلك، مثالاً فأقول إنّه إذا كانت في الكبد كيموسات قد أحدثت مرضاً ويحتاج إلى استفراغها فالنواحي التي تصلح أن تميل إليها ناحيتان إحداهما ناحية المعدة وإذا كان الميل إلى تلك الناحية فأن يكون إلى أسفل حتّى يكون الاستفراغ بالإسهال أجود من أن يكون إلى فوق حتّى يكون الاستفراغ بالقيء، والناحية الأخرى ناحية الكلى والمثانة. وأمّا ميل تلك الكيموسات إلى نيحية الصدر والرئة والقلب فليس بجيّد فينبغي للطبيب أن يتفقّد ويتعرّف ميل الطبيعة فإن وجد ميلها نحو ناحية تصلح لاستفراغ ما يستفرغه أعدلها ما تحتاج إليه وعاونها، وإن رأى الأمر على ضدّ ذلك ورأى حركتها حركة ضارّة منعها ونقلها وجذبها إلى ضدّ الناحية التي مالت نحوها.

قال أبقراط: إنّما ينبغي أن يستعمل الدواء والتحريك بعد أن ينضج المرض، فأمّا ما دام نيًّا وفي أوّل المرض فلا ينبغي أن يستعمل ذلك إلّا أن يكون المرض مهتاجاً وليس يكاد في أكثر الأمر أن يكون المرض مهتاجاً.

قال جالينوس: أمّا قوله «الدواء» فمن عادته أن يستعمل هذه اللفظة وهو يريد بها الدواء المسهل. وأمّا قوله «مهتاجاً» فإنّها لفظة استعارها للكيموس على طريق التشبيه بالحيوان الهائج. وذلك أنّه كما أنّ الحيوان إذا هاج لا يقدر أن يستقرّ لأنّ الشهوة التي فيه تحرّكه وتزعحه وترهقه كأنّها تدغدعه، كذلك الكيموسات أيضاً ربّما أقلقت المريض وأذته بحركة تكون لها قوية وسيلان من عضو إلى عضو في ابتداء المرض فتكرّ به وتحدث له قلقاً ولا تدعه تستقرّ، لكنّها تتحرّك وتسيل كما قلنا من عضو إلى عضو وتؤدي بحركتها هذه وتنقلها للمريض. وأمّا متى كانت الكيموسات على هذه من الحال فينبغي أن يستفرغ إذا كانت لها حركة وثقل وسيلان. فأمّا متى كانت الكيموسات قد ثبتت ورسخت في عضو من الأعضاء فلا ينبغي أن تحرّك بشيء من العلاج ولا تستفرغ بالدواء المسهل حتّى تنضج،

فإنّها إذا نضجت كانت الطبيعة معاونة لها على استفراغها. فإنّا قد نرى الطبيعة أيضاً بعد النضج قد تمير الكيموسات وتدفع الفضل ففي ذلك الوقت يكون البحران، إلّا أنّ الطبيعة إن تحرّكت حركة تامّة لم تحتج إلى دواء، وإن كان في حركتها تقصير وضعف فينبغي أن يزيد ويتمّم ما قصرت عنه حتّى يكون استفراغ الشيء المؤدي بالأمرين جميعاً أعني بدفع الطبيعة وبجذب الدواء. وقد بيّنّا في كتابنا في القوى الطبيعية أنّ طبيعة كلّ واحد من الأعضاء تستعمل أربع قوى واحدة بها يجتذب الشيء الموافق وأخرى تحتوي عليه وتمسكه وأخرى تغيّره وتنضجه وأخرى دافعة تقذف الشيء المخالف له عنه، وأنّ كلّ واحد من الأدوية المسهلة يجذب الكيموس المشاكل له. وما أحسن ما صنع أبقراط إذ زاد في قوله وفي الأكثر ليس يكاد أن يكون المرض مهتاجاً. وينبغي أن يتعرّف هذا من التجربة أنّ سيلان الكيموسات من عضو إلى عضو أقلّ ما يكون.

وأمّا في أكثر الأمر فتكون الكيموسات ثابتة ساكنة في عضو واحد وفي ذلك العضو يكون نضجها في مدّة زمان المرض كلّه إلى أن ينقصى. وليس يوجد هذا الفصل في جميع النسخ. وأمّا في كتاب الكيموسات فهو موجود.

قال أبقراط: ليس ينبغى أن يستدلّ على المقدار الذي يجب أن يستفرغ من البدن من كثرته لكنّه ينبغي أن يستغنم الاستفراغ ما دام الشيء الذي ينبغي أن يستفرغ هو الذي يستفرغ والمريض محتمل له بسهولة وخفّة وحيث ينبغي فليكن الاستفراغ حتّى يعرض الغشي وإنّما ينبغي أن يفعل ذلك متى كان المريض محتملاً له.

قال جالينوس: قد ينبغي أن يكون لمقدار الاستفراغ حدّ معروف كان ذلمك من الطبيعة طوعاً أو كان من فعلنا. وكما أنّ كيفيته ينبغي أن تكون على حسب الكيموس الذي منه حدث المرض، كذلك ينبغي أن تكون كمّيته بحسب مقدار ذلك الكيموس. وقد وصفنا العلامات التي يستدلّ بها على كيفية الاستفراغ قبل في تفسيرنا للفصل الذي أوّله «استطلاق البطن والقيء الذين يكونان طوعاً»،

وليس معنا إلى هذه الغاية علامة تدلّنا على كمّية الاستفراغ مثل ما وصفنا من العلامات التي تدلّ على كيفيته. ولذلك أعطانا أبقراط علامات يبين بها مقدار الاستفراغ منها استقلال المريض به. وذلك أنّه إن كان الشيء الغالب هو الذي يستفرغ فإنّ بدن المريض يخفّ ضرورة عمّا كان ويجد من الراحة أكثر ممّا كان. فإن استفرغ مع الشيء الخارج عن الطبيعة شيء طبيعي فإنّ المريض يسترخي ضرورة وتضعف قوّته ويحسّ بثقل وقلق، فيجب أن لا يلتفت إلى مقدار الشيء الذي يستفرغ، لكنّه إنّما ينبغي أن ينظر في هذه العلامة التي وصفت وفي علامة أخرى ثابتة أعني أن يكون مع الاستفراغ خفّة وراحة وأن يكون الشيء الذي يستفرغ أيضاً إنّما هو بعد الشيء الذي ينبغي أن يستفرغ. وأمّا قوله بعد ذلك «وحيث ينبغي فليكن الاستفراغ حتّى يعرض الغشي» فهو صواب، لكنّه يحتاج إلى أن يوصف مع ذلك العلامات التي يستدلّ بها على وقت الحاجة إلى استعمال ذلك. وإذا كان أبقراط لم يصفها فإنّا نحن ممّا قد وجدناه بالتجربة وعرفناه بالقياس نصف الحالات التي ينبغي فيها ان يكون الاستفراغ حتّى يعرف الغشى. وينبغي أن نحدّد أوّلاً أيّ غشى قصد أبقراط فيما ينبغي أن يستعمل من الاستفراغ.
وذلك أنّه لم يعن الغشي الذي ربّما عرض للمريض من الجبن من الفصد أو من غيره من العلاج، ولا الغشى الذي يعرض إذا كان في فم المعدة فضل لذّاع قد كان مجتمعاً فيه قيل استعمال العلاج أو يتجلّب إليه في وقت استعماله. فإنّ المريض قد يعرض له الغشي عند هذه الأحوال وليس هذا الغشي بحدّ للمقدار الكافي من الاستفراغ لأنّه ربّما كان قبل الوقت الذي قد بلغ فيه مقدار الحاجة، وكذلك أيضاً قد يعرض كثيراً لبعض المحمومين الغشي بسبب نهوضهم وانتصابهم في الجلوس، ولذلك قد نقصدهم وهم مستلقون. فإنّما عنى أبقراط بالغشي في هذا الموضع الغشي الذي يكون بسبب مقدار الاستفراغ وهو الذي يحدثه مقدار الاستفراغ في الأورام الحارّة التي هي في غاية العظم وفي الحمّيات المحرقة جدّاً وفي الأوجاع الشديدة المفرطة. وإنّما ينبغي كما قال أبقراط أن يتقدّم على هذا المقدار من الاستفراغ إذا كانت القوّة قوية، وقد خبّرنا هذا الاستفراغ مراراً كثيرة لا تحصى فوجدناه ينفع منفعة قوية.

وذلك أنّ استفراغ الدم بالفصد إلى أن يعرض الغشي في الحمّى المفرطة الحرارة يحدث للبدن كلّه برداً على المكان وتطفئ الحمّى. وفي أكثر من يفعل به ذلك يستطلق البطن ويجري منه عرق كثير ممّن يفعل به هذا فيحدث له ما وصفت أن يسكن مرضه السكون التامّ. وبعضهم ينتفع به منفعة عظيمة وتنكسر عنهم عادية المرض وشدّته. ولا أعلم في الأوجاع الشديدة المفرطة علاجاً أقوى وأبلغ من الاستفراغ إلى أن يعرض الغشي بعد أن يحدّد ويعلم هل ينبغي أن يفصد عرق أو يستعمل الإسهال إلى أن يعرض الغشي كما قد بيّنت في كتبي في الفصد.

قال أبقراط: قد يحتاج في الأمراض الحادّة في الندرة إلى أن يستعمل الدواء المسهل في أوّلها وينبغي أن يفعل ذلك بعد أن يتقدّم فيدبّر الأمر على ما ينبغي.

قال جالينوس: إنّ أبقراط قال قبيل إنّه إنّما ينبغي أن يستعمل الدواء والتحريك بعد أن ينضج المرض. فأمّا ما دام نيًّا وفي أوّل المرض فلا ينبغي أن يستعمل ذلك إلّا أن يكون المرض مهتاجاً وفي أكثر الأمر ليس يكاد أن يكون المرض مهتاجاً.

ثمّ إنّه في هذا الفصل أخبرنا مع ذلك بأنّه إنّما يمكن أن ينتفع بما يستعمل من الإسهال في أوّل الأمراض الحادّة فقط. وذلك أنّه ينبغي في الأمراض المزمنة أن ينتظر بالإسهال دائماً حدوث النضج. وأمّا في الأمراض الحادّة فقد يمكن إذا كانت مهتاجة أن يستعمل الدواء المسهل في ابتدائها وينبغي أن يفعل ذلك بجذر ويحذر شديد ونظر شاف. ولذلك زاد أبقراط في قوله إنّه ينبغي أن يفعل ذلك بعد أن يتقدّم فيدبّر الأمر على ما ينبغي. وذلك أنّ هذا الكلام إن كان أراد به أنّه ينبغي لك أن تفعل ذلك بعد أن تتقدّم فتنظر في الأمر نظر غاية أو إن كان أراد به أنّه ينبغي لك أن تفعل ذلك بعد أن تتقدّم فتهيّأ بدن المريض للإسهال أو إن كان أراد به أنّه ينبغي أن تفعل ذلك بعد أن تنظر حتّى ترى التهيّئ أو الاستعداد للإسهال بحسب ما يمكن أو إن كان أراد به معنين من هذه المعاني التي وصفت أو إن كان أراد به جميعاً فهو يدلّ دلالة بيّنة على حذره وتحذّره من الإسهال في هذه الحال. وذلك أنّ الخطر في استعمال الدواء المسهل على غير ما ينبغي في المرض الحادّ عظيم لأنّ الأدوية المسهلة كلّها حارّة يابسة والحمّى من جهة ما هي حمّى من طريق حدّتها ليس تحتاج إلى ما يستحرق يجفّفـ، لكنّها إنّما تحتاج إلى ضدّ ذلك أعني ما يبرّد ويرطّب.
ولذلك ليس يستعمل الإسهال في الحمّى لمكان نفس حرارة الحمّى. وذلك أنّا نعلم أنّه يضرّها من جهة ما هي حمّى لكنّا إنّما نسنعمله لمكان الكيموس الفاعل لها. فينبغي أن يكون الانتفاع بالاستفراغ الكيموس الذي عنه حدث المرض أكثر من الضرر الذي ينال الأبدان في تلك الحال بسبب الأدوية المسهلة. وإنّما يكون الانتفاع أكثر إذا استفرغ الكيموس الضارّ كلّه بلا أذي. وكيما يكون ذلك فقد ينبغي أن ينظر أوّلاً هل بدن المريض متهيّئ مستعدّ لذلك الإسهال. فإنّ الذين كان أوّل مرضهم من تخم كثيرة أو من أطمعة لزجة غليظة والذين بهم فيما دون الشراسيف تمدّد وانتفاخ أو حرارة مفرطة شديدة أو هناك في بعض الأحشاء مع ذلك ورم وليس بدن أحدهم بمتهيّئ للإسهال فينبغي أن لا يكون شيء من هذا موجوداً وأن تكون الكيموسات في بدن المريض على أفضل ما يمكن أن تكون في سهولة جرّها أعني أن تكون رقيقة ولا يكون فيها شيء من اللزوجة وأن تكون المجاري التي تحتاج إلى أن يكون نفوذ ما يخرج في الإسهال منها واسعة مفتووحة ليس فيها شيء من السدد.

فقد نفعل نحن هذه الأشياء ونتقدّم فنهيّئ البدن بهذه الحال إذا أردنا أن نسهله، وهذا ما أراده أبقراط في فصل أتى به بعد قليل قال فيه إذا أردت أن تسهل. فينبغي أن تصير ما تريد إخراجه من البدن يجري فيه بسهولة، إلّا أنّ في الأمراض الحادّة إذا كان إنّما يجوز أن يستعمل الإسهال منذ أوّلها إذا كانت مهتاجة إمّا في اليوم الأوّل وإمّا في أقصاه في اليوم الثاني فليس يمكن أن يتهيّأ فيها البدن هذه التهيئه إلّا أن يتّسع الإنسان من الوقت ما يسقى فيه المريض ماء الغسل وقد طبخ فيه شيء من الحشيشة التي يقال لها زوفاً أو من الفودنخ الجبلي أو من الفودنج البري أو من الحاشا أو ممّا له من الأدوية مثل ما لهذه من التلطيف، فقد تبيّن أنّ الواجب ما قال من أنّه يحتاج في الأمراض الحادّة إلى أن يستعمل الإسهال في ابتدائها في الندرة لأنّه ليس تكاد الأخلاط المولدة للأمراض أن تكون في أوّلها مهتاجة وإن اتّفق أيضاً أن تكون كذلك فليس يكاد يتّفق ذلك وبدن المريض مستعدّ متهيّئ للإسهال ولا يمهلنا أيضاً المرض إلى أن نصيره نحن مستعدًّا متهيّئاً لذلك.

قال أبقراط: إنّ استفراغ البدن من النوع الذي ينبغي أن ينقى منه نفع ذلك واحتمل بسهولة، وإن كان الأمر على ضدّ ذلك كان عسراً.

قال جالينوس: إنّ هذا الفصل محصور في الفصل الذي قال فيه إن كان ما يستفرغ من البدن عند استطلاق البطن والقيء الذين يكونان طوعاً من النوع الذي ينبغي أن ينقى منه البدن نفع ذلك وسهل احتماله وإن لم يكن كذلك كان الأمر على الضدّ، إلّا أنّه لمّا كان في هذا الموضع من كتابه قد تكلّم في الإسهال الذي يفعله الأطبّاء وأتى على ذكر جميع الشروط التي لا بدّ منها في تحديد ذلك الإسهال إلّا اليسير لم يكسل أن يزيد في قوله هذا الفصل ليس يعلّمنا فيه شيئاً مستأنفاً لكنّه يذكرنا به ما تقدّم من قوله في موضع آخر من كتابه في كلّ استفراغ يكون طوعاً حتّى يكون قوله في هذا الموضع أيضاً في الإسهال تامًّا.

تمّت المقالة الأولى من فصول أبقراط شرح الفاضل جالينوس آخراج حنين ابن إسحاق والحمد للّه وحده أبداً سرمداً.

بسم اللّه الرحمن الرحيم توكّلت على اللّه

المقال الثانية من كتاب فصول أبقراط شرح الفاضل حالينوس إخراج أبي زيد حنين بن إسحاق

قال أبقراط: إذا كان النوم في مرض من الأمراض يحدث وجعاً فذلك من علامات الموت، وإذا كان النوم ينفع فليس ذلك من علامات الموت.

قال جالينوس: إنّ أبقراط عنى بالوجع في هذا الموضع الضرر ويدلّ على ذلك ما وصفه بإزائه من القول. وذلك أنّه قال إذا كان النوم ينفع فليس ذلك من علامات الموت. والضرر الذي يحدثه النوم ضربان

أحدهما عامّ وهو الحادث عند نوم المريض في ابتداء نوائب الحمّى والآخر خاصّ في بعض الأمراض وهو الحادث عند نوم المريض في غير وقت ابتداء النوائب، فينبغي أن يفهم عن أبقراط أنّه يعني في هذا الموضع هذا الضرر الخاصّ، لأنّ الأوّل لا يدلّ على الموت ولا على غيره من المكروه وإنّما هو تابع لطبيعة ذلك الوقت، لأنّ الحرارة كلّها والكيموسات تميل إلى عمق البدن في ابتداء النوائب كما قد أخبرنا أبقراط لا سيّما فيمن تعرض له قشعريرة أو نافض أو برد شديد في ظاهر بدنه. ولذلك إذا نام هذا المريض في ابتداء النوبة تطاولت مدّة هذه الأعراض ولم تنته حمّاه منتهاها إلّا بعد كدّ. فإن كان به ورم في بعض أحشائه زاد وحقّ له أن يزيد، وإن كانت تتجلّب إلى معدته بعض الكيموسات فليس ضرره إنّما لا تنضج كما تنضج في غير هذا من أوقات النوم فقط لكنّها مع ذلك تكون أزيد كثيراً وتبقى غير نضيجة. ولذلك تقدّم إلى المريض في الانتباه في ذلك الوقت ليقاوم ميل الروح والدم
والحرارة التي معها إلى ظاهر البدن الكائن بالانتباه ميلها إلى عمق البدن الحادث بسبب ابتداء النوبة ويعد ذلك من أعظم ما يداويهم به. ولقائل أن يقول إنّ الضرر في ذلك الوقت إنّما يكون من طبيعة النوبة إلّا أنّ الانتباه ينعض منه، فإذا عدم المريض الانتباه كان ما يحدث له من الضرر أبين لا أنّه يزداد ضرراً بسبب النوم لكنّه إنّما يعدم الانتفاع باليقظة. وهذا القول بيّن أنّه ليس يعرض من النوم ضرر ولا في ابتداء النوائب لكنّه إنّما يعرض عدم الانتفاع فقط. وأمّا القول الآخر وهو قول من يقول إنّ النوم قد يحدث ضرراً في هذا الوقت فإنّ صاحبه يقول إنّ كلام أبقراط في هذا الموضع إنّما هو في النوم الكائن في غير ابتداء نوائب الحمّى من سائر أوقاتها، وقد ينفع ذلك النوم في أكثر الأمر نفعاً بيّناً ولاسيّما إذا كان النوم في وقت انحطاط نومة الحمّى. فإنّ النوم قد ينفع كثيراً منفعة بيّنة وإذا كان في وقت منتهى نوبة الحمّى، وربّما نفع أيضاً إذا كان في آخر تزيّد النوبة بالقرب من المنتهى،
إلّا أنّ أعظم منتفعته أبينها إنّما تكون في وقت انحطاط نوبة الحمّى. وإذا ضرّ النوم أيضاً فإنّه إن كان في وقت منتهى النوبة أو في وقت تزيّدها فدلالته على الهلاك أقلّ، وإن كان في وقت الانحطاط فدلالته على الهلاك أقوى ما تكون. وذلك أنّ كلّ شيء من هذه الأشياء إذا وجد في الوقت الذي تكون منقعته فيه أبلغ ما تكون لا تنفع ثمّ تجاوز ذلك إلى المضرّة، فواجب أن يدلّ على الموت. ومضارّ النوم هي إضداد منافعة وهي أن لا تنقض من الحمّى بل تزيد فيها وأن تزيد في الوجع وأن يكثر سيلان ما يسيل إلى بعض نواحي البدن وأن تزيد في الأورام. وربّما عرض للمريض أن يتكلّم في نومه كلاماً مختلطاً وإذا انتبه من نومه بقي مدّة طويلة ليس معه عقله. وربّما حدث لبعضهم في نومه ابتداء السبات ولا ينتبه من نومه إذا أحرك إلّا بكدّ. وهذه الأشياء كلّها تعرض من قبل خبث الكيموسات ورداءتها. وذلك أنّه متى كانت الحرارة الغريزية التي في البدن أقوى من الكيموسات وأقهر أنضجتها في وقت النوم، وإذا كانت الحرارة الغريزية أضعف من الكيموس غلبت الكيموسات الحرارة الغريزية لأنّ الحرارة الغريزية أضعف، وإذا كانت الحرارة الغريزية أقوى غلبت الكيموسات، ومتى غلبت الكيموسات على الأحشاء وثقلت عرض للمريض ما وصفنا من الأعراض.

فإنّ أبقراط قد يرى أنّ ظاهر البدن في وقت الانتباه أسخن وأنّ الحال في وقت النوم على ضدّ ذلك ويخبر أنّ رأيه رأى غيره من أكثر أصحاب الطبائع وهو أنّ الانتباه والنوم إنّما يكونان بقدر ميل الحرارة العريزية إلى ظاهر البدن وإلى باطنه. فيجب إذا اجتمعت الحرارة الغريزية في الأحشاء فلم تقو على غلبة العلل الفاعلة للمريض أن يدل ذلك على الهلاك. فأمّا إذا هيء قهرتها فليس ذلك بعد ممّا يدلّ على ثقة صحيحة إلّا أن يقول قائل إنّ من قبل هذه الحال قد يجب أن يسلم المريض ويمكن أن يهلك ليست حال أخرى. وذلك أنّه إن عرض للمريض ورم في بعض أعضائه اشريفة من الأورام التي يعسر انحلالها فقد يمكن أن يموت من كانت هذه حاله، والأصلح إذن أن يقال إنّه إذا كان النوم يحدث ضرراً فتلك علامة من علامات الموت، وإذا كان النوم يحدث منفعة فليس ذلك بعلامة من علامات الموت. وقد ذكر أبقراط في كتاب أبيديميا أيضاً على أنّه قد يحدث من النوم مضارّ حين قال إنّ كثيراً من هؤلاء قد يعرض لهم سبات واختلاط ومنهم من كان يعرض له ذلك من قبل نوم نيامه.

قال أبقراط: متى سكّن النوم اختلاط الذهن فتلك علامة صالحة.

قال جالينوس: إن أضفنا هذا الفصل إلى الفصل الذي قبله وقلناهما على الولاء صار قولاً واحداً على هذا المثال «إذا كان النوم في مرض من الأمراض يحدث وجعاً فذلك من علامات الموت، وإذا كان النوم ينفع فليس ذلك من علامات الموت، من ذلك أنّه متى سكّن النوم اختلاط الذهن فتلك علامة صالحة» حتّى يكون القول الثاني كأنّه مثال من بعض الأشياء الجزئية أضيف إلى القول الأوّل لتصحيح الحكم العامّ الذي حكم به فيه كما لو قال من ذلك إنّه متى سكّن النوم الوجع فتلك علامة صالحة ومتى سكّن النوم الحمّى فتلك علامة صالحة، لكنّه اكتفى بذكر أشدّ الأعراض خطر أو اقصر عليه، لأنّه أبين ما تكون صحّة القول العامّي بما يكون من المثال على هذه الصفة.

قال أبقراط: النوم والأرق إذا جاوز كلّ واحد منهما المقدار القصد فتلك علامة رديئة.

قال جالينوس: قد ظنّ قوم من الأطبّاء أنّ الأرق إذا جاوز المقدار فهو علامة رديئة وسبب رديء وأنّ النوم ليس كذلك، لأنّ النوم علامة صالحة أبداً وليس يكون النوم في وقت من الأوقات مجاوزاً للمقدار المعتدل وأنّ كثيراً من الناس إنّما غلطوا من قبل أنّه ظنّ أنّ تأويل السبات إنّما هو نوم طويل. ونحن نخبّر هؤلاء أنّه ليس يقال إنّ بالمريض سباتاً حتّى يعسر انتباهه، وإذا كان هذا هكذا فينبغي أن يوافقوا على أنّه متى كان النوم إنّما طالت مدّته فقط حتّى جاوزت الاعتدال الطبيعي ولم يعرض فيه أن يعسر الانتباه منه فتسميته نوماً طويلاً صواب. وهذا النوم يكون من برد الحاسّ الأوّل أعني الدماغ، وذلك البرد إذا كان قوياً ثمّ خالطته رطوبة حدث منه المرض الذي يسمّى ليترغس وهو البرسام البارد، ومتى كان معه يبس حدث معه المرض الذي يسمّى قاطاليسيس وهو الجمود. وكذلك الأرق يكون من سخونة الحاسّ الأوّل إلّا أنّ تلك السخونة إمّا أن تكون مزاجاً رديئاً وإمّا أن تكون بغلبة من المرّة الصفراء، وقد أتينا بالبراهين على جميع هذه الأشياء في كتبنا.

ونكتفي في هذا الموضع أن نصف جملها فقط. وكما أنّ قوماً ظنّوا أنّ النوم لا يكون أبداً إلّا معتدلاً وليس يكون في حال من الحالات نوم غير معتدل، كذلك قال أيضاً قوم إنّ الأرق لا يكون في حال من الأحوال قصداً لكنّ هذا الاسم اسم يدلّ على الإفراط فقط والخروج عن المقدار القصد المعتدل ويسمّون العادة التي قد جرت في كلام الناس أنّا ربّما سمّينا أيضاً المقدار اليسير مقداراً قصداً فنضع المقدار القصد بإزاء المقدار العظيم. فعلى هذا الطريق ينبغي أن تفهم الأرق الذي بالمقدار القصد أي بالمقدار اليسير.

قال أبقراط: لا الشبع ولا الجوع ولا غيرهما من جميع الأشياء بمحمود إذا كان مجاوزاً لمقدار الطبيعة.

قال جالينوس: إنّ أبقراط كما حكم في القول الأوّل الذي قاله قبل هذا الحكم بحكم في شيء واحد ثمّ حكم به في هذا القول في جميع الأشياء. وذلك أنّه لمّا كانت الصحّة إنّما هي اعتدال وجب ضرورة أن يكون كلّ ما تجاوز الاعتدال دخل في حدّ الإفراط ثمّ كان قد بعد ذلك عادًّا عن الاعتدال

فهو مرض. فإن لم يكن بعده عن الاعتدال إلّا بعداً كثيراً جدّاً فهو يدلّ على تولّد مرض.

قال أبقراط: الإعياء الذي لا يعرف له سبب ينذر بمرض.

قال جالينوس: إنّ اسم الإعياء ليس يدلّ على إفراط الحركة لكنّه إنّما يدلّ على الحال الحادثة في أبدان الحيوان من الحركة المجاوزة للاعتدال. فإذا حدثت تلك الحال للبدن من غير حركة لم يسمّ إعياء بقول مطلق لكن يسمّى إعياء لا يعرف له سبب. وأصناف الإعياء كما قد بيّنّا في كتاب تدبير الأصحّاء ثلاثة أحدها ألمه شبيه بالقرحة والقرحة عند اليونانيين انقطاع يعرض في اللحم وانفصال الأجزاء من أيّ سبب كان والآخر ألمه ألم يمدّد والثالث ألمه ألم الورم، والأوّل يكون من كيموس رديء والثاني يكون من كثرة الفضل والثالث من الأمرين جميعاً إذا اجتمعا. فقد بيّنّا في كتاب تدبير الأصحّاء أنّ الأمر في هذا أيضاً على ما وصفنا. فإذا كان ذلك كذلك وجب أن يكون الإعياء الذي لا يعرف له سبب ينذر بمرض.

قال أبقراط: من يوجعه شيء من بدنه ولا يحسّ بوجعه في أكثر حالاته فعقله مختلط.

قال جالينوس: من عادة أبقراط أن يقول في بعض كلامه وجع وهو يعني به نفس الحال التي يعرض منها الوجع. وعلى هذا المعنى قال في كتاب ابيديميا أنّ الأوجاع المتقدّمة التي كانت عرضت بقرانون كانت باردة وكانت الحديثة منها حارّة. وليس يجوز ان يكون عنى بالأوجاع أنفسها حارّة أو باردة، وإنّما عنى بالحارّة أو الباردة الحالات التي منها كانت تلك الأوجاع في هذا الموضع. على هذا الطريق إنّما عنى بالوجع الحال التي عنها يكون وهو الورم الحارّ والورم الذي يسمّى خاصّة حمرة والجرح والشرخ والفسخ وجميع ما أشبه ذلك. فإنّه إن كان بالمريض واحد من هذه الأشياء وكان لا يحسّ بوجعه ففهمه مختلط، ولا فرق في هذا الموضع بين أن أقول عقل أو فهم أو ذهن أو فكر.

قال أبقراط: الأبدان التي تهزل في زمان طويل فينبغي أن تكون إعادتها بالتغذية إلى الخصب بتمهّل، والأبدان التي ضمرت في زمان يسير ففي زمان يسير.

قال جالينوس: وذلك أنّ الأبدان التي ضمرت في زمان يسير فإنّما حدث لها الضمور والقضف من استفراغ الرطوبات لا من ذوبان الأعضاء الجامدة. فأمّا الأبدان التي ضمرت وقضفت في زمان طويل فقد ذاب منها اللحم وجقّت ورقّت ونهكت سائر الأعضاء التي بها يكون الهضم وانتشر الغذاء في البدن وتولّد الدم والاغتذاء، فصارت من قبل ذلك لا تقوى على أن تنضج من الغذاء المقدار الذي يحتاج إليه البدن. ولذلك ينبغي أن تجعل إعتادتنا إيّاها إلى الخصب بالغذاء في زمان طويل وهو ما عنى بقوله «بتمهّل». فأمّا الأبدان التي إنّما استفرغت منها الرطوبات فقط فقد يمكنّا إعداتها بالتغذية إلى الخصب بسرعة إذ كنّا واثقين من الأعضاء الجامدة بقوّة. فأمّا آخر هذا الفصل فيكتب على تسختين مختلفتين في اللفظ ومعناهما واحد

وسواء كتب والأبدان التي ضمرت في زمان يسير ففي زمان يسير أو كتب والأبدان التي ضمرت في زمان يسير فبسرعة.

قال أبقراط: الناقه من المرض إذا كان ينال من الغذاء وليس يقوى فذلك يدلّ على أنّه يحمل على بدنه من الغذاء أكثر ممّا يحتمل، وإذا كان ذلك وهو لا ينال منه دلّ على أنّ بدنه يحتاج إلى استفراغ.

قال جالينوس: إنّ هذا الفصل استغلق من قبل أنّ أبقراط استعمل فيه مع ذلك الإيجاز للفظة دلّ بها على عادة جرت فيما بين قوم، وقد نجد تلك العادة الآن جارية في كثير من مدن شتّى. وذلك أنّ من عادتنا أن نقول فيمن لا يشتهي الطعام أنّه ليس ينال منه، ونقول فيمن يشتهي الطعام ولا يمتلأ منه أنّه ينال منه. فمن كان يشتهي الطعام ويرزأ منه الكثير وليس تتراجع قواه إلى ما كانت عليه في حال صحّته فقصّته أنّ الطعام الذي يتناوله ليس يغتذي به لكنّه شبيه بثقيل يقع على بدنه.

فأمّا من لا يقدر أن يرزأ منه المقدار الكافي ففي بدنه أخلاط رديئة وإن لم يستفرغ لم يمكن أن يعود إلى قوّته في حال صحّته. وأبقراط في هذا الكتاب في سائر كتبه يستعمل إذا كانت الكيموسات كلّها قد تزيّدت على التناسب استفراغ الدم، وإذا كان الغالب واحداً منها سقى دواء مسهلاً لذلك الكيموس الغالب. ولمّا علم ذلك أبقراط وقاله مراراً كثيرة في كتبه أتبع هذا الفصل بفصلين آخرين بعده يخبّر فيها عن تلك الحال التي وصفها في هذا الفصل خين قال «وإذا كان ذلكوهو لا ينال منه دلّ أنّ بدنه يحتاج إلى استفراغ». وأتوهم أنّه وقع في نظام ذينك الفصلين غلط جرت عليه أكثر النسخ وأنّ نظامها في النسخ التي يوجد فيها هذا الفصل والأجود «والبدن الذي ليس بالنقي كلّما غذوته زدته شرًّا» حتى يكون القول على هذا المثال

«وإذا كان ذلك وهو لا ينال منه دلّ على أنّ بدنه يحتاج إلى استفراغ وذلك أنّ البدن الذي ليس بالنقي كلّما غذوته تزيّده شرًّا»، إلّا أنّي رأيت أن أتبع النظام الذي يوجد في أكثر النسخ فأجعل تفسيري عليه.

قال أبقراط: كلّ بدن تريد تنقيته فينبغي أن تجعل ما تريد إخراجه منه يجري فيه بسهولة.

قال جالينوس: أمّا كثير من الأطبّاء فظنّوا أنّ تصيير ما يجري إلى إخراجه من البدن يجري فيه بسهولة يكون إمّا فيمن يراد به أن يستفرغ بدواء مقيء فبأن يهيّج القيء مراراً متواترة. وأمّا فيمن يراد به أن يستفرغ بدواء مسهل فبأن يلان بطنه مراراً متواترة، حتّى تصير حال كلّ واحد من الفريقين مستعدّة متهيّئة إمّا الإسهال فيمن يراد به ذلك وإمّا للقيء فيمن يراد به ذلك. وأمّا أنا فلست أرى أنّ قصد أبقراط في هذا الموضع لأن يعلّمنا هذا الأمر اليسير الخسيس

لكنّ قصده أن يعلّمنا أمراً غيره أعظم وأجلّ منه، وقد أظهرناه بالتجربة دهراً طويلاً، وبيّنّا أنّه كما نصف، وهو أنّك إن لطفت وقطعت الأخلاط الغليظة اللزجة التي في البدن ووسعت تلك المجاري التي تجري فيها تلك الأخلاط وفيها تجذبها الأدوية المسهلة أو المقيئة كان الإسهال والقيء في جميع حالاتها على أفضل ما يكونان. ومن أغفل هذا وقصد قصد القيء والأسهال كان ما يروم منها عسيراً شاقاً يعرض منه كثير المغص والدوار والكرب الشديد وسوء النبض والغشي والجهد الشديد. وأمّا نحن فنتقدّم ونستعمل التدبير الملطّف وقد وصفنا فيه مقالة بأسرها وشرحناه فيها فليس يعرض عند استعمالنا بعد ذلك الدواء المسهل أو المقيء شيء ممّا وصفنا من الأعراض ويكون استفراغ جميع ما يكون في البدن ممّا هو خارج من الطبيعة بلا مشقّة بتّة وبأسرع ما يكون. ولهذا أقول إنّ أبقراط أراد بقوله «كلّ بدن تريد تنقيته» كأنّه قال بأيّ نحو من الأنحاء أردت تنقية البدن كان ذلك بالقيء أو بالإسهال فتقدّمت فجعلت البدن كلّه بحال يجري فيه ما يريد إخراجه بسهولة كان تنقيتك له على أفضل الوجوه

وإنّما يكون ذلك كما قلنا بأن توسع وتفتح جميع مجاريه وتقطع وتلطّف الركوبات التي فيه إن كان لها شيء من الغلظ واللزوجة.

قال أبقراط: البدن الذي ليس بالنقي كلّما غذوته زدته شرًّا.

قال جالينوس: وذلك أنّ الغذاء الذي يرد البدن غير نقي يفسد بفساد ما هو فيه متقدّم من الكيموس الرديء فيجب من ذلك أن تزيد كمّيته وتبقى كيفيته على حالها. وأكثر ما يكون ذلك إذا كانت المعدة فمتلئة كيموسات رديئة وعند ذلك يعرض منها العرض الذي ذكره أبقراط قبل أنّه يعرض للناقة من المرض وهو لا يقدر أن ينال من الطعام.

قال أبقراط: أن يملأ البدن من الشراب أسهل من أن يملأ من الطعام.

قال جالينوس: لمّا كان كلامه قبيل قيمن يحتاج إلى أن يغذا حتّى يعود بدنه إلى ما كان عليه ذكر الآن أصناف الأغذية التي يغذون بها. وقد قال أيضاً في كتابه في الغذاء أنّ من احتاج بدنه إلى زيادة سريعة فأبلغ الأشياء في ردّ قوّته الشيء الرطب، ومن احتاج من ذلك إلى ما هو أسرع فتقويته تكون بالشراب. وينبغي أن لا يفهم من قوله في ذلك الكتاب الشيء الرطب مطلقاً ولا من قوله في هذا الكتاب الشراب مطلقاً لكنّه إنّما ينبغي أن يفهم أنّه أراد الأشياء الرطبة والأشربة التي لا بدأتنا فيها غذاء. وذلك أنّه إن ساوى غذاؤها غذاء ما هو إلى الغلظ والجمود أقرب نفوذ فهذه تفوق تلك في السرعة مثل ما كان من الأنبذة أغلظ. فإنّ النبيذ المائي إذا كان رقيقاً أبيض فكما أنّ منظره قريب من منظر الماء كذلك قوّته قريبة من قوّته، ولذلك يردّ البول ولا يغذو البدن إلّا غذاء يسيراً. فأمّا ما كان من الأنبذة غليظاً وكان مع ذلك لونه أحمر فهو من أكثر الأنبذة غذاء،

وله مع ذلك أن تملأ الأبدان التي قد استفرغت واحتاجت لذلك إلى زيادة بأسرع ما يكون. ومن عرف كيف يكون انهضام الغذاء وتفرّقه في البدن فالأمر عنده بيّن في أنّ الغذاء الرطب وخاصّة إن كان في طبيعته حارًّا أسهل وأسرع غذاء للبدن.

قال أبقراط: البقايا التي تبقى من الأمراض بعد البحران من عادتها أن تجلب عودة من المرض.

قال جالينوس: إنّ هذا الفصل أيضاً يتّصل بما قيل قبله. وذلك أنّ أبقراط لمّا قال إنّ الناقة من المرض إذا كان ينال من الغذاء ولم يقو دلّ على أنّه يحمل على بدنه أكثر ممّا يحتمل، وإذا كان ذلك وهو لا ينال منه دلّ على أنّ بدنه يحتاج إلى استفراغ. ثمّ وصف سبب ذلك من بعد الاستفراغ ثمّ أخبرنا الآن بالعلّة التي من أجلها صار الناقه إذا كان لا يشتهي الطعام يحتاج إلى استفراغ كما لو كان قوله كلّه على هذا المثال

«وإذا كان ذلك وهو لا ينال منه دلّ على أنّ بدنه يحتاج إلى استفراغ». وذلك أنّ البقايا التي تبقى من الأمراض بعد البحران من عادتها أن تجلب عودة من المرض، ومن البيّن أنّه يعني بالبقايا ما يبقى من الكيموسات الرديئة في البدن، وواجب ضرورة أن تعفن تلك البقايا على طول الأيّام فتولد حمّى، لأنّ كلّ رطوبة غريبة ليست من طبيعة الجسم الذي يحويها فليس يمكن أن تغذوه ولا يؤول أمرها معه إلّا إلى العفونة ضرورة. وإذا كان مع ذلك الموضع الذي هي مجتمعة فيه حارّّا كان مصيرهت إلى العفونة بأسرع ما يكون وأقوى.

قال أبقراط: إنّ من يأتيه البحران قد يصعب مرضه في الليلة التي قبل نوبة الحمّى التي يأتي فيها البحران ثمّ في الليلة التي بعدها يكون أكثر ذلك أخفّ.

قال جالينوس: إنّ البحران إنّما هو تغيّر سريع من المرض يميل بالمريض إلى الصحّة أو إلى الموت. وإنّما يكون عنه تمييز الطبيعة للشيء الرديء من الشيء الجيّد وتهييئها له بالاندفاع والخروج. فواجب عند هذا الاضطراب أن يقلق المريض ويضعف ويصعب عليه مرضه والأولى أن يتبيّن قلقه وصعوبته مرضه في الليل، لأنّ من عادة الناس أن يناموا بالليل. فإذا منع ذلك الاضطراب الذي يحدث في بدن المريض من النوم تبيّن قلق المريض وصعوبه مرضه بياناً واضحاً على أنّ ذلك الاضطراب قد يكون بالنهار إذا كان البحران متهيّئاً لأنّ يكون في الليلة التي تأتي بعده. فأمّا ما قاله في آخر هذا الفصل وهو قوله ثمّ في الليلة التي بعدها يكون أكثر ذلك أخفّ فليس يوجد في بعض النسخ. وقصده أن يخبّرنا فيه أنّ المريض في الليلة التي تأتي بعد البحران أخفّ منه في الليلة التي قبله على الأمر الأكثر، لأنّ أكثر البحران يؤول إلى السلامة فقد يعلم أنّ من كان يسلم من المرضي أكثر ممّن يموت منهم إلّا أن تكون الحال حال وباء.

قال أبقراط: عند استطلاق البطن قد ينتفع باختلاف ألوان البراز إذا ما لم يكن تغيّره إلى أنواع منه رديئة.

قال جالينوس: إنّ اختلاف ألوان البراز وتغيّره لمّا كان يدلّ على استفراغ أصناف كثيرة من الكيموسات كان نقاء البدن به يكون أصحّ وأوكد إلّا أن يكون فيه شيء من علامات ذوبان البدن ومن علامات العفونة. وقد وصف أبقراط تلك العلامات في كتاب تقدمة المعرفة عند ما ذكر البراز الدسم والبراز الخبيث الرائحة.

قال أبقراط: متى اشتكى الحلق أو خرجت في البدن بثور أو خراجات فينبغي أن تنظر وتتفقّد ما يبرز من البدن فإنّه إن كان الغالب عليه المرار كان البدن مع ذلك عليلاً، وإن كان ما يبرز من البدن مثل ما يبرز من البدن الصحيح فكن على ثقة من التقدّم على أن تغذو البدن.

قال جالينوس: إنّ أبقراط وضع في هذا الفصل قولين متقابلين

يحتاج إلى أن يوصف في كلّ واحد منهما شيئان متقابلان لشيئين فينقص من كلّ واحد من القولين واحد من ذينك الشيئين وهو نظير ما وصفه في الآخر اتّكالاً منه على أنّه يفهم من نظيره، فإن زيد في كلّ واحد من القولين ما نقص منه كان الكلام على هذا المثال «متى اشتكى الحلق أو خرجت في البدن بثور أو خراجات فينبغي أن ينظر ويتفقّد ما يبرز من البدن فإنّه إن كان الغالب عليه المرار فإنّ البدن مع ذلك غير صحيح ولا ينبغي عند ذلك الثقة بالتقدّم على تغذيته. فإن كان ما يبرز من البدن مثل ما يبرز من البدن الصحيح فليس البدن الصحيح بعليل وينبغي حينئذ الثقة بالتقدّم على تغذيته». وأنا مبيّن لك من أين علم أبقراط هذا وقنع به، حتّى حكم بهذا الحكم أقول إنّ الطبيعة التي في بدن الحيوان ربّما تحرّكت لتستفرغ الكيموسات الرديئة من الأعضاء الشريفة فبعضها تدفعه بالبول أو بالقيء أو بالبراز وبعضها تهمّ بأن تدفعه وتخرجه من الجلد فإذا لم يمكنها أن تنفذه بتّة وتستفرغه منه لغلظ ذلك الفضل نقته ودفعته إلى ناحية الجلد. فكثيراً ما يعرض عند ذلك البثور والخراجات والحلق أيضاً يقبل الكيموسات التي تنحدر من الدماغ فيشتكي. فينبغي لنا عند ذلك أن نتفقّد وننظر ونميّز هل قذفت الطبيعة جميع الفضول إلى تلك الأعضاء التي اعتلت أم قد بقي في البدن كلّه فضل من تلك الأخلاط الرديئة، وذلك يتبيّن بما يبرز من البدن.

فإنّ الطبيعة إن لم تكن استنطفت البدن من الفضول عن آخره، وجدت الغالب على ما يبرز من البدن المرار، لأنّ البثور والخراجات إنّما تكون عند ما يسخن الدم من قبل المرار الأصفر، وبيّن أنّه ينبغي عند ذلك أن ينقى البدن ويستفرغ أوّلاً قبل أن يغذى لأنّ البدن الذي ليس بالنقي كلّما غذوته فإنّما تزيده شرًّا. وإن كان ما يبرز من البدن مثل ما يبرز من البدن الصحيح دلّ ذلك على أنّ البدن كلّه معتدل الكيموسات وأنّه ليس في تغذيته خطر بتّة.

قال أبقراط: متى كان بإنسان جوع فلا ينبغي أن يتعب.

قال جالينوس: إنّ الجوع بالحقيقة إنّما هو أن يعدم الناس الغذاء فيصيروا من الجذب إلى غايته. وعلى هذا المعنى قال أبقراط أيضاً في المقالة الثانية من كتاب أبيديميا إنّ أهل انيس لمّا أكلوا الحبوب في الجوع أصابهم ضعف في أرجلهم. ومن عادة أبقراط أن يسمّي كلّ ضيق شديد يكون في الطعام جوعاً، وإن لم يكن بسبب عدمه بإراده الإنسان كان أو بأمر حدث له جوع.

من ذلك أنّه قال في قوله إنّ من كان لحمه رطباً فينبغي أن يعالج بالجوع فإنّ الجوع يجفّف الأبدان. وفي قوله في كتاب تقدمة المعرفة قد ينبغي أن يسئل هل سهر أو لأنّ بطنه ليّناً شديداً أو به جوع إنّما عنى بالجوع ضيق الطعام. وعلى هذا المعنى قال أبقراط في هذا الموضع متى كان بإنسان جوع فلا ينبغي أن يتعب بدنه كأنّه قال إنّ من كان ليس بمزّ مع أن يأكل فلا ينبغي أن يتعب بدنه، ولا ينبغي أن يشار عليه باستعمال شيء من التعب في ذلك اليوم الذي يمتنع فيه من الطعام. وينبغي أن يفهم من قوله في هذا الموضع تجب الحركة القوية الشديدة التي يسمّيها رياضة. وعلى هذا المعنى قال أبقراط ينبغي أن يتقدّم التعب قبل الطعام. وقوله هذا عامّ للأصحّاء والمرضي. وذلك أنّه لا ينبغي أن يؤمروا الأصحّاء أن يستعملوا الرياضة مع ترك الطعام ولا يعالج المرضي بشيء ممّا يحرّك أبدانهم حرجة قوية مع ترك الطعام لا بفصد ولا بإسهال ولا باستفراغ يكون بقيء ولا باستعمال ذلك كثيراً ولا بشيء بالجملة ممّا يحرّك البدن حركة قوية ويغيّره تغيّراً شديداً.

فإنّ القوّة عند هذه الحركات كلّها إذا كانت من غير أن ينال البدن غذاء تخور وتضعف وتنحلّ صحيحاً كان البدن أو سقيماً. وأبقراط يخرص دائماً بجهده أن تكون القوّة التي تدبّر بدن الحيوان قوية. ولا فرق بين أن أقول قوّة أو قوى. فقد قال أبقراط في كتاب الغذاء إنّ القوّة واحدة وليست بواحدة يعني أنّ القوّة في الجنس واحدة ولها أنواع شتّى.

قال أبقراط: متى ورد على البدن غذاء خارج من الطبيعة كثيراً فإنّ ذلك يحدث مرضاً، ويدلّ على ذلك برؤه.

قال جالينوس: إنّ أبقراط يصف في هذا الفصل في نوع واحد قد وصفه في فصل آخر بالجملة. والقول الذي أجمل فيه هذا المعنى هو قوله لا الشبع ولا الجوع ولا غيرهما من جميع الأشياء بمحمود إذا كان مجاوزاً لمقدار الطبيعة. فأمّا هذا الفصل الذي قد أخذنا في تفسيره

فإنّ أبقراط يحكم فيه بذلك الحكم على معنى واحد وهو الامتلاء. والمتلاء إنّما يعني به الغذاء الذي هو أكثر من احتمال طبيعة البدن. والأكثر إنّما يقال دائماً بالإضافة إلى الشيء إلّا أنّه يقال في الأبدان على ضربين أحدهما بقياس من سعة الأوعية والآخر بقياس القوّة التي يكون بها تدبير الأبدان. وإنّما قصد أبقراط في هذا الموضع قصد هذا المعنى فقال غذاء خارج من الطبيعة كثيراً أي أكثر من احتمال الطبيعة كيما لا يظنّ بمن قد ملأ معدته من الطعام حتّى تمدّدت أنّ ذلك لا محالة يضرّه ولا بمن ينال من الطعام ما لم يملأ تجويف معدته أنّ الذي يتناول من ذلك لا محالة يسير وأنّه يستمرّ به على ما ينبغي. فإنّه قد يمكن أن يستمرئ الأوّل ما ملأ به معدته إن كانت طبيعته قوية ولا يستمرئ الثاني ما تناول لضعف قوّته عنه ولا سيّما إذا كان الأوّل تناول طعاماً سريع الانهضام وكان الثاني قد تناول طعاماً عسر الانهضام. وكذلك الحال في الغذاء الذي قد نفذ عن المعدة إلى الكبد فإنّ القوّة المولدة للدم على قياس القوّة الهاضمة التي في المعدة.
وذلك أنّها ربّما كانت ضعيفة فلم تغيّر الكيموس الذي نفذ إلى العروق وإن كان مقداره مقداراً يظنّ به أنّه مقدار قصد وربّما غيّرت وقلبت ما هو أضعاف ذلك بسهولة وسرعة لشدّة قوّتها ولتهيّؤ ذلك الكيموس للتغيّر والانقلاب. وكذلك الحال في الغذاء في مرتبته الثالثة من التغيّر والانقلاب وهو الذي نسمّيه بالحقيقة غذاء أعني الغذاء الذي تقبل به أعضاء البدن الزيادة إنّما يقال إنّه أكثر أو ليس بأكثر بقياس القوّة. وعلى حسب ذلك يكون إمّا أن ينضج على ما ينبغي ويغذو إذا استولت عليه القوّة وقهرته أو يفسد ويولد أمراضاً إذا لم تستول عليه القوّة التي يكون بها تدبير البدن ولم تقهره. وهذا هو نوع من التفسير يفهم فيه الأكثر بحسب القوّة التي يكون بها تدبير البدن. ويجوز أيضاً نوع آخر من التفسير يفهم به قوله خارجاً عن الطبيعة الغذاء الذي هو في كيفيته خارج عن الطبيعة، وهذا التفسير أيضاً صحيح لأنّ كلّ واحد من الأعضاء يغتذي بغذاء موافق له والقائل بأنّ ذلك الغذاء شيء طبيعي للعضو مصيب. فإن أتى العضو في وقت من الأوقات كيموس هو لعضو آخر غيره طبيعي وهو له منافر خارج من الطبيعة فإنّ ذلك رديء على كلّ حال، إلّا أنّه وإن كان رديئاً
فليس يجب لا محالة أن يحدث مرضاً. وذلك أنّه قد يمكن أن يكون الكيموس يسيراً فلا يحدث منه مرض ودليل ذلك أنّا قد نجد الأدوية التي من شأنها أن تفسد البدن كاليبروح والأفيون والفربيون لا تقوى على أن jحدث له مضرّه إلّا أن تكون بمقدار من الكمّية، وبالحرى أن يقوى على هذا، وكذلك الكيموسات أيضاً في ضعفها وقلّتها لا تقدر على أن تفسد العضو وتحدث فيه مرضاً وهو أيضاً وهو مع أنّه ليس يفسد العضو فقد يمكن ويقدر أن يغذوا أعضاء أخر. وما كان يسمّيه غذاء لو لا أنّه كذلك. فكما أنّه أن انحدر من الهواء الذي استنشق في المريء شيء يسير فصار إلى المعدة وانحدر من الرطوبة التي تشرب في قصبة الرئة شيء يسير جدّاً فصار إلى الرئة لم يحدث للمعدة من قبل تلك الريح مرض ولا للرئة من قبل تلك الرطوبة، كذلك الحال في غذاء سائر الأعضاء. وقد فسّر أيضاً هذا القول قوم آخرون تفسيراً ثالثاً فقالوا إنّه ينبغي أن يفهم من قوله «خارج من الطبيعة» أي مفرط متفاقم كأنّه قال «متى ورّد على البدن غذاء كثير مفرط مجاوز للمقدار المعتدل. فإنّ ذلك يحدث مرضاً، وذلك أنّ الغذاء إذا كان إنّما جاوز الاعتدال قليلاً فليس يقوى بعد أن يحدث مرضاً،
لكنّه يدع البدن باقياً في حدود الصحّة، وهذا القول حقّ. وذلك أنّ الغذاء الذي يحدث مرضاً لا ينبغي أن يكون فضله على الاعتدال الصحيح يسيراً، إلّا أنّه ليس من عادة القدماء تحديد القول بهذا الطريق لكن من عادتهم أن يقتصروا على ذكر الجنس الضارّ فقط فقد يقولون إنّ الحرّ والبرد والتخم وفساد الكيموسات والتعب وغير ذلك ممّا أشبهه يحدث مرضاً ويتكلمّون على أنّا نفهم عنهم أنّ مع كلّ واحد من هذه الأسباب كمّية ذات قدر. وعلى هذا الطريق يقولون أيضاً إنّ الغذاء الكثير يحدث مرضاً كثيراً ولا يحتاجون إلى أن يزيدوا في هذا القول فيقولون إذا كان كثيراً جدّاً لأنّهم يعلمون أنّا نعلم أنّ الغذاء إذا كان أكثر من المقدار المعتدل بمقدار جزء من خمسة عشر خرءاً من مثقال فليس يمكن بعد أن يحدث مرضاً، لكنّه إن تضاعف هذا أيضاً أمكن في وقت من الأوقات أن يحدث مرضاً. وذلك أنّه من جنس أحد الأسباب المحدثة الأمراض. فبهذا الطريق يعلم أنّ هذا التفسير الثالث وإن كان حقًّا فإنّ فيه حشواً زائداً على ما جرت عليه عادة الأوّلين في كلامهم وتأويل أيضاً أصحاب هذا التفسير لقول أبقراط «خارج من الطبيعة» تأويلاً مستكرّهاً.
وأمّا الزيادة التي زادها في آخر هذا الفصل وهو قوله «ويدلّ على ذلك بروءه» فإنّها لو كان معها «ممّا» حتّى يكون على هذا المثال «وممّا يدلّ على ذلك بروءه» لكانت أجود. وذلك أنّه ليس البرء فقط يدلّ على أنّه متى ورّد على البدن غذاء خارج من الطبيعة كثيراً فإنّ ذلك يحدث مرضاً لكنّه قد يدلّ على ذلك أيضاً نفس الشيء ويشهد عليه معه البرء. وذلك أنّ الشهادة من عاقبة الشيء الذي يفعل في جميع الصناعات وما يتأتّي الناس له على ما ينبغي يزيد في تصحيحه. والشهادة في هذا القول الزائدة في تصحيحه هي البرء الذي يكون باستفراغ الشيء المؤذي وقد استعمل هذه الشهادة أبرفليس في الاستدلال الذي يسمّى ذا الأزمان الثلاثة. وذلك أنّا إن رأينا أحداً قد أكل أكثر ممّا كانت عادته أن يأكل واستعمل من الرياضة المقدار الذي كان ينبغي أن يستعمل أو أقلّ منه ثمّ رأيناه قد عرض له في بدنه ثقل وابتدأت به حمّى مع حمرة في لونه وانتفاخ في عروقه، وتوهّمنا عليه أنّ مرضه من امتلاء أي من كثرة الأخلاط ولم يكن توهّمنا ذلك عليه على غير الواجب. فإن استفرغ وانتفع بالاستفراغ صحّح ذلك في أوّل وهلة وأوكد ما توهّمنا عليه من الامتلاء ودعانا إلى التقدّم على بصيرة في غيره ممّن حاله مثل حاله على الاستفراغ بمثل ما استفرغناه
من غير أن ينظر وصف أصحاب التجارب وهو قولهم حفظ عاقبة الشيء الكائن في الحالات المتساوية على مثال واحد مراراً كثيرة. ولعلّ هذا الحرف قد كان أبقراط زاده في هذا الفصل فوقف عليه من لم يفهمه فظنّ أنّه فضل فحذفه، أو يكون أبقراط منذ أوّل الأمر كتب هذا القول من غير أن يزيد فيه ذلك الحرف فقال «ويدلّ على ذلك برؤه» مكان أن يقول «وممّا يدلّ على ذلك برؤه». وذلك أنّه إذا كان ما ذكرنا على ما وصفنا، أعني متى ورّد على البدن غذاء خارج من الطبيعة كثير فحدث مرض ثمّ استفرغ البدن وانتفع المريض باستفراغه دلّ ذلك على أنّه إنّما كان جلب عليه المرض من كثرة الغذاء. وينبغي أن يحفظ عن أبقراط أنّه يعني الاستفراغ إذا قاله قولاً مطلقاً استفراغ جميع الكيموسات بالسواء ويعني بالتنقية والنقاء استفراغ الكيموس الرديء في كيفيته، وأنّ البرء في هذه المواضع إنّما يكون بالاستفراغ لا بالتنقية فيشهد بذلك على صحّة ما قيل من أمر كثرة الأخلاط. واستفراغ جميع الأخلاط بالسواء يكون بالفصد خاصّة أصحّ
ممّا يكون بغيره ويقرب منه الاستفراغ الذي يكون بالشرط على الكحلين كما من عادتنا أن يفعل والاستفراغ الذي يكون بالدلك والرياضة والحمام وبالعرض أيضاً الاستفراغ الذي يكون بترك الطعام. وإنّما قلت إنّ هذا الاستفراغ يكون بالعرض لأنّ ترك الطعام ليس يستغرغ البدن بنفسه كما يستفرغه كلّ واحد من هذه الأشياء التي ذكرنا، لكنّ الاستفراغ عند ذلك إنّما يكون على طريق التحليل الطبيعي فإذا ما لم يرد البدن غذاء يخلف مكان ما استفرغ منه تبيّن أمره وظهر بعد أن كان خفياً. وما قلنا من هذا كاف في تفسير هذا الفصل. ومن أراد أن يستقصي جميع القول في الامتلاء وهو كثرة الكيموسات فقد كتبنا له في ذلك مقالة بأسرها عنوانها من الامتلاء وهو كثرة الأخلاط. وأمّا في هذا الموضع فنكتفي أن نزيد بعد الذي وصفنا ما أنا واصفه وهو أنّه يمكن أن تبتدئ كثرة الأخلاط التي هي بقياس القوّة من غير أن تكون الأخلاط قد فسدت لكنّه لا يمكن أن تلبث على جودتها، لأنّه يجب ضرورة أن تتغيّر في كيفيتها وتفسد على طول الزمان، إلّا أنّه وإن كان الأمر كذلك فإنّا لا نزال نسمّي تلك الحال كثرة

ولا ننسبها إلى الفساد ما دام يمكن بعد استفراغ الشيء الفاضل منها أن يصير الباقي إلى حال جودته. فإنّه يعرض في الدم إذا تغيّر شبيه بما يعرض في الأنبذة التي تحمض. والذي يعرض في الأنبذة هو أنّها متى استكملت الحموضة فصارت خلاء فليست تعود إلى طبيعة الشراب ومتى كان تغيّرها تغييراً يسيراً حتّى تكون الحموضة قد أخذت فيها ولا تكون بعد قد صارت خلاء فكثير منها مراراً كثيرة قد عاد إلى طبيعته. وكذلك الحال في الدم. فإنّ الدم أيضاً إذا حدث فيه فساد عظيم لا يعود إلى طبيعته وإذا حدث فيه فساد يسير فاستخرجنا منه الشيء الفاضل عاد الباقي إلى طبيعته، ومن عادتنا أن نسمّي حاله تلك حال كثرة لا حال فساد ولكن ليس تنسب حاله إلى الفساد إلّا إذا كان قد بلغ من مقدار فساده وخروجه عن طبيعته أن لا يمكن فيه أن تنضجه الطبيعة فتعود فيصير دماً محموداً.

قال أبقراط: ما كان من الأشياء يغذو سريعاً دفعة فخروجه أيضاً يكون سريعاً.

قال جالينوس: أمّا قوله «يغذو سريعاً» فينبغي أن يفهم أنّه عنى به أن يكون طبعها أن يغذو بعد تناولها بوقت يسير وحين يتناول. وإنّما يمتحن طبعها في الصحيح الذي لا يذمّ من صحّته شيء. وأمّا قوله «دفعة» فعنى به أن يكون بعد أن يبتدئ أن يغذو توفّى البدن غذاءها كلّه في زمان يسير. فهذه الأشياء من قبل هذا المعنى الذي وصفنا وحده أعني أنّها تغذو سريعاً دفعة يكون نفوذها أيضاً وخروجها سريعاً. فإن كان فيها حدّة يهيج بها البدن لدفعها وقذفها أو لزوجة تحتبس فيها وتبقى زماناً أطول كانت تلك إلى الخروج أسرع. وكانت هذه أبطأ وأبلغ الأشياء كلّها في أن تغذو سريعاً دفعة النبيذ، ومن أولى الأشياء بأن يغذو بأبطأ قليلاً قليلاً لحم البقر ولحم الصدف المسمّى قخليص وما أشبهه ممّا هو في البحر ممّا هو صلب اللحم

وممّا طبيعته شبيهة بطبيعة هذه الأشياء الجبن الصلب واللحمان المملوحة والعدس والبيض الذي قد سلق حتّى اشتدّ وصلب. فإنّ جميع هذه الأشياء إنّما تغذو بعد تناولها بزمان طويل قليلاً قليلاً. وممّا يستدلّ به على أنّ الشيء الذي ورد على البدن قد غذاه: أمّا من قبل النبض فمن شدّة قوّته وعظمه، وأمّا من الحركة الإرادية فزيادة قوّة تحدث للذي اغتذى. وأولى من اختبرت فيه أمرها من قد ضعفت وانحلّت قوّة إمّا لاستفراغ ماء محسوس وإمّا لتعب وإمّا لإمساك عن الطعام. وعند تناول جميع ما تقدّمنا بذكره يكون نزول ما ينزل من البطن بطيئاً أعني بعد تناول تلك الأشياء بهذه طويلة وعند تناول إضدادها يكون خروج ما يخرج سريعاً وأشدّ الأشياء مضادّة لها هو النبيذ وهو كما قلنا أسرع من جميع الأشياء غذاء، ثمّ تتوالي من بعده أشياء آخر أنا ذاكرها على نظام ملخّص، أوّلاً أمر الأنبذة. فأقول إنّ ما كان منها مائياً فهو أقلّها غذاء البدن والنبيذ المائي هو ما كان لونه أبيض وكان قوامه رقيقاً،
وما كان من الأنبذة غليظاً أحمر فغذاءه للبدن أكثر كثيراً من غذاء المائي إلّا أنّ ما ينال منه البدن من الغذاء ينقص عمّا ينال من الشراب الأسود بحسب ما يفصل عليه في سرعة غذائه للبدن دفعة. وما كان من الأنبذة أبيض لكنّه غليظ فهو أقلّ غذاء من الأحمر الغليظ وهو أكثر غذاء من الأبيض الرقيق وليس يغذو سريعاً ولا دفعة. وبحسب اختلاف الأنبذة وتفاضلها فيما وصفنا يكون اختلافها أيضاً في سرعة خروجها وإبطائه. فإنّ الشراب المائي يخرج بالبول أسرع ممّا يخرج سائر الأشربة لسرعة نفاذه كلّه إلّا اليسير. وأمّا سائر الأنبذة التي ينحدر منها شيء بيّن فيخرج مع البراز، فعلى حسب مقدار زمان غذائها للبدن يكون زمان خروجها. وكذلك الحال في سائر الأشياء التي تتناول. فإنّ ماء كشك الشعير يرى يغذو البدن بعد تناوله بمدّة ليست بطويلة إلّا أنّه ليس ينال البدن منه غذاء كثيراً والغذاء الذي ينال البدن منه يكون في زمان يسير دفعة. فأمّا الحسو المتّخذ من دقيق الحنطة فليس ينيل البدن غذاء دفعة ولا غذاءه يسير لكنّه يغذو البدن في زمان طويل غذاء كثيراً.
وقد يحتاج إلى أن تكون الأشياء التي يقاس بينها في هذا الباب في قوام واحد ولا يكون بينها في ذلك اختلاف. وهذا القول في الشريطة في كلّ ما احتيج إلي أن يقاس بينه وبين أشباهه ممّا يتّخذ من الجوارس والباقلي ومن غيرهما من الثمار. فأمّا اللحمان فينبغي أن تكون المقايسة بينها في القوام على حدّة والمقايسة بينهما في كيفية الصنعة على حدّة حتّى يكون اللحمان الذان يقاس بينهما إمّا مستويان جميعاً على مثال واحد وإمّا مطبوخان جميعاً طبخاً واحداً. وينبغي أن ينتزع ممّا يعالج بالصنعة رطوبة لذاعة إن كانت فيه كما يفعل بالكرنب والكثير من الجرب لتصحّ لنا محنة الجوهر الذي يغذو على حفّة وصدفة وانتزاع تلك الرطوبة يكون بأن يطبخ في ماء ثمّ ينقل منه إلى ماء غيره. فإن أنت بعد تحديدك هذه الأشياء كلّها امتحنت الأشياء التي تغذو وامحنه استقصاء، وجدت ما كان منها يغذو في زمان يسير وهو المعنى الذي ذهب إليه في قوله «دفعة» وبعد أن يتناول بهذه يسيرة وهو المعنى الذي ذهب إليه في قوله «سريعاً» فخروجه أيضاً يكون سريعاً إذا كان البدنان الذان يرد عليهما الطعامان على حال واحدة.
فإنّ هذا أيضاً ممّا يببغي أن يشترط في جميع هذه الأشياء وأشباههما. ووجدت ما هو على ضدّ ذلك يكون خروجه أيضاً بطيئاً. وأمّا العلّة في هذا فتقدر أن تعرفها ممّا قد بيّناه في كتاب القوى الطبيعية فقد بيّنّا أنّ المعدة تحظى هي أوّلاً من الطعام فتجتذب منه أوفقها لها فتوعيه بين طبقاتها فإذا استوفت وتملأت منه دفعته عنها فانحدر. وبيّنّا أنّ اجتذاب الكبد للغذاء إذا كانت بها إلى الغذاء حاجة في هذا الوقت يكون. فإن لم يكن بها حاجة إليه استعملت ما كان فيها متقدّماً. وعلى هذا القياس يجذب البدن كلّه أيضاً من الكبد إذا عدم الغذاء أيضاً البدن واحتاج إليه. ولذلك أجود ما يكون امتحان ما كان من الأغذية يغذو سريعاً دفعة فيمن كان بدنه كلّه فارغاً، وما كان كذلك من الغذاء فله كما قلنا أن يكون خروجه بالبراز أسرع بحسب ما توجبه تلك الحال. وقد قال قوم إنّه إنّما أراد بالخروج بالاستفراغ من البدن البتّة حتّى يكون ما قاله أبقراط في هذا الموضع هو ما قاله في كتابه في الغذاء

حين قال إنّ ما كان من الغذاء بطيء الاستحالة فهو بطيء التحلّل وما كان منه سريع الاستحالة فهو سريع التحلّل فهذا القول حقّ من أصحّ ما قيل ولكن كان اسم الخروج ليس بمطابق لهذا المعنى لأنّ أكثر ما يقال هذه اللفظة على خروج ما يخرج من البطن وقد يمكن أن نفهم منها الخروج من البدن كلّه فلحم الخزير وكلّما يولّد كيموساً غليظاً لزجاً فتحلّله من البدن يكون بعد زمان طويل. وأمّا البقول والسمك الصخري وكلّما كان بالجملة الكيموس المتولّد منه رقيقاً لطيفاً فهو يفوق الأوّل في سرعة النفوذ إلى البدن والزيادة فيه إلّا أنّ طبيعته طبيعة لا بقاء لها لكنّه يتحلّل سريعاً.

قال أبقراط: إنّ التقدّم بالقضية فى الأمراض الحادّة بالموت كانت أو بالبرء فليست تكون على غاية الثقة.

قال جالينوس: إنّ المرض الحادّ له مع سرعة انقضائه لا محالة عظم. فإنّ حمّى يوم وإن كان سكونها وانقضاؤها سريعاً فليس يسمّي مرضاً حادًّا. والأمراض الحادّة صنفان. وذلك أنّ المرض الحادّ يكون إمّا من كيموس حارّ ليس بمتحيّر ولا مستقرّ في موضع واحد من البدن لكنّه في الأعضاء كلّها بالسواء، وإمّا أن يكون قد حدث في موضع من البدن علّة كالحال في ذات الجنب وذات الرئة والذبجة. والحمّى في المرض الحادّ تكون مطبقة دائمة على الأمر الأكثر. فإنّ القليل من الأمراض الحادّة تكون من غير حمّى مثل الفالج. فأمّا المرض الطويل المزمن فإنّما يكون من كيموس غليظ لزج بارد ولا يمكن فيه أن ينضج سريعاً وهو لاصق قد لجج في العضو الذي حدثت فيه العلّة

حتّى تكون علّته بالورم الصلب المسمّى اسقيروس أشبه منها بالورم الحارّ المسمّى فلغموني. واليسير منها يكون من غير أن يحدث في عضو من الأعضاء علّة من قبل كيموس من جنس المرّة السوداء أو من جنس البلغم قد كثر في العروق كلّها بالسواء، وذلك أنّ الكيموس إذا عفن ولد حمّى. فكان أبقراط في جميع هذه الأمراض المزمنة من التقدّم بالقضية فيها على غاية الثقة وليس هو في جميع الأمراض الحادّة من الثقة على مثال ذلك لكنّه يقرّ أنّه قد يمكون أن يقع في التقدّم بالقضية على بعضها خطاء. فإنّ هذا هو ما يدلّ عليه قوله ليس يكون بغاية الثقة معنى قول القائل ليس يكون بغاية الثقة. وقوله ليس بكلّ الثقة معنى واحد وسواء عليك قلت ليس يكون بغاية الثقة أو قلت ليس يصحّ في جميع الحالات، ومن عادة الناس أن يقولوا هذا القول إذا أرادوا أن يستثنوا شيئاً يسيراً من الجميع، مثل قول من القائل ليس جميع الناس إشراراً. فإنّ القائل لهذا القول يدلّ بقوله هذا على أنّ الإحاد من الناس إخيار. وعلى هذا المثال قال أبقراط في هذا الموضع من الفصل إنّ التقدّم بالقضية في الأمراض الحادّة ليس يكون بغاية الثقة لأنّه قد يخطئ الطبيب الحادق في النذرة في التقدّم بالقضية فيها. وإنّما يعرض له ذلك لسرعة تغيّر المرض الكائن

عن الكيموسات الفاعلة لتلك الأمراض ولأنّ الكيموس المؤذي ربّما سال وجرى فيها من مواضع إلى مواضع غيرها.

قال أبقراط: من كان بطنه في شبابه ليناً فإنّه إذا شاخ يبس بطنه ومن كان في شبابه يابس البطن فإنّه إذا شاخ لان بطنه.

قال جالينوس: إنّ هذا الأمر ليس يكون في جميع الحالات لا محالة لكنّه يكون في أكثر الحالات، وقد دلّ على ذلك أبقراط نفسه فيما بعد في فصل قال فيه «من كان بطنه ليّناً فإنّه ما دام شابًّا أحسن حالاً ممّن بطنه يابس ثمّ يصير حاله عند الشيخوخة أردأ. وذلك أنّ بطنه يجفّ إذا شاخ على الأمر الأكثر». فينبغي أن لا يفهم قوله «لين البطن ويبسه» مطلقاً لكن على أنّ التدبير تدبير واحد،

لأنّه إن استعمل مستعمل في شبابه تدبير أهل الإسكندرية فيقدّم في صدر طعامه أكل السمك المالح والكراث ثمّ شرب بعد طعامه قفاعاً ثمّ أمسك في شيخوخته عن هذا كلّه ومال إلى العدس وما أشبهه وشرب شراباً قابضاً، لم يقل إنّ حال برازه اختلفت بسبب سنّه. وكذلك إن استعمل في شبابه التدبير الذي يعقل البطن فأكل العدس والزعرور وشرب الشراب العفص ثمّ استعمل في شيخوخته تدبير أهل الإسكندرية فاختلف حال برازه بحسب اختلاف تدبيره، لم يكن امتهاننا فيه لما حكم به أبقراط في هذا الباب على الصواب. وإنّما يكون امتحاننا لما قاله أبقراط على الصواب إذا كان الغذاء غذاء واحداً وكان جميع تدبيره على مثال واحد فاختلفت حال البراز عند انتقال السنّ. وإنّما تختلف حال البراز بقدر طبيعة الإنسان بحسب اختلاف حالات البدن فيها التي من قبلها يميل البطن إلى اللين أو إلى اليبس. وقد خاصّ قوم من الأطبّاء في طلب تلك الحالات أيّ الحالات هي وإن أنا رمت أن أسوق القول في هذا على سياقة براهين ما يحتاج فيها منه إلى البرهان ظننت أن أبلغ من طوله أن أحتاج أن أضع فيه مقالة بأسرها.
وسأفعل ذلك فيما بعد. وأمّا في هذا الموضع فإنّي أتي بجمل من القول بإيجاز واختصار أبينها على ما قد بيّنته في كتابي في القوى الطبيعية وفي المقالات التي وصفت فيها علل الأعراض. فأقول إنّ البطن إنّما يميل عن الاعتدال إلى اليبس إذا قلّ ما ينفذ إلى الكبد من الغذاء الذي ينهضم في المعدة وإنّما يميل عن الاعتدال إلى اليبس إذا قلّ ما ينفذ إلى الكبد من الغذاء الذي ينهضم في المعدة، وإنّما يميل عن الاعتدال إلى اليبس إذا نفذ جميع ما في ذلك الغذاء من الرطوبة إلى الكبد. وقلّة نفوذ ما ينفذ من الغذاء من المعدة إلى الكبد ربّما كان من قبل أنّ الإنسان يتناول من الغذاء أكثر ممّا يحتاج إليه الكبد وربّما كان من قبل أنّ الغذاء يسرع الخروج في البراز. وذلك أنّ الغذاء إذا كان أكثر، بقيت منه فضلة بعد اجتذاب الكبد منه المقدار الذي يحتاج إليه. وإذا كان الغذاء ينحدر ويخرج سريعاً، لم يلحق الكبد فيجذب منه المقدار الذي يحتاج إليه. وسرعة خروج البراز ربّما كان من قبل كثرة المرار الذي ينصبّ إلى الأمعاء فيهيجها إلى دفعة وقذفه، وربّما كان من قبل القوّة الماسكة في المعدة والأمعاء ضعفت وقويت فيها القوّة الدافعة.
وإنّما يشتهي الإنسان طعاماً أكثر إذا كان فم المعدة أبرد، لأنّ شهوة الطعام إنّما هي خاصّة هناك. وإنّما تجتذب الكبد أقلّ لبردها. وإنّما تضعف القوّة الماسكة في المعدة من قبل رطوبتها وإنّما تقوى القوّة الدافعة التي فيها وفي الأمعاء من قبل يبسها. فمن كان في شبيبته لين البطن ثمّ كان لين بطنه من قبل أنّ فم معدته بارد ولذلك شهوته للطعام زائدة وتناوله منه كثيراً فإنّه إذا شاخ وبرد بدنه بلغ من تفاقم البرد في فم معدته أن تنتقل حاله إلى ذهاب الشهوة فيصير بذلك إلى أن يجفّ برازه لقلّة ما يتناول بقياس ما ينفذ إلى الكبد. وكذلك من كان لين بطنه في شبيبته من قبل كثرة ما ينصبّ إلى معائه من المرار الأصغر فإنّه عند الشيخوخة تنتقل حاله إلى الضدّ لأنّه ليس يتولّد في الشيخوخة من هذا الكيموس مقدار كثير كما كان يتولّد في وقت الشباب. فأمّا الذين يأتيهم لين البطن في وقت الشباب من قبل ضعف القوّة الماسكة فليس تنتقل الحال في جميعهم إلى الضدّ في وقت الشيخوخة، وذلك يكون بحسب مقدار ما مع تلك الرطوبة التي تجذب عنها ضعف القوّة الماسكة من الحرارة. وذلك أنّ المعدة إذا كان منذ أوّل أمرها إلى البرد أميل
فإنّها في وقت الشيخوخة تصير من البرد إلى الإفراط فتبقى القوّة الماسكة التي فيها على مثل ما كانت حالها عليه من الضعف، لأنّ كلّ مزاج مفرط يضعف الأفعال ويبطلها. وإن كانت المعدة منذ أوّل أمرها إلى الحرً أميل فإنّ القوّة الماسكة التي فيها عند الشيخوخة تقوى وتبقى على قوّتها زماناً طويلاً، لأنّ مزاجها ليس يكون بمفرط في واحدة من الحالتين لا في اليبس لأنّ مزاجها كان في الأصل لا محالة رطباً. ولو لا ذلك لما كانت قوّتها الماسكة ضعيفة ولا في الحرارة، لأنّا قد كنّا وصفنا أنّها كانت حارّة في الأصل. فقد تبيّن أنّ جميع من كان بطنه بالطبع إلى اللين أميل إلّا اليسير في شبيبته. فإنّه إذا شاخ انتقلت حاله إلى الضدّ ومن كان بطنه بالطبع في شبيبته إلى اليبس أميل، مال إلى اللين في شيخوخته لإضداد الأسباب التي وصفنا. وذلك أنّ يبس بطنه إنّما يكون إمّا من قبل أنّ ما يتناول من الغذاء أقلّ من مقدار القوّة التي في الكبد وإمّا من قبل أنّ ما ينصبّ من المرار إلى الأمعاء يسير وإمّا من قبل شدّة القوّة الماسكة التي في معدته. وقلّة الشهوة وسرعة الشبع إنّما تكون قبل حرارة موضع الشهوة.
وانتشاف رطوبة الغذاء عن آخرها يكون إذا كانت الكبد إمّا معتدلة المزاج وإمّا أميل قليلاً إلى الحرارة. وأمّا قلّة ما ينصبّ من المرار إلى الأمعاء فإنّما تكون لقلّة ما يتولّد منه في الكبد، وذلك إنّما يكون من قبل برد الكبد. وأمّا من شدّة القوّة الماسكة في المعدة فإنّما تكون في الشباب إذا كان مزاجهم إلى اليبس أميل. فيجب من قبل ذلك أن تنتقل حال جميع أصحاب هذه الحالات التي وصفنا إلى الضدّ. وذلك أنّ من كانت شهوته ناقصة في حداثه لحرارة معدته فإنّ اليبس إذا تمادّت به وبردت معدته بعض البرد كانت شهوته للطعام أزيد فيتناول منه أكثر ممّا يحتمله الكبد. ومن كانت القوّة الماسكة في معدته في شبيبته شديدة من قبل ميل مزاجه بالطبع إلى اليبس فإنّه إذا شاخ تضعف منه تلك القوّة بإفراط اليبس عليه. ولذلك يلين مراره لأنّ انحدار الطعام وخروجه يكون أسرع. فأمّا من كان يبس بطنه في حداثته إنّما هو من قبل قلّة المرار لأنّ البراز كان يبطئ فتطول مدّة انحداره كان فينشف أكثر ما فيه من الرطوبات فقد يمكن أن تبقى وتلك حاله في وقت شيخةوخته. ويمكن أن يفرط البرد على كبده

فتضعف قوّتها التي يكون بها نفوذ الغذاء إلى الكبد ضعفاً شديداً. فيلين بسبب ذلك البراز فهذا ما رأيت أن أقول في هذا الموضع في سبب اختلاف حال البراز عند اختلاف السنّ إلى اللين أو إلى اليبس وسيغمض لسلوكي فيه طريق الإيجاز على من لم يتقدّم فيرتاض في الكتب التي ذكرتها قبل. وسأصف ذلك وأبيّنه وأشرحه شرحاً أبين من هذا فيما بعد في مقالة أفردها له بأسرها. ومن كان شأنه الاقتصار على ما يحتاج إليه في نفس الطبّ فيكفيه أن يعلم هذا الذي قاله أبقراط فقط من غير أن يوصف له سببه.

قال أبقراط: شرب الشراب يشفي الجوع.

قال جالينوس: إنّ عادة أبقراط أن يقول شرب الشراب وهو يعني به شرب النبيذ. وقد قال في كتابه في طبيعة الإنسان وتدبيره إنّه «إذا عرض المرض الواحد لجميع الناس كافة

شابّهم وشيخهم وأناثهم وذكرهم وشاربهم للشراب وشاربهم للماء فبيّن أنّ السبب فيه ليس هو غذاء كلّ واحد منهم وتدبيره». فدلّ بوصفه أنّ شارب الماء وشارب الشراب أنّه إنّما يعني بشارب الشراب شارب النبيذ فيجب أن يكون شرب الشراب إنّما يعني به شرب النبيذ، وقال إنّ ذلك يشقي الجوع، ولم يعن بالجوع في هذا الموضع كلّ حال يعدم فيها البدن الغذاء كما ظنّ قوم. ولا عنى أيضاً عدم الغذاء الذي تكون معه شهوة، وإنّما عنى حال من يعرض له أن تكون شهوته شديدة دائمة لا تفتر وهي الشهوة التي يسمّيها قوم من الأطبّاء الشهوة الكلّية. فإنّ شرب الشراب إنّما يشقي هذا الجوع لا الجوع الذي يكون إمّا من إمساك طويل المدّة عن الطعام وإمّا من اختلاف وإمّا من استفراغ غيره عرض للإنسان. فأمّا من كان جوعه من سبب من هذه الأسباب فإنّه يضرّه شرب الشراب أعظم المضرّة فضلاً عن أن تناله منه منفعة لأنّه يصيبه منه أن تناوله قبل الطعام التشنّج واختلاف الذهن سريعاً. فأمّا من كان جوعه إنّما هو آفة عرضت له فشفاؤه يكون بشرب النبيذ لا بالإكثار من الطعام.
فقد شقيت كثيراً ممّن أصابه جوع دائم لا يفتر بأن شقيته خمراً كثيراً من بعض الخمور التي لها إسخان قوي. فإنّ الخمر العفصة لا تشفي هذا الجوع لأنّها لا تسخن، لكن ما كان من الخمر لونه اللون الأحمر الناصع أو اللون الأحمر القاني من غير قبض فهو من أبلغ الأشياء في شفاء من به الجوع الذي يسمّى الكلّي. وينبغي عند مصيرهم إلى تناول الطعام أن يطعموا أوّلاً أطعمة دسمة دهنية وما يأكلون منه ممّا ليست هذه حاله فينبغي أن يكثر في صنعته من الذهن. ولا يكون في شيء منه عفوصة ولا قبض البتّة. ثمّ يؤمرون من بعد ذلك بشرب شيء من الأنبذة التي وصفنا وإن كانوا لا يعطشون بعد. فإنّ جوعهم في العاجل يسكن عند استعمال هذا التدبير. فإن الححنا عليه زماناً طويلاً أقلع. وهذا عندي هو أولى ما قيل إنّ أبقراط أراد أن يدلّ عليه في هذا الفصل. وذلك أنّه لمّا كانت الشهوة الكلّية إنّما تكون إمّا من برد مزاج المعدة فقط وإمّا من كيموس حامض قد تشربه جرمها وكان النبيذ الذي قد وصفنا يشفي الأمرين جميعاً،

وجب أن يشفي الشهوة الكلّية. فأمّا من ظنّ أنّ أبقراط إنّما عنى في هذا الموضع بالجوع العلّة التي يسمّيها اليونانيين بوليموس فقد بعد جدّاً عندي عن فهم ما أراد أبقراط من وجوه أوّلها أنّه جعل مكان كلّ شيء عامّي كلّ شيء جزئي خاصّي ووجه آخر أنّه قد كذب. وذلك أنّ بوليموس إنّما هو سقوط القوّة من البرد العارض من خارج وأوّله يكون جوعاً ثمّ إذا استكمل لم يبق الجوع معه لكنّه يبطل.

قال أبقراط: ما كان من الأمراض يحدث من الامتلاء فشفاؤه يكون بالاستفراغ، وما كان منها يحدث من الاستفراغ فشفاؤه يكون بالامتلاء، وشفاء سائر الأمراض يكون بالمضادّة.

قال جالينوس: إنّه ليس متى كان مرض قد حدث من الامتلاء وزال ذلك الامتلاء فليس هو بموجود في البدن فشفاؤه يكون بالاستفراغ، لكنّه متى كان المرض الذي تروم علاجه في حال الحدوث وحدوثه من امتلاء فهو يحتاج إلى الاستفراغ.

وقد قلنا قبل إنّ الامتلاء يحدث أمراضاً وليس يحتاج إلى كلام في أنّ شفاءه يكون بالاستفراغ ولا في أنّ في شفاء جميع الأسباب المحدثة للأمراض يكون بالمضادّة لها، وذلك أنّه ليس يمكن أحد أن يفهم شيئاً يكون به الشفاء من الأسباب المحدثة للأمراض غير الضدّ، فإنّ الأمراض أنفسها التي قد حدثت وفرغت لنا في أمرها بعد نظر، وكذلك الحال في الأعراض التي تلزم الأمراض ضرورة، إلّا أنّ كلامنا في هذا الموضع إنّما هو في الأمراض التي هي بعد في الحدوث. وبيّن أنّ تلك الأمراض تزول ضرورة مع إزالة الأسباب التي تحدثها، وإزالة الأسباب الفاعلة للأمراض تكون بإضدادها. وذلك أنّه إن كان سبب من الأسباب يمرض بالتبريد فشفاؤه يكون بالإسخان، وإن كان يمرض بالإسخان فشفاؤه يكون بالتبريد. وكذلك إن كان المرض يحدث من الاستفراغ فينبغي أن يستفرغ ذلك الامتلاء، وإن كان المرض يحدث من الاستفراغ فينبغي أن يغذو البدن بأسرع ما يقدر عليه. وإن كان قد ظنّ قوم أنّ الاستفراغ لا يحدث في حال من الأحوال مرضاً.
وأحسب هؤلاء يتوهّمون أنّ الحمّى وحدها هي المرض. وذلك أنّهم لو علموا أنّ كلّ حال يضرّ بالفعل هي مرض وكلّ مزاج مفرط يضرّ بالأفعال لما كانوا يشكّون في أنّ الاستفراغ المفرط يكون سبباً للأمراض. وقد نجد الدم الكثير إذا جرى من الرحم أو من أفواه العروق التي تنفتح من المعدة أو من جرح فإنّ ذلك يضرّ لمن يصيبه إمّا بجميع أفعاله وإمّا بأكثرها. ومنهم من ليس هذا فقط يعرض له لكنّه يصير إلى الاستسقاء. والإمساك عن الطعام مدّة طويلة فيمن حرارته حرارة بارية تجلب له حمّى فضلاً عن سائر أنحاء الضرر. وقد قلت الشيء الذي فيه الحقّ والمنفع. وأنا ملحق به شيئاً لمكان هذيان من يهذي مثل أطبّائنا هؤلاء الحدث الذين يخاصمون في الأسماء ويظنّون أنّ كلامهم فيها إنّما هو في معانيها، وهم القائلون إنّ إزالة الأسباب المحدثة للأمراض ليست تشقي لكنّها إنّما هي تقدّم بالحفظ وينبغي أوّلاً أن نبيّن لهؤلاء أنّ خصومتهم إنّما هي في الاسم
ثمّ أنّ خصومتهم في الاسم أيضاً ليست على ما ينبغي. وذلك أنّ السبب الفاعل للمرض إذا كان قد زال وليس بموجود في البدن فالذي بقي سفاء المرض الذي قد حدث عنه، وإذا كان في البدن سبب من الأسباب التي يحدث منها المرض ولم يحدث بعد شيء من الامتلاء فإزالة ذلك وشبه من الأسباب جزء من الطبّ الذي يسمّى التقدّم بالحفظ والحياطة. وإذا كان ذلك السبب قد أخذ في التأثير فمداواته مركّبة من التقدّم بالحفظ ومن الشفاء. وذلك أنّ الشيء الذي كان السبب مزمعاً أن يفعله قد امتنع من أن يكون في ذلك جزء من الطبّ الذي يسمّى التقدّم بالحفظ، وهو إزالة ما كانت هذه حاله من الأسباب. وما كان قد حدث من المرض وفرغ فهو يحتاج إلى شفاء خاصّ، ولذلك إذا كان هذا الفعل مركّباً مختلطاً من التقدّم بالحفظ ومن الشفاء ليس له اسم خاصّ، ولذلك ربّما سمّاه الأطبّاء تقدّماً بالحفظ من قبل أنّه يمنع من أن يتمّ المرض الذي قد ابتدأ أن يحدث وربّما سمّوه شفاء من قبل أنّه يشفي الشيء الذي حدث من المرض كما نجدهم يسمّون علاج عضّة كلب كلب. فإنّ الأدوية التي يداوى بها أصحاب هذه العلّة قد نجدهم يسمّونها على نحوين فربّما سمّوها أشفية للكلب

كأنّهم يريدون أنّها شفاء من الحال المولدة له، وربّما لم يسمّوها أشفية لكنّ علاجاً يتقدّم فيحفظ ويمنع من حدوث الكلب.

قال أبقراط: إنّ البحران ياتي في الأمراض الحادّة في أربعة عشر يوماً.

قال جالينوس: إنّ الأمراض الحادّة هي أمراض عظيمة سريعة الحركة والمرور إلى منتهائها. فيجب أن يحدث فيها في المدّة اليسيرة تغيّر عظيم وذلك هو أن يأتي بحرانها. فإنّ أبقراط إنّما يعني بالبحران هذا التغيير العظيم إذا حدث في المرض دفعة، فربّما رأيت المريض يبرأ أو يصحّ دفعة أو يموت بغتة، وربّما رأيته قد حدث له تغيّر عظيم إمّا إلى طريق السلامة وإمّا إلى طريق الهلاك إلّا أنّه لم يصر في ذلك الوقت لا إلى السلامة ولا إلى العطب فتصير أصناف التغيّر السريع أربعة،

وقد وصفها أبقراط في المقالة الأولى من كتاب أبيديميا حين قال «إمّا إلى السلامة وإمّا إلى العطب وإمّا ميل إلى الحال التي هي أفضل وإمّا ميل إلى الحال التي هي أردأ». وبيّن عند كلّ أحد أنّه يجب ضرورة في المرض الحادّ لعظمه وشدّة أعراضه إمّا أن تغلب القوّة بسرعة فيهلك المريض وإمّا أن تتحرّك لدفع الشيء المؤذي، فإن قويت عليه وغلبته وبلغت ما قصدت إليه حدث بحران جيّد محمود، وإن غلبت حدث بحران رديء مذموم. ولذلك ليس يمكن أن يتأخّر البحران في المرض الحادّ إلى مدّة طويلة. فوضع أبقراط حدّ جميع هذه الأمراض مدّة الأسبوعين لأنّه لا يجوز شيء من الأمراض الحادّة هذا الحدّ. وقد يأتي البحران في كثير من الأمراض الحادّة قبل اليوم الرابع عشر. فقد رأينا كثيراً من أصحاب الأمراض الحادّة ممّن عايناهم وممّن ذكرهم أبقراط في كتاب أبيديميا قد أتاهم البحران في اليوم الحادي عشر وفي اليوم التاسع وفي اليوم السابع وفي اليوم الخامس. وقد ياتي بعضهم البحران في اليوم السادس لكنّه ليس يكون البحران فيه محموداً كما بيّنت في كتابي في أيّام البحران وأشير على من أراد فهم ما ذكره أبقراط من أمر هذا إذ كان إنّما وصفه بإيجاز أن يرتاض في ذلك الكتاب، لأنّي شرحت فيه أمر الشرح التامّ.
ومتى لم يكن البحران تامًّا لكنّه يكون قد ميل المرض إلى إحدى الحالتين ولم يبلغه غايتها فبلوغه إلى غايتها وتمام بحرانه يكون في أحد الأيّام التي من بعد، وقد وصف أبقراط في كتاب تقدمة المعرفة أيّ الأيّام هي تلك الأيّام، وهو يصف ذلك أيضاً في هذا الكتاب في فصل يأتي بعد هذا. ولهذا الجنس أيضاً من البحران أعني الذي يكون منه شيء في يوم من الأيّام لا يتمّ ويبقى من المرض بقية يمون بحرانها يعد حدّ آخر بعد الحدّ الأوّل لا يمكن أن يجاوزه وهو اليوم الأربعين. والأمراض التي يأتي فيها البحران التامّ في اليوم الرابع عشر أو قبله فمن عادة أبقراط أن يسمّيها أمراضاً حادّة بقول مطلق. فأمّا الأمراض الحادّة التي يكون فيها بحران ناقص في أحد أيّام البحران الأوّل ثمّ تبقى منه بقية يتمرّ كون بحرانها في أحد أيّام البحران التي تعدّ إلى يوم الأربعين فليس يسمّيها أبقراط حادّة بقول مطلق لكنّه يصفها بكلام مركّب فيقول الحادّة التي يتمّ بحرانها في الأربعين. وقد وصفها قوم بكلام أبين من هذا فسمّوها الأمراض الحادّة التي كانت بحال وانتقلت إلى غيرها. وقد ذكر أبقراط هذه الأمراض في كتاب تقدمة المعرفة فقال «قد ينبغي أن يعلم أنّ لجودة التنفّس قوّة عظيمة جدّاً في الدلالة على السلامة في جميع الأمراض الحادّة التي تكون معها حمّى
ويأتي فيها البحران في أربعين يوماً. وأمّا في هذا الكتاب فحكم على الأمراض التي يسمّيها حادّة بقول مطلق فقال إنّ بحرابها يأتي في أربعة عشر يوماً، ولم يعن بذلك كما ظنّ قوم أنّ عدد الأيّام التي يأتي فيها االبحران في هذه الأمراض في أربعة عشر يوماً لأنّا إن قلنا هذا فقد يجب على هذا القياس أن يكون عدد أيّام بحران الأمراض الحادّة التي كانت بحال وانتقلت إلى غيرها أربعين يوماً لأنّه إنّما وصف تلك وهذه بلفظ واحد فقال في هذا الكتاب إنّ البحران يأتي في الأمراض الحادّة في أربعة عشر يوماً، وقال في كتاب تقدمة المعرفة إنّ الأمراض الحادّة التي تكون معها حمّى ويأتي فيها البحران في أربعين يوماً. والقائلون لهذا القول لمّا لم يجدوا السبيل إلى أن يثبتوا أنّ هذين القولين متّفقان أعني هذا القول الذي قاله أبقراط في كتاب الفضول والقول الذي قاله في كتاب تقدمة المعرفة احتالوا فجاؤوا بهذا التفسير البديع.
وأمّا نفس الحقيقة فتشهد على صحّة قول القائل بأنّ حدّ بحران الأمراض الحادّة هو اليوم الرابع عشر. وذلك أنّه لم ير قطّ مرضاً حركته منذ أوّل حركة حدّة سرعة جاوز هذا الحدّ من غير أن يحدث فيه واحد من أربعة أصناف البحران التي وصفناها، وقد يكون من الأمراض ما يكون في الأيّام الأولى ضعيفاً يسيراً ثمّ يبدأ في الرابع في الاطّباق والقوّة والحدّة. ثمّ تطول مدّته إلى اليوم السابع عشر ويكون من الأمراض أمراض أخر تبتدئ حدّتها في اليوم السادس أو في اليوم السابع فتنتهي إلى اليوم العشرين. فقد حصل أنّه ليس يكون مرض حدّته متّصلة دائمة تتطاول مدّته أكثر من أربعة عشر يوماً. فأمّا الأمراض التي حركتها مختلفة فكثير منها تتطاول مدّته إلى حدّ من الحدود التي بعد الأربعة عشر يوماً. وإنّما عنى بالأمراض التي حركتها مختلفة الأمراض التي تشتدّ وتقوى في بعض أيّامها ثمّ تخفّ عن غير إنذار متقدّم ثمّ تكرّ وتعاود الاطّباق. وإن تفقّده متفقّد كما وصفت أمر المرض

وجد جميع الأمراض التي تكون حركتها أسبوعين متّصلين حركة حدّة وسرعة لا تجاوزهما في حال من الأحوال حتّى تنقضي.

قال أبقراط: الرابع منذر بالسابع، وأوّل الأسبوع الثاني اليوم الثامن والمنذر بالرابع عشر اليوم الحادي عشر لأنّه الرابع من الأسبوع الثاني، واليوم السابع عشر أيضاً يوم إنذار لأنّه اليوم الرابع من اليوم الرابع عشر واليوم السابع من اليوم الحادي عشر.

قال جالينوس: إنّ أبقراط يعني بأيّام الإنذار الأيّام التي تظهر فيها علامة تدلّ على بحران يأتي فيما بعد من الأيّام، ومن عادته أن يسمّيها منذرة وأيّام الإنذار وأيّام النظر، فقد وصفها في كتاب تقدمة المعرفة وجعل حسابها يجري على أربعة أربعة وقسم كلّ أسبوع قسمين. فقال إنّ اليوم الرابع منذر باليوم السابع والبيوم الحادي عشر منذ أوّل المرض منذر باليوم الرابع عشر، لأنّ اليوم الحادي عشر أيضاً هو اليوم الذي يقع عليه قسمة الأسبوع الثاني بنصفين وهو أربعة.

وعلى هذا القياس يكون يوم الستّين ويوم الثمانين من أيّام البحران والتجربة تشهد على أنّهما كذلك كما قد بيّنّا في كتاب أيّام البحران ولحقنا صفة مريض مريض من المرضى الذين ذكرهم أبقراط في كتاب أبيديميا. فبيّنّا أنّ البحران أتاهم على الطريق الذي وصفناه من حساب أيّام البحران، وإن ذهبت إلى أن أصف لك أمر أولئك المرضى في هذا الموضع طال الكلام فاكتفى بأن أذكر لك كلاماً قاله أبقراط في كتاب تقدمة المعرفة فقط، وهو أنّ «البحران يأتي في الحمّيات في الإعداد بأعيانها من الأيّام سلم منها من سلم وعطب منها من عطب. وذلك أنّ أسلم الحمّيات التي يجري أمرها على العلامات التي هي في غاية الثقة تنقضي في اليوم الرابع أو قبله، وأخبث الحمّيات التي يجري أمرها على أردي العلامات تقتل في اليوم الرابع أو قبله. وهذا هو حدّ انقضاء دورها الأوّل والثاني ينتهي إلى السابع والثالث ينتهي إلى الحادي عشر والرابع ينتهي إلى الرابع عشر والخامس إلى السابع عشر والسادس إلى العشرين. فهذه الأدوار تجري على تزيّد أربعة أربعة في الأمراض الحادّة وينتهي إلى العشرين».

فقد دلّ هذا الكلام من أبقراط دلالة بيّنة أنّه بحسب الأسبوع الثالث متّصلاً بالأسبوع الثاني وأنّه يجعل اليوم السابع عشر منذر بيوم العشرين.

قال أبقراط: إنّ الربع الصيفية في أكثر الأمر قصيرة والخريفية طويلة ولا سيّما متى اتّصلت بالشتاء.

قال جالينوس: إنّه ليس الربع فقط تكون قصيرة في الصيف لكنّ سائر الأمراض لأنّ الكيموسات تذوب وتنتشر في البدن كلّه وتتحلّل. ومتى كانت القوّة قوية ثمّ استفرغ الكيموس المولّد للمرض سكن المرض وانقضى. ومتى كانت القوّة ضعيفة فإنّها تنحلّ مع استفراغ الكيموس المولّد للمرض. فيجب من قبل ذلك أن لا يطول شيء من الأمراض الصيفية،

قال جالينوس: إنّ جميع الكلام الذي يحتاج أن يقال في أشباه هذه الأشياء قد قيل في كتاب البحران. ولست أذكر في هذا الموضع إلّا ما يكتفى به في تفسير هذا الكلام الذي وصفناه. فأقول إنّه متى حدث مرض قوي ثمّ خفّ بغتة من غير أن يكون البدن استفرغ لا بقيء ولا بعرق ولا باختلاف ولا برعاف ولا بغير ذلك ممّا أشبهه، ولم تظهر أيضاً علامات تدلّ على النضج، فينبغي أن يعلم أنّه لا ينبغي أن يعتمد ذلك الخفّ، وكذلك أيضاً إن كان قد ظهر لك في المرض علامات النضج البيّن ثمّ رأيت المريض قد عرض له نفس رديء واختلاط في ذهنه أو صعوبة من حمّاه أو نافض قوي، فلا ينبغي أن يهولك ذلك. فإنّ هذه أيضاً ليست من الأشياء الثابتة ويبلغ من بعدها على أن يدلّ على أمر رديء أنّها كثيراً ما تدلّ على بحران محمود قد قرب حدوثه. وقد وصفت في كتاب البحران كيف ينبغي أن تتعرّف هذه الأشياء في وقت حضورها وتتقدّم فتعلمها قبل أن تحضر.

قال أبقراط: من كانت به حمّى ليست بالضعيفة جدّاً فأن يبقى بدنه على حاله ولا ينقص منه شيء أو يذوب
بأكثر ممّا ينبغي فإنّ ذلك رديء لأنّ الأوّل ينذر بطول من المرض والثاني يدلّ على ضعف من القوّة.

قال جالينوس: إنّ أبقراط إنّما اشترط هذه الشريطة فقال «ليست بالضعيفة جدًّا»، لأنّه لو أطلق القوّة فقال «من كانت به حمّى فأن يبقى بدنه على حاله ولم ينقص شيء رديء» لما كان هذا القول حقًّا. وذلك أنّه يمكن أن يكون مريض مرضه من امتلاء ومزاج الهواء مزاج بارد وتكون حمّاه حمّى ضعيفة فلا يضمر بدنه ولا يهزل ولا يكون ذلك حينئذ علامة رديئة ومن كانت حمّاه حمّى قوية وحمّاه على ما وصفنا من خصب البدن دلّ ذلك على أنّ امتلاءه امتلاء مفرط كثير جدًّا. وأمّا «أن يذوب البدن بأكثر ممّا ينبغي» فهو رديء على حال من غير أن يزاد في القول «إن كانت الحمّى ليست بالضعيفة جدًّا». وذلك أنّه إن كانت الحمّى ضعيفة فإنّ الهزل المجاور للمقدار الذي ينبغي علامة تدلّ على ضعف القوّة وليس ينبغي أن يتوهّم أنّه أراد في هذا الموضع بقوله «يذوب» المعنى الذي تقال عليه هذه اللفظة على الحقيقة لكنّه إنّما استعارها واستعملها مكان يضمر ويهزل.

وما أحسن ما قال في الجزء الثاني من هذا الفصل «بأكثر ممّا ينبغي»، والأجود أن يتوهّم أنّه قصد إلى هذا المعنى في الجزء الأوّل أيضاً حتّى يكون قوله كلّه في هذا الفصل على هذا المثال «من كانت به حمّى ليست بالضعيفة جدّاً فإن بقي بدنه أو يذوب بأكثر ممّا ينبغي رديء جدًّا» حتّى يصير قوله «بأكثر ممّا ينبغي مشتركاً للأمرين جميعاً». وذلك أنّه إن بقي البدن بأكثر ممّا ينبغي أو ضمر بأكثر ممّا ينبغي فكلاهما رديء. وقد كان الأجود أن يكون وصف الأعراض التي يقصد إليها بالنظر حتّى يعلم أنّ الشيئين الذين قد وصف بأكثر ممّا ينبغي، لكنّه لمّا كان قد استعمل في كتابه هذا التعليم الذي يكون بطريق الفصول وهذا النوع من التعليم إنّما يكون بغاية الإيجاز إلغاء ذكر لك، ونحن نفسّر لك ما أراد بقوله ممّا ينبغي وبماذا يعرف، فنقول إنّه ينبغي أن نقيّس حال البدن في خصبه وهزاله بمقدار قوّة الحمّى وبمقدار طول المرض وبالسنّ وبالوقت الحاضر من أوقات السنة وبالبلد وبمزاج الهواء في ذلك الوقت وبالاستفراغ المحسوس وبالسهر وبالهمّ وبمقدار المطعم وبمقدار الحركة. فإنّ الحمّى كلّما كانت أعظم وأقوى كان تهزيلها لبدن المريض أسرع وأكثر،
وكذلك مقدار طول المرض. وأمّا من الأسنان فالصبيان ومن هو من الشيخوخة في الغاية القصوى أسرع وأكثر هذا لا عند العلّة إلّا أنّ أصحاب كلّ واحد من هذين السنّين يعرض لهم ذلك بسبب غير السبب الذي يعرض من قبله لأصحاب السنّ الأخرى. وذلك أنّ الصبيان لرطوبة أبدانهم وحرارتها يتحلّل منها أكثر ما يتحلّل من سائر الأبدان والمشايخ إنّما تتحلّل أبدانهم تحليلاً كثيراً لضعف القوّة. وأمّا أوقات السنة والبلدان وحالات الهواء فما كان منها حارًّا يابساً فإنّ إفراغه للبدن أكثر وما كان منها بارداً رطباً فإنّه يشدّ البدن ويمنع من استفراغه وتحليله. وأمّا الاستفراغ المحسوس فليست بي حاجة إلى ذكره لأنّي لا أتوهّم أنّ أحداً يجهل أنّه يجب أن يهزل البدن بسرعة عند نزف يعرض لصاحبه أو عرق كثير أو قيء كثير اأو بول أو اختلاف كثير. والإمساك عن الطعام أيضاً قريب من هذه الأسباب التي ذكرناها والسهر أيضاً والهمّ يهزلان البدن هزالاً قوياً، وكذلك أيضاً الحركة القوية، إلّا أنّ الحركة الكثيرة قليلاً ما تكون من المحموم، وذلك أنّ المحموم في أكثر الحالات مستلقى ساكن،
إلّا أنّه ربّما عرض لبعض الناس أن تبتدئ به الحمّى وهو يسير في طريق فيمعن في الحركة إمّا لضرورة وإمّا لمبادرته إلى منزلة وربّما عرض للمريض اختلاط في ذهنه فيكثر نومه أو قيامه أو حركته بعض أعضائه وهو مستلق حركة دائمة أو يتكلّم كلاماً كثيراً فيعرض له من قبل ذلك على الأمر الواجب أن يهزل في أيّام قلائل. فجميع هذه الأسباب يهزل المريض وإضدادها يحفظ جثّة بدنه على عظمها. وليس واحد من هذه الأشياء التي وصفنا بعلامة دالّة على ضعف من القوّة لكنّ كلّ واحد منها إنّما هو سبب لنقصان القوّة. فإنّ هذه الأسباب كما تهزل البدن بالواجب، كذلك تنقص من القوّة. وأمّا هزال البدن من غير هذه الأسباب التي ذكرنا من غير ما ينبغي فقال أبقراط إنّما علامة تدلّ على ضعف القوّة وهو الأمر الذي قلنا إنّه هو السبب في سرعة هزال الشيخ الفاني، وليس العجب أن يكون فيمن هذه حاله الضعف بسبب الهزال، والهزال دليل على الضعف. فإنّ الحال كذلك في جميع ما يفعل وينفعل.
وهذا هو رأي أبقراط وهو يرى أنّ الهزال على غير ما ينبغي دليل دائماً على ضعف القوّة. وأنا أضيف إلى قوله ذكر حال أخرى تكون في الحمّى سبباً للهزال على غير ما ينبغي. وتلك الحال هي رقّة الكيموسات وتخلخل البدن. فإنّ هذين السببين متى اجتمعا كان استفراغ البدن على أسرع ما يكون من التخلخل الذي يسمّى الخفي كما أنّه متى اجتمعا ضدّ هذين السببين أعني غلظ الكيموسات وكثافة البدن لم يكن للكيموسات استفراغ وعرض عند ذلك أن يبقى البدن على خصبه ولا ينقص شيئاً. وقد دلّ أبقراط على هذه الحال في الجزء الأوّل من هذا الفصل بقوله «لأنّ الأوّل ينذر بطول من المرض». وترك ذكر الحال التي هي حدّها. وأنا ملحق ذكر تلك الحال ومستقص هذا القول على التمام بأوجز ما يمكن، فأقول إنّ من كانت به حمّى ليست بالضعيفة جدّاً فأن تبقى حثّة بدنه أو تهزل بأكثر ممّا ينبغي رديء،

لأنّ بقاء حثّته بأكثر ممّا ينبغي يكون من كثافة الجلد وغلظ الكيموسات وكثرتها، ولذلك ينذر بطول من المرض وهزال بأكثر ممّا ينبغي فربّما كان لرقّة الكيموس وتخلخل الجلد وربّما كان لضعف من القوّة.

قال أبقراط: ما دام المرض في ابتدائه فإن رأيت أن تحرّك شيئاً فحرّك، فإذا صار المرض إلى منتهاه فينبغي أن يستقرّ المريض ويسكن.

قال جالينوس: قد دلّ أبقراط لأيّ سبب أشار بهذه المشوّرة في الفصل الذي أتى به بعد هذا، فإن وصلت بهذا الفصل الفصل الذي يأتي بعده صار كلّه على هذا المثال «ما دام المرض في ابتدائه فإن رأيت أن تحرّك شيئاً فحرّك فإذا صار المرض إلى منتهاه فينبغي أن يستقرّ المريض ويسكن. فإنّ جميع الأشياء في أوّل المرض وآخره أضعف وفي منتهاه أقوى». وينبغي أن يفهم من قوله «جميع الأشياء» جميع الأعراض.

فإنّه إنّما عنى بالأشياء الأعراض، لأنّ الحال المولدة لها وهي التي يسمّيها مرضاً ليس يجب لا محالة أن تكون في وقت المنتهى أقوى لكنّها فيمن يسلم من مرضه أمثل كثيراً ممّا كانت في أوّل المرض وإنّما أشار أبقراط بقوله «أن يستقرّ المريض ويسكن» في وقت منتهى مرضه ويحرّك شيئاً إن احتاج إلى تحريكهه في أوّل المرض ما دام المرض في ابتدائه متى كان المريض المريض من المرضى الذين يسلمون. فإنّ المرض المهلك ليس في منتهاه فقط لا ينبغي أن يحرّك صاحبه بشيء لكن في الأوقات التي قبل ذلك. وذلك أنّه لا ينبغي لأحد أن يتعاطى علاج من علّته هي الغالبة لقوّته لكن يتنحّى عنه بعد أن يتقدّم. فيتنظّر بما يكون من عاقبة مرضه فقط فإذا كان المرض من الأمراض التي ترحى لصاحبها السلامة منه فينبغي في أوّله إن رأيت موضع شيء من العلاج القوي أن يستعمله في ذلك الوقت، وذلك هو ما أراده بقوله أبقراط «إن رأيت أن يحرّك شيئاً فحرّك». والعلاج القوي هو الفصد خاصّة وربّما استعمل الإسهال، وليس ينبغي أن يستعمل واحداً من هذين في وقت منتهى المرض. وذلك أنّ نضج المرض كما بيّنّا في كتاب البحران في ذلك الوقت خاصّة يكون.

والأجود في المعونة على أن يكون النضج أسرع أن يستعمل الاستفراغ في ابتداء المرض حتّى تقلّ مادّته فيكون إنضاجها على الطبيعة أسهل. وأمّا في وقة المنتهى فإذا كانت الطبيعة قد أنضجت المادّة أو أكثرها فمن الأفضل أن يستفرغ، ومع ذلك فإنّ القوّة النفسانية تكون في وقت المنتهى في أكثر الأمر قد كلّت، وإن كانت في ذلك القوّة الحيوانية والقوّة الطبيعية باقيتين على قوّتهما.

قال أبقراط: إنّ جميع الأشياء في أوّل المرض وآخره أضعف وفي منتهاه أقوى.

قال جالينوس: يريد أنّ جميع الأعراض تكون في أوّل المرض وآخره أضعف يعني نوائب الحمّى والأرقّ والوجع والكرب والعطش. فأمّا الحال التي تكون منها هذه الأعراض وهي المرض فيجب ضرورة أن يكون في وقت المنتهى أمثل إذا كان المريض من المرضى الذي يسلمون.

قال أبقراط:إذا كان الناقه يحظى من الطعام فلا يتزيّد بدنه شيئاً فذلك رديء.

قال جالينوس: كان ينبغي أن يكون قرن هذا الفصل والفصل الذي يأتي بعده بفصول قد تقدّمت حيث قال أبقراط «إذا كان الناقه من المرض ينال من الغذاء فلا يقوى به». فإنّ أبقراط وضع مكان هذه اللفظة التي وصفها في هذا الفصل وهي قوله « يحظى من الطعام» في ذلك الفصل قوله «ينال من الغذاء». ثمّ أخبر بعرض يعرض من ذلك وهو أنّ المريض لا يقوى بذلك الغذاء وقرن في هذا الفصل النيل من الغذاء وجعله مشتركاً للفصلين جميعاً، وجعل مكان ذلك العرض الذي ذكره في ذلك الفصل عرضاً غيره نظير له. وذلك أنّ امتناع تزيّد البدن كأنّه شبيه بانتناع قوّته. وذلك أنّ امتناع قوّة آفة عارضة للقوّة التي تدبّر البدن وامتناع تزيّد آفة عارضة لنفس البدن. وامتناع تزيّد حضب البدن

ربّما كان من قبل ضعف القوّة التي تغذوه وربّما كان من قبل أخلاط رديئة.

قال أبقراط: إنّ في أكثر الحالات جميع من حاله رديئة ويحظى من الطعام في أوّل الأمر فلا يتزيّد بدنه شيئاً فإنّه بآخره يؤول أمره إلى أن لا يحظى من الطعام، فأمّا من يمتنع عليه في أوّل أمره النيل من الطعام امتناعاً شديداً ثمّ يحظى منه بآخره فحاله تكون أجود.

قال جالينوس: يشبه أن يكون هذا الفصل أيضاً إنّما قيل في الناقه والدليل على ذلك قول أبقراط «فلا يتزيّد بدنه شيئاً». فإنّ أبقراط وغيره من القدماء إنّما من عادتهم أن يصفوا بمثل هذا الكلام الناقه دون غيره. وإن كان الناقه يحظى من الطعام في أوّل أمره فلا يقبل بدنه ويعود إلى الحضب فالسبب الذي من أجله عرض له هذا يعرض له بعد أن لا يرزأ. والسبب الذي من أجله يحظى من الطعام في أوّل أمره فلا يتزيّد بدنه رداءة حال بدنه كلّه وقوّة الأعضاء التي فيها الشهوة،

إلّا أنّه إذا تمادى به الزمان تزداد تلك الرداءة في البدن كلّه لكثرة ما يتناول من الغذاء فينال آلة الشهوة من ذلك ضرر حتّى تبطل شهوته للطعام. وقد كان أوّلاً حسن الشهوة له. فإنّ هذا هو الذي أراده أبقراط بقوله «يحظى من الطعام»، وقد قال هذا بعينه في فصول تقدّمت حيث قال «وإذا كان ذلك وهو لا ينال من الطعام دلّ على أنّ بدنه يحتاج إلى استفراغ» قال«فأمّا من يمتنع عليه في أوّل أمره المرزية من الطعام امتناعاً شديداً حتّى لا يتناول منه إلّا القليل الوتح ثمّ تنتقل حاله بآخره إلى ضدّ ذلك فحاله أصلح». وإنّما يعرض ذلك من قبل أنّ الطبيعة في ذلك الوقت الذي ينال فيه صاحب هذه العلّة غذاءه ينضج الفضل الذي كان سبباً لقلّة المرزية.

قال أبقراط: صحّة الذهن في كلّ مرض علامة جيّدة وكذلك الهشاشة للطعام وضدّ ذلك علامة رديئة.

قال جالينوس: لا ينبغي لك متى قال أبقراط في شيء ممّا يظهر في البدن إنّه علامة جيّدة أو محمودة أو صالحة أو غير ذلك ممّا أشبهه أن يتوهّم أنّها متى ظهرت فالمريض يسلم لا محالة ولا متى قال في شيء إنّه علامة رديئة أو خبيثة أو غير ذلك ممّا أشبهه أنّه لا بدّ من أن يموت المريض متى ظهرت. فإنّ العلامة الجيّدة قد تغلبها كثيراً علامة رديئة أقوى منها وبخلاف ذلك قد تغلب العلامة الرديئة علامة جيّدة أقوى منها. وإنّما ينبغي لك في هذه الأحكام وأشباهها أن تفهم ما يقال لك فقط. والذي قيل في هذا الموضع أنّ هذه العلامة جيّدة في نفسها وبحسب ما يدلّ هي عليه. فأمّا الحكم على أنّ المريض يسلم أو يموت فإنّما ينبغي لك أن يكون منك بعد أن تتدبّر وتنظر في قوى جميع العلامات كما أشار أبقراط في كتاب تقدمة المعرفة. فعلى هذا الطريق فافهم في هذا الموضع أنّ صحّة الذهن وبقاء الشهوة علامتان صالحتان محمودتان في جميع الأمراض. فإنّ من العلامات ما ليس في جميع الأمراض يحمد وإذا كانت كذلك وصف أبقراط هذا من أمرها مثل ما فعل حين قال «وقد ينبغي أن يعلم أنّ جوده التنفّس قوّة عظيمة جدّاً في الدلالة على السلامة في جميع الأمراض الحادّة». والذي يعلم به أنّ صحّة الذهن والفكر علامة جيّدة محمودة هو أنّ الذهن والفكر إذا كان صحيحاً

فهو يدلّ على صحّة الدماغ واغشيته والنخاع والحجاب وكلّ عضو عصبي ولا سيّما ما كان من تلك الأعضاء قريباً من الدماغ وكلّ ما يلي شيئاً من هذه الأعضاء التي وصفنا. وكذلك متى كان المريض يهيش إلى الطعام ويحبس موقعه منه دلّ ذلك منه على صحّة المعدة والكبد وما يليهما والفواد نفسه. وإذا كانت هذه الأعضاء كلّها صحيحة فليس الرجاء لسلامة المريض بضعيف.

قال أبقراط: إذا كان المرض ملائماً لطبيعة المريض وسنّه وسحنته والوقت الحاضر من أوقات السنة فخطره أقلّ من خطر المرض إذا كان ليس بملائم لواحدة من هذه الخصال.

قال جالينوس: إنّ الطبيعة تقال على وجوه كثيرة فينبغي أن يفهم أنّه يعني بها في هذا الموضع المعنى الذي يستعمله أبقراط كثيراً في كثير من كتبه، وعليه أجرى كلامه كلّه في كتابه في طبيعة الإنسان وهو أنّه يسمّي المزاج الذي من الاسطقسات الأوّل طبيعة

كأنّه قال «إذا كان المرض ملائماً لمزاج البدن الأوّل ولمزاجه الحاضر الحادث بسبب سنّه أو سخنته أو الوقت الحاضر من أوقات السنة فخطره أقلّ من خطر المرض إذا كان ليس بملائم لواحدة من هذه الخصال. وذلك أنّ ما كان من الأمراض أميل إلى الحرارة فهو ملائم لما كان إلى الحرارة أميل من الطبيعة والسنّ والسخنة ووقت السنة والبلد أيضاً وحال الهواء، وما كان من الأمراض إلى البرد أميل فهو ملائم لما كان إلى البرودة أميل. وعلى هذا المثال ما كان إلى اليبس أميل فهو ملائم لما كان إلى الرطوبة أميل» فهذا قول أبقراط. وأمّا ديوقليس والواضع لكتاب السوابيع فيقولان ضدّ هذا القول. وذلك أنّهما يتوهّمان الأشياء المتشابهة للأمراض تهيجها وتقويها والأشياء المضادّة لها تبطلها، وذلك لأنّ شفاء الضدّ يكونبالضدّ كما قال أبقراط أيضاً، ويتوهّمان أنّ الحمّى المحرقة إذا كانت في الشتاء فهي أسرع برءاً منها إذا كانت في الينف ، ولم يتفكّروا أنّ الحمّى المحرقة لا تكون في الشتاء إلّا من أقوى ما تكون فعلاً من العلل وما كانت لتحدث بتّة في الشتاء لو لا أنّ سببها
قوي حتّى بلغ من قوّته إن غلب مضادّة مزاج ذلك الوقت. فإذا كان مزاج ذينك الوقتين أيضاً يتغيّر كلّ واحد منهما عن مزاجه عن مزاجه الطبيعي وحدث ما لم يحدث من تلك الأمراض التي وصفت بسبب ذلك الوقت فإن لم يقو على مقاومة ذلك السبب لقوّته وعظمه على أنّ الصحّة قد كانت معينة له فكم بالحرى تغلبه في حال المرض إذا كانت قوّة الصحّة في ذلك الوقت قد فقدت. وقد تبيّن هذا أيضاً بالتجربة عياناً. وذلك أنّك إن تفقّدت حمّايين محترقتين متساويتين في العظم إحداهما عرضت في الصيف والأخرى في الشتاء وجدت التي حدثت في الشتاء أجلبها للهلاك، فإن عرضت حمّى محرقة ومزاج الهواء إلى الحرارة أميل ثمّ حدث تغيّر للهواء تغيّر بغتة إلى البرد انتفع صاحب تلك الحمّى المحرقة ببرد الهواء منتفعة عظيمه لأنّ مزاجي الهواء جميعاً يكونان له جيّدين محمودين. أمّا المزاج الأوّل الذي فيه تولّدت تلك الحمّى فعلى طريق أنّه علامة جيّدة محمودة. وأمّا المزاج الثاني الذي كان فيه انفضاء الحمّى فعلى طريق أنّه سبب جيّد محمود. فجميع هذه الأشياء وأشباهها ليس تناقض القول الذي قيل في هذا الفصل لكنّها تشهد على صحّته. وكذلك أيضاً قال أبقراط مراراً إنّ البحوحة والنزلة للشيخ الفاني لا ينضجان وإن كانت هذه العلل ملائمة لسنّ المشايخ فليس بمناقض لما قاله في هذا الفصل من وجوه: أوّلها أنهّ ليس أن يكون الشيء لا ينضج هو أن يكون الشيء ذا خطر،

والثاني أنّه لم يطّلق القول فيه فيقول شيخاً لكنّه قال شيخاً فانياً وكلّ علّة تعرض للشيخ الفاني فهي ذات خطر لضعف قوّته. ولا أيضاً ما قاله أبقراط في المقالة الأولى من كتاب أبيديميا أنّ أكثر من كان يموت من كانت طبيعته مائلة إلى السلّ بمضادّ لما قال في هذا الفصل. وذلك أنّه لم يعن في ذلك الفصل بالطبيعة مزاج الأسطقسات لكنّه إنّما عنى به خلقة البدن. فإنّهم ربّما سمّوا الخلقة طبيعة. وكما أنّ القول بأنّ المرض الحادّ إذا أصاب صاحب المزاج الحارّ كان خطره أقلّ حقّ يقين كذلك القول أيضاً بأنّ من كان صدره ضيقاً ليس يسرع إليه السلّ فقط ولكنّه إذا أصابته بحّة كان خطره أشدّ صواب مستقيم. وقد غلط قوم من المفسّرين في هذه الحجج المقنعة وأشباهها فقالوا إنّ المرض الملاوم لطبيعة المريض إنّما هو المضادّ له في مزاجه كأنّه قال الموافق وقد حادّوا جدّاً عن حقائق الأمور وعن رأي أبقراط وقوله كما بيّنّا.

قال أبقراط: إنّ الأجود في كلّ مرض أن يكون ما يلي السرّة والثنة له ثخن، ومتى كان رقيقاً جدّاً منهوكاً فذلك رديء، وإذا كان أيضاً كذلك فالإسهال معه خطر.

قال جالينوس: الأمر في أنّ البطن كلّه ينبغي أن يكون سليماً من كلّ حال خارجة عن الطبيعة بيّن واضح. وقد قال ذلك أبقراط في كتاب تقدمة المعرفة حين قال إنّ أجود ما يكون ما دون الشراسيف إذا لم يكن فيه وجع وكان ليّناً مستوياً. وقد تكون هذه المواضع أرقّ وأهزل وتكون أسمن وأثخن فجعل كلامه في هذا الموضع في هذه الحالات منها فقال إنّه متى كانت تلك المواضع أثخن فالحال أجود ومتى كانت أهزل فالحال أردأ. وذلك أنّها علامة رديئة وسبب رديء. أمّا علامة رديئة فلا بها تدلّ على ضعف من تلك الأعضاء التي نهكت وذابت. وأمّا سبب رديء فلأنّ استمراء الطعام في المعدة وتولّد الدم في الكبد لا يكونان عند هذه الحال على ما ينبغي، لأنّ هذين العضوين جميعاً

ينتفعان بثخن ما يغشيهما وسمّيه لتسخينه لهما. فبحسب ما ينالهما منه من الانتفاع إذا كان صحيحاً يجب أن يكون ما ينالهما من الضرر بسببه إذا نهك وذاب. وبيّن أنّ الإسهال مع رقّة تلك الأعضاء وهزالها خطر. وذلك أنّه ينبغي أن يكون جميع ما دون الصدر من الأعضاء قوي في حسن المعاونة على الإسهال. وإن لم تكن تلك الأعضاء قوية عرضت لها أصناف من الضرر عظيمة. وقد ينبغي أنّ ينظر لم ذكر الإسهال دون القيء. فإنّ القيء أيضاً وحال تلك الأعضاء في هذه الحال خطر. فإقول إنّه ترك القيء لأنّ أمره أبين وذكر الإسهال لأنّ أمره أخفى. وأمّا اسم الثنة فيخصّ به أسفل البطن وهي ما بين الفرج والسرّة، حتّى تكون أقسام البطن كلّه ثلاثة وهي المواضع التي فيما دون الشراسيف وما يلي الشرّة والثنة.

قال أبقراط: من كان بدنه صحيحاً فأسهل بدواء أو قيّئ أسرع إليه الغشي، وكذلك من كان يغتذي بغذاء رديء.

قال جالينوس: أمّا الذين أبدانهم صحيحة فبالواجب يعرض لهم الغشي عند استعمال الدواء المسهل والمقيء. وذلك أنّ الدواء إنّما ينهك هذه الأبدان ويذوبها وينقيها وينفضها. فأمّا الذين يغتذون بغذاء رديء فيسرع إليهم الغشي عند استعمال الدواء المسهل والمقيء لأنّ في أبدانهم فضلاً رديئاً وإذا أثاره الدواء أدنى إثارة تبيّنت رداءته وانكشفت. وقوله الغذاء يحتمل معنيين أحدهما العذاء الوارد على البدن من خارج والآخر الغذاء الذي يحويه البدن، وعلى أيّ هذين المعنيين فهمت قوله الغذاء فالقول حقّ لأنّ من شأن الطعام الرديء أيضاً أن يولّد دماً رديئاً. ولذلك يقال إنّ الطعام رديء أعني بالإضافة إلى الدم المتولّد منه.

قال أبقراط: من كان بدنه صحيحاً فاستعمال الدواء فيه يعسر.

قال جالينوس: إنّ من عادة أبقراط إذا قال استعمال الدواء أن يريد به لا كلّ دواء لكنّ الدواء المسهل أو المقيء خاصّة. وأخبر أبقراط في الفصل الذي قبل هذا بعرض واحد من الأعراض التي تعرض للأصحّاء عند تناول هذا الدواء، وهو أنّه قال إنّه يسرع إليهم الغشي. ثمّ حكم فيهم في هذا الفصل بحكم أعمّ من الأوّل فقال إنّ استعمال الدواء فيهم يعسر. وذلك أنّه يعرض لهم منه دوار ومغص ويعسر خروج ما يخرج منهم ويسرع إليهم مع ذلك الغشي. وإنّما تعرض لهم هذه الأعراض كلّها لأنّ الدواء المسهل يتوقّى إلى اجتذاب الكيموس الملائم له وهو المرّة الصفراء أو السوداء أو البلغم أو الفضلة المائية.

فإذا لم نجد منه في البدن فضلاً جاذب الدم واللحم واستكرههما لينزع منهما ما فيهما ممّا يلايمه.

قال أبقراط: ما كان من الطعام والشراب أخسّ قليلاً إلّا أنّه ألذّ فينبغي أن يختار على ما هو منهما أفضل إلّا أنّه أكره.

قال جالينوس: إنّه ليس ينبغي أن يفعل هذا لمساعدة المريض ومساهلته فقط لكن لأنّه مع ذلك أنفع له. وذلك أنّ كلّ ما يتناوله المتناول وهو يلتذّه فإنّ معدته تحتوي عليه وتلزمه ويكون هضمها له أكثر. وإذا كان ما يتناول كريهاً نفرت عنه وتبرّأت منه فيجلب إمّا غشياناً وإمّا نفخة وإمّا خضخضة. فالشيء الذي هو في أبدان أكثر الناس أحسن قليلاً من الطعام والشراب فهو في بدن من يتناوله وهو يلتذّه أجود من غيره ممّا هو في أولئك أفضل منه فضلاً عن أن لا يكون أحسن منه.

قال أبقراط: الكهول في أكثر الأمر يمرضون أقلّ ممّا يمرض الشباب إلّا أنّ ما يعرض لهم من الأمراض المزمنة على أكثر الأمر يموتون وهي بهم.

قال جالينوس: ليس كلّ الكهول يمرض أقلّ ممّا يمرض الشباب. وذلك أنّه ليس كلّ الكهول أضبط لنفسه في تدبيره من الشباب. ومن لم يكن منهم أضبط لنفسه في تدبيره مت الشباب فهو يمرض أكثر ممّا يمرض الشباب إذا كانت أبدانهم أضعف من أبدان الشباب. وأمّا الأمر في أنّ أكثر ما يعرض لهم من الأمراض المزمنة تلزمهم إلى الممات فبيّن إذ كانت القوّة في أبدانهم ضعيفة لا تقدر أن تنضج تلك الأمراض سريعاً وكانت الأمراض المزمنة كلّها باردة، ولذلك تعرض تلك الأمراض للمشايخ أكثر ممّا تعرض للشباب. وذلك أنّ كلّ بدن إلى ما يلايمه من الأمراض أسرع.

قال أبقراط: ما يعرض من البحوحة والنزلة للشيخ الفاني ليس ينضج.

قال جالينوس: إن وصلنا هذا الفصل بالفصل الذي قبله كان القول على هذا المثال «الكهول في أكثر الأمر يمرضون أقلّ ممّا يمرض الشباب إلّا أنّ ما يعرض لهم من الأمراض المزمنة على أكثر الأمر يموتون وهي بهم، من ذلك أنّ ما يعرض من البحوحة والنزلة للشيخ الفاني ليس ينضج». فيكون هذا الفصل كأنّه مثال للفصل الذي قبله. وذلك أنّه يلزم المشايخ إلى الممات ليس هذه الأمراض فقط لكنّ علّة الكلى مع ذلك والنقرس وعلّة المفاصل وعرق النساء والعلل الباردة العارضة في المعاء وفي الطحال والربو مع ذلك والسعال وأصناف الجذبة أعني ما يكون منها إلى خلف وما يكون منها إلى قدّام وما يكون إلى جانب وسائر ما يعرض من الأمراض من الأخلاط الباردة التي لو عرضت لبعض الشباب لعسر أن تنضج فضلاً عن الشيخ.

قال أبقراط: من يصيبه مراراً كثيرة غشي شديد من غير سبب ظاهر فهو يموت فجاءة.

قال جالينوس: ليس كلّ من يصيبه الغشي يموت فجاءة لكنّ هذا الحكم يحتاج إلى ثلاثة شروط حتّى يصحّ أوّلها أنّ ما يصيبه الغشي مراراً كثيرة والثاني أن يكون ما يصيبه من الغشي شديداً والثالث أن يصيبه ذلك من غير سبب ظاهر. وقد أعرف امرأة كانت تطيل اللبث في الحمام فكان كثيراً ما يصيبها الغشي لطول لبثها فيه ولأنّ الحمام في أكثر الأمر يوقد بحطب رديء. ولم يكن ذلك ممّا يدلّ على مكروه لأنّه كان يحدث من سبب ظاهر. وأعرف رجلاً كان إذا دخل الحمام وقد بعد عمده بالطعام قليلاً أصابه الغشي. وأعرف آخر كان يصيبه ذلك وإن كان دخوله إلى الحمام في الوقت الذي ينبغي أن لم يتناول قبل الحمام شيئاً من خبز. ومن كان كذلك ففم معدته إمّا ضعيف وإمّا كثير الحسّ. فأمّا من يصيبه الغشي من غير سبب من هذه الأسباب مراراً كثيرة وما يصيبه منه شديد فإنّما يصيبه من قبل ضعف القوّة الحيوانية كما أصاب رجلاً كان يصيبه مع الغشي اختلاج في فواده شديد فمات فجاءة

كما يعرض لمن يصيبه أشدّ ما يكون وأوجاه من الغشي العارض من علّة القلب.

قال أبقراط: السكتة إن كانت قوية لم يمكن أن يبرأ صاحبها منها، وإن كانت ضعيفة لم يسهل أن يبرأ.

قال جالينوس: إنّه يعرض في السكتة أن يعدم البدن كلّه بغتة الحسّ والحركة خلا حركة التنفّس وحدها، فإن عدمها فذلك أعظم وأوحى ما يكون منها. ومتى كان صاحب السكتة إذا تنفّس يكون تنفّسه بأشدّ ما يكون من الاستكراه فسكتته قوية. ومتى كان تنفّسه من غير مجاهدة واستكراه إلّا أنّه مختلف غير لازم لنظام واحد وهو مع ذلك ربّما فتر فسكنته قوية إلّا أنّها أنقص من الأولى. ومتى كان صاحبها يتنفّس تنفّساً لازماً لنظام ما فسكتته ضعيفة وإن أنت تأتّيت في أمره بجميع ما ينبغي أن تفعله فلعلّك أن تبتدئه. وكلّ سكتة

إنّما تكون إذا لم يكن الروح النفساني يجري إلى ما دون الرأس من البدن إمّا لعلّة من جنس الورم حدثت في الدماغ وإمّا لأنّ بطون الدماغ امتلأت من رطوبة بلغمية. وبحسب مقدار السبب الفاعل لهذا المرض يكون مقدار عظمه وشدّته. وإنّما صارت هذه العلّة في أكثر الحالات لا تبرأ للآفة العارضة فيها للنفس. والعجب أن العضل الذي ينبسط في الصدر قد يوجد كثيراً يتحرّك في السكتة وإن كان ذلك لا يكون منه إلّا بكدّ وسائر العضل كلّه قد بطلت حركته. ويشبه أن يكون ذلك إنّما يكون لأنّ القوّة التي في العصب تنقبض وتنبسط للحاجة إلى النفس على فعلها وكذلك ينبغي أن تحدث هذه الأشياء في وقتها . ولذلك يجد في أكثر الحالات في أصحاب السكتة جميع العضل المحرّك للصدر يتحرّك كلّه، وقد كان قبل ذلك لا يتحرّك كلّه إلّا في الندرة كما قد يتحرّك في أشدّ ما يكون من الرياضة وإنّما يتحرّك عند تلك الحال كلّه لأنّ الحاجة إلى التنفّس تكون في تلك الحال على أكثر ما تكون. فأمّا في أصحاب السكتة فليس من قبل تزيّد الحاجة إلى التنفّس يضطرّ جميع عضل الصدر أن يتحرّك لكن لضعف القوّة،

كما يعرض لسائر من تضعف قوّته في الحمّى، ولهذا يضطرّ العضل كلّه أن يطلب الحركة لتجتمع من حركة جميعة جملة ذات قدر.

قال أبقراط: الذين يختنقون ويصيرون إلى حدّ الغشي ولم يبلغوا إلى حدّ الموت فليس يفيق منهم من ظهر في فيه زبد.

قال جالينوس: إنّ تولّد كلّ زبد إنّما يكون من اختلاط جوهرين أحدهما ريح والآخر رطوبة. وإنّما يكون اختلاطهما بعد أن ينقسم كلّ واحد منهما إلى أجزاء كثيرة ثمّ يشتبكان فيحدث فيما بينهما جباب صغار كثيرة. فإذا كانت الرطوبة التي تنقسم ويختلط كلّ جزء منها بجزء من الريح فتكون الجبب في قوامها لزجة كان الزبد عسر الانحلال طويل اللبث كالزبد الذي يجتمع خاصّة في أفواه الخيل إذا ركضت أو في أفواه الخنازير البرية إذا عصبت.

والذي يفعل بقطع كلّ واحد من الجوهرين واختلاطهما ربّما كانت حركة مشتركة إمّا من الجوهرين كلاهما وإمّا من أحدهما وربّما كان من حرارة شديدة إلّا أن يقول قائل إنّ الحرارة أيضاً إنّما تولّد الزبد بالحركة، لكنّ الأحزم الأجود للمتبع لما يظهر عياناً أن يقول إنّ تولّد الزبد يكون بضربين إمّا من الريح العاصفة إذا صدمت ماء البحر بللحركة والفرع الشديد وإمّا في القدور بللحرارة. وكذلك في أبدان الحيوان: أمّا في انتفاض أصحاب الصرع فقوّة الحركة هي المولّدة للزبد في أفواههم. وأمّا في الخنازير البرّية فالحرارة هي المولّدة له. وأمّا في الخيل إذا ركضت فكان الأمرين يجتمعان فيها. وذلك أنّ الهواء لمّا كان يتحرّك عند تلك الحال فيها حركة متواترة داخلاً وخارجاً صار لعابها يلطف وينقطع ويخالطه ذلك الهواء فيكون منه زبد ويرتفع أيضاً من الرئة بخار فيخالط ذلك اللعاب ويشتبط فيه فيزيد في جوهره ذلك الزبد الذي تولّد. فأمّا من ظنّ أنّ ذلك الزبد إنّما يرتفع من المعدة فقد أخطأ.
وذلك أنّه لا يمكن أن يكون ارتفاعه وهو كثير من هناك من غير أن تكون من الحيوان حركة لقيء ولا لغشي فإنّه ليس يمكن أن يرتفع شيء من المعدة دون أن يحدث هذان العرضان، وأحرى أيضاً أنّه لا يمكن أن يرتفع من المعدة بخار شبيه بالبخار الذي يرتفع من الرئة. وممّا يدلّ على ذلك أنّ الدم الذي ينفث من الرئة زبدي شبيه بجوهر الرئة. والدم الذي ينفث من المعدة ليس بشبيه ولا بقريب منه، إلّا أنّ الزبد الذي يرتفع مع الدم من الرئة يرتفع معه شيء كثير دفعة مع سعال. وأمّا البخار الذي يخرج مع إخراج النفس قليلاً قليلاً من ذلك الكيموس فليس يهيج سعالاً. فإذا أحاط بالعنق ولد خناقاًفإنّ القلب والرئة يحتاجان إلى أن يلطفا الفضل الدخاني المتولّد في القلب. فقد بيّنّا ذلك في مقالة وصفنا فيها الحاجة إلى التنفّس. فإذا امتنع ذلك الفضل من الخروج بسبب الخناق دفعته الرئة بأسره دفع استكراه فأخرجت معه أشياء من الرطوبة التي هي فيها طبيعية كما يعرض في نفث الدم.

فيجب أن تكون هذه العلامة علامة تدلّ على الهلاك إذ كانت تدلّ على استكراه من حركة الرئة تعرض لها بسبب خنق الحيوان. وأحرى أن يعرض للرئة ذلك لمكان الحرارة التي يدفعها القلب عليها فيجب إذا كان ارتفاع الزبد إنّما يكون لغليان الحرارة واستكراه حركة النفس وشدّة مجاهدة الرئة أن تكون هذه العلامة علامة تدلّ على الموت، إلّا أنّا ربّما رأينا في الندرة بعض من خنق أو اختنق وقد ظهر في فيه زبد وأفاق. وخليق أن يكون أبقراط لم يقل هذا القول وهو يريد أنّ كلّ من ظهر في فيه زبد ممّن بخنق أو اختنق يعطب لكنّه أراد به أنّه قلّ ما يعرض خلاف ذلك كما قد بيّنّا قبل في الفصل الذي قال فيه «من كان بطنه ليّناً فإنّه إذا شاخ لان بطنه». وذلك أنّه ترك أن يقول في هذا الكلام على أكثر الأمر وألحقه في فصل أتى به فيما بعد حيث قال «من كان بطبه ليّناً فإنّه ما دام شابًّا أحسن حالاً ممّن البطن يابس ثمّ تؤول حاله له عند الشيخوخة إلى أن يصير أردأ. وذلك أنّ بطنه يجفّ على الأمر الأكثر».

قال أبقراط: من كان بدنه غليظاً جدّاً بالطبع فالموت إليه أسرع منه إلى القضيف.

قال جالينوس: إنّ أبقراط قاس بين من هو غليظ البدن منذ أوّل سنة وبين من هو مهزول من أوّل سنة فحكم على من كان غليظ البدن منذ أوّل سنة أنّه أسرع موتاً من القصيف. وأفضل الأشياء أن يكون البدن حسن اللحم أعني معتدلاً حتّى لا يكون غليظاً ولا مهزولاً فإنّه إذا كان كذلك أمكن أن يعمر ويبلغ من الشيخوخة غايتها. فإن كان مجاوز الاعتدال فإفراطه في الهزال أجود وإفراطه في الغلظ أردأ. وذلك أنّ البدن الغليظ ضيق العروق ولذلك الدم والروح فيه قيلان، فإذا تمادّت به السنّ طفئت حرارته الغريزة من أدنى سبب يعرض له سريعاً. فأمّا المهزول فليس يخاف عليه من هذا الوجه، إلّا أنّه لمّا كانت أعضاؤه الرئيسة باردة ليس يسترّها شيء من الأسباب التي تلقاها من خارج فالآفة تسرع إليه.

فأمّا من كان بالطبع معتدلاً إلّا أنّه إن استعمل تبدير المتنعّمين بغلظ بدنه فإنّه وإن اكتسى لحماً وشحماً كثيراً فإنّ عروقه الضوارب وغير الضوارب تكون واسعة ولذلك تكون سرعة انطفاء حرارته الغريزية أقلّ.

قال أبقراط: صاحب الصرع إذا كان حدثاً فبرؤه يكون منه خاصّة بانتقاله في السنّ والبلد والتدبير.

قال جالينوس: إنّ الصرع قريب من السكتة لأنّ موضع العلّة فيهما واحد والكيموس الفاعل لهما واحد، إلّا أنّ السكتة تكون بعدم القوّة التي تجري إلى العصب كلّها والصرع يكون بحركة مضطرّ به تكون منها. والكيموس المولّد لهما جميعاً بارداً غليظاً. ولذلك يصير سنّ الشباب إذا كانت حارة ويابسة من أعظم الأدوية لصاحب الصرع،

وكذلك الانتقال من بلد إلى بلد الجاري على هذا القياس. أعني بالجاري على هذا القياس أن يكون الانتقال إلى بلد أسخن وأجفّ من الأوّل. وكذلك الانتقال من تدبير إلى تدبير. فإنّه ليس كلّ انتقال من تبدير إلى تدبير يبرئ الصرع لكن ما كان منه يصير البدن إلى اليبس والحرارة أميل. وقد يمكن أن يفهم من قوله الانتقال في التدبير الانتقال مطلقاً فيصحّ أنّه ينفع صاحب الصرع لأنّ المولّد لهذا المرض في أكثر الحالات التدبير الرديء فالانتقال منه لا محالة يكون إلى ما هو خير منه.

قال أبقراط: إذا كان وجعان معاً وليس هما في موضع واحد فإنّ أقواهما يخفي الآخر.

قال جالينوس: إن فهمت من قوله في موضع واحد على الاستقصاء فليس يمكن في حال من الأحوال أن يكون وجعان في موضع واحد. وإن فهمت أنّ للموضع الواحد عرضاً فذلك ممكن. أعني بقولي أن يكون للموضع عرضاً أن يكون العضو ذا حظّ من العظم مثل العضد والساعد والقحد والساق. وإذا كان الوجعان في واحد من أشباه هذه الأعضاء

زاد كلّ واحد منهما في الأذي الذي ينال العضو من الآخر ولم يخفّ على العليل واحد منهما. فإذا كان الوجعان في موضعين مختلفين حتّى يكون أحدهما في المثل في الساعد والآخر في الساق عرض عند ذلك أن تخفي أفواهها للآخر، لأنّ القوّة الحساسة كلّها تقبل فبل الموضع الذي فيه الوجع الأقوى ويثتغلّ به، وهذا بعينه يعرض للإنسان في العموم أيضاً، لأنّ العموم أيضاً إنّما هي أوجاع للنفس دون البدن فنجد العمّ الأقوى يستعرف العمّ الأضعف ويخفيه إذا لم يكونا جميعاً بسبب شيء واحد. فإن كانا بسبب شيء واحد زاد كلّ واحد منهما في الآخر مثل الأوجاع.

قال أبقراط: في وقت تولّد المدّة يعرض الوجع والحمّى أكثر ممّا يعرضان بعد تولّدهما.

قال جالينوس: إنّ المدّة إنّما تتولّد من دم يتغيّر فيصير إلى حال بين الجودة والرداءة.

فإنّ التغيّر الرديء المطلق يكون مع العفونة التي تكون مع هاتين والتغيّر الجيّد المطلق هو اعتدال أعضاء البدن. فأمّا التغيّر الذي تحدث عنه المدّة فهو فيما بين الأوّلين لأنّه ليس يكون من الحرارة الخارجة من الطبع وحدها ولا من الحرارة الغريزية وحدها لأنّ تغيّر الدم إلى المدّة كأنّه مختلط من بين الحرارتين والوجع يكون في العضو الوارم لتمديد ما فيه له وتسخينه إياه. وتتبعه الحمّى لأنّ القلب يسخن بسخونته العضو الوارم وهذان الأمران يعرضان عند ما يعرض للدم من الاستحالة الشبيهة بالغليان والاحتراق. وإذا استكمل الاحتراق وصار ما يبقى منه قيحاً وهو منه بمنزلة الرماد من الخشب الذي يحترق. ولذلك يخفّ في ذلك الوقت الوجع والحمّى ولا سيّما إذا خرجت المدّة لأنّ المدّة عند ذلك تكون قد بنفرت والحرارة الملتهبة قد طفئت.

قال أبقراط: في كلّ حركة يتحرّكها البدن فإراحته حين يبتدئ به الإعياء تمنعه من أن يحدث به الإعياء.

قال جالينوس: إنّ الاسم الذي يسمّي به أبقراط الإعياء في هذا الموضع وهو بونس قد يدلّ في لسان اليونانيين مع الإعياء على الوجع وعلى أيّ المعنايين فهمته فالقول فيه الحقّ. وذلك أنّ الإنسان إذا تحرّك حتّى توجعه أعضاؤه من كثرة الحركة وإذا عيىّ حتّى لا يقدر على الحركة إلّا بجهد فإنّ راحته حين يبتدئ به ذلك ممّا يمنعه من الإعياء.

قال أبقراط: من اعتاد تعباً ما فهو وإن كان ضعيف البدن أو شيخاً فهو أحمل لذلك التعب الذي اعتاده ممّن لم يعتده وإن كان قوياً شابًّا.

قال جالينوس: إنّ كلّ واحد من الناس قد جرت عادته بنوع من التعب غير ما جرت به عادة غيره فواحد جرت عادته بالإحضار أو حركة غيرها من حركة الرجلين، وآخر جرت عادته بحركة اليدين في الإثارة أو في غيرها من الأعمال، وآخر جرت عادته بالحفر

والإثارة والجدف أو غيرها من الأعمال. وفيما بين جميع هذه الأصناف من الفرق أنّ في بعضها تحريكاً من الأعضاء أكثر وفي بعضها أقلّ وأنّ العضو الواحد بعينه يتحرّك في بعضها أكثر وفي بعضها أقلّ. والأمر الذي يعمّها كلّها أنّ الأعضاء التي ترتاض تصير أقوى من غيرها، ولذلك تكون للتعب الذي قد اعتاده أحمل وتكون عليه أسهل.

قال أبقراط: ما قد اعتاده الإنسان منذ زمان طويل وإن كان أضرّ ممّا لم يعتده فأذاه له أقلّ، فقد ينبغي أن ينتقل الإنسان إلى ما لم يعتده.

قال جالينوس: إنّ حكم أبقراط في هذا الفصل ليس هو على الرياضة فقط كما في الفصل الذي قبله، لكنّه مطلق في جميع ما قد جرت به العادة طعاماً كان أو شراباً أو استحماماً أو ترك الاستحمام أو سهراً أو نوماً أو حرًّا أو برداً أو همًّا. فإنّ كلّ واحد من هذه إذا كانت العادة قد جرت به فمضرّته أقلّ فيمن قد اعتاده من مضرّة ما هو

في طعبه أقلّ مضرّة منه، إلّا أنّه لم تجر به العادة بعد. والسبب في أن يكون الأمر على هذا في الرياضة هو قوّة الأعضاء التي تتحرّك وتفعل أفعالها، ونحن واصفون الآن كيف يكون الأمر في سائر الأشياء والسبب في كلّ واحد منهما. فنقول إنّ الأطعمة والأشربة تكسب المعدة خاصّة طبيعة مستفادة ثمّ مع المعدة قد تكسب شبيهاً بتلك الطبيعة سائر الأعضاء. وذلك أنّه وإن كان البدن هو القاهر للأطعمة والأشربة والمغيّر لها فإنّ الأطعمة والأشربة أيضاً قد تحيل البدن وتغيّره بعض التغيير إلى طبيعتها حتّى يحدث منها في البدن على طول الزمان تغيّر كثير ويصير فيما بين المغتذي والغاذي به شبيه. وقد بيّنّا هذا في مقالة وصفنا فيها أمر العادات. وبيّنّا أيضاً أنّ كلّ شيء مشابة لشيء فهو يحيله إلى طبيعته أسرع. وذلك أنّ كلّما كان الشيء المستحيل أشبه بالشيء الذي يحيله كانت إحالته له أسرع. وجميع الأشياء أيضاً التي تلقى البدن قد تغيّره بضرب من التغيير. مثال ذلك أنّه قد يلقى البدن الهواء الحارّ والهواء البارد فيكثفه الهواء الباردويسخنه الهواء الحارّ،
ولذلك يكون لما قد اعتاده أحمل ويكون تأذيه لما لم يعتده أشدّ. وذلك أنّه إن لقي البدن وقد تسخف وتخلخل بملاقاة الهواء الحارّ هواء بارد بغتة نفذ فيه إلى عمقه على المكان وأضرّ به مضرّة عظيمة. وقد لخّصنا علّة كلّ شيء من الأشياء التي قد جرت بها العادة في المقالة التي وصفنا فيها أمر العادات. فأمّا أبقراط فاقتصر على أن ذكر ما قد عرف بالتجربة من ذلك ولم ير أن يضيف إليه السبب الذي يكون منه. وأمّا نحن فقد دلّلنا على الطريق الذي ينبغي أن يسلكه في طلب السبب في هذا كلّه. وقد يكتفى بما قلنا في هذا في تفسير الجزء الأوّل في هذا الفصل. وأمّا ما قاله في آخر هذا الفصل وهو ما أشار به من النقلة إلى ما لم تجرّبه العادة فإنّما أراد به أن يعلم كيف تكتسب الأبدان صحّة وثيقة، لأنّ الإنسان إذا كان قد أحرى نفسه على عادة واحدة فأمره فيها على خطر، لأنّه ليس أحد من الناس يأمن أن يتّفق له ما لم يحتسبه ولم يقدره فكأنّه قال إنّ الأجود لكلّ واحد من الناس أن يجمل نفسه على تجربة كلّ شيء كيما لا يصادف عند الضرورة شيئاً لم يعتده فيناله ضرر عظيم.

وإنّما يكون ذلك بأن لا يبقى الإنسان على ما قد اعتاده دائماً، لكن يجعل نفسه في بعض الأوقات على ضدّه.

قال أبقراط: استعمال الكثير بغتة ممّا يملأ البدن أو يستفرغه أو يسخنه أو يبرده أو يحرّكه بنوع آخر من الحركة أيّ نوع كان فهو خطر، وكلّ ما كان كثيراً فهو مقاوم للطبيعة. فأمّا ما يكون قليلاً قليلاً فمأمون متى أردت انتقالاً من شيء إلى غيره ومتى أردت غير ذلك.

قال جالينوس: قد دلّ أبقراط بقوله لِمَ «صار استعمال الكثير بغتة ممّا يملأ البدن أو يستفرغه أو يسخنه أو يبرده أو يحركه بنوع آخر من الحركة أيّ نوع كان خطر» بقوله إنّ «كل ما كان كثيراً فهو مقاوم للطبيعة». وذلك أنّ طبيعة البدن إنّما أسماء جوهرها وقوامها بالاعتدال. فيجب من قبل ذلك أن يكون كلّ ما كان كثيراً أو كان مفسداً للاعتدال مفسداً لجوهر البدن. قال فأمّا ما يكون قليلاً قليلاً من استعمال ما يملأ البدن أو يستفرغه

أو يفعل فيه غير ذلك ممّا قاله بعد فمأمون حريز متى أردت فعل شيء منه ولاسيّما إذا أردت الانتقال من شيء قد جرت به العادة إلى شيء غيره. وقد أشار في الفصل الذي قبل هذا أن ينتقل الإنسان إلى ما لم يعتده. ففي ذلك الانتقال استعمال الكثير بغتة خطر واستعمال الشيء قليلاً قليلاً مأمون حريز.

قال أبقراط: إن أنت فعلت جميع ما ينبغي أن تفعل على ما ينبغي فلم يكن ما ينبغي أن يكون فلا تنتقل إلى غير ما أنت عليه ما دام ما رأيته منذ أوّل الأمر ثابتاً.

قال جالينوس: إنّ من صفة من معه من العلم ما ليس قدره باليسير أن لا ينزع عن أمر قد رأه صواباً وإن لم يكن ظهرت له بعد عند فعله ما رأه من الصواب منفعة بيّنة من فعله. فإنّه كما أنّ الماء الذي يقطر على صخرة يلبث يقرعها زماناً طويلاً

فلا يؤثر أثراً محسوساً إلّا بعد كدّ كذلك يعرض في الأمراض التي نضجها عسر فيستخرج لما ينبغي أن يعالج به على طريق الصواب لا يفارق ذلك الطريق الذي رأه منذ أوّل الأمر وإن لم تظهر له منفعة بيّنة عند استعماله ما رأه من ذلك.

قال أبقراط: من كان بطنه ليّناً فإنّه ما دام شابًّا فهو أحسن حالاً ممّن بطنه يابس ثمّ تؤول حاله عند الشيخوخة إلى أن يصير أردأ، وذلك أنّ بطنه يجفّ إذا شاخ على الأمر الأكثر.

قال جالينوس: إنّ هذا الفصل بيّن، وقد قيل قبل ما ينبغي أن يقال فيه في تفسير الفصل الذي أوّله «من كان بطنه في شبابه ليّناً فإنّه إذا شاخ يبس بطنه.

قال أبقراط: عظم البدن في الشبيبة ليس يكره بل يستحبّ إلّا أنّه عند الشيخوخة يثقل ويعسر استعماله ويكون أردأ من البدن الذي هو أنقص منه.

قال جالينوس: عظم البدن المسمّى الغليظ على الصحّة والحقيقة هو الزائد على المعتدل في الطول والعرض والعمق إلّا أنّ الناس ربّما سمّوا البدن الذي هو زائد في طوله فقط عظيماً على أنّ اسمه الصحيح إنّما هو الطويل. وربّما سمّوا أيضاً البدن الزائد في عرضه وعمقه على المناسبة عظيماً على أنّ اسمه الصحيح إنّما هو الغليظ. وليس يمكن أن يكون أبقراط عنى في هذا الموضع بقوله «عظم البدن» ذلك المعنى الذي يقال عليه هذا الاسم بالحقيقة لأنّ هذا البدن ليس هو في وقت الشيخوخة أحسن حالاً من البدن الذي هو ألطف منه، ولا يمكن أيضاً أن يكون إنّما عنى به البدن الغليظ لأنّه وإن كان البدن الغليظ في وقت الشيخوخة أحسن حالاً وأعسر استعمالاً كمثل حال البدن الطويل، إلّا أنّه ليس هو بحسن ولا كريه في وقت الشبيبة.

فقد بقي أن يكون إنّما عنى بقوله أنّ البدن العظيم في الشبيبة ليس يكره بل يستحسن إلّا أنّه عند الشيخوخة يعسر استعماله البدن الطويل. وذلك أنّه ليس يصحّ هذا القول إلّا فيه فإنّ هذا البدن عند الشيخوخة ينحني ويجذب ولا يمكن صاحبه حمله إلّا بكدّ وهذا هو المعنى الذي قصد إليه أبقراط في قوله «يثقل ويعسر استعماله».

تمّت المقالة الثانية من كتاب الفصول شرح الفاضل جالينوس ترجمه حنين بن إسحاق والسبح للّه وحده.

المقالة الثالثة من فصول أبقراط شرح الفاضل جالينوس

[E5] بسم اللّه الرحمن الرحيم وعلى اللّه على محمّد

[P1] بسم اللّه الرحمن الرحيم اللّهمّ يسّر خيراً

يبتدئ المقالة الثالثة من كتاب الفصول شرح الحكيم جالينوس.

قال جالينوس: إنّي مفسّر في هذه المقالة الثالثة من تفسير كتاب الفصول ما ذكره أبقراط في هذا الكتاب من أمر أوقات السنة والأسنان. وأكثر قصدي إنّما هو لشرح الغامض من قوله، لأنّ ذلك هو الأمر الخاصّ بالتفسير، وأتكلّف مع ذلك أن أتي بالبرهان على شيء شيء ممّا قاله أبقراط وأصاب به، لأنّه قد جرت العادة

بأن يفعل ذلك في التفسير. وإنّ بعض ما أعجب منه من أمر لوقش أنّ أمره ل يشبه بعضه بعضاً في تفسيره لهذا الكتاب، وذلك أنّه كتب تفسيراً لهذا الكتاب أخذه بزعمه عن قوانطس معلّمه ولم يأت على شيء ممّا ذكره أبقراط في أوقات السنة والأسنان بحجّة برهانية، لكنّه اقتصر في جميع ما ذكره فيه على التجربة والرصد على أنّه في تفسيره لفصول أخر كثيرة يبحث عن صحّة ما قيل بطريق القياس ولا يقتصر على التجربة. وقد دلّ أبقراط على أنّه لا يمكن أن يجمع هذا الباب من العلم بالتجربة وحدها دون القياس وسأبيّن ذلك فيما بعد.

قال أبقراط: إنّ انقلاب أوقات السنة ممّا يعمل في توليد الأمراض خاصّة، وفي الوقت الواحد منها التغيّر الشديد في البرد أو في الحرّ، وكذلك في سائر الحالات على هذا القياس.

قال جالينوس: قد ظنّ قوم أنّه إنّما عنى بانقلاب أوقات السنة انتقالها بعضها إلى بعض كأنّه قال تعافيها. وذلك أنّ عند انتقال الشتاء إلى الربيع تتولّد الأمراض التي قال فيها بعد إنّه يكون في الربيع الوسواس والجنون والصرع. وعند انتقال الربيع أيضاً إلى الصيف أعني في ابتداء الصيف يكون كما قال الحمّى الغبّ والمطبقة والمحرقة وسائر ما عدده بعد هذه. وكذلك ذكر في الخريف والشتاء فهذا قول من فهم عنه أنّه إنّما يعني بقوله «انقلاب أوقات السنة» تعاقب الأوقات، لكن في هذا الفصل حرف لا يحتمل معه هذا التأويل. وذلك أنّه عند انقلاب الأوقات بعضها إلى بعض كما تحدث أمراض لم تكن، كذلك تنقصي أمراض قد كانت. وبقراط نفسه يقول هذا فيجب من ذلك أن لا تكون تعاقب أوقات السنة بتوليد الأمراض أخصّ منها بإبرائها، فكيف لم يقتصر على أن يقول إنّ انقلاب أوقات السنة ممّا يعمل في توليد الأمراض ويمسك لكن زاد في قوله «خاصّة وفي الوقت الواحد».

فقد تبيّن في قوله أنّ الأولى بسبب هذه الزيادة أن يفهم عنه من قوله «انقلاب أوقات السنة» التغيير الذي يعرض في مزاجها، لأنّ ذلك التغيير هو الذي يولّد الأمراض خاصّة إذا تغيّرت أوقات السنة متوالية كما ذكر أبقراط في كتاب ابيديميا وسنذكره في هذا الكتاب بعد قليل. فأمّا تغيّر الوقت الواحد عن مزاجه فقد يولّد أمراضاً ما لكن ليس يبلغ من قوّة عمله في ذلك بأيّ مقدار تغيّر أن يقال فيه إنّه يولّد خاصّة الأمراض وإنّما يستحقّ أنّه يقال فيه ذلك إذا عرض فيه تغيّر شديد، ولذلك قال أبقراط «في الوقت الواحد منها التغيّر الشديد في البرد أو في الحرّ أو في غيرهما من سائر الحالات»، يعني كالرطوبة واليبس وهبوب الرياح وركودها. وهذا التفسير مطابق لهذه النسخة. وقد يوجد لهذا الفصل نسخة أخرى على هذا الرسم أنّ «انقلاب أوقات السنة ممّا يعمل في توليد الأمراض وخاصّة ما كان منها شديداً وفي الوقت الواحد منها التغيير الشديد». وليس في هذه النسخة شيء يغمض لا سيّما عند من قد سمع ما تقدّم من كلامي قبل.

وقد يوجد لهذا الفصل نسخ أخر قد يمكنك أن تفهمها وتمتحنها بالأصول التي قد وطّأتها لك والطريق الذي رسمته لك.

قال أبقراط: إنّ من الطبائع ما تكون حاله في الصيف أجود وفي الشتاء أردأ ومنها ما تكون حاله في الشتاء أجود وفي الصيف أردأ.

قال جالينوس: إنّ أبقراط عنى في هذا الفصل باسم الطبيعة المعنى الذي هو أحقّ الأشياء بأن يسمّى به وهو جوهر الطبيعة. وقد قلنا فيما تقدّم إنّ ذلك هو مزاج الاسطقسات الأربعة الرطب واليابس والحارّ والبارد. وقد بيّنا أيضاً في كتاب المزاج أنّ أصناف المزاج تسعة واحد منها معتدل وهو أفضلها وثمانية غير معتدلة رديئة، أربعة منها تغلب في كلّ واحد منها كيفية واحدة، أربعة أخر تغلب في كلّ واحدة منها كيفيتان. وأمّا الأربعة التي تغلب في كلّ واحد منها كيفية واحدة فالحارّ والبارد والرطب واليابس.

وأمّا الأربعة التي تغلب في كلّ واحد منها كيفيتان فالحارّ اليابس والحارّ الرطب والبارد اليابس والبارد الرطب. فصاحب المزاج البارد الرطب يكون في الصيف على أفضل حالاته، وصاحب المزاج الحارّ اليابس يكون في الشتاء على مثال تلك الحال. وكذلك صاحب المزاج الحارّ اليابس يكون في الصيف على أردأ حالاته وصاحب المزاج البارد الرطب يكون في الشتاء على مثال تلك الحال. وحال كلّ واحد من صاحبي هذين المزاجين عند كلّ واحد من هذين الوقتين الذين ذكرنا على غاية الكمال من حسن الحال وسوء الحال، ومن أصناف المزاج أصناف أخر ينال أصحابها من هذين الوقتين بعض المنفعة وبعض المضرّة مثل المزاج الحارّ الرطب، فإنّ صاحب هذا المزاج ينتفع بالصيف لرطوبته فتحسن حاله من هذا الوجه وينتفع بالشتاء لحرارته.

قال أبقراط: كلّ واحد من الأمراض فحاله عند شيء دون شيء أمثل وأردأ وأسنان ما عند أوقات من السنة وبلدان وأصناف من التدبير.

قال جالينوس: أرى أنّ أبقراط قد تعدّى قليلاً في هذا الفصل في لفظة النظام المستقيم. وذلك أنّ الأجود كان

أن يقول إنّ كلّ واحد من الأمراض ومن الأسنان فحاله عند شيء دون شيء من أوقات السنة والبلدان وأصناف من التدبير أمثل وأردأ. والأمراض التي حالها عند أوقات ما أمثل، أمّا في تولّدها فعند الأوقات المتشابهة لها، وأمّا في برئها فعند الأوقات المتضادّة لها. فقد لخّصنا ذلك فيما تقدّم في تفسيرنا للفصل الذي قال فيه أبقراط إذا كان المرض ملائماً لطبيعة المريض وسنّه وسخنته والوقت الحاضر من أوقات السنة فالخطر فيه أقلّ من الخطر في المرض إذا كان ليس بملائم لواحدة من هذه الخصال. وأمّا الأسنان فالحال فيها كالحال في الطبائع، وذلك أنّ صاحب السنّ الذي تغلب فيه البرودة عند الوقت الحارّ أمثل وصاحب السنّ التي تغلب فيه الحرارة عند الوقت البارد أمثل، مثال ذلك أنّ حال الشيخ في الصيف أمثل وحال الشباب في الشتاء أمثل. وعلى هذا القياس أيضاً فافهم حال الأمراض والأسنان عند البلدان. وذلك أنّ أكثر الأمراض الحارّة في البلدان الحارّة وما يتولّد فيها فالخطر فيها أقلّ. وأصحاب الأسنان الحارّة يكونون في البلدان الباردة أصحّ أبداناً، والأمر في سائر الأمراض والأسنان يجري على هذا القياس. وكذلك حال كلّ واحد من الأمراض والأسنان عند صنف دون صنف من أصناف التدبير تكون أصلح وأردأ. وذلك أنّ حال صاحب المرض الحارّ والسنّ الحارّة عند التدبير البارد تكون أصلح، وكذلك حال صاحب المرض البارد والسنّ الباردة عند التدبير الحارّ أصلح. وصاحب المرض اليابس أو السنّ التي قد تغلب فيها اليبس عند التدبير الرطب أصلح

وصاحب المرض الرطب أو السنّ التي قد تغلب فيها الرطوبة عند التدبير اليابس أصلح، وبالجملة فحال الضدّ عند الضدّ أصلح وحال المثل عند المثل أردأ، إلّا أن يقاس صاحب سنّ معتدلة المزاج إلى تدبير معتدل أو وقت أو بلد معتدلين. فإنّ صاحب هذا المزاج وحده هو الذي يصلح حاله بما يشابهه. فأمّا أصحاب الأسنان التي مزاجها مجاوز للاعتدال والبلدان والأوقات وأصناف التدبير المضادّة لهم فهي أوفق. فأمّا الأمراض فإذا كانت كلّها خارجة عن الاعتدال والأوفق في تولّدها الأوقات والبلدان المشابهة لها وفي برئها الأوقات والبلدان المضادّة لها.

قال أبقراط: متى كان في أيّ وقت من أوقات السنة في يوم واحد مرّة حرّ ومرّة برد فتوقّع حدوث أمراض خريفية.

قال جالينوس: إنّ ذلك لواجب. وذلك أنّه ليس أسماء أوقات السنة هي الأسنان الفاعلة للأمراض، وإنّما الأسنان الفاعلة للأمراض مزاج كلّ واحد من تلك الأوقات.

فإذا تغيّر مزاج كلّ واحد منها، وجب ضرورة أن تتغيّر الأمراض بتغيّره.

قال أبقراط: الجنوب تحدث ثقلاً في السمع وغشاوة في البصر وثقلاً في الرأس وكسلاً واسترخاء فعند قوّة هذه الريح وغلبتها تعرض للمرضى هذه الأعراض، فأمّا الشمال فتحدث سعالاً ووجع الحلوق والبطون اليابسة وعسر البول والاقشعرار ووجعاً في الأضلاع والصدر فعند غلبة هذه الريح وقوّتها ينبغي أن يتوقّع فى الأمراض حدوث هذه الأعراض.

قال جالينوس: إنّ أبقراط دلّ أوّلاً على الشيء الذي يحدث بقوله «الجنون يحدث ثقلاً في السمع وغشاوة في البصر وثقلاً في الرأس وكسلاً واسترخاء». ثمّ دلّ على الحاجة إلى علم ذلك بقوله «فعند قوّة هذه الريح وغلبتها تعرض للمرضى هذه الأعراض». وذلك أنّه ينبغي للطبيب دائماً أن يعرف ويميّز بين ما يكون من نفس المرض وبين ما يعرض

من غير المرض من سبب من خارج، كيما يكون ما تقدّم فيحكم به على المرضى أصحّ وأوكد. وليس يعسر أن يعلم السبب الذي من قبله صارت الجنون يحدث ثقلاً في السمع وغشاوة في البصر على من نظر في مزاج هذه الريح إذ كانت في طبيعتها حارّة رطبة، لأنّ جميع ما كان مزاجه هذا المزاج فهو يحدث في الرأس امتلاء ولذلك صارت آلات الحواسّ توجد عند هبوب هذه الريح مملوءة رطوبة ويحدث في الرأس ثقلاً. وإذا كان أصل العصب يرطب في وقت هبوب هذه الريح فيجب ضرورة أن يعرض الكسل في الحركات الإرادية ويحسّ الإنسان في نفسه كان بدنه مسترخي. وعلى خلاف ذلك يعرض عند هبوب الشمال كما سيقول أبقراط بعد قليل إنّها تجتمع الأبدان وتكثر وتقوى وتجود حركتها وتحسن ألوانها ويصفى السمع. وأمّا في هذا الموضع فلم يضع أبقراط هذه الأشياء بحذاء ما يعرض من الجنون للبدن، لأنّ غرضه كان في هذا الفصل أن يخبّر بالضرر الحادث في كلّ واحد من هاتين الريحين فقط حتّى يعرفهما ويميّزهما ويفرق بينهما وبين ما يعرض من نفس الأمراض. فقال عند هبوب الشمال يعرض السعال
وذلك يكون لتغيّر مزاج آلات النفس ولخشونة الحلق، وقد أشار أبقراط إلى ذلك بقوله «في الحلوق» لكيما يفهم عنه من قوله «الحلوق» علل الحلوق. فإنّ من عادته أن يستعمل هذا النحو من الكلام في مواضع كثيرة من ذلك ما يقول بعد قليل. وأمّا في الخريف فيعرض أكثر أمراض الصيف وحمّيات الربع والمختلطة والأطحلة. وقد يمكن أن يضيف قوله «»«الحلوق» إلى ما بعده فيقرأ له متّصلاً «والحلوق والبطون اليابسة» حتّى تكون الحلوق والبطون جميعاً قد وصفت باليبس، كما قد فهم ذلك بعض المفسّرين. وذلك أنّ الحلوق عند هبوب الشمال يحدث بها يبس وصلابة لأنّ هذه الريح باردة يابسة فتبرد وتجفّف الحلوق وتصلبه، والبطن أيضاً أعني البراز يكون أجفّ وأصلب عند هبوب هذه الريح لأنّ مزاجها إلى اليبس أميل ولأنّ البدن كلّه يجفّ فيكون ما يجتذب إليه من رطوبة الغذاء أكثر. وتلبث أيضاً فضول الغذاء في الجوف زماناً أكثر عند هبوب هذه الريح ولا تزال فينشف البدن رطوبتها كلّها لا محالة. ويعرض أيضاً عسر البول لما ينال المثانة من الضرر عند هبوب الشمال، لأنّ المثانة باردة عديمة الدم ولذلك ينالها من آفة الأسباب الباردة أكثر ممّا ينال شائر الأعضاء.

وبرد الشمال أيضاً يفعل أوجاع الصدر، وذلك أنّه يناله مع الضرر المشترك الذي يصيبه مع سائر الأعضاء ضرر خاصّ من التنفّس، وليس ينال ذلك الضرر الرئة والقلب كما ينال لكثرة الحرارة فيهما. وأمّا الإقشغرار فيعرض للناس عند هبوب الشمال لمزاج الهواء في ذلك الوقت.

قال أبقراط: إذا كان الصيف شبيهاً بالربيع فتوقّع فى الحمّيات عرقاً كثيراً.

قال جالينوس: كما قال أبقراط قبيل إنّه متى كان في يوم واحد مرّة حرّ ومرّة برد فتوقّع حدوث أمراض خريفية، كذلك قال في هذا الفصل أيضاً إنّه متى كان الصيف شبيهاً بالربيع يعني متى كان مزاجه مزاجاً معتدلاً فينبغي أن يتوقّع في الحمّيات عرقاً كثيراً. وذلك واجب لحرّ الهواء. وذلك أنّه لا يمكن أيضاً أن يكون العرق الكثير دون أن يكون الهواء حارّا

ولا يمكن أيضاً أن يكون العرق الكثير إلّا أن يكون البدن يحوي رطوبة كثيرة. فكلّ واحد من هذين الأمرين موجود في الصيف والآخر موجود في الشتاء. فليس واحد منهما موجوداً في الخريف، فكلاهما موجودان في الربيع. فواجب متى كان الصيف يابساً قوي اليبس أن يفني ويحلّل الرطوبة، ومتى كان شبيهاً بالربيع أن يجتذب الرطوبة بحرارته إلى ما يلي الجلد وأن لا يمكن أن يحلّلها بطريق البخار لرطوبته. فمن قبل أنّ تلك الرطوبة في وقت بحران الأمراض تستفرغ دفعة يكون منها عرق كثير.

قال أبقراط: إذا احتبس المطر حدثت حمّيات حادّة، وإن كثر ذلك الاحتباس في السنة ثمّ حدثت في الهواء حال يبس فينبغي أن يتوقّع في أكثر الحالات هذه الأمراض وأشباهها.

قال جالينوس: إنّ أبقراط لم يقل إنّه يحدث عند احتباس المطر حمّيات كثيرة لكنّه إنّما قال إنّها تحدث حمّيات حادّة، وهو يقول بعد قليل

إنّ من حالات الهواء في السنة بالجملة قلّة المطر أصحّ من كثرته وأقلّ موتاً ثمّ يتبع هذا القول بأن يقول إنّ الأمراض التي تحدث عند كثرة المطر في أكثر الحالات هي حمّيات طويلة. وذلك واجب من قبل أنّ رطوبة الهواء تجمع في البدن الكيموسات البلغمية وكثيراً من الفضول المائية ويبس الهواء يجعل الكيموسات أنقص إلّا أنّه يجعلها في كيفيتها أحدّ وأقرب من طبيعة المرار ولذلك تكون الحمّيات عند تلك الحال أقلّ عدداً من الحمّيات التي تعرض في حال كثرة المطر إلّا أنّها تكون أحد منها. وأمّا ما قاله بعد هذا الفصل فبيّن واضح.

قال أبقراط: إذا كانت أوقات السنة لازمة لنظامها وكان في كلّ وقت منها ما ينبغي أن يكون فيه كان ما يحدث فيها من الأمراض حسن النبات والنظام حسن البحران، وإذا كانت أوقات السنة غير لازمة لنظامها كان ما يحدث فيها من الأمراض غير منتظم سمج البحران.

قال جالينوس: إنّه قد يمكنك أن تعلم أيّ شيء يعني بالسنة اللازمة لنظامها ممّا قاله أبقراط في كتابه في الهواء والماء والمواضع وهو هذا. وذلك أنّه إن ظهرت العلامات عند طلوع الكواكب وغروبها على ما ينبغي وكانت في الخريف أمطار وكان الشتاء معتدلاً دفيئاً جدّاً ولا مجاوزاً لحق الوقت في البرد ثمّ كانت في الربيع أمطار في أوقاتها وفي الصيف، فواجب أن تكون تلك السنة أصحّ. فإذ قد علمت أيّ شيء يعني أبقراط بالسنة المنتظمة فقد سهل عليك أن تفهم أيّ شيء يعني بغير المنتظمة. وذلك أنّ كلّ سنة لا تحفظ نظام السنة المنتظمة فأبقراط يسمّيها غير منتظمة ويسمّي أيضاً الأمراض التي تحدث فيها بهذا الاسم. وقال إنّ تلك الأمراض أيضاً سمجة البحران وهو يعني أنّها رديئة البحران. وذلك أنّ البحران يكون في هذه الأمراض مع أعراض فيها خطر شديد ويكون البحران نسفه رديئاً مهلكاً أو تكون للمرض بعده عودة لا محالة.

قال أبقراط: إنّ في الخريف تكون الأمراض أحدّ ما تكون وأقتل في أكثر الأمر، فأمّا الربيع فأصحّ الأوقات وأقلّها موتاً.

قال جالينوس: وإذا أحفظت أوقات السنة كلّها المزاج الذي يصلح لكلّ واحد منها كان أصحّها كلّها الربيع من قبل أنّه أعدلها. وكان أجلّها لأحد الأمراض وأقتلها الخريف بقياس سائر الأزمان لأنّ الربيع على غاية الاعتدال في مزاجه، وقد اجتمعت في الخريف خصال مذمومة أوّلها أن يكون فيه في اليوم الواحد مرّة حرّ ومرّة برد. والثانية أنّه يتلو الصيف فلقى الأبدان فقد احترقت في كثير منها الكيموسات وقد ضعفت مع ذلك في بعضها القوّة. وليس رداءة الخريف من قبل هذا فقط لكن من قبل أيضاً أنّه قد كانت حركة الكيموسات من قبل حلوله إلى ناحية الجلد فكانت تتحلّل. ثمّ إنّها في الخريف تندفع إلى قعر البدن من البرد. وهذه الأشياء التي وصفنا كلّها شاملة للناس وتخصّ من يسيء التدبير مع هذا زيادة أمر الفواكه،

وذلك أن يكثر منها فيمتلئ بدنه كيموساً رديئاً.

قال أبقراط: الخريف لأصحاب السلّ رديء.

قال جالينوس: إنّ أبقراط قد ذمّ الخريف في الفصل الذي قبل هذا ذمًّا عامًّا، ثمّ إنّه ذمّه في هذا الفصل ذمّه ذمًّا خاصًّا لمضرّته لأصحاب السلّ خاصّة. وقد يمكن أن يكون عنى بأصاحب السلّ أصحاب قرحة الرئة وهم المخصوصون بهذا الاسم، ويمكن أن يكون عنى جميع من يذوب بدنه وينهك بسبب من الأسباب، وليس يمكن أن يعلم أيّ المعنين قصد، إلّا أنّ الأمر في رداءة الخريف الذين ذكرتهم أوّلاً والذين ذكرتهم آخراً بيّن إذ كان الخريف بارداً يابساً مختلف المزاج.

قال أبقراط: فأمّا في أوقات السنة فأقول إنّه متى كان الشتاء قليل المطر شمالياً وكان الربيع مطيراً جنوبياً
فيجب ضرورة أن تحدث فى الصيف حمّيات حادّة ورمد واختلاف دم وأكثر ما يعرض اختلاف الدم للنساء ولأصحاب الطبائع الرطبة.

قال جالينوس: إنّ أبقراط قد أخذ في صفة تغيّر أوقات السنة فابتدأ بذكر الشتاء والربيع إذا كان الشتاء قليل المطر شمالياً وكان الربيع مطيراً جنوبياً. وهذا التغيّر هو تغيّر يسير إلّا أنّه على حال خارجة عن المجرى الطبيعي، ولذلك قال إنّه إذا كان ذلك حدث في الصيف من الأمراض الحمّيات الحادّة والرمد واختلاف الدم. وقد أخبر أبقراط بالسبب الذي من قبله تكثر هذه الأمراض من قبل هذه الحال من حالات الهواء في كتابه في الماء والهواء والمواضع. وهذا كلامه فيه في ذلك الموضع، قال «فإن كان الشتاء قليل المطر شمالياً وكان الربيع مطيراً جنوبياً وجب ضرورة أن يحدث في الصيف حمّيات ورمد. وذلك أنّه إذا كان كذلك فاجأه الرمد بغتة لأنّ الأرض تكون رطبة من قبل الأمطار الربيعية ومن قبل الجنوب، وجب ضرورة أن يتضاعف الحرّ

من قبل حال الأرض إذ كانت مبلولة حارّة ومن قبل حال الشمس إذ كانت محرقة وإذ كانت أجواف الناس لم تشتدّ ولا جفّت بلّة الدماغ. وذلك أنّه لا يمكن إذا كان الربيع على الحال التي وصفت إذا لا يتعفّن البدن واللحم فيجب من قبل ذلك أن يعرض لجميع الناس أحدّ ما يكون من الحمّيات وخاصّة لأصحاب البلغم. وأمّا اختلاف الدم فجرى بأن يعرض للنساء ولأصحاب أرطب الطبائع». فهذا ما قاله أبقراط في كتابه في الهواء والماء والمواضع. وسنشرح كلامه في ذلك الكتاب شرحاً أكثر ونبيّن أوّلاً لِمَ لم يقل إنّه إذا حدثت هذه الحال عرضت هذه الأمراض في الشتاء أو في الربيع وقال إنّها تعرض في الصيف. وقد قال في المقالة الثانية من كتاب أبيديميا إنّه لمّا فسد مزاج الصيف بمدينة قرانون حدثت فيه القروح التي تسمى الجمر في ذلك الوقت الذي فسد فيه مزاجه. وهذا قول أبقراط في ذلك الموضع من الجمر الذي عرض بمدينة قرانون في الصيف جاء مطر جود في حرّ الصيف كلّه وكان أكثره مع الجنوب. فقد بيّن أبقراط بما قال مع ما بيّن السبب الذي من قبله كان حدوث ما حدث من الجمر بمدينة قرانون في الصيف. وذلك أنّ زوال مزاج الزمان كان عن مزاجه الطبيعي لم يكن باليسير
لكنّه صار إلى حال تسرع معها العنوفة إلى كلّ ما كان من طبعه أن يعفن. وقد تكتفى الرطوبة إذا أفرطت في حدوث الأمراض أن تعفن كما قال أبقراط إنّ الأمراض التي تحدث عند كثرة المطر في أكثر الحالات هي حمّيات طويلة واستطلاق البطن وعفن وأبلغ عملاً في ذلك من الرطوبة الحرارة. فإذا اجتمعتا جميعاً وكانتا من القوّة والإفراط على مثل ما كانتا عليه بمدينة قرانون. فليس يبقى البدن سليماً إلى الوقت الثاني لكنّ الآفة تسبق إليه في الوقت الأوّل. فأمّا الشتاء القليل المطر الشمالي فقد ينال الأبدان منه بعض الأذى كنحو ما وصف أبقراط حين قال فأمّا الشمال فتحدث السعال ووجعاً في الحلوق والبطون اليابسة وعسر البول والاقشعرار والوجع في الأضلاع والصدر. فأمّا مرض يعتدّ به فليس يحدث منه لأنّه مع سائر ما في هذا فإنّ حال الهواء التي هي أجفّ أصحّ من غيرها. فقد قال أبقراط إنّ من حالات الهواء في السنة بالجملة حال احتباس المطر أصحّ من حالات كثرة المطر وأقلّ موتاً. فالشتاء الشمالي القليل المطر قد ينال الناس منه كما قلت أذاً وهم بعد مستقبلين ما يعرض لهم من السعال
واعتقال البطن وعسر البول والأوجاع العارضة في نواحي الصدر، إلّا أنّه لا يحدث حمّيات ولا اختلاف دم ولا غير ذلك ممّا أشبهه فقلّ. فلِمَ لا تعرض الأمراض في الربيع إذا كان بعد هذا مطراً جنوبياً فإنّي أقول لك إنّ ذلك لا يكون لأنّ الشتاء كان قبله قوي البرد واليبس. وقد قال أبقراط إنّه لا ينبغي لك أن تقتصر على النظر في حال الهواء الحاضر دون أن تنظر مع ذلك من أيّ حال إلى أيّ حال انتقلت. فإذا كان البدن قد تقدّم فجفّ في الشتاء إذا كان قليل المطر شمالياً فليس أنّه يسلم من أن يعرض له الآفة من الأمراض الحادثة في الربيع فقط لكنّه مع ذلك قد ينتفع به لأنّه إلى وقت ما إنّما يعود إلى الاعتدال الطبيعي. فإن دام الربيع كلّه على الرطوبة فإنّ البدن يصير بسببه إلى حال مضادّة للحال الأولى أعني حال اليبس بعد مجاوزته للاعتدال المتوسّط فيما بين الحالين، فيلقاه الصيف وهو مستعدّ لقبول الآفة والأرض بعد رطبة فبسبب ذلك يحدث رمد إذ كانت الرياح التي من عادتها أن تهبّ في كلّ سنة لم تحز لها بعد أن تهبّ لأنّ تلك الرياح إنما من شأنها أن تهبّ من بعد ذلك الوقت ومن بعد طلوع الشعرى،
فيجب أن يحدث في ذلك الوقت كلّه الذي بين أوّل الصيف وبين طلوع الشعرى وهبوب الرياح التي تهبّ في كلّ سنة بعده حمّيات حادّة من قبل أنّ الكيموسات التي في البدن تعفن لغلبة الرطوبة والحرارة ويعرض أيضاً في ذلك الوقت الرمد واختلاف الدم، وذلك بحسب تهيّئي ما يمكن فيه من الأعضاء قبول الآفة. فقد تختلف في الأبدان المختلفة الأعضاء التي تقرب من قبول الآفة وتبعد عنها بحسب اختلاف مزاج الأبدان. وذلك أنّ الرمد يعرض لجميع الناس إلّا النادر عندما يحدث في الرأس الامتلاء إلّا أن تكون العينان قويتين جدًّا. وأمّا اختلاف الدم فيعرض كما قال أبقراط لأصحاب الطبائع الرطبة وللنساء لأنّ النساء أيضاً أرطب طبائع من الرجال. فإذا كنّا على هذا المثال الذي وصفنا في فصولنا هذه فإنّا إنّما نذم من قبل هذه الحال تعفينها للأبدان فبيّن أنّ حدوث العفن في الأبدان الرطبة أولى، لأنّ الرطوبة هي الشيء الذي يعفن في البدن والرطوبة في العفن بمنزلة العنصر والحرارة له بمنزلة القوّة الفاعلة. فأمّا رطوبة الهواء فمن قبل أنّها تمنع من أن يجفّ فضل رطوبة البدن قد يعين القوّة الفاعلة للعفونة على التعفين. فليس أذن بعجب أن يكون أصحاب الطبائع الرطبة
أولى بأن ينالهم الضرر من هذه الحال التي وصفنا من حالات الهواء. ولذلك قال إنّ أكثر ما تعرض الحمّيات لأصحاب البلغم من قبل أنّه يجب ضرورة أن يكون أولائك أرطب. ومتى عفن شيء في البدن ثمّ بقي في جوفه حدثت منه الحمّيات، فإن خرج من الأمعاء حدث منه اختلاف الدم، وهذه الأمراض تكون في الصيف كلّه إلّا أن يحدث تغيّر ما عند طلوع الشعري، وقد وصف ذلك أبقراط في كتابه في الهواء والماء والمواضع من بعد الكلام الذي وصفته من ذلك الكتاب قبيل الذي آخره. وأمّا اختلاف الدم فحري بأن يعرض للنساء ولأصحاب أرطب الطبائع. فقد أتبع هذا القول بأن قال «فإن حدث بعد طلوع الشعري مطر وشتاء وهبّت الرياح التي تهبّ في كلّ سنة في ذلك الوقت فقد يرجا سكون تلك الأمراض وأن يكون الخريف صحيحاً. وإن لم يحدث ذلك لم يؤمن وقوع الموت بالصبيان والنساء. فأمّا التكهّلون فأبعد الناس من ذلك ومن أفلت من ذلك فلا يؤمن أن يقع في حمّى ربع ومن حمّى ربع في الاستسقاء».

وسنبحث عن هذا الكلام الذي زاده في هذا الباب في كتابه في الهواء والماء والمواضع إذا صرنا إلى تفسير ذلك الكتاب. فأمّا ما قاله في هذا الفصل فقد فسّرناه تفسيراً كافياً ما خلا لفظة واحدة منه وهي قوله «ضرورة»، فقد ألحق هذه اللفظة مع إلحاقه إياها في كتاب الفصول في كتابه في الهواء والماء والمواضع فدلّ بها أنّ وصفه بما وصف في هذا الكتاب إنّما اعتمد فيه ووثق به بطريق القياس على طبائع الأمور لا بطريق الرصد والتجربة فقط. وكم من مرّة ترى كان يمكنه أن يرى هذه الحال من حالات الهواء وفي كم بلد لعلّه كان يمكنه أن يراها مرّتين أو ثلاثة أو أربعة ولو قلت إنّه كان يمكنه أن يراها مراراً كثيرة لما كان يقدر أن يقول إنّ الحال فيها دائماً تكون على ما وصفت كما أنّك لو رأيت خمسة أنفس أو ستّة أو سبعة قد أسهلهم دواء من الأدوية لما قدرت أن تحكم حكم تجربة أنّ كلّ من شرب ذلك الدواء أسهله ضرورة. فقد تبيّن من ذلك أنّ أبقراط إنّما أتبع القياس على طبيعة الأمور لا طريق الرصد والتجربة فقط في قوله فيجب ضرورة أن تحدث في الصيف حمّيات حادّة ورمد واختلاف دم.

قال أبقراط: ومتى كان الشتاء جنوبياً مطيراً دفيئاً وكان الربيع قليل المطر شمالياً فإنّ النساء الاتي تتّفق ولادتهنّ نحو الربيع يسقطن من أدنى سبب، والاتي يلدن منهنّ يلدن أطفالاً ضعيفة الحركة مسقامين حتّى أنّهم إمّا أن يموتوا على المكان وإمّا أن يبقوا منهوكين مسقامين طول حياتهم، وأمّا سائر الناس فيعرض لهم اختلاف الدم والرمد اليابس، وأمّا الكهول فيعرض لهم من النزل ما يفنى سريعاً.

قال جالينوس: إنّ مزاج هذين الوقتين الذين وصفهما أبقراط في هذا الفصل ضدّ مزاجهما الذي وصفه في الفصل الذي قبل هذا. وذلك أنّه جعل مزاج الربيع في هذا الفصل كمزاج الشتاء كان في الفصل الأوّل وجعل مزاج الشتاء في هذا كمزاج الربيع كان في ذلك. وقد بيّنّا بياناً كافياً أنّه لم يكن يجب من تلك الحال أن تعرض أمراض قوية في الربيع. وقد ينبغي لنا أن الآن يتبيّن أنّه متى كان الشتاء حارًّا رطباً وكان الربيع بارداً يابساً يجب ضرورة

أن يمرض الناس في الربيع. والنساء اللواتي تتّفق ولادتهن نحو الربيع يسقطن من أذنى سبب. وذلك أنّ أبدانهن تصير في الشتاء الحارّ الرطب رطبة لينة متخلخلة فيسرع إليها برد الهواء ويصل إلى عمقها، فالأطفال إذا كانوا قد اعتادوا زماناً طويلاً الهواء الدفيء يقرعهم البرد قرعاً شديداً، ولذلك يعرض للنساء الإسقاط لأنّ الطفل ربّما مات في البطن وربّما مات في حال الولادة. وما ولد من الأطفال وهو حيّ لم يحتمل النقلة دفعة من الحال التي كان عليها إلى ضدّها فإمّا مات من ساعته وإمّا بقي منهوكاً مسقاماً فيكد ما يعيش. وأمّا ما سائر الناس فمن كان الغالب عليه البلغم منهم والنساء خاصّة يعرض لهنّ فيما ذكر اختلاف الدم بسبب انحدار البلغم من الرأس إلى البطن. وذلك أنّه يجب أن يكثر البلغم عند هذه الحال التي وصفت من قبل أنّ الرأس في الشتاء يمتلئ ثمّ يبرد برداً شديداً دفعة في أوّل الربيع إذ كان الدماغ من شأنه إذا برد فلم يقو على إحكام غذائه أن يولد فضولاً بلغمية.
ويعرض في تولّد البلغم ما أنا واصفه وهو أنّ ما تولّد منه من قبل برد شديد كان حامضاً. وما تولّد منه من قبل حرارة يملأ الرأس كان مائجاً، وما تولّد منه من قبل برد يسير إمّا كانت له حلاوة يسيرة وإمّا لم يكن له طعم البتّة. فالبلغم الذي يتولّد من قبل حال الهواء الذي وصفنا بحرارة الشتاء يكون مائجاً ومن قبل ذلك خاصّة يورث اختلاف الدم إذا لبث في الأمعاء زماناً طويلاً لأنّه يلدعها ويسحجها ويجردها. وذلك أنّه لمّا كان لسبب له لزوجته تحتبس وتبطئ في نفوذه في الأمعاء وكان يجلوها ويخلقها دائماً بملوحته صار يسحجها فيولد اختلاف الدم. ومن كان الغالب عليه في طبعه الحرارة والمرّة الصفراء فإنّه يعرض له الرمد اليابس فيما ذكر أبقراط. ويعني بالرمد اليابس الرمد الذي ليس يسيل معه شيء من العين. وواجب أن تحدث لأصحاب الطبائع الحارّة اليابسة عند حال الهواء الباردة اليابسة أتت بعد حال منه حارّة رطبة مثل هذا الرمد. وذلك أنّ الرأس يكون قد امتلاء قبل في حال الهواء الحارّة الرطبة فإذا ألقاه البرد وهو بتلك الحال احتوى على الدماغ من خارج وعصره،
كما تحتوي الكفّ على اسفنجة فيها ماء فيعصرها فيسيل ما فيه من الرطوبة. فتصير تلك الرطوبة في وقت دون وقت إلى موضع دون موضع من المواضع التي يسهل قبولها لذلك فيعرض من قبلها أمراض كثيرة. ومن قبل ذلك قد يعرض الرمد لمن كانت عيناه بالطبع ضعيفتين . وليس يسيل في تلك الحال منها شيء إلى خارج لبرد الهواء وتكثيفه للسطح الخارج من أغشيتهما. وقد تبيّن لك أنّ أبقراط إنّما ينسب كلّ واحد من هذه الأمراض إلى هذه الأسباب التي وصفنا ممّا كتبه في كتابه في الهواء والماء والمواضع وهو هذا قال: أمّا الذين يغلب عليهم البلغم فيجب أن يعرض لهم اختلاف لهم اختلاف الدم وللنساء عند انحدار البلغم من الدماغ لرطوبة طبائعهنّ، وأمّا الذين تغلب عليهم المرار فيجب أن يعرض لهم الرمد اليابس لحرارة لحمهم ويبسه. وأمّا ما قاله في آخر هذا الفصل فهو قوله «وأمّا الكهول فيعرض لهم من النزل ما يفنى سريعاً» فوصفه في كتابه في الماء والهواء والمواضع بهذا اللفظ قال «فأمّا التشنّج الفاني فيعرض له النزل لسخافة العروق وذوبانها

حتّى أنّهم يهلكون بغتة ومنهم من يعرض له الفالج في شقّة الأيمن». وكان أبقراط لم يرد بقوله النزل في هذا الكلام ما قد جرت به العادة أن يستعمل عليه في هذه اللفظة وهو انحدار ما ينحدر من الرأس إلى الرئة في قصبتها، وإنّما أراد بقوله النزل كلّ ما ينحدر من الرأس في العروق إلى ما دون الرأس من الأعضاء. ولذلك ألحق في قوله ما يفنى سريعاً وقد أحسن في ذلك لأنّ بحران هذه النزل يكون سريعاً على أنّ سائر النزل يطول لبثها. وقد فهم قوم من المفسّرين من قوله «النزل» النزلة التي تنحدر من الرأس إلى الرئة في الحلق وقصبة الرئة فزادوا في هذا الكلام علامة النفي وهي «لا» فكتبوا. وأمّا الكهول فيعرض لهم من النزل ما لا يفنى سريعاً وقالوا إنّ ذلك واجب. وذلك أنّ النزل الباردة التي تعرض لهم لا تنضج لمكان بينهم. وقد نجد في بعض النسخ مكان «ما يفنى سريعاً» «ما لا يفنى سريعاً»، وهذه النسخة موافقة لما قاله أبقراط في كتابه في الماء والهواء والمواضع، لأنّه قال في ذلك الكتاب «حتّى أنّهم يهلكون بغتة».

قال أبقراط: فإن كان الصيف قليل المطر شمالياً وكان الخريف مطيراً جنوبياً عرض فى الشتاء صداع شديد وسعال وبحوحة وزكام وعرض لبعض الناس السلّ.

قال جالينوس: إنّ أبقراط جعل في الصيف والخريف في هذا الفصل المزاج الذي كان جعله قبيل للشتاء والربيع حيث قال «متى كان الشتاء عديم المطر شمالياً وكان الربيع مطيراً جنوبياً»، إلّا أنّه في ذلك الفصل قال إنّه تحدث عن حال الهواء هذه الأمراض في الصيف حمّيات حادّة ورمد اختلاف دم. وأمّا في هذا الفصل فقال إنّه يحدث عن حال الهواء التي ذكرها فيه في الشتاء صداع وسعال وبحوحة و.كام. ولم يصف في ذلك الفصل مع ما وصف مزاج الصيف ولا وصف في هذا الفصل مزاج الشتاء لأنّه يريد أن يكون كلّ واحد من هذين الوقتين باقياً على مزاجه الطبيعي. وذلك أنّه إن عرض في هذين الوقتين أيضاً تغيير من كلّ واحد منهما عن مزاجه الطبيعي

حدث مع ما يحدث من تلك الأمراض الذي وصف لسبب ذلك التغيير مرض آخر مشاكل لذلك المزاج العارض له، إلّا أنّ أبقراط وصف أسباب الأمراض التي ذكر أنّها تحدث في الصيف عن حال الهواء التي وصفها بأنّ الشتاء فيها يكون قليل المطر شمالياً والربيع مطيراً جنوبياً في كتابه في الهواء والماء والمواضع. وأمّا حال هذه التي ذكرها في هذا الفصل فلم يذكر فيها شيئاً في ذلك الكتاب. فإنّه من بعد هاتين الحالتين من حالات الهواء التي ذكرناهما إنّما واحدهما هي التي جعل الشتاء فيها شمالياً قليل المطر والربيع مطيراً جنوبياً والأخرى هي التي جعل الأمر فيها على خلاف ذلك وهو أنّه جعل الشتاء مطيراً جنوبياً والربيع قليل المطر شمالياً لم يذكر بعدهما هذه الحال الثالثة التي كلامنا الآن فيها لكنّه ذكر مكانها حالاً أخرى، وهي أن قال «فإن كان الصيف مطيراً جنوبياً وكان الخريف كذلك». ثمّ ذكر بعد ذلك حالات أخر من حالات الهواء لا تشبه هذ الحال التي كلامنا فيها. وسنتكلّم في تلك الحالات إذا صرنا إلى تفسير ذلك الكتاب.
وأمّا الآن فإنّا نتكلّم في هذه الحال التي ذكرها في كتاب الفصول ونجعل مفتاح كلامنا فيها ما قلنا قبيل من أنّه كأنّه يريد أن يحفظ الشتاء في هذه الحال على مثل مزاجه الطبيعي أعني بارداً رطباً وتكون برودته ورطوبته بحسب ما يليق من المواضع المعتدلة من العمران التي عليها مبنى الكلام، وسنذكر تلك المواضع بأسمائها بعد قليل. فإذا كان الشتاء بعد تلك الحال حافظاً لمزاجه لم يحدث فيه شيء من الأمراض القوية، وإنّما يحدث فيه الصداع والسعال والبحوحة والزكام فقط وهي الأعراض التي تعرض عند ما يحدث الامتلاء في الرأس. ولو عرض كما قلت قبل أن يكون في الوقتين جميعاً أعني الصيف والخريف الأمطار الجنوبية لقد كانت الأمراض المشاكلة لمزاج الهواء الرطب الجنوبي خليقة بأن تبتدئ من أوّل الصيف. فإن لم يكن حدوثها في الصيف فكان سيكون حدوثها لا محالة في الخريف. فأمّا الآن فإنّه لما وضع أنّ الصيف كان قليل المطر شمالياً ثمّ كان الخريف بعده رطباً جنوبياً وجب أن لا يتقدّم حدوث الأمراض
بل يكون مزاج الخريف إذا كان رطباً كاسراً لعادية إفراط يبس الصيف، إلّا أنّه لمّا كان الخريف كلّه على تلك الحال وجب ضرورة أن يعرض لمن كانت طبيعته رطبة أن يحدث له في رأسه امتلاء فتكون من ذلك الامتلاء الأعراض التي تقدّمنا بذكرها، ويعرض لبعض الناس السلّ وإنّما يعرض ذلك لمن كان متهيّئاً لحدوث هذه العلّة والمتهيّئ لحدوث هذه العلّة هو من كان صدره ضيقاً ومتى كانت تنحدر من رأسه إلى رئته رطوبات، فمن كانت هذه حاله عرض له السلّ. فأمّا سائر الناس فليس يعرض لهم شيء من الأمراض القوية، وإنّما يعرض لهم السعال والبحوحة وسائر ما أشبههما. وذلك أنّ الشتاء يلقى الرؤوس وهي ممتلئة فضولاً بسبب الأمطار الجنوبية، فيعرض منه لبعض الناس أن يبقى الفضل في الرأس فقط، فيكون ذلك سبباً للصداع. وذلك أنّ الشتاء لا يحلّل من عضو من الأعضاء شيئاً من الفضول. ويعرض لبعض الناس في رؤوسهم لبرد الشتاء أن يجمعها ويضمّها وكأنّه يضغطها ويعرض منها الفضل فينحدر إلى ما دون الرأس من الأعضاء.

وذلك للرأس بمنزلة التنقية والاستفراغ. وقد يعرض لبعض الناس أن يثقل رأسه ذلك الامتلاء جهة يضعف الرأس فلا يحتمل برد الشتاء فيبرد وييبس مزاجه ويصير عند ذلك سبباً لانحدار الفضول إلى ما دونه فيكون الأمر عند ذلك أشدّ تفاقماً وصعوبة.

قال أبقراط: فإن كان شمالياً يابساً كان موافقاً لمن كانت طبيعته رطبة وللنساء، وأمّا سائر الناس فيعرض لهم رمد يابس وحمّيات حادّة وزكام مزمن ومنهم من يعرض لهم الوسواس العارض من السوداء.

قال جالينوس: إنّ هذا الكلام ليس هو فصل تامّ لكنّه جزء ثان من الفصل الذي قد فرغت من تفسير جزئيه وهما جميعاً فصل واحد. وذلك بيّن وأضح من قبل أنّه وضع حال الصيف مشتركة للكلام الأوّل والثاني،

ووضع في الكلام الأوّل أنّ الخريف يأتي بعده وهو مطير جنوبي، ووضع في الكلام الثاني وهو هذا الذي نحقّ في تفسيره أنّه يأتي وهو يابس شمالي. ولا فرق أن يقال يابس أو قليل المطر أو عديم المطر. فإذا كانا هذان الوقتان جميعاً قليلي المطر يابسين فإنّ أصحاب الطبائع الرطبة قد ينتفعون بهذه الحال من حالات الهواء فضلاً عن أن لا يضرّ بهم. وقد وصف أبقراط السبب في ذلك في كتاب الماء والهواء والمواضع. فقال «وأمّا أصحاب البلغم فينتفعون بجميع هذه الأشياء كلّها. وذلك أنّ أبدانهم تجفّ فيجيئ الشتاء وليس فيها بلّة غالبة لكن بلّتها قد جفّت. وأمّا سائر من ليس هو كذلك فيعرض لهم الرمد اليابس والحمّيات الحادّة والزكام اليابس وبعضهم يعرض له الوسواس السوداوي». وقد وصف في ذلك الكتاب سبب تولّد هذه الأمراض بهذا اللفظ. فقال «وأمّا الذين تغلب عليهم المرار فذلك من أضرّ الأشياء لهم. وذلك أنّ أبدانهم تجفّ جفوفاً شديداً ويعرض لهم الرمد اليابس والحمّيات الحادّة والمزمنة وبعضهم يعرض له الوسواس السوداوي».
ثمّ أتبع ذلك بأن قال «وذلك أنّ أرقّ ما في المرار وأقويه من المائية يجفّ وينفذ، ويبقى أغلظ ما فيه وأحدّه، وكذلك يعرض للدم على هذا القياس ومن ذلك تعرض لهم هذه الأمراض». وقد يكتفى بما قلنا من هذا في هذه الحالات التي ذكرها من حالات الهواء. ولست أرى لم اقتصر أبقراط على ذكر هذه الحالات فقط من حالات الهواء وله حالات أخر غيرها كثيرة، إلّا أنّي أريد أن أدلّك على طريق تسلكه فتصل به إلى تركيب جميع حالات الهواء. وذلك الطريق هو هذا الذي أصف أقول إنّه يجب أن يبتدئ من أصناف مزاج الهواء المفردة فيجعلها كالأصول. ونقسم كلّ واحد منها إلى ثلاثة أقسام فنجعله مرّة ضعيفاً جدّاً ومرّة قوياً جدّاً ومرّة متوسّطاً بين الحالتين ثمّ تنظر إلى أيّ الأمراض يولد كلّ واحد من أضاف المزاج على حدّته ومراتبه الثلاث إذا حدث في كلّ واحد من أوقات السنة في كلّ واحد أصناف طبائع الأبدان ثمّ تركب بعد ذلك مزاج وقتين وقتين من أوقات السنة على نحو ما رام أبقراط تركيبها في هذا الكلام المتقدّم. فإذا ركبت هذه كلّها ونظرت فيما يولد كلّ واحد من تراكيبها في كلّ واحد من أصناف طبائع الأبدان، أخذت في تركيب مزاج ثلاثة ثلاثة من أوقات السنة حتّى تفرغ من تركيبها والنظر فيما تولّد جميع الأبدان،
ثمّ تركب مزاج الأوقات الأربعة وتنظر ما يولد أصناف تركيبه في جميع الأبدان، فإنّك إذا فعلت ذلك كان ارتياضك ارتياضاً كاملاً. ولعلّي أن يتهيّأ لي من الفراغ ما يتّسع لهذا فأكتب فيه كتاباً مفرداً. وأمّا الآن فاكتفى منه بأن أقول إنّ تركيب مزاج الأوقات التي وصفها أبقراط في هذا الكلام يسيرة جدّاً في جنب ما لم يذكره حتّى يوهمك ذلك أنّ ما ذكره منها بأن يكون مثالاً يستدلّ به عليها أولى منه بأن يكون جزءاً إذا قدر من جملة الكلام فيها. وسنتكلّم فيها كلاماً أوسع من هذا إذا صرنا إلى تفسير كتاب الماء والهواء والمواضع وكتاب أفيديميا. وأنا واصف الآن شيئاً قد كنت تضمّنت قبيل ذكره ثمّ أقطع الكلام في هذا الباب. والشيء الذي كنت تضمّنت ذكره هو أنّه ينبغي لنا أن نفهم عنن أبقراط ما وصف في جميع هذه الحالات من حالات الهواء أنّه إنّما بنى الأمر فيه على أنّ حدوث تلك الحالات في المواضع المعتدلة من العمران ولم يدخل في كلامه ما كان من بلاد تراقي بعيداً من البحر، لأنّ تلك النواحي نواحي رطبة باردة بأكثر من المقدار المعتدل ولا ما كان من بلاد مصر والنوبة بعيداً من البحر، فإنّ تلك النواحي نواحي حارّة يابسة وإنّما استثنيت في القولين جميعاً فذكرت المواضع البعيدة من البحر دون القريبة منه،
لأنّ البلدان الباردة مثل نواحي تراقي وبينطس لأنّ ما يلي البحر منها منخفض مطمئن فإنّ مزاجه أسخن. والبلدان الحارّة مثل نواحي مصر وبلاد النوبة فما يلي البحر منها لأنّه في الصيف تبرده الرياح الشمالية صارت حرارته أقلّ من حرارة ما هو من تلك البلاد أبعد من البحر. فأمّا الطريقة المعتدلة المزاج بالحقيقة المتوسّطة من الأرض المسكونة وهي الطريقة التي تمرّ على قنيدوس وقوا وجميع البلدان التي ليست تبعد عن هذه بعداً كثيراً إلى الشمال أو إلى الجنوب. وينبغي لك أن تتوهّم خطًّا مستقيماً مارًّا على هذه البلدان التي ذكرنا إلى ناحيتي المشرق والمغرب حتّى تفهم الطريقة التي يسمّيها أصحاب المعرفة بهذا الشأن الطريقة المعتدلة المزاج فهماً صحيحاً. وبعض المنجّمين ليس يسمّي هذه المشاكلات من المواضع المسكونة من الأرض الممدودة من المشرق إلى المغرب طرائق، لكنّهم يسمّونها خطوطاً متوازية. فكلام أبقراط في الأوقات إنّما هو مبني على أنّ أحوالها التي وصف في هذه البلدان التي ذكرنا. وأمّا مراتب أوقات السنة كما قد يدلّ أبقراط في مواضع كثيرة من كتاب أبيديميا على ما كتب كثيراً من أهل المعرفة بهذا الشأن فهو على ما أصف،

وهو أنّ طلوع الثريّا هو أوّل الصيف ثمّ طلوع الشعري العبور ابتداء وقت الفاكهة وهو الجزء الثاني من الصيف ثمّ طلوع السماك الرامح هو أوّل الخريف ثمّ غيبوبة الثريّا هو أوّل الشتاء ثمّ استواء الليل والنهار بعد الشتاء أوّل الربيع.

قال أبقراط: إنّ من حالات الهواء في السنة بالجملة قلّة المطر أصحّ من كثرة المطر وأقلّ موتاً.

قال جالينوس: قد كان الأجود أن يكون وضع هذا الفصل قبل هذه الفصول التي تقدّمت وهي التي وصف فيها مزاج الهواء في أوقات السنة وقد يدلّك على ذلك نفس المعنى إذ كنّا قد احتجنا إلى هذا الفصل في تثبيت تلك الفصول التي تقدّمت ولزمنا ذلك ضرورة، لأنّ الشيء المفرد أقدم من الشيء المركّب على طريق الطباع وعلى طريق التعليم.

فينبغي لنا أن نجعل بدئاً هذا الفصل الذي أوّله «الجنوب يحدث ثقلاً في السمع وغشاوة في البصر وثقلاً فى الراس وكسلاً واسترخاء»، ثمّ الفصل الذي أوّله «وأمّا حالات الهواء في يوم يوم فما كان منها شمالياً فإنّه يجمع البدن ويشدّها»، ثمّ نجعل هذا الفصل الذي كلامنا فيه الذي يفصل فيه «من جميع حالات الهواء في السنة أوقات قلّة المطر على أوقات كثرة المطر». وذلك أنّ في أوقات قلّة المطر تتحلّل الفضول وفي أوقات كثرة المطر تجتمع داخل البدن فتعفن إلّا أن ينقي الإنسان بدنه منها في كلّ يوم باستعمال الرياضة. فإنّ الاستفراغ بالحمام ليس بعظيم الغناء وإنّما يتحلّل بالحمام شيء ممّا يلي الجلد. وأمّا ما هو في عمق البدن مثبت في اللحم وفي الأعضاء التي هي أصلب من اللحم فليس يستفرغ في الحمام استفراغاً كافياً، والاستفراغ أيضاً بالأدوية المسهلة والمقيئة ليس بموافق، لأنّ ذلك الاستفراغ إنّما يحتاج إليه من به حاجة شديدة إلى الاستفراغ وإنّما ينبغي أن يكون استعماله فيما بين أوقات تناولها مدّة طويلة. فأمّا استفراغ الفضول التي تتولّد في كلّ يوم في البدن فهو أقلّ من مقدار عمل الدواء المسهل والمقيء.

فإن التمس ملتمس أن يستعمل الاستفراغ بالدواء مرّتين في الشهر أو مرّة حزراً أن تجتمع في البدن فضول كثيرة، أضرّ بالبدن مع أنّه يلقيه في عادة رديئة. وللغذاء فضلان أحدهما رطب رقيق كأنّه مائي وهو يخالط الغذاء لينفذه، والآخر كأنّه دخاني وهو يتولّد من أكثر الأطمعة إذا كان فيها بعض الرداءة ولم يبلغ فيها عمل الطبيعة، فلم يتشبّه بالبدن الذي يروم أن يغتذي بها ولم يتّصل به. فهذه الفضول كلّها تحتاج أن تفرغ في كلّ يوم، وإفراغها يكون إذا كان مزاج الهواء رطباً، ولذلك قال أبقراط إنّ مزاج الهواء اليابس أصحّ.

قال أبقراط: فأمّا الأمراض التي تحدث عند كثرة المطر في أكثر الحالات فهي حمّيات طويلة واستطلاق البطن وعفن
وصرع وسكات وذبحة، فأمّا الأمراض التي تحدث عند قلّة المطر فهي سلّ ورمد ووجع المفاصل وتقطير البول واختلاف الدم.

قال جالينوس: أمّا الحمّيات الطويلة فليس يعجب أن تلحق كثرة الرطوبة إذا كان المريض يحتاج في تحليل مرضه عنه إلى نضجه، وكانت الرطوبة الكثيرة يجب أن يكون نضجها في زمان طويل. ومع هذا فإنّ الكيموسات في وقت كثرة المطر تصير أبرد وأميل إلى البلغم كما تميل عند قلّة المطر إلى الصفراء، فمن قبل هذا أيضاً تطول الحمّيات في وقت كثرة المطر ويكون في وقت قلّة المطر أحدّ وأقصر، والأمر أيضاً في استطلاق البطن بيّن أنّه يجب أن يكون في وقت كثرة المطر لاستفراغ فضول الكيموسات من البطن، وكذلك أمر العفن. فقد عياناً الشيء اليابس أبعد من العفونة من الشيء الرطب. والصرع أيضاً والسكات مرضان بلغميان. فأمّا الذبحة

فربّما كانت من قبل أنّ الفضول تنصب إلى الحلق. وأكثر ما يكون إذا انحدرت من الرأس نزلة فاستكنت في الحلق. وبيّن أنّ في أوقات كثرة المطر تكثر الفضول التي تتجلّب من عضو إلى عضو وخاصّة النزل التي تنحدر من الرأس، وقد قلنا ذلك مراراً كثيرة. فأمّا في أوقات قلّة المطر فقال إنّه يكثر السلّ والرمد وأوجاع وتقطير البول واختلاف الدم، وقد قصر عندي في تحديد ما حكم به في ذلك. وذلك أنّ السلّ يحدث عن حال الهواء على أحد وجهين إمّا إذا برد غاية البرد حتّي ينصدع منه بعض العروق التي في آلات التنفّس، وإمّا إذا سخن مع رطوبة حتّى يحدث للرأس امتلاء فتنحدر منه نزلة إلى الرئة. فأمّا متى كان مزاج الهواء يابساً وكان في الحرّ والبرد على الحال الطبيعية فهو إلى أن يولد كلّ شيء أقرب منها إلى أن يولد السلّ. فلذلك أظنّ أنّ قوماً اضطرّوا إلى أن يفهموا من قوله «السلّ» العلّة التي يحدث فيها للعين التنقّص حتّى يكون كلامه على هذا المثال «فأمّا الأمراض التي تحدث عند قلّة المطر فهي الرمد والسلّ»،
أي الرمد الذي يؤول إلى أن ينفص العين، وذلك يكون إذا عدمت العين الغذاء وهزلت وجفّت بأكثر من المقدار الطبيعي مع ضيق الحدقة، وذلك يكون من قبل جفاف الرطوبات التي متى مدّدت الحدقة تمديداً معتدلاً بقيت على اعتدالها ومتى مدّدتها بأكثر ممّا ينبغي عرضت الحدقة واتّسعت اتّساعاً رديئاً. فإن فهمنا منه الرمد على حدته فينبغي أن نفهم معه اليابس. وقد قلنا قبيل السبب الذي من قبله يعرض الرمد اليابس عند يبس الهواء المفرط. وأمراض المفاصل أيضاً ما كان منها من فضل يتجلّب إلى المفاصل فإنّه لا يعرض بتّة عند يبس الهواء المفرط. وأمّا ما كان منها من حدّة فإنّما يكون إذا كان مع ذلك حرارة مفرطة. وإلّا فلا يكون ينبغي أن يبحث عن معناه في قوله إنّه يعرض عند يبس الهواء وقلّة المطر وجع المفاصل. وذلك أنّ يبس الهواء إن أفرط فأفنى الرطوبة من المفاصل فإنّه قد يحدث فيها عسر من حركتها ويبس ولعلّه أن يحدث فيها في بعض الأوقات وجع ما. فأمّا الوجع المعروف بوجع المفاصل فلن يحدث فيها إلّا أن يريد مريد أن يسمّي كلّ واحد يعرض في المفاصل وجع المفاصل
على أنّا قد نجد أبقراط قال في المقالة الثانية من كتاب أبيديميا «إنّ أهل أوينس لمّا أكلوا الحبوب ضعفت أرجلهم ولمّا أكلوا الكرسنة أصابهم وجع الركبتين» فلم يقل إنّه عرض لهم وجع المفاصل لكنّه قال إنّه أصابهم وجع الركبتين. ولعلّ قائلاً يقول إنّه ليس يسمّي وجع المفاصل ما كان في مفصل واحد ونظيره لكنّه إنّما يسمّي وجع المفاصل ما كان في مفاصل كثيرة مختلفة. وقد يكتفى بما قلنا من هذا في المطالبة على أمر وجع المفاصل، ونحن ناظرون فيما بعده في أمر تقطير البول أيضاً. وذلك أنّ تقطير البول ليس يلزم من أن يحدث عند يبس الهواء بقول مطلق دون أن يشترط في ذلك ثلاث شرائط، إحداها إفراط من ذلك اليبس والآخر أن يكون مع حرارة والثالثة أن يكون مع برد، ولم يذكر أبقراط هذه الأشياء. لكن من أراد كما قلت أن يبحث عن طبيعة حال الهواء في جميع أوقات السنة فينبغي أن يفعل ما أصف. وكلامي في ذلك يصحّ بمثال أمثله من هذا الأمر الذي قصدت إلى البحث عنه. فأقول إنّ يبس الهواء المفرط يحدث في البدن الذي مزاجه مزاج معتدل حالاً ما،
ويحدث في البدن الذي مزاجه مزاج يابس حالاً أخرى وفي البدن الذي مزاجه مزاج رطب حالاً غيرهما. وكذلك قد يحدث في البدن الحارّ المزاج غير ما يحدث في الثلاثة وفي البارد غير ما يحدث في الأربعة. فإذا توهّمت أيضاً أنّ هذه الأربعة الأمزجة المفردة قد تركّبت، وجدت أنّ الحال التي يحدثها الهواء المفرط الحرارة واليبس في البدن الحارّ اليابس أحرى والحال التي يحدثها في البدن الحارّ الرطب أحرى، وعلى هذا المثال فإنّهم الأمر في المزاجين المركّبين الباقيين. وكما أنّا حفظنا مزاج الهواء فيما تقدّم من كلامنا مفرداً مبسوطاً ثمّ قلنا إنّه يحدث في كلّ واحد من الطبائع حالاً ما خاصّية، كذلك ينبغي أن ننزله مركّباً ثمّ ننظر في الحالات التي يحدثها في كلّ واحدة من الطبائع. ومزاج الهواء اليابس يكون مركّباً إذا خالطه برد أو حرّ، ولقائل أن يقول إنّ يبسه المفرد من وجه ما مركّب. وذلك أنّه مركّب مخالط لحال معتدلة المزاج متوسّطة فيما بين إفراطي الحرّ والبرد. لكن لمّا كان الناس قد اصطلحوا في الكلام على أن يسمّوا المزاج الذي قد خرج عن المجرى الطبيعي في كيفية واحدة مفرداً ويسمّون المزاج الذي قد خرج عن المجرى الطبيعي في كيفيتين مركّباً، وجب
متى كان الهواء خارجاً عن الاعتدال في اليبس والرطوبة وكان باقياً على الاعتدال في الحرّ والبرد أن يسمّي مزاجه عند ذلك مفرداً. وقد تبيّن ممّا قلنا أنّ من قصد للنظر في جميع هذه الأشياء على هذا المثال الذي رسمنا طال كلامه جدّاً في حالات الهواء التي ذكرنا في هذا الفصل فلم يذكر فيها شيئاً من ذلك الكتاب فإنّه من بعد هاتين الحالتين من حالات الهواء لا بل في الحالة الواحدة منها، وما يحدث مثل هذه الحال التي يحدث للمثانة التي كلامنا فيها. فإنّ تقطير البول قد يكون من حدّة البول وقد يكون من ضعف القوّة الماسكة التي في المثانة وذلك الضعف أيضاً يكون من قبل إفراط رداءة مزاج. والإفراط في رداءة المزاج يكون على ثمانية أوجه وقوّة المثانة تضعف عند كلّ واحد منها حتّى يحدث من ذلك تقطيع البول. وحدّة البول أيضاً تكون من قبل مزاج رديء وخاصّة الحارّ اليابس ثمّ بعده الحارّ الرطب. فقد يكون تقطير البول من هذه الأسباب إذا وقعت أمراض المثانة الخاصّية التي يلحق فيها تقطير البول بطريق العرض مثل الذي يحدث من تقطير البول عند ما تحدث في المثانة القرحة أو الورم الذي يسمّي الحمرة أو الخراج
أو الورم الحارّ أو غير ذلك ممّا أشبهه. فإنّ كلامنا الآن ليس هو في هذه الأشياء لكنّ كلامنا إنّما هو فيما يعرض من مزاج الهواء فقط وليس كلامنا أيضاً فيما يعرض من سوء التدبير والتخليط منه. وما قلته في تقطير البول فهو قولي في اختلاف الدم، ولست أتابع أبقراط فيه أيضاً على ما ذكر فيه. فإنّ اختلاف الدم لا يصحّ أنّه يلحق يبس الهواء بقول مطلق دون أن يشترط فيه أوّلاً أن يكون مفرطاً في غاية الإفراط ثمّ يحدّد أمر حرّ الهواء أو برده ثمّ يحدّد أمر طبائع الأبدان التي يعمل فيها. وليس من الإنصاف أن يطالب أبقراط من هذا أو شبهه إذ كان هو أوّل من استنخرج هذا العلم فكان هذا العلم على ما هو عليه من السعة وبعد الغور حتّى لم يقدر أن يستقصيه كلّه حتّى يأتي على صفته بمثل ما يجب أن يطالب به ديوقليس أوّلاً ثمّ من بعده ميماوس ثمّ من بعدهما قوم كثير غيرهما من الأطبّاء ممّن قصد أن يسلك الطرق الصحيحة التي سلكها أبقراط فيستقصي بها علم أمور كثيرة من أمور الجزئية. فقد كان ينبغي لهم أن يكون من أهمّ الأشياء إليهم علم حالات الهواء حتّى يلخّصوه

كما رسمت قبيل ويستقصوا صفته حتّى يأتوا على آخرها فأغفلوا ذلك والقوّة، ولم يذكروا منه شيئاً بتّة. وسنلتمس نحن أن نفعل ذلك فنفرد لهذا الباب كتاباً خاصًّا إن وهب اللّه لنا استتمام ما نحن فيه من هذا الكتاب.

قال أبقراط: وأمّا حالات الهواء في يوم يوم فما كان منها شمالياً فإنّه يجمع الأبدان ويشدّها ويقوّيها ويجوّد حركتها ويحسن ألوانها ويصفي السمع منها ويجفّف البطن ويحدث فى الأعين لذعاً، وإن كان في نواحي الصدر وجع متقدّم هيّجه وزاد فيه؛ وما كان منها جنوبياً فإنّه يحلّ الأبدان ويرخيها ويرطبها ويحدث ثقلاً في الرأس وثقلاً في السمع وسدراً في العينين وفي البدن كلّه عسر الحركة ويلين البطن.

قال جالينوس: إنّ الشمال لمّا كانت ريحاً يباردة يابسة فإنّها تفني جميع الفضول من البدن،

وتحدث للأعضاء أنفسها قوّة من قبل أنّها تشدّها وتجمعها وتضرّ أجزاء جواهرها بعضها إلى بعض. ولذلك قال إنّها كلّها تجود في الأفعال النفسانية وفي الأفعال الطبيعية. فقد أشار إلى الأفعال النفسانية بقوله «ويجوّد حركتها» «ويصفي السمع منها»، وأشار إلى الأفعال الطبيعية بقوله «ويحسن ألوانها»، وأشار إليهما جميعاً بقوله «ويقوّيها». وبيّن أنّه بذكره واحداً من الحواسّ وهو السمع الذي يجعله كالمثال قد دلّ على سائر الحواسّ. فهذا ما تناله الأبدان من المنافع من الشمال وأولى الناس بأن يناله منها أصحاب الأبدان الصحيحة ومن أولائك أيضاً من كان بدنه إلى الرطوبة أقرب ولهذه الريح أيضاً مضارّ، لكنّها يسيرة في جنب مضارّ الجنوب. وليس يقدر أحد أن يدفع أنّ احتباس البطن واللذع الذي يحدث في العينين وهيجان الأوجاع المتقدّمة في الصدر من أيسر المضارّ. وتعرف خفّة هذه المضارّ وتتبيّن لك بياناً واضحاً إذا قستها بمضارّ الجنوب التي قال فيها إنّها تحلّل الأبدان وترخيها.
فإنّ ذلك من أعظم الآفات وأبلغها نكاية في كلّ فعل حيواني ونفساني. وثقل الرأس وثقل السمع ليسا من يسير المضارّ. وأمّا السدد فليس يحتاج فيه إلى كلام. وذلك أنّه قريب من الصرع والسكات. وقال أيضاً إنّها تحدث في العينين وفي البدن كلّه عسراً في الحركة وهو أيضاً من الأعراض الرديئة. وليس شيء ممّا تفعله الجنوب شيئاً صالحاً إلّا تليينها البطن. وإنّما تفعل هذا وغيره من جميع ما تفعل لرطوبتها خاصّة ثمّ لحرارتها. وقد كان الأجود أن يؤخّر ذكر ما قدّمه في كلامه في الجنوب ويقدّم ما أخّره حتّى يذكر أوّلاً أنّها ترطّب الأبدان ثمّ يذكر أنّها تحلّلها وترخيها ثمّ يذكر سائر ما ذكر. فإنّها إنّما تفعل سائر جميع ما تفعله من قبل أنّها ترخيها ترطب وقد يعين على فعلها ما تفعل حرارتها أيضاً. فإنّ الأفعال إنّما تكون بأعضاء البدن الأصلبة التي هي بالحقيقة أعضاؤه.

وهذه الأعضاء تثقل حتّى تكون أفعالها أردأ بسبب كثرة الرطوبة.

قال أبقراط: وأمّا في أوقات السنة ففي الربيع وأوائل الصيف يكون الصبيان والذين يتلونهم فى السنّ على أفضل حالاتهم وأكمل الصحّة، وفي باقي الصيف وطرف من الخريف يكون المشائخ أحسن حالاً، وفي باقي الخريف وفي الشتاء يكون المتوسّطون بينهما فى السنّ أحسن حالاً.

قال حالينوس: إذا محنت قول أبقراط هذا فوجدته يصحّ لا في الأسنان فقط لكن في غيرها من جميع الأشياء التي هي في مزاجها معتدلة. وذلك أنّ افضل أوقات السنة للأسنان المعتدلة والطبائع المعتدلة والبلدان المعتدلة أشدّها اعتدالاً إذ كانت ليس تحتاج إلى أن تتغيّر عن حالها التي هي عليه بل إنّما تحتاج أن تحفظ على حالها

وكان كلّ شيء إنّما يحفظه ما كان مثله ويغيّره ما كان ضرّه. فيجب أن يكون أصحاب سنّ الصبى في الربيع على أحسن حالاتهم وأحرى أن يكونوا كذلك الفتيان لأنّ سنّ هاؤلاء أفضل الأسنان، وعلى هذا القياس ما كان من الطبائع أو من البلدان معتدلاً فأحسن حالاته في الربيع. وقد أضاف أبقراط إلى الربيع أوّل الصيف وهو يريد بذلك أن يوسع الانتفاع بكلّ واحد من الأبواب التي يصفها. وقد كان أشبه بالاستقصاء أن يقول إنّ الفتيان في الربيع يكونون على أفضل حالاتهم والصبيان في أوّل الصيف يكونون على أفضل حالاتهم. فأمّا المشائخ فلبرودة مزاجهم فإنّ الصيف لهم نافع، وكذلك أنفع الأوقات للمتناهيين في الشباب الشتاء. وذلك أنّه أيضاً مضارّ لمزاجهم إذ كانت قد غلبت فيهم المرّة الصفراء. وكذلك أيضاً يجري أمر طبائع الأبدان فإنّه ما كان منها المرّة الصفراء عليه أغلبه فأحسن حالاتها تكون في الشتاء، وما كان منها البلغم عليها غلب فأحسن حالاته يكون في الصيف، وما كان منها معتدلاً فأحسن حالاتها يكون في الربيع. وكذلك الحال في البلدان فإنّ البلدان المعتدلة أجود الأوقات فيها الربيع. فأمّا سائر البلدان فما كان منها بارداً فالأجود الأوقات فيه الصيف وما كان منها حارًّا فأجود الأوقات فيه الشتاء. وأنت قادر أيضاً أن تعرف أردأ أوقات السنة لكلّ واحد من الأسنان والطبائع والبلدان

ممّا قد وصفت. وذلك أنّ أشدّ ما مضارّة لأفضل الأوقات فهو أردأها لها. وعلى هذا القياس أيضاً تعرف أوقات السنة المتوسّطة فيما بين أردأ الأوقات لها وأجودها لها. وينبغي أيضاً أن تتفهّم هذا وتخطره بنا لك أنّ الربيع إنّما قيل إنّه أفضل الأوقات للفتيان. فأمّا لسائر الناس فهو متوسّط. وليس هو أجود الأوقات لهم ولا أردأها. وكذلك حاله عند الطبائع والبلدان. فأمّأ الخريف فهو رديء لجميع الأسنان والطبائع والبلدان، إلّأ أنّ أقلّها منه ضرر ما كان منها حارًّا رطباً.

قال أبقراط: والأمراض كلّها تحدث في أوقات السنة كلّها إلّا أنّ بعضها في بعض الأوقات أحرى بأن تحدث وتهيج.

قال جالينوس: لو كان مزاج الهواء المحيط بنا وحده هو السبب في حدوث الأمراض لكان جميع الناس سيمرضون في كلّ واحد من أوقات السنة الأمراض التي تشاكل ذلك الوقت. فلمّا كانت الأمراض قد تكون أيضاً من سوء التدبير والتلخيط في التصرّف صارت الأمراض كلّها تعرض في جميع أوقات السنة، إلّا أنّ الأكثر في كلّ وقت من الأوقات ما شاكله. وممّا يعين على ذلك معرفة ليست باليسيرة اختلاف الطبائع. وذلك أنّه ليس يمكن أن يكون الضرر الذي ينال البدن الحارّ والبدن البارد من السبب الواحد على مثال واحد ولا ما ينال الرطب واليابس من السبب الواحد شيء واحد، ولا ما ينال المعتدل المزاج من السبب الواحد هو ما ينال كلّ واحد من الحارّ والبارد منه ولا ما ينال الأبدان التي مزاجها خارج عن الاعتدال على طريق التركيب كما لخّصنا قبيل.

قال أبقراط: قد يعرض في الربيع الوسواس السوداوي والجنون والصرع وانبعاث الدم والذبحة والزكام والبحوحة والسعال والعلّة التي يتقشّر منها الجلد والقوابي والبهق والبثور الكثيرة التي تتقرّح والخراجات وأوجاع المفاصل.

قال جالينوس: إن كان الأمر على هذا فكيف يتوهّم أنّ ما قيل قبيل صواب من أنّ الربيع أصحّ الأوقات وأقلّها موتاً إذ كانت قد تحدث فيه هذه الأمراض الكثيرة جدّاً قد يخيل الربيع أنّه دون الأوقات، إذ يحدث فيه من الأمراض المختلفة ما يساوي منها في سائر جميع الأوقات، لأنّ الجنون والوسواس السوداوي والصرع والذبحة من أمراض الخريف والزكام والبحوحة والسعال من أمراض الشتاء. فأمّا الصيف فإنّ أبقراط نفسه يقول فيه بعد قليل فيدلّ على المشاركة التي فيما بينه وبين الربيع في الأمراض حيث يقول: فأمّا في الصيف فقد يعرض بعض هذه الأمراض، يعني بذلك الأمراض التي تقدّم ذكرها وقيل إنّها تحدث في الربيع. وقد تحدث في الربيع أمراض فضلاً عن الأمراض التي تحدثها سائر الأوقات مخصوصة به، وهي انبعاث الدم والعلّة التي يتقشّر منها الجلد والقوابي والبهق والبثور الكثيرة التي تتقرّح والخراجات وأوجاع المفاصل، إلّا أن تكون الأوقات من قبل أنّ هذه الأمراض التي هي للربيع خاصّة فكلّها سليم لا خطر فيه ويبلغ من بعدها عن أن تشهد على تكذيب الفصل الذي قال فيه أبقراط إنّ الربيع أصحّ الأوقات وأقلّها موتاً أن تشهد على صحّته أوّلاً. وذلك أنّ باطن البدن وعمقه ينقى في ذلك الوقت فتصير الأخلاط الرديئة من الأعضاء الشريفة الرئيسية إلى ناحية الجلد.

ومن قبل ذلك تحدث العلّة التي يتقشّر منها الجلد والبهق والقوابي والبثور الكثيرة التي تتقرّح. وعلى طريف آخر ينقى باطن البدن وعمقه بحدوث الخراجات وأوجاع المفاصل، وذلك بانتقال الأخلاط الرديئة إلى الأغضاء الحسيسة. ومن البيّن عند كلّ أحد أنّ انبعاث الدم باستفراغه الفضل الكثير من الأخلاط يمنع من تولّد الأعراض الحادثة عنها. فإن ألقى الربيع البدن والأخلاط فيه معتدلة حفظه على أفضل صحّته، ولم يحدث فيه من قبل طبيعته خاصّة حدثاً. وليس كذلك الصيف والخريف والشتاء، لأنّ كلّ واحد من هذه الأوقات وإن ألقى البدن وهو نقي لا يذمّ منه شيء فإنّ الصيف يولد فيه من المرار الأصفر بأكثر ممّا ينبغي والخريف يولد فيه من السوداء أكثر من المقدار القصد والشتاء يولد فيه من البلغم أكثر من المقدار المعتدل. وما يعرض في الربيع شبيه بما تراه يحدث عند الرياضة. فإنّ الرياضة أيضاً من أصحّ ما يستعمل، إلّا أنّك إن استعملت الرياضة في بدن مملوء من البلغم أو من المرّة الصفراء أو من المرّة السوداء أو من الدم نفسه حدث على صاحبه

إمّا الصرع وإمّا السكات بسبب تلك الرياضة. فإن لم يحدث ذلك عليه فلن يؤمن عليه أن ينصدع منه عرق في الرئة فيقع معه في بلية لا تستقال. وكثير من الناس قد تعتريهم من الرياضة حمّى في غاية الحرّة. فأمّا من كانت عاقبة رياضته نقاء بدنه فإنّ تلك الرياضة إذا أخرجت تلك الفضول الرديئة إلى الجلد تحدث قروح وجرب. ولذلك قال أبقراط إنّ من تعب وبدنه غير نقي ظهرت به قروح. فحرارة الهواء المحيط بالبدن في الربيع تذيب الأخلاط فتخرجها إلى الجلد وفعله هذا شبيه بفعل الرياضة. وليس فعل الرياضة فقط يشبه فعل الربيع لكن قد يشبه فعل الطبيعة نفسها. فإنّ من أفعال الطبيعية أن يحدث التحلّل الذي ينسب إلى الخفي في البدن كلّه الذي فيه تخرج الفضول وأن تنقي البدن بأنواع شتّى من التنقية في الأمراض.

قال أبقراط: فأمّا في الصيف فيعرض بعض هذه الأمراض وحمّيات دائمة ومحرقة وغبّ كثيرة وقيء وذرب ورمد ووجع الأذن وقروح في الفم وعفن في الفروج وحصف.

قال جالينوس: قال أبقراط إنّه قد يعرض في الصيف بعض الأمراض الربيعية وهو يعني بذلك أنّ تلك الأمراض تعرض في أوّل الصيف، لأنّ ما يتّصل من الصيف بآخر الربيع، فكما هو في مزاجه مشابه للربيع كذلك هو مشابه له في توليد ما يتولّد فيه من الأمراض. فقال فقد يحدث في الصيف أمر آخر خاصّة له وهو حمّيات دائمة وحمّيات محرقة وحمّيات غبّ وبالجملة كلّ مرض يعرض للأبدان من غلبة المرّة الصفراء. فإنّ القيء أيضاً إنّما يحدث فيه عندما تطفو المرّة الصفراء في أعلى المعدة والذرب عند انحرارها إلى أسفل، ويحدث في الصيف رمد كثير أيضاً من قبل ما يعرض للرأس من الامتلاء في ذلك الوقت. ويحدث في البدن أيضاً أمراض كثيرة غير هذه شبيهة بها في الصيف

لمّا يعرض في الرأس في ذلك الوقت من الامتلاء لأنّ الرأس يدفع الفضل الذي يجتمع فيه في وقت دون وقت إلى عضو دون عضو. فأمّا القروح العارضة في الفم فالأمر فيها بيّن أنّها إنّما تكون من غلبة المرّة الصفراء. وأمّا العفونة في القروح فليس تعرض دائماً لكنّها إنّما تعرض إذا كان الصيف أميل قليلاً إلى الرطوبة أو كان قليل الرياح أو كانت الرياح الجنوبية فيه أكثر قليلاً فإنّ الصيف إذا كان قد جاوز المجرى الطبيعي وتباعد عنه بعداً كثيراً إلى الرطوبة وقلّة الرياح فليس في القروح فقط تحدث العفونة، لكن قد تحدثها في سائر جميع الأعضاء كمثل حالة الهواء التي ذكرت في المقالة الثالثة من كتاب أفيديميا والحال التي ذكرت في المقالة الثانية من كتاب أفيديميا في أوّلها. فأمّا تغيّر الصيف عن مجراه الطبيعي إلى الرطوبة قليلاً فيحدث العفن في القروح لسرعة قبول تلك الأعضاء للعفونة من أدنى سبب الرطوبتها وحرارتها. فيجب أيضاً وإن كان الصيف باقياً على مزاجه إلّا أنّ البدن مملوءاً فضولاً أن تكون تلك الفضول إذا سالت إلى القروح بسبب من الأسباب يحدث فيها عفن. فأمّا الحصف فهو من جنس البثور التي تحدث في ظاهر الجلد ويخشن الجلد تخشّن القروح، وهو يحدث من كثرة العرق إذا كان العرق إلى طبيعة المرار اميل

أو كان بالجملة لذاعاً. فإنّه إذا كان كذلك أحرق الجلد وأحدث فيه حكّة وخشنة تخشن القروح. ولذلك سمّاه اليونانييون الحصف باسم مشتقّ من اسم العرق.

قال أبقراط: وأمّا في الخريف فيعرض أكثر أمراض الصيف وحمّيات ربع ومختلطة وأطحلة واستسقاء وتقطير البول وسلّ واختلاف الدم وزلق الأمعاء ووجع الورك والذبحة والربو والقولنج الشديد الذي يسمّيه اليونانيون إيلاوس والصرع والجنون والوسواس السوداوي.

قال جالينوس: إنّ أبقراط قال إنّه يعرض في الخريف أكثر أمراض الصيف وذلك يكون لأنّ الكيموس الذي كان غالباً في الصيف وهو المرّة الصفراء تبقى في الخريف في البدن. وذلك أنّه ليس كما إذا جاء الصيف بعد الربيع استفرغ الأخلاط كذلك يستفرغ الخريف الأخلاط التي كانت غالبة في البدن في الصيف، لكن بفعل ضدّ ذلك فتميل الأخلاط من خارج البدن إلى باطنه.

ولذلك قال إنّه يعرض في الصيف بعض أمراض الربيع أي الواحد والواحد منها، ولم يقل في الخريف إنّه يعرض فيه بعض أمراض الصيف لكنّه قال إنّ أكثرها يعرض فيه. وقال إنّه يحدث في هذا الوقت حمّيات ربع لأنّ هذه الحمّيات إنّما تكون من المرّة السوداء وتولّد السوداء يكون على ضربين أحدهما احتراق المرّة الصفراء والآخر من الدم الغليظ. وتحدث أيضاً في الخريف حمّيات مختلطة لاختلاف مزاج ذلك الوقت ويعظم الطحال لكثرة الفضل السوداوي في البدن ويحدث الاستسقاء لعلّة الطحال. ومن كان يحاف عليه السلّ فأمره بعد مخبل فإنّه ينكشف أمره في الخريف خاصّة ليبس ذلك الوقت وبرده واختلاف مزاجه ورداءة الأخلاط فيه. وتقطير البول أيضاً يعرض لهذه الأسباب في ذلك الوقت. وذلك أنّ المثانة تبرد عند التغيّر الذي يحدث في الخريف على غير نظام بغتة مرّة إلى الحرّ ومرّة إلى البرد وتأذى أيضاً المثانة بحدّة الأخلاط الرديئة التي تكون في البدن في ذلك الوقت لا سيّما إذا عرض تغيّر دفعة إلى البرد فحقن الفضول التي كانت تنحلّ بالعرق في الصيف وردّها إلى المثانة.
فأمّا زلق الأمعاء فهو خروج الطعام بالبراز بسرعة من غير أن يكون تغيّر بغتة، وذلك يكون إمّا لقروح تحدث في سطح المعدة والأمعاء الباطنة شبيهة بالقروح التي تعرض للصبيان في أفواههم التي تسمّى القلاع وإمّا لضعف القوّة الماسكة. والحالة الأولى تكون من فضول لذاعة وقيقة، والحالة الثانية تكون من تغيّر عظيم يكون في مزاج المعدة والأمعاء. والصنفان جميعاً يعرضان خاصّة في الخريف. وأمّا وجع الورك وهو الذي يسمّى عرق النسي فيجب أن يكون لخبث الأخلاط في ذلك الوقت والبرد. وأمّا الذبحة فتكون من فضل من جنس المرار يتجلّب إلى الحلق. وبين الذبحة العارضة في الخريف وبين العارضة في الربيع من الفرق أنّ التي تكون في الربيع كأنّها إلى البلغم أقرب. والربو أيضاً يكون في ذلك الوقت لحركة الأخلاط إلى داخل للبرد. ولهذه الأسباب بأعيانها تحدث العلّة التي تسمّى ايلاوش وهو امتناع فضول الغذاء من النفوذ إلى أسفل

وأكثر ما يكون من ورم يحدث في مواضع من الأمعاء. وحدوث الآفة بنواحي المعدة والأمعاء أوجب ما يكون إذا كان الوقت بارداً يابساً مختلف المزاج مفسداً لأخلاط البدن. وذلك أنّ الأخلاط في الصيف تكون رقيقة سريعة الحركة فيلقاها الخريف وهو بارد مختلف وهي على تلك الحال فيميلها إلى باطن البدن وعمقه. والأمعاء ممّا هو موضوع في باطن البدن وعمقه. وأمّا الصرع فيعرض في الخريف لمن كان متهيّئاً لحدوث هذه العلّة به للتغيّر الذي يحدث في هذا الوقت بغتة إلى الحالات المتضادّة. وذلك أنّه يعرض في هذا الوقت في انتصاف النهار حرّ وفي أوّل النهار برد وليس شيء أعون على تهيّج نوائب الصرع من هذا التغيير. وأمّا الجنون فيعرض في ذلك الوقت لخبث الأخلاط الرقيقة التي من جنس المرار. وأمّا الوسواس السوداوي فمن قبل المرّة السوداوي وقد وصفت أمرها فيما تقدّم.

قال أبقراط: وأمّا في الشتاء فيعرض ذات الجنب وذات الرئة والزكام والبحوحة والسعال وأوجاع الجنبين والقطن والصداع والسدر والسكات.

قال جالينوس: إنّ أبقراط لمّا اقتصّ الأمراض الشتوية من بعد الأمراض الخريفية لم يقل فيها كما قال قبل إنّه تعرض في الشتاء بعض الأمراض الخريفية ولا إنّه يعرض في الشتاء أكثر الأمراض الخريفية على أنّه فيما تقدّم. أمّا عند ذكره الأمراض الصيفية فقال وهو يقيسها إلى الربيعية. وأمّا في الصيف فيعرض بعض هذه الأمراض. وأمّا عند ذكره الأمراض الخريفية فقال «وأمّا في الخريف فيعرض أكثر أمراض الصيف». وأمّا الآن عند ذكره الشتاء فجعل قوله في تعديد الأمراض التي تحدث فيه مطلقاً، وليس يخلو من أن يكون أراد أن يفهم عنه فيها أيضاً مثل ما وصف في تلك أو يكون جعل الحكم مطلقاً على أنّ الخريف لا يشترك الشتاء في شيء، وإن وجب أن يكون أوّل الشتاء يشرك آخر الخريف في الأمراض التي تحدث فيه وكذلك يوجد الأمر بالتجربة.

فأمّا أمراض الشتاء المخصوصة به فهي في قول أبقراط ذات الجنب وذات الرئة والزكام والبحوحة والسعال وأوجاع الجنبين والقطن والصداع والسدر والسكات. فأمّا ذات الجنب وذات الرئة فلما ينال آلات التنفّس من الضرر لسبب البرد إذ كان قد يمكنّا أن نكنّ سائر الأعضاء ونغطيها ونحوّطها حتّى لا ينالها من برد الهواء شيء بتّة أو يكون ما ينالها منه أقلّ القليل. فأمّا النفس فلا يمكن أن يمنع منه ولا يمكن أن يكون النفس من غير هذا الموضع الذي يكون به. فلبرد الهواء الذي يستنشق يعرض في الشتاء ما ذكرنا من العلل ويعرض فيه خاصّة السعال وأوجاع الجنبين. وبسبب ذلك البرد أيضاً تدخل الآفة على الرأس فتحدث من قبل ذلك الزكام والبحوحة. وكما يعرض وجع الجنبين بسبب البرد، كذلك تعرض وجع الرأس ووجع القطن وبالجملة وجع كلّ عضو عصبي. والسدر أيضاً إنّما يحدث من قبل الآفة الداخلة على الرأس، وكذلك السكات. فإنّ هذه العلّة إنّما تحدث إذا امتلئ الدماغ من البلغم حتّى يغمره.

قال أبقراط: وأمّا في الأسنان فيعرض هذه الأمراض إمّا الأطفال الصغار حين يولدون فيعرض لهم القلاع والقيء والسعال والسهر والتفزّع وورم السرّة ورطوبة الأذنين.

قال جالينوس: إنّ أبقراط قد عنى بتلخيص أمر الأسنان واستقصى تصنيفها بأكثر ممّا عنى بتلخيص أمر الأوقات. وذلك أنّه جزء الأسنان إلى أقلّ أجزائها، ووصف ما يعرض من الأمراض في كلّ واحد منها. فقال إنّما يعرض للطفل حين يولد القلاع. ويسمّى بهذا الاسم القروح التي تعرض في الفم في سطحه وإنّما تحدث هذه خاصّة للين الآلات من الطفل حتّى لا تحتمل ملاقاة اللبن لها ولا كيفيته لأنّ في اللبن رطوبة مائية ليست باليسيرة. ولأنّ لتلك الرطوبة في طبعها قوّة جلاء فليس إذاً يعجب أن يحدث في الأجسام اللينة قروح في ظاهرها. وقال إنّه ممّا يعرض لأصحاب تلك السنّ القيء وإنّما يعرض لهم لكثرة ما يبرزون من اللبن. وقال إنّه يعرض لهم السهر وما السهر من عادة الأطفال وما هم في أكثر أوقاتهم إلّا ينامون،

إلّا أن يكون إنّما يعدّ السهر لأصحاب هذه السنّ مرض متى عرض لهم لأنّ الأمر الطبيعي لهم خاصّة هو كثرة النوم. وقال إنّه يعرض لهم التفزّع، وذلك إنّما يعرض لهم في النوم وخاصّة للنهم منهم إذا كانت المعدة منه ضعيفة حساسة بالطبع ثمّ فسد الطعام في معدته. فقد تفقّدت هذا فوجدته في المستكمل فضلاً عن الطفل أنّه يعرض له التخيّل الهائل في النوم إذا اجتمع في المعدة فضول كثيرة رديئة تثقلها وتلذعها وخاصّة فم المعدة، فإنّ هذا الموضع منها أكثر مواضعها حسًّا. وقال إنّه يعرض لهم ورم السرّة، وذلك واجب أن يعرض للطفل في سرّته لقرب عهدها بالقطع كما يعرض لغير السرّة من الأعضاء إذا حدث فيه جرح. ووصف فيها وصف رطوبة الأذنين وإنّما عدّ رطوبة الأذنين في أمراض الطفل ولم يعدّ فيها رطوبة اللهوات والمنخرين، لأنّ من الأمر الجاري في الطبع أن تجري فضول الدماغ من المنخرين واللهوات، وذلك قد يكون في المستكملين فضلاً عن الطفل. فأمّا خروجها من الأذنين فمخالف للمجرى الطبيعي،

إلّا أنّه قد يعرض للصبيان أن يكون تنقية فضول الدماغ تجري في خروجها من الأذنين وما أحسن ما صنع أبقراط في إدخاله رطوبة الأذنين في الأمراض المخصوص بها أصحاب هذا السنّ. وإنّ البدن كلّه في الصبي المولود بقي غاية الرطوبة حتّى تكون طبيعة العظام فيه بطبيعة الشمع أشبه منها بطبيعة الحجرة، إلّا أنّ دماغه أرطب كثيراً من سائر أعضائه كلّها إذا كان في المستكمل على هذه الحال فبالواجب إذا كانت الفضول فيه كثيرة صارت تجري منه في جميع المنافذ.

قال أبقراط: فإذا قرب الصبي من أن تنبت له الأسنان عرض له مضيض فى اللثة وحمّيات وتشنّج واختلاف لا سيّما إذا نبتت له الأنياب وللعبل من الصبيان ولمن كان منهم بطنه معتقلاً.

قال جالينوس: أمّا المضيض في اللثّة فليس يعجب أن يعرض للصبي إذا قرب من أن تنبت أسنانه.

والمضيض هو ضرب من الحكّة مع أذى ليس بالشديد. فأمّا الحمّى والتشنّج والاختلاف فإنّما يعرض للصبي في حال نبات أسنانه لا إذا قارب وقت نباتها، كما قد دلّ أبقراط بقوله حين قال «لا سيما إذا نبتت له الأنياب». وواجب أن تحدث هذه الأحداث عندما تثقب الأسنان التي تنبت لحم اللثّة كما يعرض عند دخول السلاء وما أشبهه في اللحم لأبلّ الأذى العارض من الأسنان أشدّ من الأذى العارض من السلاء، لأنّ السلاء ساكن ثابت في الموضع الذي انتشب فيها منذ أوّل الأمر والأسنان لا تزال تسعي وتثقب ما دامت تنشو. فيعرض للصبي في هذه السنّ الحمّى بسبب الوجع والسهر والورم. فأمّا التشنّج فيعرض له بسبب هذه الأشياء التي وصفنا ولأنّ غذاءه لا ينهضم ولأنّ طبيعة العصب فيه لم تقو بعد وتشتدّ. ويتبع هذه الأشياء كلّها ضرورة الاختلاف، لأنّ الغذاء لا ينهضم ولا يثبت في البدن. وأمّا قوله «وللعبل من الصبيان ولمن كان بطنه منهم معتقلاً»

فنسق على التشنّج، يعني أنّ التشنّج إنّما يعرض خاصّة لمن كان من الصبيان عبل البدن معتقل البطن. فإنّ من كانت هذه حاله من الصبيان فبدنه ممتلئ كثير الفضول فلذلك يسرع إليه التشنّج فإنّ التشنّج أكثر ما يعرض للأبدان التي هذه حالها.

قال أبقراط: فإذا تجاوز الصبي هذه السنّ عرض له ورم الحلق ودخول خرزة القفا والربو والحصى والحيات والدود والثآليل المتعلّقة والخنازير وسائر الخراجات.

قال جالينوس: إنّ أبقراط ذكر أوّلاً حال الصبي المولود ثمّ ذكر بعده حال الذي تنبت أسنانه ثمّ ذكر الآن حالاً ثلاثة في سنّ بين انقضاء نبات الأسنان وبين القرب من نبات الشعر في العانة.

فإنّه من بعد ذكره صاحب هذه السنّ يجعل صاحب تلك السنّ رابعاً في الفصل الذي يأتي بعد هذا. فأمّا صاحب هذه السنّ الثلاثة التي كلامنا فيها وهي ما بين انقضاء نبات الأسنان وبين السنة الثانية عشرة أو الثلاثة عشرة فذكر أنّه تصيبه أمراض كثيرة وأوّل ما ذكر منها ورم الحلق. فافهم في هذا الموضع من قولنا «الحلق» الموضع الذي بين الفم والمريء وهو الموضع الذي يسمّي اليونانيون اسيموس. وهذا الاسم يدلّ بالحقيقة على مسلك ضيق من الأرض فيما بين بحرين، وسمّى به هذا الموضع من البدن بالاستعارة على طريق التشبيه. وهذا الورم ربّما كان في الغشاء المشترك المستبطن للمعدة والمريء والحلق والفم كلّه فقط وربّما كان مع ذلك فيما وراءه من العضل، وعند ذلك يعرض لخرزة القفا الميل إلى داخل الذي ذكره أبقراط بعد ورم الحلق حين قال «ودخول خرزة القفا». وذلك أنّ تلك الخرزة إذا جذبها الغضل المتورّم مالت إلى مقدّم العنق.
ولم يسمّ هذه الجهة أبقراط مقدّماً لكنّه سمّاها في هذا الموضع داخلاً وإنّما سمّاها كذلك، لأنّه بنى كلامه على أنّ الخرزة وإن كانت موضوعة من خلف. فإنّ نقلة كلّ ما انتقل إلى عمق البدن كانت نقلته من خلف أو كانت من قدّام فقد يدلّ عليه بلفظة واحدة وهي قوله «داخل». وقد ينبغي أن تنظر لِمَ لم يذكر أبقراط فيما يعرض للصبي المولود ورم الحلق ولا ميل خرزة القفا إلى داخل إذ كانت حال الطفل المولود ليس بدون حال صاحب هذه السنّ التي كلامنا فيها في رطوبة الدماغ وكثرة الفضول فيه، وإذا كان الدماغ كذلك فواجب أن تبعث منه فضول إلى ما دونه من الأعضاء. فأقول إنّ الصبي المولود يهلك قبل أن يحدث عليه مثل هذا الورم الشديد في عضل حلقه وعصبه. وأقول أيضاً إنّ هذه الأعضاء من الطفل لينة ولذلك لا يمكن أن يعرض فيها من التمدّد الشديد ما يكون منه انجذاب الخرزة إلى داخل نحوها. وذكر أنّه يعرض لصاحب هذه السنّ الربو ومعنى الربو في لساننا النفس المتواتر مثل النفس العارض للذي يحظر أو يتحرّك حركة شديدة أىّ حركة كانت،
إلّا أنّ هذا النفس يعرض لصاحب هذه الحال بسبب الحركة الشديدة إذ كان الحيوان عندما يحتاج إلى نفس كثير. فأمّا من عرض له هذا النفس من غير حركة شديدة فإنّما يعرض له لضيق أوعية النفس في الرئة. وإنّما يعرض هذا الضيق عندما تمتلئ الرئة من فضول تنجلب إلبها من فوق. وانحدار ما ينحدر من هذه الفضول في الصبي المولود أكثر، إلّا أنّه يقبله سريعاً لأنّ حاله في غير تلك الحال رديئة، لأنّ انتقاله من الرحم إلى الهواء وتغيّر غذائه عليه وما يحدث له من الورم أوّلاً في سرّته ثمّ بعد بسبب نبات الأسنان يضعفه ضعفاً شديداً وبكرّ ما يسلم على هذه الأحداث التي وصفت، فدع أن يحتمل أن يعرض له معها نزلة تنحدر إلى الرئة. وأمّا تولّد الحصى فمرض خاصّ لصاحب هذه السنّ لأنّه يتجاوز الطريق القصد في المطمع فتجتمع في بدنه أخلاط نيّة كثيرة فينحدر من أغلظها شيء مع البول إلى المثانة فيصير مادّة لتولّد الحصى فيها والحرارة في صاحب هذه السنّ مع ذلك كثيرة فبسببها يكون من ذلك الفضل الغليظ تولّد الحصى. فقد يجتمع من الخلط الذي في أبدان المشائخ مقدار ليس باليسير وليس ذلك لتجاوزهم المقدار القصد في المطعم
لكنّه لضعف القوّة الهاضمة فيهم، لأنّ الحرارة ليست فيهم بالقوية والحرارة هي التي تثخن ما في المادّة الغليظة من اللطيف وتجفّفها حتّى يتولّد منها الحصى. فأمّا الحيات والدود فتولّدها شبيه بتولّد سائر الحيوان الذي ليس بتولّده من برد لكن من عفونة. وليس تكفي العفونة وحدها في توليد هذا الحيوان لكنّها تحتاج إلى أن تكون منها حرارة كثيرة. وقد يفسد الغذاء كثيراً في المعدة والأمعاء في الصبيان وخاصّة في الأمعاء، إلّا أنّ الحرارة في الصغير جدّاً ليس تقوى بعد على أن تستحوذ على المادّة. وأمّا صاحب هذه السنّ ففي بدنه المادّة التي يكون منها تولّد هذا الحيوان وفيه معها الحرارة التي تقوى على طبخ تلك المادّة حتّى تعمل فيها ذلك الحيوان. والدود هو حيوان دقيق يتولّد خاصّة في أسفل الأمعاء الغليظ ويظهر منه شيء كثير ظهوراً بيّناً بتوّلد في الدوابّ إذا لم تستمرئ غذاءها. ويدلّ على أنّها لم تستمرئ غذاءها نتن أرواثها. وأمّا الجنس الآخر من الحيوان المتولّد في البطن المستدير الذي يعرف بالحيات فأكثر ما يتولّد في أعلى الأمعاء حتّى أنّه ربّما صعد إلى المعدة.
وتولّد هذا الجنس في الصبيان أكثر كثيراً من تولّد الدود. وأمّا الجنس الثالث من الحيوان المتولّد في البطن وهو العريض الذي يشبه حبّ القرع فقليلاً ما يتولّد في الصبيان، وهذا الجنس هو أطولها كلّها وكثيراً ما يمتدّ في الأمعاء كلّها، إلّا أنّ أبقراط لم يذكر في هذا الموضع هذا الجنس لأنّه ليس غرضه أن يصف جميع ما يعرض للناس من الأدواء لكنّ قصده أن يقتصر على ذكر أكثر ما يعرض في كلّ واحد من الأسنان. ولذلك من بعد أنّ عدّد ما وصفنا من هذه الأمراض ذكر الثواليل المتعلّقة والخنازير فهذه الأمراض تتولّد من فضل كثير رديء يميل إلى ظاهر البدن نحو الجلد. وسمّى أبقراط هذا الجنس كلّه من الأدواء خراجات فقال «والثواليل المتعلّقة والخنازير وسائر الخراجات». وقد يخصّ باسم «الخراج» نوع واحد من هذا الجنس وهو ورم حارّ يحدث من غير سبب من خارج فيكون تولّده على أسرع ما يكون وكذلك ارتفاعه وتحدّر رأسه وجمعه المدّة وأكثر ما يتولّد هذا الورم في الأربية وفي الإبط،

لأنّ اللحم الرخو في هذه المواضع كثير وهذا اللحم الرخو في طبيعته سريع إلى قبول الفضول. والخنازير أيضاً هي ورم يحدث في اللحم الرخو إلّا أنّ ذلك الورم ليس يكون من مادّة حارّة ولا سريعة إلى التقيّح لكنّه يكون من مادّة هي إلى البرد وإلى طبيعة البلغم أميل.

قال أبقراط: وأمّا من جاوز هذه السنّ وقرب من أن ينبت له الشعر في العانة فيعرض له كثير من هذه الأمراض وحمّيات أزيد طولاً ورعاف.

قال جالينوس: إنّ الغلام يبدأ ينبت له الشعر في العانة بعد أن يأتي عليه أربعة عشر سنة. وأمّا من قرب من هذه السنّ فهو من أتت عليه اثنتا عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة ومن الغلمان من يأتي عليه أربع عشرة سنو ولم ينبت، لأنّه ليس حدّ الإنبات واحداً على الصحّة والاستقصاء في جميع الغلمان لكنّه يختلف بقدر حرارة المزاج وبرده. وذلك أنّ الغلام إذا كان مزاجه حارًّا فإنباته يكون أسبق، وإذا كان بارداً كان إنباته متأخّراً.

وقد يعرض لصاحب هذه السنّ كثير من هذه الأمراض التي ذكرناها قبل وذلك لمشابهة مزاجه لمزاج صاحب السنّ التي قبله ويعرض له من الحمّيات ما هو أطول ممّا يعرض لذلك، إلّا أنّ أبقراط لم يذكر شيئاً ممّا يعرض لأصحاب تلك السنّ كثيراً من الحمّيات لكن يستدلّ ممّا قاله في هذا الموضع أنّه يرى أنّه يعرض لأصحاب تلك السنّ حمّيات حادّة. وذلك أنّ حال الصبي تتغيّر في أسرع الأوقات لرطوبة بدنه وصحّة قوّته الطبيعية. فأمّا الرعاف فيعرض لصاحب هذه السنّ لأنّه يبتدئ يكثر الدم في هذه السنّ لا أنّه يتولّد أكثر ممّا كان يتولّد، لكن لأنّه يكون ما ينفذ منه في هذه السنّ أقلّ ممّا كان ينفذ منه قبيل لأنّ النشو بقياس البدن يكون في هذه السنّ أقلّ ممّا يكون في السنّ التي قبلها.

قال أبقراط: وأكثر ما يعرض للصبيان من الأمراض يأتي في بعضه البحران في أربعين يوماً وفي بعضه في سبعة أشهر وفي بعضه في سبع سنين وفي بعضه إذا شارفوا إنبات الشعر في العانة،
فأمّا ما يبقى من الأمراض ولا ينحلّ في وقت الإنبات أو في الإناث في وقت ما يجري منهنّ الطمث فمن شأنها أن تطول.

قال جالينوس: لو كان زيد مع الأمراض في هذا القول المزمنة فقيل الأمراض المزمنة لكان أجود. ولذلك فهم قوم عن أبقراط أنّه متى قال أمراض فإنّما يعني بذلك الأمراض المزمنة فقط. وقد ذكر أبقراط في هذا الكتاب الأمراض في مواضع ينقض دعواها ولا منها قوله «قد يحتاج في الأمراض الحادّة في الندرة إلى أن يستعمل الدواء المسهل في أوّلها» ومنها قوله «التدبير البالغ في اللطافة مذموم في جميع الأمراض المزمنة وفي الأمراض الحادّة إذا لم يحتمله». فتبيّن من هذا أنّ أبقراط لم يعن بقوله الأمراض المزمنة فقط لكنّه قد يعني به الحادّة أيضاً. وأمّا في هذا الفصل في هذا الموضع فلن يخلو من أن يكون إنّما عنى به المزمنة فقط أو يكون كلامه ناقصاً. فنحن نتمّه فنقول: وأكثر ما يعرض للصبيان من الأمراض المزمنة يأتي في بعضه البحران في أربعين يوماً وفي بعضه في سبعة أشهر

وفي بعضه في سبع سنين. ويوم الأربعين هو أوّل يوم من أيّام بحران الأمراض المزمنة، وآخر يوم من أيّام بحران الأمراض الحادّة المنتقلة. فأمّا ما جاوز هذا العدد من الأيّام فبحرانه يكون على حساب الأسبوع، إلّا أنّه ليس يحسب الأسبوع عند ذلك بعدد الأيّام، لكن بحسب أوّلاً بعدد الشهور ثمّ من بعد ذلك بعدد السنين. ثمّ ما جاوز هذا الحدّ فبحرانه يكون في أربعة عشر سنة، لأنّ هذا الوقت هو وقت استتمام الأسبوع الثاني، ولأنّه يحدث للبدن تغيّر عظيم في وقت نبات الشعر في العانة وخاصّة في الإناث لانفجار دم الطمث فما لم يتحلّل من الأمراض ولا في هذه السنّ فحري بأن يبقى دهراً طويلاً.

قال أبقراط: وأمّا الشبّان فيعرض لهم نفث الدم والسلّ والحمّيات الحادّة والصرع وسائر الأمراض إلّا أنّ أكثر ما يعرض لهم ما ذكرنا.

قال جالينوس: إنّ أبقراط وفق جدّاً في استقصاء تلخيص الأسنان الأولى إلى السنّ التي حدّها نبات الشعر في العانة ثمّ لا أدري كيف تجاوز سنّ الفتيان وهي فيما بين سنّ من قد نبت له الشعر في العانة وبين سنّ المتناهي في الشباب، إلّا أنّه قد يمكنك أن يستدلّ ممّا قاله في السنّين التي قبلها وبعدها على ما يعرض فيها من الأعراض فإنّ هذه السنّ قد تشترك بين تلك السنّين في أشياء كثيرة ويخصّها خاصّة في الذكورة الرعاف، وقد ذكره فيمن شارف إنبات الشعر في العانة، لأنّ الرعاف يبتدئ ظهوره في تلك السنّ وأقوى ما تكون حركته في الفتيان ثمّ ينقص إذا صاروا في حدّ الرجال، إلّا أنّ أبقراط كما قلت تجاوز هذه السنّ فوصف بعد حال من قد نبت له الشعر في العانة حال الشباب وذكر أوّلاً أنّه يعرض لهم نفث الدم والسلّ ثمّ ذكر أنّه يعرض لهم حمّيات حادّة ثمّ ذكر الصرع. ثمّ قال بعد ذلك «وسائر الأمراض إلّا أنّ أكثر ما يعرض لهم ما ذكرنا» وقد أحسن جدّاً في زيادته ما زاد في هذا، فإنّا قد نرا أنّ الأمر على ما ذكره، إلّا أنّه قصر في شرح الحمّيات الحادّة التي ذكر بأنّها تعرض لهم. وذلك أنّه لم يكن ينبغي له أن يجمل القول فيقول حمّيات حادّة لأنّ الحمّيات الحادّة قد نراها تعرض للصبيان ليس بدون ما تعرض للشباب،

لكن كان ينبغي أن يقول إنّ أكثر ما يعرض لهم من الأمراض الحادّة الغبّ والحمّى المحرقة، لأنّ هاتين الحمّيين أولى الحمّيات كلّها بغلبة المرّة الصفراء. وأكثر ما يعتري للشباب لغلبة المرّة الصفراء في تلك السنّ التي قبلها تتولّد هذه الأمراض للشباب. وأمّا السلّ ونفث الدم فليس يعرض للشباب من قبل مزاج سنّه لكنّهما إنّما يحدثان له بعرض ما. ومن قبل ذلك العرض قال أبقراط «المشايخ في أكثر الأمر يمرضون أقلّ ممّا يمرض الشباب» وقد قلنا في تفسير ذلك الكلام إنّه إنّما يعرض للشباب الأمراض الكثيرة لقلّة توقّيهم وإطلاقهم لأنفسهم لا لضعف قواهم. فمن قبل هذا صار يعرض للشباب نفث الدم فإنّ نفث الدم ربّما عرض لهم من ضربة أو من وهن أو من وثبة أو من صيحة شديدة وربّما عرض لهم من برد أو من نوم على الأرض بغيّر وطاء أو من إكثار من الطعام أو من بعض ما يشبه ذلك من الأسباب. فإذا عرض لهم نفث الدم تبعه السلّ فحدوث السلّ للشباب أيضاً إنّما يكون لا بها توجبه سنّهم. فأمّا الصرع فليس هو ممّا يعرض للشباب كثيراً وإن كان تدبيره في أكثر الأمر تدبيراً رديئاً، وإنّي لا عجب من أبقراط

كيف عدّد الصرع من أمراض الشباب وهو يقول في غير هذا الكتاب إنّ أكثر ما يعرض هذا المرض للصبيان ولذلك قد يسمّي خاصّة مرض الصبيان وإنّه عند انتقال سنّهم يسكن. وقد يعرض الصرع لبعض الشباب من غير أن يكون عرض لهم قبل لتعدّ يكون منهم في تدبيرهم للمقدار القصد إمّا في المطعم والمشرب وإمّا ممّا يعملونه من الأعمال من نوم على الأرض بلا وطاء ومن يعرض للشمس أو للبرد أو ما أشبه ذلك، إلّا أنّ ما يعرض لهم من هذا المرض ليس بالكثر وقد يعرض لهم أمراض أخر على هذا القياس، وكان الأجود عندي أن يكون قوله في هذا الفصل هذا القول. فأمّا الشباب فيكاد أن يحدث لهم جميع الأمراض التي تحدث لأصحاب الأسنان الأخر. وأمّا أمراضهم الخاصّية فهي الغبّ والمحرقة.

قال أبقراط: فأمّا من جاوز هذه السنّ فيعرض لهم الربو وذات الجنب
وذات الرئة والحمّى التي يكون معها السهر والحمّى التي يكون معها اختلاط العقل والحمّى المحرقة والهيضة والاختلاف الطويل وسحج الامعاء وزلق الأمعاء وانفتاح أفواه العروق من أسفل.

قال جالينوس: إنّ سنّ الشباب ينقضي مع انقضاء الأسبوع الخامس. ولذلك قال أبقراط في كتاب تقدمة المعرفة. وأكثر ما ينبغي أن يتوقّع الرعاف في مثل هذه الحال لمن كان سنّه فيما دون الخمس والثلاثين. فأمّا السنّ التي تتلو سنّ الشباب فمدّتها أسبوعان وأصحابها يلتمسون عمل جميع ما يتصرّف الناس فيه لمعاشهم على شبيه بما يلتمسه المتناهون في الشباب إلّا أنّهم لا يحتملون من التعب ما يحتمله الشباب، لأنّ ما ينالهم من الضرر من حرّ الشمس وبرد الهواء ومن النوم على الأرض بلا وطاء ومن السهر ومن الإكثار من المطعم ومن المشرب أكثر ممّا ينال الشباب. ومزاج أصحاب هذه السنّ أيضاً إلى السوداء أميل. ولذلك يعرض للكثير من أصحابها الوسواس السوداوي كما يعرض من أوقات السنة في الخريف. وذلك أنّه كما أنّ الخريف يأتي فيصادف البدن وفيه مرار أصفر قد احترق في الصيف وهو في مزاجه بارد،

كذلك سنّ الكهول يأتي فيصادف البدن على مثل تلك الحال من قبل سنّ الشباب إذ كان ذلك السنّ أشبه شيء بالصيف وإنّي لا عجب كيف لم يذكر فيما ذكر من أمراض أصحاب هذا السنّ الوسواس السوداوي. وقد وجدت في نسخة من النسخ في عداد أمراض أصحاب هذا السنّ الوسواس السوداوي ولا أدري أبعض من أتى بعد أبقراط تقدّم فألحقه لما ظنّ أنّ أبقراط قد أغفله أو سائر النسّاخ وهو خطأ فأتبعوها. وقد يهلك في هذا السنّ كثير من أصحاب السل. وذلك أنّ الشباب الذين يقعون في السلّ من نفث الدم في هذه السنّ يموتون، إلّا أنّه ليس يعرض لهم نفث الدم الكثير في هذه السنّ لأنّه ليس الدم في أصحاب هذه السنّ بكثير. فأمّا الربو وذات الجنب وذات الرئة فييعتريهم أكثر ممّا يعتري للشباب، لأنّهم يستعملون من التدبير والتعب شبيهاً بما يستعمله الشباب وأبدانهم أضعف من أبدان الشباب بكثير. وعدّد أبقراط فيما يعرض لأصحاب هذه السنّ جميع الأمراض التي ألقى ذكرها في صفة ما يعرض للشباب من الأمراض عندما اقتصر على أنّ قال وسائر الأمراض. وذلك أنّ الحمّى التي يكون معها اختلاط العقل وهي التي تكون مع الورم الحارّ العارض في أغشية الدماغ
أو في الحجاب والحمّى المحرقة وهي الحمّى التي تكون من المرّة الصفراء إذا عفنت وبقيت داخل العروق والهيضة وهي حركة المرّة الصفراء بالقيء واختلاف الدم الذي يكون مع سحج الأمعاء تعرض للشباب ليست بدون ما يعرض للكهول والسبب في تولّد هذه الأمراض هو المرّة الصفراء. فأمّا الذرب فيكون في الكهول أطول لنقصان ذهاب الغذاء في أبدانهم. فإنّ أصحاب سنّ الكهول يكادون أن يكونوا أقلّ حاجة إلى ما يسري في البدن من الغذاء من جميع أصحاب الأسنان الأخر لأنّ الذي يتحلّل من أبدانهم أقلّ ممّا يتحلّل من أبدان غيرهم، لأنّه ليس في أبدانهم من الحرارة مثل ما كان فيها قبل ولا ينفذ شيء من غذائهم في نماء تنمية أبدانهم ولا ضعفت بعد القوّة الماسكة فيهم الضعف الشديد كما تضعف في المشائخ فيكون ما يتحلّل من أبدانهم بسبب ذلك أكثر. ولأنّ الاختلاف قد يكون من نقصان الهضم أو نقصان ذهاب الغذاء في البدن وقد يكون أيضاً من حدّة المرار إذا سحج الأمعاء وجميع هذه الأسباب موجودة في أبدان الكهول فبالواجب أن يطول بهم الاختلاف. وأمّأ الحمّي التي يكون معها السهر فتكون من كيموس بلغمي قد اجتمع في الدماغ. وهذا الكيموس فيما قبل هذه السنّ أولى بأن يكون أنقص من أن يكون أزيد. وأمّا في سنّ المشائخ فهو كثير جدًّا،

إلّا أنّه لبرد تلك السنّ لا تتولّد منه حمّى. وأمّا في الكهول فهذا الكيموس زائد فيهم ولم تبلغ بعد أبدانهم من البرد ما يمنع من تولّد الحمّى. فأمّا زلق الأمعاء فقد بيّنّا أنّه ربّما كان من بلغم بارد وربّما كان من تغيّر مزاج فقط يحدث منه للقوّة الماسكة التي في المعدة والأمعاء ضعف وربّما كان من قروح تعرض في سطح المعدة والأمعاء الباطنة وجميع هذه الأسباب كثيراً ما تتّفق في الكهول. فأمّا انفتاح أفواه العروق التي في المعدة فهو مرض خاصّي بأصحاب هذه السنّ فمنزلة الوسواس السوداوي. وذلك أنّه يكون من المرّة السوداء إذا انحدرت إلى العروق التي في المقعدة وكثرت هناك. وقد وصفت السبب في جميع ما عدّده أبقراط نمن الأمراض العارضة في أصحاب هذا السنّ. وإنّما يصحّ العلم بما وصفت من ذلك لمن قد نظر في البراهين التي قد أثبتناها على هذه الأشياء في كتابنا. فمن أراد أن يعلم كم تلك الكتب وكيف الحال فيها والعلم الذي يستفاد من كلّ واحد منها فليقرأ المقالة التي وصفت فيها مراتب قراءه كتبي. فإنّها تدلّه كيف ينبغي له أن يقرأ كلّ واحد من تلك الكتب.

قال أبقراط: وأمّا المشائخ فيعرض لهم رداءة التنفّس والنزل التي يعرض معها السعال وتقطير البول وعسره وأوجاع المفاصل وأوجاع الكلى والدوار والسكات والقروح الرديئة وحكّة البدن والسهر ولين البطن ورطوبة العينين والمنخرين وظلمة البصر والزرقة وثقل السمع.

قال جالينوس: إنّ قوماً من أصحاب أبقراط يفرقون بين المشائخ وبين الشيوخ فيقولون إنّ اسم الشيوخ إنّما يدلّ على أصحاب السنّ القصوى ويظنّون أنّ أبقراط متى قال الشيوخ فإنّما يعني بهم أصحاب تلك السنّ واسم المشائخ إنّما يدلّ على أصحاب السنّ التي قبلها التي هي متوسّطة بين سنّ الشباب وبين الشيوخ. وأبقراط في هذا الموضع قد بيّن بيانً واضحاً أنّه إنّما يعني بالمشائخ أصحاب السنّ القصوى. وممّا يدلّك على ذلك أنّه يقطع الكلام بعد ذكره الحال فيها كأنّه قد فرغ من ذكر جميع الأسنان. وأكثر ما يعتري أصحاب هذه السنّ النزل التي يكون معها سعال، وذلك لأنّ البرد يسرع إلى الرأس في صاحب هذه السنّ

ولأنّه تتولّد فيها فضول كثيرة بلغمية في الدماغ لفضل غلبة البرد عليه في هذا السنّ. وأمّا الربو فيعرض لهم بسبب هذه النزل وبسبب أنّ آلات التنفّس أنفسها كثيراً ما يعرض لها البرد ابتداء في هذه السنّ، ولمّا كانت تتولّد في أبدانهم فضول كثيرة غليظة وكانت مع ذلك القوّة فيهم ضعيفة صار يتولّد في كلاهم السدد كثيراً وربّما تولّد فيها الحصى إذا اجتمع هناك فضل لزج أو غليظ فيبقى حتّى يتحجّر ويصلب. فأمّا أوجاع المفاصل فربّما عرضت لهم من فضول تجلب إليها وربّما عرض لهم من برد الآلات المحركة لها. فأمّا الدوار فربّما أخذته لهم رياح بخارية تستكن في نفس الدماغ وتتحرّك فيه حركة مضطربة وربّما أخذته لهم فضول رديئة تجتمع في المعدة فيرتفع منها إلى الرأس بخار غليظ. وأمّا السكات فما أرى أنّ بي حاجة إلى ذكره، لأنّه ليس من الأمراض مرض أخصّ بسنّ المشائخ منه لأنّ أدمغتهم تمتلئ فضولاً بلغمية.
وإن حدث في موضع من بدن الشيخ قرحة عسر برؤها لقلّة الدم فيه وممّا يعرض للشيخ أنّه يحتك دائماً لأنّ الفضول المولدة للحكّة فيه يعسر نفوذها من الجلد واستفراغها. وذلك أنّ الجلد أحرى بأن يكون أشدّ تكاثفاً لغلبة البرد والفضول أيضاً في بدن الشيخ أكثر وأغلظ وكثير من المشائخ. فإنّي لا أقول كلّهم يسهرون كثيراً وذلك لسببين أحدهما أنّ الشيخوخة تورث هموماً والآخر يبس بدن الشيخ، ولذلك إنّما يعرض السهر للشيخ أصحّ ما يكون بدناً. وقد قلنا في كتاب المزاج وبيّنّا أنّ نفس أعضاء البدن في الشيخوخة تكون أخفّ، إلّا أنّه يجتمع فيها فضول كثيرة بلغمية. ولذلك ظنّ كثير من الناس أنّ الشيخ بارد رطب. ففي الوقت الذي تجتمع فيه من هذه الفضول في الدماغ شيء كثير يكون الشيخ أكثر نوماً، وفي الوقت الذي تنتقص فيه تلك الفضول على ما ينبغي يقلّ نومه ويسهر. وإنّما يعرض للشيخ أن يكون تولّد هذه الفضول فيه أقلّ وخروجها وانتفاضها أسرع في الوقت الذي يكون فيه على أصحّ ما يكون بدناً،

ولذلك يقال إنّ السهر من أخصّ الأعراض لسنّ المشائخ. وأمّا رطوبة العينين والمنخرين في الشيخ فبيّن أنّ سببهما كثرة فضول الدماغ. وإذا انحدرت تلك الفضول إلى البطن فكثيراً ما يلين. وأمّا ظلمة البصر وثقل السمع فيحدثان للمشائخ لضعف القوّة الحساسة. وأمّا الزرقة فلإفراط يبس آلات البصر ولأنّ هذا الجنس من الزرقة إنّما هو صنف من الماء المتولّد في العين.

[E5] تمّت المقالة الثالثة من تفسير جالينوس لفصول بقراط نقل حنين بن إسحاق المتطبّب وصلى اللّه على محمّد وآله.

[E7] انقضت المقالة الثالثة من كتاب الفصول لأبقراط شرح جالينوس وترجمة حنين بن اسحق المتطبّب بحمد اللّه وعونه.

بسم اللّه الرحمن الرحيم عونك يا ربّ

المقالة الرابعة من تقسير جالينوس لفصول بقراط تفسير جالينوس ونقل حنين بن إسحاق

قال أبقراط: ينبغي أن تسقى الحامل الدواء إذا كانت الأخلاط في بدنها هائجة منذ يأتي على الجنين أربعة أشهر وإلى أن يأتي عليه سبعة أشهر ويكون التقدّم على هذا أقلّ، وأمّا ما كان أصغر من ذلك أو أكبر منه فينبغي أن يتوقّى عليه.

قال جالينوس: إنّ اتّصال الجنين بالرحم على مثال اتّصال الثمار بالشجر.

فإنّ الثمار في أوّل تولّدها تكون اتّصالها بمعاليق ضعيفة، ولذلك قد يسرع إليها الانتثار إذا هبّت ريح عاصفة فحركتها حركة شديدة. فإذا تمّت كان اتّصالها بشجرها أقوى وأبعد من الانهتاك، فإذا استكملت وتمّت انتثرت من غير إزعاج شيء يزعجها من خارج. وعلى هذا المثال أيضاً فإنّ الجنين في أوّل أمره عند وقوع المني في الرحم يكون اتّصاله به ضعيفاً، فإن عرض للمرأة أن تثب أو تزلق فتسقط أو تتحرّك بغير ذلك بضرب من الضروب كحركة فيها بعض الشدّة من حركات البدن أو حركات النفس انهتك اتّصال الجنين بالرحم أيضاً سريعاً. وكذلك يكون حاله إذا استكمل وتمّ. وأمّا في مدّة الزمان التي بين الوقتين فاتّصال الجنين بالرحم أوثق وأحرز، فتحتمل عند ذلك الحامل من الحركة ما فيه بعض الشدّة من غير أن ينال الجنين منه ضرر. فلمّا علم أبقراط ذلك قال إنّه ينبغي أن تسقى الحامل الدواء إذا كانت الأخلاط في بدنها هائجة منذ تأتي على الجنين أربعة أشهر وإلى أن تأتي عليه سبعة أشهر، وهذا الوقت الذي حدّه هو الوقت المتوسّط بين أوقات الحمل الذي فيه يكون اتّصال الجنين بالرحم صحيحاً قوياً. وليس يأمر أيضاً أن تسهل كلّ حامل تحتاج إلى الإسهال في هذا الوقت، ولكن إذا كانت الأخلاط هائجة
يعني إذا كانت تحفز وترهق. فإنّ هذه اللفظة أعني هائجة إنّما استعارها أبقراط على طريق التشبيه ممّا يقال في الحيوان الذي يهيج للفساد والترقّ. فإنّ الأخلاط الغالبة في البدن إذا كانت متحرّكة ساعية فيه كلّه، ولم تكن بعد تمكّنت في عضو واحد من أعضائه وثبتت فيه، فأنّ الطبيعة عند ذلك تهيج لقذفها ونفضها وتحتاج إلى معيّن يعينها ويسدّد مسلكها إلى البطن. وأمّا متى كانت الأخلاط ثابتة في عضو من الأعضاء فليس ينبغي أن تحرك. فقد قال أبقراط قولاً ذهب فيه إلى هذا المذهب وهو قوله أنّ من دام أن يستفرغ عضواً وارماً في ابتداء المرض بدواء مسهل لم يستفرغ من الموضع المتمدّد الوارم شيئاً من قبل أنّ العلّة لا تواتي الدواء إذا كانت لم تنضج بعد وأنهك المواضع الصحيحة المقاومة للمرض. وقد اتّفق جميع من فهم كلام أبقراط ولو السير منه أنّ من عادته إذا قال سقى الدواء المطلق أنّه يعني به سقى الدواء المسهل أو المقيء. وليست بنا حاجة إلى ذكر قوله في سائر كتبه إذ كان فيما أتى به في هذا الكتاب من الفصول بعد هذا الفصل دليلاً كافياً على ذلك، فإنّه ليس يمكن أن يكون عنى فيها بهذه اللفظة شيئاً

سوى ما قلنا كما سنبيّن لك ذلك بعد قليل.

قال أبقراط: إنّما ينبغي أن يسقى من الدواء ما يستفرغ من البدن النوع الذي إذا استفرغ من تلقاء نفسه نفع استفراغه، فأمّا ما كان أستفراغه على خلاف ذلك فينبغي أن تقطعه.

قال جالينوس: يقال إنّ الشيء يستفرغ من تلقاء نفسه من البدن إذا كان استفراغه يكون من غير أن يكون الطبيب فعل شيئاً، وربّما كان ذلك من قبل أنّ الطبيعة التي تدبّر البدن قذفت ذلك الشيء ونقت البدن منه، وربّما كان من تهييج ذلك الشيء وتلذيعه أو من أنّ الأوعية لا تضبطه ولا تحصره. فإذا كانت الطبيعة هي المفرغة للشيء الفضل انتفع الحيوان باستفراغ ما يستفرغ منه، وإذا كان استفراغ ما يستفرغ على خلاف ذلك وبطريق العرض لم يتبعه انتفاع، وكان ذلك الاستفراغ دليلاً على حال رديئة. فبالواجب أشار أبقراط أن يقتدي بالطبيعة. والاقتداء بها يكون

بأن يروم المستفرغ أن يستفرغ من الأخلاط في كلّ واحد من الأمراض النوم الذي رأى أنّ استفراغه من تلقاء نفسه ينفع. وقد قال فيما تقدّم في ذلك قولاً عامًّا حين قال «وكذلك خلاء العروق فإنّها إن خلت من النوع الذي ينبغي أن يخلو منه نفع ذلك وسهل احتماله». وأمّا الآن فإنّما جعل كلامه في الاستفراغ الذي يكون بالدواء فقط، لأنّ غرضه في هذا الموضع من كتابه الكلام في هذا دون غيره. والأجود فيما أحسب أن أتي بالقول في جميع أصناف الاستفراغ من أوّله إلى آخره، أعني الاستفراغ الذي يتلطّف الأطبّاء لاستدعائه من أبدان المرضي. فإنّ هذا الاستفراغ ربّما كان بالأدوية التي ينقى البدن كلّه منها بالقيء ومنها بالإسهال وربّما كان الدواء إنّما يستفرغ عضواً واحداً مثل الأدوية التي تستفرغ فضول الرأس من اللهوات أو من المنخرين. والأدوية أيضاً التي تنقي الصدر والرئة بالسعال من جنس ما يخرج الفضول والأدوية التي تخرج الفضلة المائية من البدن كلّه بالبول من هذا الجنس. والكلى أيضاً نوع من هذا، وكلّ علاج غيره
لا يكون استفراغه للبدن كلّه بالسواء كما قد نعلم أنّ فصد العروق يستفرغه وكلّ صنف من أصناف استفراغ الدم على أيّ وجه كان. ومن أصناف هذا الاستفراغ الذي يكون من الرحم والاستفراغ الذي يكون بانفتاح أفواه العروق التي تنفتح أسفل، والاستفراغ الذي يكون بالرياضة وبالدلك وبكلّ حركة وبالتكميد وبالاستحمام بالماء الحارّ لا سيّما إن كان في الماء قوّة بورقية أو كبريتية أو قفرية وبطريق العرض الامتناع من الطعام. فإنّ جميع هذه الأصناف من الاستفراغ قد يظنّ أنّها تستفرغ البدن كلّه بالسواء على أنّه إن استقصى البحث عنها وجدت لا تستفرغ البدن كلّه بالسواء إلّا أنّ هذه الأصناف لما كان التفاضل فيها في مقدار ما يستفرغ من الواحد على الآخر يسيراً قيل إنّها يستفرغ البدن بالسواء. وأمّا الأدوية المسهلة والمقيئة فالأمر فيها بيّن أنّ النوع من الاستفراغ الذي يفعله الواحد منها مخالف للنوع الذي يفعله الآخر، وكلام أبقراط في هذا الموضع كما قلنا إنّما هو في هذا الصنف من الاستفراغ. وليس يخبر فيه شيء فضل على ما خبّر به في جميع الاستفراغ. فإنّ الغرض في كلّ استفراغ إنّما هو واحد وهو القصد للخلط الغالب على البدن، وقد ينبغي أن يلتمس تعرّفه
من اللون الذي يظهر في البدن كلّه في كلّ واحدة من أحواله ومن الأعراض ومن الأمراض الحادثة فيه ومن وقت السنة والبلد والسنّ ومزاج الهواء في الوقت الحاضر وطبيعة المريض وعمله وتدبيره. مثال ذلك أنّه إن كان في المثل لون البدن قد مال إلى الصفرة مثل ما يعرض في أصحاب اليرقان وكانت المرّة الصفراء لا تنحدر مع البراز وكانت قد حدثت في البدن كلّه بثور ممّا تولد المرّة الصفراء وكان قد حدث في عضو من البدن حادث على هذا الطريق مثل أن يعرض في المعدة لذع وحرقة وكرب وذهاب الشهوة وعطش ومراره في الفم أو حدث في بعض الأعضاء الورم الذي يقال له الحمرة أو عرض لذلك الانسان حمّى غبّة أو حمّى محرقة. فإنّ هذه الأشياء كلّها تدلّ على غلبة المرّة الصفراء ولذلك ينبغي أن يلتمس استفراغها بالأدوية التي يستفرغها. وهذا هو معنى ما قال أبقراط حين قال «إن كان ما يستفرغ من البدن من النوع الذي ينبغي أن ينقى منه البدن». فإنّ النوع الذي ينبغي أن ينقى منه البدن إنّما هو الخلط الغالب المؤذي للمريض بكيفيته، ومن أجل ذلك
قال إنّ هذا الاستفراغ ينفع، إلّا أنّه قال لمّا كان كلّ حرس مغرب قد يعرض فيه الخطأ عند العمل في الأحايين لأنّ التشابه كما قال أبقراط قد يغلط أفاضل الأطبّاء فضلاً عن أخسّائهم خبّرنا بعلامة أخرى مقرونة بالاستفراغ المحمود وهي سهولة احتمال الاستفراغ وخفية كيما تدعونا هذه العلامة أيضاً إلى الثقة بأنّا قد أصبنا في استفراغنا ما استفرغنا. وما مثّلته لك في المرّة الصفراء فتفهمه في المرّة السوداء. فإنّ المرّة السوداء أيضاً إذا غلبت على البدن مال لون البدن كلّه إلى السواد وكان ما يظهر في البدن من البثور أسود على لون السوداء. والأمراض أيضاً التي تكون من غلبة السوداء تدلّ دلالة بيّنة على كثرتها في البدن مثل الجذام والسرطان. وحمّى الربع أيضاً إنّما تولّدها من المرّة السوداء وعظم الطحال أيضاً واتّساع العروق التي تتّسع وتسود إنّما تكون من المرّة السوداء، وكذلك الوسواس وكلّ اختلاط ذهن يكون مع عصب وأقدام وخبث نفس.
فأمّا أبقراط فقد يستدلّ على الخلط الغالب في البدن في النساء مع ما يستدلّ به من الطمث، وقد وصف الدلالات التي يستدلّ بها منه في المقالة الأولى من كتابه في أوجاع النساء. فمن هذه الدلائل ينبغي أن يستدلّ على غلبة المرّة السوداء في البدن، فإذا نصبنا هذه الأشياء كالأغراض لنا ونظرنا فيها فهناك ينبغي أن يستعمل الاستفراغ. وأمّا الغرض الثاني فينبغي أن نجعله في حال الاستفراغ بسهولته وخفّته على المريض. وما قلته في المرّة الصفراء والسوداء فافهمه في البلغم أيضاً، فإنّ من علامات غلبة البلغم على البدن الأورام الرخوة التي من جنس الترهّل وما يظهر في البدن من جنس الشواء وغيره ممّا لونه إلى البياض ولون البدن كلّه أيضاً إذا كان على لون هذا الخلط والحمّى النائبة في كلّ يوم وأبطأ الذهن والبلادة والكسل والسبات والنعاس وثقل الرأس والجشاء الحامض إذا كثر البلغم في المعدة، فإنّ هذه الدلائل تنبيهك بأنّه ينبغي لك أن تسقي دواء بعض البلغم. فإذا فعلت ذلك واستفرغ البلغم فإنّ سهولة استفراغه وخفّته تشهد على صحّة الاستدلال وصواب ما تقدّم عليه بذلك الاستدلال من الاستفراغ فقد يغنيك على الاستدلال ويقوي رجالي للمنفعة بالاستفراغ سنّ المريض وطبيعته
والوقت الحاضر من السنة وحال الهواء في ذلك الوقت والبلد وما تقدّم من تدبير المريض مع سائر أعماله. وقد علمت أنّ هذه الأشياء كلّها منها ما يزيد في البلغم ومنها ما يزيد في الصفراء ومنها ما يزيد في المرّة السوداء. وجميع هذه الأشياء كما قلنا هي أغراض ينظر فيها ويستدلّ بها على الدواء الذي ينبغي أن يسقاه المريض حتّى ينتفض منه الخلط الغالب على بدنه. وفي حال الاستفراغ غرض آخر إمّا أن يشهد لنا على أنّا قد أحسنّا الاستدلال وإمّا أن نكشف خطأنا فيه. فأمّا الذي يشهد بأنّا قد أحسنّا فسهولة الاستفراغ وخفّة البدن به. وأمّا الذي يكشف الخطأ فعسر الاستفراغ والتياث البدن به. وذلك أنّه متى استفرغ الخلط المؤذي احتمل البدن استفراغه وخفّ به. ومتى استفرغ غير الخلط المؤذى فواجب ضرورة أن يعسر احتمال المريض لذلك الاستفراغ وأن يلتاث بدنه . فالشيء كما قلت الذي خبّر به في أوّل هذا الكتاب في فصل واحد حين قال «وكذلك خلاء العروق فإنّها إن خلت من النوع الذي ينبغي أن يخلو منه نفع وسهل احتماله». قاله هاهنا في الاستفراغ حاصّة الذي يكون بالدواء وقسّمه فجمعه في قولين فقال في القول الأوّل أي الاستفراغ هو النافع وقال في القول الذي في بعده إنّ العلامة الصحيحة التي لا تخطئ اللازمة لذلك الاستفراغ هي سهولة احتماله واستقلال البدن به.

وقد وصف أبقراط مثالات كثيرة في الاستفراغ الذي يكون طوعاً من تلقاء نفسه فينفع في كتاب أبيديميا، ووصف أيضاً منها أشياء قليلة في هذا الكتاب منها قوله «إذا كان بإنسان استسقاء فجرى الماء منه في عروقه إلى بطنه كان بذلك انقضاء مرضه». ومنها قوله «إذا كان بإنسان رمد فاعتراه اختلاف فذلك علامة خير». ومنها قوله «إذا كان بإنسان اختلاف مرار فأصابه صمم انقطع عنه ذلك الاختلاف. وإذا كان بإنسان صمم فحدث له اختلاف مرار ذهب عنه الصمم».

قال أبقراط: إنّ استفراغ البدن من النوع الذي ينبغي أن ينقى منه نفع ذلك واحتمل بسهولة، وإن كان الأمر على ضدّ ذلك كان الأمر عسراً.

قال جالينوس: قد فسّرت هذا الفصل قبل في تفسير في الفصل الذي قبله، وقد وجدنا هذا الفصل أيضاً مكتوباً في موضع آخر من هذا الكتاب قبل هذا الموضع بهذا اللفظ بعينه، ولذلك قد يسقطه قوم من هذا الموضع.

قال أبقراط: ينبغي أن يكون ما يستعمل من الاستفراغ بالدواء في الصيف من فوق أكثر وفي الشتاء من أسفل.

قال جالينوس: ينبغي أن يفهم من قوله الاستفراغ من فوق ومن أسفل استفراغ البطن. أمّا من فوق فبالقيء، وأمّأ من أسفل فبالإسهال. وبالواجب أمر أن يستعمل في الصيف الاستفراغ من فوق، لأنّ الغالب في ذلك الوقت إنّما هو المرّة الصفراء وبالجملة فإنّ طبيعة البدن كلّها لما يحيط بها من حرارة الجوهر فأن تحرك إلى فوق أولى. وينبغي أن يخرج كلّ واحد من الفضول من الناحية التي هو إليها أميل من المواضع التي تصلح لاستفراغه كما قال بقراط في كتاب الأخلاط. وأمّأ زيادته في قوله في هذا الفصل أكثر. وتركه الاقتصار على أنّ يقول «ينبغي أن يكون ما يستعمل من الاستفراغ بالدواء في الصيف من فوق» و«في الشتاء من أسفل». فلأنّه وإن كان ليس يعرض كثيراً أن يكون الغالب في البدن في الصيف المرّة السوداء وفي الشتاء الصفراء المرّة الصفراء فإنّ ذلك قد نراه يعرض في الندرة.

قال أبقراط: بعد طلوع الشعرى العبور وفي وقت طلوعها وقبله يعسر الاستفراغ بالأدوية.

قال جالينوس: ذلك لأنّ طبيعة البدن تكون في ذلك الوقت قد حمّيت فلا تحتمل حدّة الأدوية المسهلة والمقيئة، ولذلك كثير ممّن يسقى دواء الاستفراغ في ذلك الوقت يحمّ لأنّ القوّة تضعف في ذلك الوقت لشدّة الحرّ فيزيدها الاستفراغ بالدواء ضعفاً واسترخاءً. ولأنّ نفس الاستفراغ أيضاً يكون عسراً رديئاً لأنّ حرارة الجوّ تجاذب الدواء المستفرغ للأخلاط إلى ظاهر البدن. فكما أنّ الاستحمام بالماء الحارّ يقاوم الاستفراغ بالدواء ويقطعه، كذلك حرارة الصيف وخاصّة في الوقت الذي يكون فيه أشدّ حرًّا.

قال أبقرلط: من كان قضيف البدن وكان القيء يسهل عليه فاجعل استفراغك إياه بالدواء من فوق وتوقّ أن تفعل ذلك فى الشتاء.

قال جالينوس: ينبغي أن يزاد في هذا القول أيضاً ما قيل في القول الذي قبل قبيل وهو «أكثر» حتّى يكون على هذا المثال «من كان قضيف البدن وكان القيء يسهل عليه فاجعل استفراغك إياه بالدواء من فوق أكثر»، لأنّ القضيف في أكثر الأمر تغلب عليه المرّة الصفراء فإن كان مع ذلك يسهل عليه القيء فينبغي أن يكون ما يسقيه من الدواء يستفرغه من فوق إلّأ أن يمنع من ذلك الشتاء فقد تقدر. فقال إنّه ينبغي أن يكون ما يستعمل من الاستفراغ بالدواء في الصيف من فوق أكثر وفي الشتاء أسفل.

قال أبقرلط: فأمّا من كان يعسر عليه القيء وكان من حسن اللحم على حال متوسّطة فاجعل استفراغك إيّاه بالدواء من أسفل وتوقّ أن تفعل ذلك في الصيف.

قال جالينوس: من كان يسهل عليه القيء وكان قضيف البدن فينبغي أن يكون استفراغه بالدواء من فوق إلّا أن يكون الوقت شتاء، يعني أن يكون استفراغه بالقيء في الصيف والخريف والربيع. ومن كان يعسر عليه القيء وكانت حاله في جنس اللحم حالاً متوسّطة فينبغي أن يجعل استفراغه بالدواء من أسفل، فإن احتاج إلى الاستفراغ من فوق فينبغي أن يفعل ذلك في الصيف فقط. وأمّا في غيره من أوقات السنة فينبغي أن يحذره.

قال أبقراط: فأمّا أصحاب السلّ فإذا استفرغتهم بالدواء فاحذر أن تستفرغهم من فوق.

قال جالينوس: احذر في أصحاب السلّ أن تستعمل في وقت من الأوقات لهم من الدواء ما يستفرغ من فوق لضعف آلات النفس فيهم. وينبغي أن يفهم من قوله أصحاب السلّ إمّأ الذين قد وقعوا في هذا المرض أعني السلّ وإمّا الذين ابدانهم متهيّئة مستعدّة للوقوع فيه، وهم الذين قال فيهم في المقالة الأولى من كتاب افيديميا إنّ أكثر من كان يموت من كانت طبيعته مائلة إلى السلّ، والذي هو كذلك هو من كان صدره ضيقاً وإذا كان الصدر كذلك فالرئة محصورة فيه ضيقة المجاري.

قال أبقراط: وأمّا من الغالب عليه المرّة السوداء فينبغي أن تستفرغه إيّاها من أسفل بدواء أغلظ إذ تضيف الضدّين إلى قياس واحد.

قال جالينوس: يعني أنّه ينبغي أن يستفرغ بدن من غلبت عليه المرّة السوداء بدواء يسهل البطن ممّا عمله في السوداء خاصّة. وأمّا قوله «بدواء أغلظ» فعنى به «بدواء أقوى» لأنّ المرّة السوداء لثقلها بطيئاً ما تواتي الدواء المسهل. ولأنّها بثقلها تميل إلى أسفل. فبالواجب أمر أن يكون استفراغها من أسفل بإسهال البطن، كما أمر أن يكون استفراغ الصفراء من فوق بالقيء لأنّ الصفراء خفيفة تطفو كثيراً من تلقاء نفسها حتّى تصير في رأس المعدة. فالأمر العامّ للاستفراغين هو استخراجنا الشيء من الموضع الذي يميل إليه من الموضع الذي يصلح لاستفراغه والأمر الخاصّ لكلّ واحد منهما. أمّا الواحد منهما فأن يجعله من فوق لأنّ ذلك الخلط ميله إلى فوق، وأمّا الآخر فأن يجعله من أسفل لأنّ ميل ذلك الخلط إلى أسفل. فالاستفراغ من فوق ضدّ الاستفرغ من أسفل وكلّاهما يكونان بقياس واحد يعمّهما، ولذلك بالواجب قال أبقراط «إذ تضيف الضدّين إلى قياس واحد».

قال أبقراط: ينبغي أن يستعمل دواء الاستفراغ فى الأمراض الحادّة جدّاً إذا كانت الأخلاط هائجة منذ أوّل يوم فإنّ تأخيره في مثل هذه الأمراض رديء.

قال جالينوس: قد قلت فيما تقدّم إنّ هذه اللفظة التي يستعملها أبقراط على الأخلاط وهي قوله «هائجة» إنّما استعارها على طريق التشبيه ممّا يقال في الحيوان الذي يتحرّك حركة سريعة لاستعمال السفاد والبزر لأنّه تهيج منه شهوة طبيعية لاستفراغ بزره. وقد بيّنت في كتابي في المني أنّ الأنثى قد تنبعث منها البزر كما ينبعث من الذكر. فإذا هاجت في البدن كلّه حركة للطبيعة شبيهة بهذه الحركة لقذف الفضول أو إن لم تهج في البدن كلّه وكانت خاصّة في أشرف أعضائه، فإنّ أبقراط سمّى ذلك هيجاناً. ويأمر أن يبادر باستفراغ الأخلاط الهائجة من قبل أن تضعف القوّة أو تتزيّد حرارة الحمّى أو تصير تلك الأخلاط المتحيّرة في البدن إلى عضو من الأعضاء الشريفة فتتمكّن فيه. وبين أنّ الأمراض التي سمّاها أبقراط في هذا الموضع حادّة جدّاً هي التي ذكرها قبل. وقلت فيها إنّ حدّ البحران فيها الأسبوع الأوّل.

قال أبقراط: من كان به مغص وأوجاع حول السرّة ووجع في القطن دائم لا ينحلّ بدواء مسهل ولا بغيره فإنّ أمره يؤول إلى الاستسقاء اليابس.

قال جالينوس: أمّا المغص فقد يكون من تلذيع شديد ويكون من ريح غليظة نافخة لا منفذ لها لكنّها منحضرة في لفائف الأمعاء، وبيّن أنّ الأوجاع أيضاً إنّما تكون من أشباه هذه الحالات. لكنّها إذا ثبتت فيما حول السرّة وأسفل الصلب ثمّ لم تنحلّ بالدواء المسهل ولا بغيره من العلاج فإنّ في الأعضاء التي هناك مزاج رديء قد استولى عليها وتمكّن منها، وذلك المزاج في أكثر الأمر إذا طال أمره، وإنّ من أحدث النوع من الاستسقاء الذي سمّاه أبقراط الاستسقاء اليابس. وقد سمّى هذا النوع من الاستسقاء من أتى بعد أبقراط من الأطبّاء الاستسقاء الطبلي، لأنّه إذا فرغ البطن في هذه العلّة جاء منه صوت شبيه بصوت الطبل. وعلّة ذلك الصوت في هذه العلّة وفي الطبول واحدة لأنّه إنّما يكون في الطبول بفرغ الهواء من وراء جلد متمدّد،

وكذلك يكون في هذا الصنف من الاستسقاء، وإنّما يعدّ أبقراط هذه العلّة من أصناف الماء ويسمّيها باسمه من قبل تشابهها في انتفاخ البطن وعظمه، إلّا أنّ في هذه العلّة في البطن رطوبة كما في الاستسقاء الذي الشيء المجتمع فيه في البطن ليس هو هواء غليظ لكن رطوبة مائية. ويشبه أن يكون الاستسقاء المائي يتولّد من برد أزبد وأقوى وهو الذي يسمّونه الزقّي، لأنّ الماء فيه محضور في جوف الغشاء الممدّد على البطن الذي يسمّيه اليونانييون فاريطوناون كالماء المحضور في الزقّ، ويكون الاستسقاء الطبل يتولّد من برد أقلّ وأضعف. وذلك أنّ الرطوبة لا يمكن أن تستحيل فتصير هواء غليظاً من غير حرارة.

قال أبقراط: من كان به زلق الأمعاء فى الشتاء فاستفراغه بالدواء من فوق رديء.

قال جالينوس: إذا خرج ما يؤكل خروجاً سريعاً وهو بالحال التي كان عليها في وقت ما ازدرد فإنّهم يسمّون هذه العلّة زلق الأمعاء.

وقد تكون هذه العلّة من ضعف القوّة الماسكة، وضعف هذه القوّة يكون من مزاج رديء يغلب على جميع آلات البطن، أعني المعدة نفسها وهي الموضع الذي يصير إليه الطعام إذا ازدرد والأمعاء وهي المواضع التي ينفذ إليها الطعام بعد انحراره من المعدة وينفذ فيها. وقد يكون زلق الأمعاء من تقرّح يكون في ظاهر سطح المعدة والأمعاء شبيه بالتقرّح الذي يعرض في الفم الذي يسمّى القلاع. والمزاج الرديء ربّما كان قد استولى على تلك الأعضاء أنفسها وتمكّن فيها وربّما كان حادثاً فيها من بلغم بارد قد اجتمع فيها مثل البلغم الحامض خاصّة. وأمّا التقرّح الذي يكون في سطح المعدة والأمعاء فشبيه كيموس حادّ لطيف. وهذا الكيموس وإن كان محتاجاً إلى أن يستفرغ من فوق لأنّه أميل إلى أن يطفو من أن يرسب إلى أسفل، إلّا أنّه في الشتاء لا يحتاج إلى ذلك كما قلت قبل. وأمّا الكيموس الآخر البلغمي إذا كان لاصقاً راسخاً في الأمعاء فليس يحتاج في وقت من الأوقات إلى الاستفراغ من فوق، أعني الاستفراغ بالدواء المقيئ، لأنّ الذي يمكن أن يخرج في القيء ما كان في المعدة فقط.

فأمّأ ما كان محتبساً في الأمعاء فليس يمكن أن يستفرغ منه شيء بالقيء.

قال أبقراط: من احتاج إلي أن يسقى الخربق وكان استفراغه من فوق لا يؤاتيه بسهولة فينبغي أن يرطب بدنه من قبل إسقائه إيّاه بغذاء أكثر وبالراحة.

قال جالينوس: ينبغي أن تتقدّم فتبلو طبيعة من تهمّ بإسقائه الخربق كيف سهولة الاستفراغ من فوق عليه، أعني الاستفراغ بالقيء. ولتكن تلك التجربة بالأدوية المقيئة الليّنة. فإن وجدته لا يؤاتيه القيء بسهولة فلا ينبغي أن تسقيه الخربق حتّى تتقدّم فتهيّئ بدنه و وتعدّه لما تريد من استفراغه به. وذلك يكون بسببين أحدهما مداومة القيء حتّى يتعوّد ذلك الذي تريد إسقاءه الخربق أن يؤاتيه القيء بسهولة، إلّا أنّ أبقراط لم يذكر هذا لأنّه أمر يسير يعرفه كلّ أحد.

والشيء الآخر وهو الأفضل أن تتقدّم فترطب البدن وترطيبه يكون بغذاء أكثر وبالراحة. فأمّا أمر الراحة فبيّن، لأنّه كما أنّ الرياضة من شأنها أن تجفّف البدن كذلك الراحة أعني السكون والخفض وترك الرياضة من شأنها أن تحفظ الرطوبات. وأمّا الغذاء فليس الأكثر منه مطلق من شأنه أن يرطب، لكن ما كان منه خلواً من كلّ طعم قوي، أعني ألّا يكون عفصاً ولا حريفاً ولا مالحاً ولا مرًّا. ولعلّه لا ينبغي أن يسمّى ما كان كذلك غذاء بقول مطلق لكن ينبغي أن يسمّى غذاء دوائياً فيكون الغذاء مطلقاً وحده دون سائر الأشياء كلّها يرطب أعضاء البدن الأصلية بطبيعته لا يعرض فأنّ الراحة ليس تفعل ذلك بذاتها لكنّها إنّما تفعل ذلك يعرض. وذلك أنّه إنّما يقال إنّ الراحة ترطب لأنّها لا تجفّف الرطوبة المتولّدة من الغذاء. فأمّا الماء فلا إن شرب ولا إن لقي البدن من خارج من شأنه أن يرطب أعضاء البدن الأصلية أنفسها. وتقدر أن تختبر علم هذه الأشياء على التمام إن نظرت في كتابنا في قوى الطبيعية وفي كتابنا في الذبول.

قال أبقراط: إذا سقيت إنساناً خربقاً فليكن قصدك لتحريك بدنه أكثر ولتنويمه وتسكينه أقلّ، وقد يدلّ ركوب السفن على أنّ الحركة تثور الأبدان.

قال جالينوس: قد خبّر أبقراط بالعلّة التي من أجلها أمر أن يحرك بدن المتناول للخربق، وهي أنّ السكون يبقي البدن على حاله والحركة تحيله وتغيّره، كما يدلّ المسير في السفن، وذلك أنّ المسير في السفن حركة وهي تثور الأبدان حتّى تهيجها إلى القيء. فإذا كانت هذه الحركة كافية وحدها في تهييج البدن إلى القيء فبالحري أن تكون أقوى على ذلك كثيراً إذا اجتمعت مع الدواء المقيء. وقد يوجد في بعض النسخ مكان الاسم الدالّ على ركوب السفن والسير فيها وهو نوتيليا اسم فريب منه في اللفظ وهو نوتيا، ومعناه الغثيان والتهوّع فيكون معنى هذا القول على ما في تلك النسخة على هذا المثال: وقد يدلّ الغثيان والتهوّع إذ كان يتبع حركات البدن الشديدة أنّ الحركة تثوره.

وبيّن أنّ هذا القول والقول الأوّل في المعنى واحد.

قال أبقراط: إذا أردت أن يكون استفراغ الخربق أكثر فحرّك البدن، وإذا أردت أن تسكنه فنوّم الشارب له ولا تحرّكه.

قال جالينوس: أمّا الفصل الأوّل فخبّر فيه كيف ينبغي أن يهيّئ بدن الشارب للخربق للاستفراغ به. وأمّا هذا الفصل فخبّر فيه كيف ينبغي أن تسكن الاستفراغ إذا بلغ منه إلى مقدار الحاجة. وواجب أن يكون إضداد الأشياء المهيجة للقيء مسكنة له. فإذا كانت الحركات تهيج الاستفراغ فالسكون يسكنه ويعظمه. وأكثر من السكون كثيراً النوم إذ كان يحدث هدوء للحركات النفسانية التي تكون بالحواسّ وبالعضلات في الحركات الإرادية.

قال أبقراط: شرب الخربق خطر لمن كان لحمه صحيحاً، وذلك أنّه يحدث تشنّجاً.

قال جالينوس: الشيء الذي قاله أبفراط فيما تقدّم بالجملة في كلّ تنقية تكون بالدواء، قاله الآن في التنقية التي تكون بالخربق مفردة، فقد يمكن أن يتّصل هذان الفصلان على هذا المثال: من كان بدنه صحيحاً فاستعمال الدواء فيه يعسر. فقد نجد أنّ «شرب الخربق لمن كان لحمه صحيحاً خطر، وذلك أنّه يحدث تشنّجاً». فإنّ للخربق خاصّة إحداث التشنّج لشدّة فعله.

قال أبقراط: من لم تكن به حمّى وكان به امتناع من الطعام ونخس الفؤاد وسدر ومرارة في الفم فذلك يدلّ على استفراغه بالدواء من فوق.

قال جالينوس: أمّا الامتناع من الطعام فهو ذهاب الشهوة وبطلانها. وأمّا نخس الفواد فهو لذع الفواد، أعني بالفواد فم المعدة. فإنّ القدماء كانوا يسمّون هذا العضو أيضاً فواداً. وأمّا السدد فهو أن يتخيّل إلى الانسان أنّ ما يراه يدور حوله ويعقد حسّ البصر بغتة حتّى يظنّ أنّه قد غشيت جميع ما يراه ظلمة. وهذه الأعراض تكون إذا كانت في هم المعدة أخلاط رديئة تلذعه. وذلك أنّه ينحدر إليه من الدماغ عصب عظيم فإذا نالته آفة دخل بسببها الضرر على أفعال النفس. وهذه الأعراض هي عامّية لجميع الأخلاط التي من شأنها التلذيع. فأمّا مرارة الفم فهو عرض خاصّ للمرّة التي تسمّى الصفراء والحمراء دون غيرها. ولذلك قد أحسن أبقراط في قوله أنّ ظهور هذه الأعراض تدلّ على الاستفراغ بالدواء من فوق. وهذا الكلام إذا شرح كانت عبارته على هذا المثال: أنّ هذه الأعراض التي ذكرت تدلّ الطبيب أنّ ذلك البدن الذي ظهرت فيه يحتاج إلى الاستفراغ بالدواء من فوق، أعني بالقيء.

قال أبقراط: الأوجاع التي فوق الحجاب تدلّ على الاستفراغ بالدواء من فوق، والأوجاع التي من أسفل الحجاب تدلّ على الاستفراغ بالدواء من أسفل.

قال جالينوس: هذا الفصل يخبّر بالشيء الذي وصفناه في وجع واحد في الفصل الذي قبل هذا وهو وجع فم المعدة في جميع الأوجاع، وهو أنّ ما كان من الأوجاع فوق الحجاب ممّا يحتاج إلى الاستفراغ بالدواء فينبغي أن يكون استفراغه به من فوق، وما كان من الأوجاع من أسفل الحجاب ممّا يحتاج إلى الاستفراغ بالدواء فينبغي أن يكون استفراغه به من أسفل. وإنّما زدت في قولي ممّا يحتاج إلى الاستفراغ بالدواء لئلّا يظنّ ظانّ أنّ أبقراط يداوي جميع الأوجاع بالاستفراغ بالدواء. فإنّه لم يعن هذا وإنّما عنى أنّه ينبغي على حسب ميل الأخلاط المؤذية أن يجعل استفراغها وأن لا يعالج الأوجاع التي فوق الحجاب بالأدوية المسهلة ولا الأوجاع التي فيما دونه بأدوية القيء.

قال أبقراط: من شرب دواء الاستفراغ فاستفرغ ولم يعطش فليس ينقطع عنه الاستفراغ حتّى يعطش.

قال جالينوس: إنّ بعض من يستفرغ بالدواء يسرع إليه العطش، وبعضهم يتأخّر عطشه. وذلك يكون من قبل حال المعدة المتقدّمة ومن قبل الدواء الذي يشرب ومن قبل طبيعة الخلط الذي يستفرغ. أمّأ من قبل حال المعدة فيسرع العطش إلى صاحبها عند الاستفراغ بالدواء إمّأ من قبل حرارتها وإمّا من قبل يبسها وإمّأ من قبلهما جميعاً كان ذلك للشارب للدواء بالطبع أو كان إنّما حدث له في ذلك الوقت. وأمّا من قبل نفس الدواء فإذا كان حادّاً لذّاعاً حارّاً. وأمّا من قبل الخلط المستفرغ فإذا كان مرّة صفراء. فمن قبل هذه الأسباب يعطش شارب الدواء المستفرغ، ومن قبل أضدادها يبقى مدّة طويلة قبل أن يصيبه العطش، أعني إمّا إذا كانت معدة الشارب للدواء أبرد وأرطب إمّا منذ أوّل أمره أو في وقت شربه للدواء وإمّا إذا كان الدواء الذي يشرب غير حادّ ولا لذّاع

وإمّأ إذا كان الخلط المستفرغ بلغمياً أو مائياً، إلّا أنّ من تأخّر عطشه إذا استفرغ استفراغاً كثيراً تبع ذلك عطش. فقد يكفي اليبس العارض من الاستفراغ أن يحدث عطشاً. وقد يعيّن ذلك قوّة الدواء المستفرغ إذا كان لا يخلو وإن لم تكن معه حدّة ولا حرارة بيّنة أن يكون معه من ذلك شيئاً خفيفاً.

قال أبقراط: من لم تكن به حمّى وأصابه مغص وثقل فى الركبتين ووجع فى القطن فذلك يدلّ على أنّه يحتاج إلى الاستفراغ بالدواء من أسفل.

قال جالينوس: كما خبّر أبقراط قبيل بعلامات من يحتاج إلى الاستفراغ بالدواء من فوق، كذلك خبّر الآن بالعلامات التي تتعرّف بها حال من يحتاج إلى الاستفراغ من أسفل. والقياس فيهما قياس واحد عامّ على أعراض مختلفة. وذلك أنّه ينبغي على حسب ميل الأخلاط المؤذية أن يكون استفراغها.

قال أبقراط: البراز الأسود الشبيه بالدم الآتي من تلقاء نفسه كان مع حمّى أو من غير حمّى فهو من أردأ العلامات، وكلّما كانت الألوان في البراز أردأ كانت تلك علامة أردأ، فإذا كان ذلك مع شرب دواء كانت تلك علامة أحمد، وكلّما كانت تلك الألوان في البراز أكثر كان ذلك أبعد من الرداءة.

قال جالينوس: إنّ كلام أبقراط في هذا الموضع في البراز الذي كانت تسمّيه القدماء البراز الأسود. وليس هو بالصحّة مرّة سوداء، لأنّه ليس معه بعد ما مع المرّة السوداء من الحدّة والتأكّل والحضومة الخلية، وهو من أن تغلى منه الأرض إذا صبّ عليها بعد كثيراً، لكنّه بمنزلة عكر الدم وثقله مثل العكر الذي يرسب في الخمر الثخين إذا سكن الذي يسمّى الدردي، ومن شبه حاله بحاله كان قد عبر عنها تعبيراً بيّناً. فإذا طال لبث هذا العكر في البدن ولم يخرج منه بنوع من أنواع ما ينبعث انبعاثاً محسوساً أو يتحلّل التحلّل الذي يخفي عن الحسّ لكن بقي حتّى يستحيل ويعفن، تولّدت منه المرّة السوداء الصحيحة. ومن قبل

تولّد هذه السوداء الصحيحة فإنّ الطحال قد يجتذب هذا العكر من الدم ويبقى الكبد منه كما بيّنت في كتابي في القوى الطبيعية. وقد يصرف الطحال هذا الخلط في غذائه ثمّ يرفع جميع ما يتولّد منه من الفضل إلى المعدة ليستفرغ مع سائر فضولها. فإن اتّفق في وقت من الأوقات ألّا يكون الطحال ينقي الكبد على ما ينبغي من هذا العكر وأن يكون الدم الذي في الكبد فيه من هذا العكر شيء كثير وأن يضعف الكبد حتّى لا تمسك فضلها فيها عند ذلك يخرج البراز الأسود الذي كلام أبقراط الآن فيه. وأمّا زيادته في قوله «الشبيه بالدم» فأراد أن يدلّ به على أنّ البراز الأسود هو بالحال التي يصير عليها الدم إذا أسود في انحداره في الأمعاء. فإنّ الظنّ بأنّ البراز الأسود يشبه الدم الذي حاله الحال الطبيعية من غاية الرعونة، لأنّ من ظنّ ذلك فقد ظنّ أنّ البراز الواحد بعينه يكون أحمر وأسود في حال واحدة. ومن المحال أن يكون شيء واحد في حال واحدة أحمر وأسود.
وقد رأينا في هذا الوباء الذي قد طال قوماً كثيرين خرج منهم مثل هذا البراز ولم يكن من هلك منهم بأكثر ممّن سلم، إلّا أنّه لم ير هذا البراز فيه في أوّل المرض ولا في تزيّده فسلم صاحبه. والذي رأيناه فيه في أصحاب الأمراض السليمة من البراز في أوّلها وتزيّدها أشياء كانت تذوب من البدن بعضها لونها اللون الأحمر الناصع وبعضها لونه اللون الأصفر المشبّع. فأمّأ البراز الأسود الذي يظهر في آخر الأمر الذي هو بمنزلة ثقل الدم فيتولّد إمّا من غبلته الاحتراق عليه وإمّا من عفونة منكرة تعرض له بمنزلة الفساد الذي يعرض للطعام في المعدة إذا لم يكن ينهضم فإنّ فساده إلى أخلاط رديئة. ولذلك إذا ظهر هذا البراز الأسود في أوّل المرض فليس يدلّ في حال من الأحوال على خير لأنّه يدلّ على أنّه قد حدثت في الكبد آفة عظيمة. وأمّا إذا ظهر بعد أن ينتهي المرض منتهاه فكثيراً ما يدلّ على خير إذا كان ظهوره إنّما هو بدفع الطبيعة الفضول وتنقيتها للبدن منها، إلّا أنّ أبقراط لم يستثن هذا في هذا الفصل على أنّه قد قال في موضع آخر قولاً كلّياً إنّ الأشياء التي يكون بها البحران إلى الحال التي هي أفضل لا ينبغي أن تظهر بديئاً. وقال في هذا الفصل الذي بعد هذا قولاً جزئياً وهو هذا أيّ مرض خرجت في ابتدائه المرّة السوداء

من أسفل أو من فوق فذلك علامة دالّة على الموت. ولعلّ أبقراط رأى أنّه بقوله «الآتي من تلقاء نفسه» قد بلغ في العبارة عن المعنى الذي قصد إليه. وذلك أنّ هذه اللفظة أعني الآتي تدلّ على طول المدّة حتّى يكون ذلك البراز يأتي في مدّة المرض كلّه أو في أكثرها. فلو كان إنّما أراد أن يدلّ على وقت واحد من أوقات المرض لكان قد قال لا محالة إذا ظهر أو إذا جاء ولم يكن ليقول الآتي من تلقاء نفسه. فإنّ قوله الآتي مساو لقولهه الجائي لا لقوله إذا جاء. فأمّا متى سقي إنسان دواء يستفرغ الخلط الأسود فليس بمنكر أن يخرج منه برازاً أسود. وكذلك الألوان الكثيرة الخارجة من الطبيعة التي تظهر في البراز إذا كان استفراغه من تلقاء نفسه دلّت على حالات كثيرة في البدن رديئة. وإذا كان استفراغه بدواء من شأنه أن يستفرغ أنواعاً كثيرة من الأخلاط فليس يدلّ ذلك على مكروه.

قال أبقراط: ايّ مرض خرجت فى ابتدائه المرّة السوداء من أسفل أو من فوق فذلك منه علامة دالّة على الموت.

قال جالينوس: قد فرقت في تفسيري للفصل الذي قبل هذا بين الخلط المقارب للمرّة السوداء وبين المرّة السوداء نفسها الذي كلام أبقراط فيها في هذا الموضع وقد وصفت السبب وصفاً كافياً هناك معما وصفت السبب الذي من قبله صار ظهور هذه الأخلاط في أوّل المرض يدلّ على الهلاك وظهورها بأخرة قد يكون على طريق البحران. وأنا معيد ذلك الآن لأنّ صفة ما الحاجة إليه اضطرارية في الصناعة مراراً كثيرة أجود. فأقول إنّه ما دام المرض في ابتدائه فليس شيء ممّا يبرز من بدن المريض يكون خروجه بحركة من الطبيعة، لكن جميع ما يخرج إنّما خروجه بعرض لازم لحالات في البرز خارجة عن الطبيعة، لأنّه لا يمكن أن يكون في الوقت الذي فيه الطبيعة مثقلة بأسباب المرض ولم ينضج فيه الأخلاط بعد استفراغ شيء ينتفع باستفراغه إذ كان يحتاج في أن يكون البحران الجيّد المحمود أن يتقدّم أوّلاً النضج ثمّ يتبعه التمييز ثمّ يكون بعده الاستفراغ. وقد خبّرنا بذلك أبقراط في المقالة الأولى من كتاب افيديميا حين قال إنّ النضج يدلّ على سرعة البحران وثقة الصحّة. وأمّا الأشياء النية التي لم تنضج التي تؤول إلى خروج رديء فتدلّ إمّا على أنّه لا يكون بحران وإمّأ على أوجاع وإمّأ على طول من مرض

وإمّا على موت وإمّا على عودة من المرض. فإذا كان بعد نضج المرض استفراغ بعض الأخلاط الرديئة فالطبيعة عند ذلك تستفرغ البدن وتنقيه ولذلك صارت المرّة السوداء. وكلّ خلط هو في الرداءة على مثل حالها إذا ظهر في آخر المرض بعد ظهور علامات النضج دلّ على أنّ استفراغ محمود. فإن كان استفراغه على خلاف ذلك أعني أن يكون من غير أن تكون قد ظهرت علامات النضج، فذلك عرض خبيث يدلّ على التلف. فإذا كانت العلامات التي تدلّ على أنّه لم يكن نضج موجود أبداً في أوّل المرض، فاستفراغ هذه الأخلاط فيه رديء دائماً.

قال أبقراط: من كان قد نهكه مرض حادّ أو مزمن أو إسقاط أو غير ذلك ثمّ خرجت منه مرّة سوداء أو بمنزلة الدم الأسود فإنّه يموت من غد ذلك اليوم.

قال جالينوس: معنى قوله في هذا الفصل هو هذا الذي أصف أنّه متى ظهرت المرّة السوداء التي ذكرها في الفصل الذي قبل هذا أو البراز الأسود الشبيه بالدم الذي ذكره في الفصل الذي قبله بعد أن يكون البدن قد بلغ الغاية من الهزال فصاحبه يموت من غد ذلك اليوم الذي يظهر فيه ما يظهر من هذا، لأنّ الطبيعة فيمن هذه حاله تكون قد ضعفت حتّى لا تقدر أن تنضج ولا أن تميّز ولا تستفرغ هذه الأجلاط التي هي من الرداءة على ما هي عليه. فلعظم المرض وتفاقمه تفيض وتنصب إذ ليس شيء يحبسها ولذلك صار استفراغها يدلّ على شدّة الحال وليس يتأخّر الموت إذا كان ذلك كما قد يتأخّر في أمراض أخر وذلك أضعف القوّة. وقد دلّ في هذا الفصل دلالة بيّنة أنّه أراد في الفصل المتقدّم حيث قال إنّ البراز الأسود الشبيه بالدم أن يفهم عنه الشبيه بالدم الأسود حتّى يكون القول التامّ البراز الأسود الشبيه بالدم الأسود. ودلّ أيضاً على أنّا قد أحسنّا في التفرّقة بين البراز الأسود وبين المرّة السوداء، لأنّ البراز الأسود يخرج شبيهاً بالدم الأسود ويخالف ذلك الدم بأنّه ذائب لا جامد مثله. وأمّا المرّة السوداء المخالفة بهذا أعني بأنّها ذائبة غير جامدة

وبأنّ لها مع سوادها بريقاً وبأنّ معها تلذيعاً شبيهاً بتلذيع الخلّ وتنشّ الأرض إذا وقعت عليها ويحدث فيها غلياناً، وليس من ذلك شيء موجود في البراز الأسود.

قال أبقراط: اختلاف الدم إذا كان ابتداؤه من المرّة السوداء فتلك من علامات الموت.

قال جالينوس: إنّ كثيراً ما يكون ابتداء اختلاف الدم من المرّة التي يسمّيها بعض الناس مرّة صفراء وبعضهم حمراء عندما يسحج هذا الخلط أوّلاً الأمعاء بحدّته ثمّ بأخرة يحدث فيها تأكّلاً حتّى يحدث فيها قرحة، وكثيراً ما يبرأ هذا النوع من اختلاف الدم. فأمّا ما كان منه من المرّة السوداء فليس يبرأ، ولا فرق بين علّة الأمعاء فيه وبين السرطان الذي معه قرحة. فإذا كان هذا السرطان إذا حدث في ظاهر البدن إمّأ أن يعسر برءه وإمّا أن لا يبرأ بتّة على أنّه قد يمكن أن يلزم الدواء

دائماً فأحرى ألّا يبرأ ما يعرض منه في الأمعاء إذ كان لا يمكن أن يلزمه ويثبت عليه الدواء دائماً وكان مع ذلك فضول الغذاء تمرّ به دائماً وتلقاءه فيجب من ذلك ألّا يكون له برء بتّة.

قال أبقراط: خروج الدم من فوق كيف كان هو علامة رديئة، وخروجه من أسفل علامة جيّدة إذا خرج منه شيء أسود.

قال جالينوس: قد وصف أبقراط في فصول قبل هذا حال من يخرج منه البراز الأسود. وأمّا في هذا الفصل فوصف حال من يخرج منه الدم من فمه أو من مقعدته، فينبغي أن يفهم عنه في هذا الفصل قوله «من فوق» أنّه يريد من الفم فقط من غير أن يكون يشتمل على خروجه من المنخرين. فقال إنّ الدم الذي يخرج من الفم فخروجه رديء دائماً كيف كانت حال ذلك الدم الذي يخرج، يعني أزبدياً كان أو أحمر مشبعاً أو أحمر قانئاً أو أحمر ناصعاً أو أسود أو رقيقاً مائياً أو ثخيناً، لأنّ خروجه من أسفل أحمد.

وليس خروجه أيضاً من أسفل بمحمود إذا كان كثيراً على طريق الانفجار، لكن إذا تجلّب قليلاً قليلاً حتّى يعرض له بإبطائه في مسلكه أن يسود. وانصباب الدم بالجملة إلى شيء من الأمعاء قد ينبغي أن يتوهّم أنّه رديء لا محالة، إلّا أنّه إذا كان قليلاً كان أحمد منه إذا كان كثيراً يخرج على طريق الانفجار. فلذلك قد ينبغي أن يفهم قوله «وخروجه من أسفل علامة جيّدة» لا أنّه قال على طريق التحقيق لكن بطريق الاستعارة مكان أن يقول إنّ خروجه من أسفل علامة أجود وأحمد إذا كان ما يخرج منه أسود، فإنّ الأمر بالحقيقة أنّ هذا أحمد من أن يخرج الدم من الفم كيف كانت حاله. فقد يمكن أن يقول قائل في هذا إصلاح التناقص بين قولي أبقراط إذ كان قال في هذا الفصل إنّ خروج البراز الأسود علامة محمودة وقال قبيل إنّ خروجه علامة رديئة. وقد يمكن أيضاً أن يفهم من قوله الأسود ما قاله في كتاب افيديميا في الدم الأسود الذي يخرج من أفواه عروق تنفتح من أسفل إنّه يكون به برء الوسواس. فإنّ الأمر بالحقيقة أنّ من كان قد اعتراه الوسواس فمن أبلغ الأشياء في برءه انفتاح العروق من أسفل، ومن كان أيضاً قد شارف أن يقع في الوسواس فذلك مانع من وقوعه فيه. فإذا فهمنا كلامه على هذا الطريق كان على ما أصفه خروج الدم من فوق كيف

كان فهو علامة رديئة وخروجه من أسفل إذا كان من انفتاح العروق فهو علامة جيّدة إذا كان ما يستفرغ السوداء، يعني إذا كانت طبيعة ذلك البدن تولد من هذا الخلط شيئاً كثيراً. فإنّه إن لم يكن الأمر كذلك فليس ينبغي أن تدع العادة تجري بالاستفراغ من عروق تنفتح من أسفل لأنّ إفراطه من الوجهين جميعاً خطر أعني إن زاد على ما ينبغي وإن احتبس حتّى لا يكون يخرج منه شيء.

قال أبقراط: من كان به اختلاف دم فخرج منه شبيه بقطع اللحم فتلك من علامات الموت.

قال جالينوس: إنّ في اختلاف الدم ما دامت قرحة في الأمعاء التي عنها يكون في الحدوث والتكوّن يكون ما تخرج أجسام شحمية. ثمّ يخرج من بعد ذلك إن لم ينقطع الاختلاف ويسكن خراطة من نفس الأمعاء بتقشّر سطح الأمعاء الداخل الذي هو غشاء كثيف شبيه بالقشرة الخارجة من الجلد البراني. ثمّ من بعد ذلك ينجرد شيء من جوهر الأمعاء نفسه،

وفي ذلك الوقت ليس نقول إنّ قرحة الأمعاء في الحدوث والتكوّن، ولكنّا نقول إنّما قد حدثت وكانت وفرغت. فإذا خرج من الأمعاء في اختلاف الدم أجزاء معها من العظم ما يمكن معه أن يسمّى قطع لحم فإنّ أبقراط يقول إنّ هذا المرض من الأمراض القتّالة لأنّ القرحة إذا كان معها من العظم هذا المقدار كلّه لم يمكن أن ينبت فيها اللحم ولا يندمل.

قال أبقراط: من انفجر منه دم كثير من أيّ موضع كان انفجاره فإنّه عند ما ينقه فيغذى يلين بطنه بأكثر من المقدار.

قال جالينوس: إنّ الحرارة الغريزية إذا ضعفت بسبب انفجار الدم لم يمكن أن ينهضم الطعام على ما ينبغي ولا أن يستحيل فيصير دماً، وإذا كان ذلك لا يمكن فأحرى ألّا يمكن أن يذهب في البدن وينتشر فيه، ولهذه الأسباب كلّها يجب أن يلين بطن من كانت هذه حاله بأكثر من المقدار المعتدل إلى أن يتمادى به الزمان، فتعود الطبيعة إلى ما كانت عليه من القوّة.

قال أبقراط: من كان به اختلاف مرار فأصابه صمم انقطع عنه ذلك الاختلاف، ومن كان به صمم فحدث له اختلاف مرار ذهب عنه الصمم.

قال جالينوس: إنّ أبقراط لم يعن بقوله «الصمم» في هذا الموضع الصمم المتقدّم الثابت الذي يعسر انحلاله، لكنّه إنّما عنى الصمم الذي يحدث بغتة في الحمّيات أو في غيرها عند تصاعد المرار إلى الرأس. فإنّ المرار إذا استولى على مجاري السمع أحدث صمماً. وإذا دفعت الطبيعة من هناك وخرج في البراز أذهب خروجه ذلك الصمم.

قال أبقراط: من أصابه فى الحمّى فى اليوم السادس من مرضه نافض فإنّ بحرانه يكون نكداً.

قال جالينوس: إنّ الناقض إذا حدث في الحمّى لا سيّما في المحرقة منها فإنّ من عادتها أن يأتي بعدها بحران،

إلّا أنّه إن كان الناقض في يوم من أيّام البحران وكانت أعلام النضج قد ظهرت كان ذلك البحران جيّداً تامًّا، وإن كان في اليوم السادس أو في علامات النضج نقصان لم يكن البحران بجيّد ولم يكن بتامّ. وقد خبّر أبقراط في المقالة الأولى من كتاب ابيديميا أنّه ينبغي أن تكون الأخلاط المزمعة بأن يكون خروجها بحران محمود قد نضجت، وقد ذكرنا كلامه في ذلك قبيل وهو الكلام الذي أوّله أنّ «النضج يدلّ على سرعة البحران وثقة الصحّة». وخبّر أيضاً أنّ البحران ليس يكون في الأيّام كلّها في تقدّمة المعرفة وفي هذا الكتاب أعني كتاب الفصول وفي مقالة الأولى من كتاب ابيديميا. وقد جمعنا جميع ما قاله في هذه الكتب واصفنا إليه جميع ما يحتاج إليه من الشرح والتفسير. أمّا ما قاله في أيّام البحران ففي كتابنا في أيّام البحران. وأمّا ما قاله في أعلام النضج ففي كتاب البحران. وقد وصفنا في كتاب أيّام البحران معما وصفنا أمر البحران الذي يكون في اليوم السادس الذي ذكره أبقراط في هذا الفصل فقال إنّ النافض الذي يكون فيه يتبعها بحران نكد، ويعني بالنكد إمّا الرديء وإمّأ الذي لا يوثق به ولا يؤمن معه أن يعاود المرض بعده سريعاً وإمّا الذي يطول به

بانقضاء المرض، فربّما كان أيضاً البحران الآتي في اليوم السادس مع أعراض صعبة شديدة، وقد وصفنا أمر هذه الأشياء كلّها عن آخرها في الكتب التي ذكرناها قبيل. والتجربة تشهد أنّ هذه الأشياء تكون على ما وصفت. وإنّ أنا رمت أن أخبر بأسبابها في هذا الموضع طال الكلام في ذلك من غير أن يكون الأمر يضطرّ إلى ذلك، لأنّي قد وصفت العلل في أمر أيّام البحران في المقالة الثالثة من كتاب أيّام البحران، ووصفت أمر الناقض في مقالة إفردتها.

قال أبقراط: من كانت لحمّاه نوائب ففي أيّ ساعة كان تركها له إذا كان أخذها له من غد في تلك الساعة بعينها فبحرانه يكون عسراً.

قال جالينوس: أفرض إنّ انساناً حمّ في أوّل يوم من مرضه في الساعة الثالثة ثمّ سكنت عنه الحمّى في ساعة من ساعات ذلك اليوم أيّ ساعة كانت ثمّ ابتدأت به الحمّى في اليوم الثاني في تلك الساعة التي ابتدأت فيها في اليوم الأوّل أعني في الساعة الثالثة ثمّ سكنت في أيّ وقت سكنت ثمّ ابتدأت أيضاً في الثالث في الساعة الثالثة ثمّ سكنت في أيّ وقت سكنت ثمّ ابتدأت في الرابع

في الساعة الثالثة أيضاً وبقيت على ذلك دائماً فيما بعد ذلك من الأيّام، ووقت أخذها واحد وهو الساعة الثالثة، وليس وقت تركها واحد ولكن مختلف. أقول أنّ من كان مرضه كذلك فيجب ضرورة أن تطول مدّة مرضه أكثر ممّا تطول مدّة مرض من كان ابتدأ نوائب حمّاه لا تكون في وقت واحد في جميع الأيّام. ونحن نقول إنّ هذا ما عناه أبقراط في هذا القول وهو أمر تشهد التجربة على صحّته. وقد قال قوم إنّ أبقراط عنى بقوله هذا أنّ الحمّى إذا ابتدأت في اليوم الأوّل في الساعة الثالثة في المثل ثمّ سكنت في الساعة الثانية عشر في المثل ثمّ ابتدأت بنوبتها في اليوم الثاني في الساعة الثانية عشر واتّصل ذلك دائماً حتّى يكون ابتداء النوبة في كلّ يوم في وقت انقضاء النوبة في اليوم الذي قبله كان بحران ذلك المرض وانقضاؤه يعسر، والقائلون بهذا القول لم يأتوا بحجّة فيه ولا قدروا على أن يبيّنوا أن التجربة تشهد على صحّة قولهم. وليس يمكن أن يفهم من قوله أنّ بحرانه يكون عسراً بشيء غير أنّ انقضاء مرضه يعسر حتّى يكون معنى قوله هذا أنّه إذا كان وقت نوائب الحمّى وقت واحد نائبة كانت في كلّ يوم أو غبّاً أو ربعاً

فذلك المرض يعسر انقضاءه، كان لبث النوبة ساعات كثيرة أو ساعات قليلة. وهذا أمر كما قلت تشهد التجربة على صحّة. وأمّا علّته فينبغي أن يتوهّم أنّه ما أصف وهو أنّه إذا كانت علّة النوائب علّة ليست بثابتة متمكّنة لم تحفظ دوراً واحداً ووقتاً واحداً بعينه، فإذا كانت العلّة ثابتة متمكّنة حفظت دوراً واحداً ووقتاً واحداً، ولذلك العلّة الثابتة المتمكّنة يعسر انقضاءها، والعلّة التي ليست بثابتة ولا متمكّنة يكون انقضاؤها سريعاً. وذلك أنّ الشيء المتمكّن الثابت يحتاج إلى معالجة قوية حتّى يتقلّع، وذلك لا يكون إلّا في مدّة طويلة وأدوية قوية كثيرة.

قال أبقراط: صاحب الإعياء فى الحمّى أكثر ما يخرج به الخراج في مفاصله وإلى جانب اللحيين.

قال جالينوس: قد قلنا فيما تقدّم إنّ من الإعياء ما يكون من الحركة الكثيرة، وهذا النوع هو الذي يسمّى الإعياء على الحقيقة وبالقول المطلق.

ومن الإعياء ما يكون من غير أن قد يتحرّك صاحبه حركة كثيرة أو قوية. وهذا النوع من الإعياء ليس يسمّى إعياء بقول مطلق، لكن مع زيادة في القول وهو أنّه يسمّى إعياء من تلقاء نفسه. والموضع الذي حدثت فيه الآفة مشترك لهما وهو جنس ما في البدن من العضل. وأمّا الإعياء الكائن من حركات كثيرة فمعه شيء خاصّ ليس هو مع غيره وهو حرارة تكون في المفاصل، وإذا كان ذلك كذلك فليس يعجب أن يكون الخراج في صاحبه يحدث في موضع المفاصل منه لأنّ المفاصل فيه تكون قد تعبت كما تعب العضل وسخنت بأكثر ممّا ينبغي. وأمّا في الإعياء الذي يكون من تلقاء نفسه فإنّما يعرض أن تنجلب الفضول إلى المفاصل كما قد يعرض في سائر الأمراض كلّها أو جلّها التي يكون بحرانها بخراج بسبب واحد فقط وهو أنّ سعة فضاء المفاصل مستعدّة لقبول الفضول، إلّا أنّ حدوث الخراجات في تلك الأمراض أقلّ ولا تكاد أن تكون إلّا في الندرة. وأمّا في الأمراض التي معها الإعياء فحدوث الخراجات فيها أكثر وخاصّة إذا كان الإعياء من تلقاء نفسه ومن أصحاب ذلك أيضاً لمن كان الإعياء إنّما عرض له من كثرة الأخلاط. فجملة القوّة في هذا الفصل

هي هذه أنّ صاحب الإعياء كيف كان إعياءه في الحمّى إنّما يصيبه الخراج في مفاصله وخاصّة في مفاصل اللحيين. وإنّما يعرض ذلك بسبب حرارة الحمّى إذا كانت تدفع تلك الفضول الكثيرة إلى الرأس ثمّ يقبلها اللحم الرخو الذي عند اللحيين، وكذلك إذا صارت الفضول إلى الحالب أو إلى الإبط قبل اللحم الرخو الذي فيها الفضول فحدث فيه الخراج.

قال أبقراط: من انتعش من مرض فكلّ منه موضع من بدنه حدث به في ذلك الموضع خراج.

قال جالينوس: إن كان الكلال قد يدلّ على الحركة الشديدة وهي التي تسمّى التعب ويدلّ على الوجع ويدلّ على الضرر كما بيّنّا قبل، فبيّن أنّ قوله «كلّ» قد يحتمل أن يكون معناه إن نالته حركة كثيرة وإن حدث فيه وجع أو ضرر.

وقد رأينا أيضاً بعض من يقوم من مرض إذا لم يكن بدنه نقياً حسناً من الأخلاط الفاعلة لمرضه، لكن قد بقيت فيه بقائاً من تلك الفضول إذا نال عضواً من أعضائه تعب أو حدث فيه وجع خرج فيه خراج، والتعب في ذلك يقوم مقام سبب والوجع يقوم مقام علامة. وذلك أنّ عند الحركة الشديدة قد تضعف القوّة وتزيد الحرارة. وأمّا الوجع فيكون عندما ينجلب إلى العضو الفضل. فالوجع كما قلت علامة تدلّ على خراج هو في الحدوث. وأمّا الحرارة والضعف فيجتلبان الفضول إلى العضو الذي نالته الآفة. فقد يمكن إذاً أن تفهم قوله «كلّ» على الوجهين جميعاً، إلّا أنّ أحد المعنيين أوفق لهذا الكلام كلّه الذي قال أبقراط فيه إذ كان قد تقدّم فذكر الحمّى التي يكون معها الإعياء. وكان يتبع بهذا القول فيقول وإن كان أيضاً قد تقدّم فتعب عضو من الأعضاء. فقد يظهر أنّ كلامه في الفصل الأوّل الذي أوّله صاحب الإعياء في الحمّى إنّما هو في الإعياء الذي يكون في نفس المرض،

وكلامه في هذا الفصل الذي نحن في تفسيره في الإعياء الذي يكون في وقت ما يخرج المريض من مرضه، وكلامه في الفصل الذي يأتي بعده في الإعياء الذي يتقدّم المرض.

قال أبقراط: وإن كان أيضاً قد تقدّم فتعب عضو من الأعضاء من قبل أن يمرض صاحبه ففي ذلك العضو يتمكّن المرض.

قال جالينوس: إنّه لا فرق عندي بين أن يوصل هذا الفصل بالفصلين الذين قبله حتّى يكون من ثلاثتها فصل واحد وبين أن يعزل كلّ واحد منها على حدّته. فقد بيّنّا ما يشترك فيه وما يخصّ كلّ واحد منهما فيما تقدّم من القول. وأنا واصف ذلك أيضاً في هذا الموضع بإيجاز. فأقول إنّه متى أحسّ مريض في مرضه بإعياء فينبغي أن تتوقّع له حدوث خراج في بعض مفاصله لا سيّما عند اللحيين. وكذلك من انتعش من مرض فأتعب عضواً من بدنه

أو كان ذلك منه قبل أن يمرض فتوقّع ذلك بغتة. فإنّ من عادة الفضول في أكثر الأمر أن يتدفّع إلى هذه المواضع، وبيّن أنّ ذلك إنّما هو في الأمراض التي يتوقّع فيها حدوث الخراج إلّا أن يتقدّم المرض فيأتي بحرانه باستفراغ. وقد ذكرت أشياء فيما تقدّم من أمر تعرّف هذه الأعراض. فأمّا القول في ذلك كلّه بأسره فقد قلته في كتابي في البحران.

قال أبقراط: من اعترته حمّى وليس في حلقه انتفاخ فعرض له اختناق بغتة فذلك من علامات الموت.

قال جالينوس: قد يمكن أن يفهم أوّل هذا الفصل وهو قوله «من اعترته حمّى» على طريق القول المطلق كما لو قال من كانت به حمّى وليس في حلقه انتفاخ، ويمكن أن يفهم أنّه أراد بقوله «من اعترته حمّى» أن يريد في تأكيد أخذ الحمّى كما من عادته أن يقول في كتاب ابيديميا، فإنّ من عادته هناك إذا قال في انسان إنّ الحمّى أخذته أو اعترته ألّا يكون قصده القول المطلق بأنّه حمّ أىّ حمّى كانت لكن يكون قصده أنّه حمّ حمّى شديدة.

وقد يمكن من غير حمّى عظيمة إذا عرض اختناق بغتة أن يهلك المريض، إلّا أنّه إذا كانت حمّى المريض شديدة كان أحرى ألّا يسلم من الموت وكان موته أوحى حتّى لا يتخلّص ولا على طريق الأمر البديع المستغرب. وذلك أنّه يحتاج في مثل تلك الحمّى كما بيّنت في كتابي في رداءة التنفّس إلى استنشاق هواء كثير. ومن عرض له الاختناق فليس يكون استنشاق الهواء منه كثيراً، لكنّه يكون قليلاً وتحاجزاً. فأنّ الاختناق ليس هو شيء سواء الهلاك بسبب نقصان استنشاق الهواء الذي يكون من قبل ضيق يحدث في بعض آلات التنفّس، لأنّ الهلاك الذي يكون من غير ضيق تلك الآلات إنّما هو من جنس بطلان التنفّس لا من جنس الاختنلق وبطلان التنفّس يكون أيضاً إمّا من ضعف القوّة المحرّكة للصدر وإمّا من برد مفرط يغلب على ابتداء الحيوة. فأمّا الاختناق فإنّما يكون لا محالة من ضيق آلات التنفّس، وذلك الضيق يكون إمّا عند امتلاء الفضاء الذي فيما بين الصدر والرئة أو الخلل الذي في جوف الرئة أو عند ورم يشتمل على الرئة كلّها أو على قصبتها
أو على رأس قصبتها الذي نسمّيه الحنجرة. وربّما كان ذلك الورم في الفضاء الذي من قبل الحنجرة الذي اسمه الحلق. فقد قال اوميرس إنّ الشراب والطعام يمرّان في الحلق. فدلّ بذلك أنّ معنى الحلق عنده الموضع الذي يفضي إليه المريء والحنجرة ممّا يلي الفم. وقد نجد أبقراط في هذا الموضع أيضاً قد يسمّي هذا الموضع بالاسم الذي سمّاه به اوميرس، فقال «وليس في حلقه انتفاخ» فدلّ بذلك على أنّه يمكن إذا فتح الفم فتحاً كثيراً أن يرى هذا الموضع روية صحيحة مستقصاه، وليس ذلك بممكن في الحنجرة. فيصير قوله كلّه على هذا المثال «من اعترته حمّى فعرض له اختناق بغتة من غير أن يكون في حلقه انتفاخ فتلك من علامات الموت». فقد كان الأوائل يجري عندهم اسم الانتفاخ واسم الورم مجرى واحد. وقد علمنا أنّ أصناف الورم ثلاثة. وذلك أنّه إمّا أن يكون مع وجع والحدث يسمّون هذا النوع فلغموني من اسم الحرارة والالتهاب وإما أن يكون من غير وجع ويكون صلباً
فيسمّونه صلابة وإمّا أن يكون ليس معه وجع ويكون ليناً رخواً فيسمّونه خاصّة انتفاخاً وتزيّلاً، ولذلك تركوا ما كان يستعمله الأوائل فلم يسمّوا كلّ تزيّد يكون في جرم العضو انتفاخاً. فإذا رأيت الحلق ليس فيه ورم ورأيت الاختناق قد عرض بغتة، فإنّ الآفة عند ذلك إنّما هي في الحنجرة فقط. فإنّ الاختناق قد يعرض كما قلت من أمراض أخر قد وصفتها قبيل. وأمّا الاختناق الذي يعرض بغتة فإنّما يعرض من قبل الحنجرة فقط، لأنّ الورم الحادث في الرئة لا يخنق صاحبه بغتة لكنّه لا يزال يتزيّد منذ أوّل الأمر إلى أن ينتهي منتهاه ثمّ عند ذلك يعرض منه هذا العارض. وإن عرض أيضاً في الرئة خراج فإنّ أمره أيضاً يطول، وكذلك أيضاً الفضاء الذي فيما بين الصدر والرئة قد يمتلئ كثيراً مدّة فيخنق صاحبها، وتلك المدّة إنّما تصير فيما بين الرئة والصدر من خراج ينفجر إلى ذلك الفضاء، وذلك الخراج إنّما يتولّد في زمان طويل. وأمّا ورم قصبة الرئة فقد يمكن أن يحدث عسراً في التنفّس، إلّا أنّه لا يمكن أن يخنق
لسعة مجراها ولرقّة بدنها. وذلك أنّه لا يمكن أن يملأ ورم القصبة مجراها إذا كان بدنها على ما هو عليه من الرقّة، لأنّه إنّما هو من جنس الأغشية وكان المجرى الذي في جوفها على ما هو عليه من السعة الكثيرة. فقد بقي أنّ الحنجرة هي التي يمكن أن يحدث بسببها اختناق بغتة لأنّ مجرى التنفّس يضيق فيها والعضل الذي في جوفها مع الغشاء المحيط بها إذا حدث فيها ورم أمكن أن يملأ ويعلق ذلك الورم طريق النفس. وقوم من الأطبّاء يسمّون هذا المرض لا سوننحي بالسين لكن قوننحي بالقاف وهم يحبّون أن يسمّوا ورم الحلق سوننحي بالسين. ومنهم من قد يسمّي الأورام التي تكون هناك بعضها فاراسوننحي وبعضها فاراقوننحي. وأمّا فاراسوننحي فإذا كان الورم في العضل الذي من وراء الحلق. وأمّا فاراسوننحي فإذا كان الورم في العضل الذي من خارج الحنجرة. فواجب ممّا قلنا أن تكون هذه العلّة تحدث وجعاً في الحنجرة. وقد وجدنا أبقراط قد ذكر ذلك ذكراً بيّناً في كتاب تقدّمة المعرفة

حين قال إنّ الحلق إذا وجع وكان ضامراً فكان مع ذلك صعوبة وقلق فهو يخنق ويقتل قتلاً وجباً، إلّا أنّه في هذا الفصل لم يذكر الوجع إمّا اتّكالاً منه على أنّه يفهم معما تقدّم ذكره وإمّا لأنّه رأى أنّه قد يكون هذا الاختناق الذي ذكره في هذا القول وإن لم يكن وجع. فإن كان يمكن أن يكون اختناق من غير وجع فبسبب كونه ما أصف لك. أقول إنّه قد يمكن أن تكون رطوبة كثيرة لا سيّما بلغمية قد تثبت في الغشاء المستبطر للحنجرة فيحدث منها فيه ورم ليس معه وجع، ويمكن أن تبطل حركة العضل التي تفتح الحنجرة فتضيق مجراها حتّى يحدث الاختناق، ويمكن أن يجتمع الأمران جميعاً. ويمكن أيضاً أن يفرط اليبس على العضل الذي في داخل الحنجرة فيتوتّر توتّراً كثيراً فيضيق مجراها. وقد بيّنت في كتابي في الصوت أيّ العضل هو هذا وكيف يعلّق ويسدّ الحنجرة إذا توتّر.

قال أبقراط: من اعترته حمّى فاعوجّت معها رقبته وعسر عليه الازدراد حتّى لا يقدر أن يزدرد إلّا بكدّ من غير أن يظهر به انتفاخ فذلك من علامات الموت.

قال جالينوس: إنّ أبقراط لمّا ذكر الانتفاخ في هذا الفصل لم يذكر معه الموضع الذي عنى أنّه لا يظهر فيه كما ذكر في الفصل الذي قبله الحلق فقال وليس في حلقه انتفاخ. وأمّا أنا فأقول إنّ الأمر لا يخلو من أحد وجهين. أمّا أن يكون عنى بالموضع الذي لا يظهر فيه انتفاخ الحلق فيكون ذكره الحلق مشتركاً للوجهين جميعاً. وأمّا أن يكون عنى أنّه لا يظهر في شيء من جميع مواضع الرقبة بتّة فإنّه إذا ما لم يظهر فيه انتفاخ في شيء من هذه المواضع بتّة لا من داخل في الحلق إذا فتح الفم ولا من خارج، وعرض لذلك الانسان أن يمتنع عليه الازدراد، فإنّ هذا العرض عرض قتال ويكون إمّا من ورم يحدث في العضل المستبطن للمريء وإمّا من ورم يحدث في نفس المريء. فإنّ بين هذه الأعضاء وبين النخاع والأغشية المحيطة به والعظام التي من ورائها التي هي الفقار مشاركة بعصب ورباطات.

فإذا مدّت تلك الرباطات والعصب نحو الأعضاء التي فيها الورم وجب ضرورة أن ينجذب الفقار إمّا إلى داخل وإمّا إلى جانب. وإن كان المدّ إنّما عرض فيها في جانب واحد من العصب والرباطات فإلى جانب، وإن كان المدّ عرض في العصب والرباطات من الجانبين فإلى داخل. وسنشرح هذا شرحاً أكثر في تفسيرنا لكتاب أبقراط في الخلع حيث يذكر أبقراط أنّ أعوجاج الفقار يكون من خراجات تحدث في باطنه من الخراجات التي لا تنضج. وقال في ذلك الكتاب إنّ الجذبة التي تكون من خلف إنّما تكون من امتداد الفقار إلى داخل لا الجذبة التي تكون من قدّام أو من جانب. فأمّا في المقالة الثانية من كتاب افيديميا فذكر أبقراط هذا الصنف من الذبحة الذي ذكره في هذا الفصل فقال: أمّا علل أصحاب الذبحة فكانت على ما أصف كأنّ فقار الرقبة يميل إلى داخل وكان يظهر في الرقبة من خارج موضع عميق وكان إذا لمس ذلك الموضع أوجع. ففي هذا القول دلّ أبقراط على نوع واحد من أنواع أعوجاج الفقار وهو الذي يكون إلى داخل.
وأمّا في هذا الفصل الذي نحن في تفسيره فقد استعمل الاسم العامّ لهذا الجنس كلّه حين قال «فأعوجت معها رقبته». فإنّ هذه اللفظة أعنى قوله «أعوجت» تدلّ على كلّ زوال يحدث للفقار على استقامته خارج من الطبيعة. وقد زاد في قوله في المقالة الثالثة من كتاب افيديميا أنّه كان إذا لمس ذلك الموضع أوجع. وأمّا في هذا الفصل فلم يكن الوجع على أنّه يجب ضرورة أن يكون مع الورم الحارّ الحادث في الرقبة وجع، إلّا أن يكون إنّما عنى في هذا الفصل الانجذاب والامتداد والأعوجاج الذي يكون من فرط اليبس فقط، ولذلك قال إنّ هذا العرض من إمارات الموت، فإنّ النوع الآخر الذي يكون من الورم ليس يوجب لا محالة الموت، كما يوجبه ذلك النوع الأوّل من الذبجة التي تكون من الاختناق، ولأنّ الخطر في أنّه يختنق الانسان وفي أن لا يزدرد إلّا بكدّ بمتساوي، إلّا أنّه إن كان إعوجاج الرقبة وعسر الازدراد من إفراط اليبس فذلك العرض قتّال لا سيّما إذا كانت معه حمّى شديدة حتّى يكون هذا معنى قوله «من اعترته حمّى» ويشبه أن يكون ذلك اليبس المفرط الذي عرض في تلك الأعضاء إنّما هو بسبب تلك الحمّى.

وتكون الحمّى الشديدة تقوم في الموت مقام شيئين مقام علامة ومقام سبب. أمّا مقام علامة فلأنّها تدلّ على أنّ ذلك الإعوجاج وامتناع الازدراد إنّما كانا عن اليبس. وأمّا مقام سبب فلأنّها تعين هي أيضاً على حدوث الموت كأحد الأسباب الجالبة له.

قال أبقراط: العرق يحمد في المحموم إن ابتدأ في اليوم الثالث أو في الخامس أو في السابع أو في التاسع أو في الحادي عشر أو في الرابع عشر أو في السابع عشر أو في العشرين أو في الرابع والعشرين أو في السابع والعشرين أو في الحادي والثلاثين أو في الرابع والثلاثين أو في السابع والثلاثين فإنّ العرق الذي يكون في هذه الأيّام يكون به بحران الأمراض، وأمّا العرق الذي لا يكون في هذه الأيّام فهو يدلّ على آفة أو على طول من المرض.

قال جالينوس: ليس العرق وحده، لكن اختلاف البطن الكثير والبول الكثير والخراجات التي تخرج عند الأذنين وعند سائر المفاصل إنّما تحمد إذا ظهرت في الأيّام الذي ذكر.

فإنّه القول بالجملة إنّما هو هذا الذي أقول، وهو أنّ علامات البحران وأعراضه إنّما تحمد إذا ظهرت في أيّام البحران. ولو قال هذا القول لكان كافياً، لكنّه لم يقصد بكلامه في هذا الفصل قصد جميع علامات البحران لكنّه إنّما قصد به قصد العرق وحده. وأذكرنا فيه بأيّام البحران التي فيما دون الأربعين. فإنّ الأمراض التي تتجاوز هذا الحدّ لا يكاد أن يكون فيها بحران بعرق ولا بنوع من أنواع الاستفراغ بتّة لكن انقضاءها يكون إمّا بأن ينضج أوّلاً فأوّلاً وإمّا بخراج يخرج. وقد تشهد التجربة شهادة بيّنة على أنّه ليس كلّ عدد من أعداد الأيّام يصلح للبحران وأنّي لا عجب ممّن يقول إنّه لا فرق بين الأيّام، لأنّ الأجود كان أن يتعرّفوا من الأمر الظاهر للحسّ الفرق بين الأيّام ويبحثوا عن السبب فيه على مهل في مدّة طويلة، كما فعلنا نحن في كتاب أيّام البحران. فإنّا وصفنا ما يحتاج إليه في الطبّ من أمرها في المقالتين الأوّلتين من ذلك الكتاب، ودمنا في المقالة الثالثة البحث عن أسباب ما وصفنا.
وقد وقع اختلاف كثير في النسخ في أعداد هذه الأيّام التي ذكرها أبقراط في هذا الفصل، ويكتب كلّ واحد عددها كما أراد. وأمّا نحن فجعلنا تأليف عددها على ما قاله أبقراط في كتاب تقدمة المعرفة وفي كتاب افيديميا وفي هذا الكتاب أعني كتاب الفصول. وقد جمعت كلام أبقراط الذي ذكر فيه هذه الأيّام فوضعته في كتاب أيّام البحران وفي كتاب البحران. وأمّا في هذا الفصل فابتدأ من الثالث لأنّه قد يتقدّم الرابع في الأمراض التي هي أقلّ مدّة ثمّ ذكر بعده الخامس لأنّ البحران قد يتأخّر عن الرابع فيكون في الخامس وإنّما وضعت الخامس بعد الثالث وتجاوزت الرابع، لأنّي كذا وجدتهما في جميع النسخ التي رأيتها ولم أجد في شيء منها ذكر الرابع في هذا الفصل على أنّ الرابع هو أوّل أيّام البحران، إلّا أنّ أبقراط ألقى ذكره في هذا الفصل أو يكون الناسخ الأوّل لهذا الكتاب تركه. وإن كان أبقراط هو الذي ترك ذكره فأرى أنّه إنّما فعل ذلك لهذا السبب وهو أنّ أكثر الأمراض الحادّة جدّاً
التي يكون بحرانها بعرق فبحرانها يكون في الثالث والخامس أكثر ممّا يكون في الرابع. ولا يكاد يكون بحرانها في الرابع إلّا في الندرة، وقد وجدت هذا بعد بحث شديد بحثت عنه، ومن أجل ذلك ترك ذكر الرابع في هذا الفصل. ويشبه أن يكون ذلك إنّما يكون على ما وصفت، لأنّ أوّل نوبة من الأمراض الحادّة جدّاً يكون أشدّ وأصعب وتظائرها من النوائب التي تنوب غباً، وقد علمنا أنّ البحران إنّما يكون في النوائب التي هي أشدّ وأصعب. وإنّ الأمراض التي تنوب في الإفراد يكون بحرانها أسرع. والأمراض التي تنوب في الأزواج تطول. ولذلك إن كان مرض نوائبه في أوّله في الإفراد أشدّ ثمّ كانت الحال فيه تؤول إلى أن يتطاول، انتقلت نوائبه الأضعف إلى الأزواج. فهذا قولي في الرابع. وأمّا في آخر هذا الفصل فبعضهم كتب في الواحد والثلاثين وبعضهم كتب في الرابع والثلاثين. وقد نعلم

أنّهما جميعاً داخلان في عدد أيّام البحران وخليق أن يكون اليوم الرابع والثلاثين أقوى. ولم يذكر يوم الأربعين، وأخلق به أن يكون إنّما ترك ذكره، لأنّه أوّل أيّام بحران الأمراض المزمنة وتلك الأمراض لا يكاد يكون البحران فيها بعرق. فإنّ أيّام البحران التي قبل الأربعين القريبة منه مثل اليوم الرابع والثلاثين والواحد والثلاثين والسابع والعشرين قليلاً ما يوجد البحران يكون فيها بالعرق.

قال أبقراط: العرق البارد إذا كان مع حمّى حادّة دلّ على الموت، وإذا كان مع حمّى هادئة دلّ على طول من المرض.

قال جالينوس: إنّ التجربة تشهد على أنّ الأمر في هذا الذي وصف أبقراط يكون كثيراً على ما وصف. لكن ينبغي أن يبحث عن السبب فيه، لأنّه قد يظنّ أنّ من أبعد الأشياء ممّا يعقل أن تكون بالانسان حمّى في غاية الحرارة ويكون العرق بارداً. فإقول إنّ من البيّن أنّ الحرارة الشديدة ينبغي أن تكون من بدن صاحب هذه الحال في مواضع

غير المواضع التي يستفرغ منها العرق، لأنّه لو كان العرق يجيء من المواضع التي فيها تلك الحرارة الشديدة لقد كان سيسخن، والعرق يستفرغ من الجلد، وقد يمكن أن يكون الجلد بارداً وما ورائه يحترق حرارة. فقد بيّنّا أن ّالحمّيات الحادّة إنّما تكون عند تعفّن أخلاط ما. والأخلاط ربّما عفنت في البدن كلّه وربّما عفنت في العروق فقط. فإذا اتّفق أمران أحدهما أن تكون الأخلاط التي في العروق قد عفنت والآخر أن تكون الطبيعة التي قد تدبّر الأعضاء الأصلية التي هي في قول أبقراط الحرارة الغريزية إمّأ قد طفيت بتّة وإمّا قد قربت من أن تطفى كان ما يستفرغ من تلك الأعضاء الأصلية يظهر بارداً. ولم يكن شيء يمنع من أن تكون الحرارة الحادثة في العفونة على غاية الشدّة. فلذلك صارت هذه العلامة تدلّ على الهلاك، لأنّها تدلّ على أنّه قد غلبت في البدن رطوبات كثيرة باردة تبلغ من حالها أن لا تقوى الحرارة الغريزية ولا حرارة الحمّى أن تسخنها. فأمّا متى كانت الحمّى فاترة فقد يمكن أن يسلم المريض

إذا أنضجت تلك الرطووبات الكثيرة الباردة على طول الزمان واستولت عليها الطبيعة حتّى تقهرها. فالحمّى الحادّة في صاحب هذه الحال علّة للهلاك وعلامة تدلّ عليه. أمّا علّة له فلأنّ من شأنها أن تحلّ الأبدان، وأمّا علامة دالّة عليه فلأنّها تدلّ على الرطوبات التي قد غلبت في البدن وكثرت في غاية البرد إذ كان لا بغيرها حرارة الحمّى فضلاً عن غيرها. فأمّا الحمّى التي ليست بحادّة لكنّها هادية فتمهل الطبيعة أن تنضج تلك الرطووبات الكثيرة على طول الأيّام لأنّها لا تبدر فيحلّ البدن كما تفعل الحادّة. وليس هي أيضاً علامة تدلّ على الهلاك مثل الحمّى ، لأنّه قد يمكن إذا كانت الحمّى فاترة، وإن كانت الأخلاط يسيرة البرد أن تبقى فلا تسخن.

قال أبقراط: وحيث كان العرق من البدن فهو يدلّ على أنّ المرض في ذلك الموضع.

قال جالينوس: ذلك لأنّ المرض لو كان مشتملاً على البدن كلّه لقد كان يستعجل الاستفراغ من البدن كلّه بالسواء.

وذلك يكون إمّا باستفراغ الطبيعة للشيء الفاضل وعند ذلك يكون بالعرق بحران محمود، وإمّا بأنّ الرطوبات لا تستمسك في البدن بسبب المرض. وعلى أيّ الحالين كان العرق فإنّما يستفرغ به الرطوبة من الأعضاء العليلة.

قال أبقراط: وأيّ موضع من البدن كان حارًّا أو بارداً ففيه المرض.

قال جالينوس: أيّ عضو من أعضاء البدن كانت حرارة بيّنة أو برد بيّن فواجب أن يكون المرض فيه. وذلك لأنّ العضو الذي هذه حاله قد خرج عن الاعتدال الطبيعي الذي هو نوع من الصحّة.

قال أبقراط: وإذا كانت تحدث فى البدن كلّه تغايير وكان البدن
يبرد مرّة ثمّ يسخن أخرى أو يتلوّن بلون ثمّ بغيره دلّ ذلك على طول من المرض.

قال جالينوس: المرض الذي فيه أنواع كثيرة هو أبداً أطول مدّة من المرض الذي هو نوع واحد، والأمر في ذلك بيّن أنّه إنّما هو من قبل أنّ الطبيعة لا تقدر في زمان يسير على إنضاج الأنواع الكثيرة من المرض.

قال أبقراط: العرق الكثير الذي يكون بعد في النوم من غير سبب بيّن يدلّ على أنّ صاحبه يحمل على بدنه من الغذاء أكثر ممّا يحتمل، فإن كان ذلك وهو لا ينال من الطعام فاعلم أنّ بدنه يحتاج إلى استفراغ.

قال جالينوس: إنّ قوماً يكتبون هذا الفصل على هذا المثال «العرق الكثير الذي يكون بعد النوم من غير سبب بيّن»، وقوم يكتبون مكان «من غير سبب بيّن» «من غير سبب أخر». وهذه الشرائط وإن لم يرد فقد نفهم وقد نجد أبقراط في كلام كثير من كلامه في مواضع كثيرة من كتبه قد ترك أشباه هذه الشرائط اتّكالاً منه على أنّا نفهمها عنه

وإن لم يقلها إذ كان قد علمنا مرّة واحدة أنّ الأعراض التي تحدث لسبب من خارج لا من قبل حال البدن ليس يصحّ تقدمة المعرفة المأخوذة منها. وهذا ممّا ينبغي أن يكون حاضراً لذكرك دائماً. وأمّا ملاك ما خبّر به في هذا الفصل فهو حاصّة في الشريطة التي تشترطها في العرق حين قال الكثير. وذلك أنّه إن لم يكن العرق بكثير فقد يمكن أن يكون من قبل ضعف القوّة ومن قبل سخافة البدن. وأمّا كثرته فيكون عن أحد وجهين إمّا من قبل إفراط في تناول ما يتناوله صاحب ذلك العرق قبيل من الأطعمة وإمّا من قبل كثرة ما rقد كان تناوله قبل ذلك. وإن كان ذلك إنّما هو من قبل كثرة ما تناوله قبيل فينبغي أن يمنعه من أن يكثر من الطعام، وإن كان إنّما هو من قبل ما كان قد تناوله قبل فينبغي أن يستفرغ بدنه.

قال أبقراط: العرق الكثير الذي يجري دائماً حارًّا كان أو بارداً فالبارد منه يدلّ على أنّ المرض أعظم والحارّ منه يدلّ على أنّ المرض أخفّ.

قال جالينوس: أمّا العرق الذي يكون في أيّام البحران فقد تكلّم فيما تقدّم. وأمّا العرق الذي يظهر في مدّة المرض كلّها من غير بحران فيدلّ عليه في هذا الفصل فقال إنّ ما كان منه بارداً فهو أردأ وما كان منه حارًّا فهو أقلّ رداءه من البارد، لأنّهما جميعاً يدلّان على كثرة من الأخلاط، إلّا أنّ البارد منها يدلّ على أنّ تلك الأخلاط باردة وإذا كانت كذلك فهي أردأ، والحارّ يدلّ على أنّ الأخلاط حارّة وإذا كانت كذلك فهي أقلّ من تلك رداءه ودلالة على الهلاك.

قال أبقراط: إذا كانت الحمّى غير مفارقة ثمّ كانت تشتدّ غبًّا فهي أعظم خطراً، وإذا كانت الحمّى تفارق على أيّ وجه كانت فهي تدلّ على أنّه لا خطر فيها.

قال جالينوس: قد بيّن أبقراط في هذا الفصل أنّه يعني بقوله أنّ الحمّى التي تفارق إذا كانت نوائب الحمّى تسكن حتّى ينقى البدن إذاً بتّ القول وجرده أنّ الحمّى إذا كانت تفارق ثمّ كانت من الحمّيات التي تنوب غباً كيف كانت نوائبها فلا خطر فيها،

لأنّه ليس في هذه الحمّيات شيء لا خطر فيه إلّا ما كان ينقى البدن منه نقياً تامّاً، وإن كانت نوائب الحمّى التي هذه حالها على غاية الشدّة أو كانت مدّتها طويلة جدًّا. وذلك أنّه إن كانت مدّة النوائب فيها على مثل ما هي عليه في القصر في الغبّ الخالصة التي طول مدّة نوائبها أقلّ من اثنتي عشرة ساعة فتلك الحمّى ليست فقط سليمة من الخطر لكنّها مع ذلك سريعة الانقضاء. وإن كانت مدّة نوائبها أكثر من اثنتي عشرة ساعة فتلك أيضاً سليمة من الخطر، إلّا أنّها أطول من الحالصة بحسب فضل طول نوائبها على نوائب الغبّ الخالصة. وبالواجب قال إنّ الحمّى التي ينقى منها البدن سليمة من الخطر لأنّها إذا كانت كذلك لم تكن من ورم ولا من عفونة خبيثة في الأخلاط، لأنّ الحمّى التي تكون من أحد هذين السببين لا ينقى البدن من نوائبها. فإذا كانت نوائبها تقلع عنى أيّ وجه كانت فهي تدلّ على أنّه لا خطر فيها يعني كانت النوائب شديدة صعبة أو كانت طويلة.

قال أبقراط: من أصابته حمّى طويلة فإنّه تعرض له إمّا خراجات وإمّا كلال في مفاصله.

قال جالينوس: ليس هذا ممّا يكون دائماً ولا غيره ممّا أشبهه، لكنّه ممّا نراه يعرض كثيراً والعلّة فيه بيّنة. وذلك أنّ الأمراض إنّما تطول مدّتها إمّا لكثرة الأخلاط المولّدة للحمّى وإمّا لغلظها وإمّا لبردها لأنّها إذا كانت كذلك احتاجت إلى زمان طويل حتّى تنضج. فواجب يعرض لمن هذه حاله الخراجات وأن تتجلّب الفضول إلى مفاصله. فإن فهمت من قوله الكلال الوجع وإن فهمت منه الآفة والضرر وحدث القول محتملاً للوجهين جميعاً، لأنّ هذين العرضين جميعاً يعرضان عند اندفاع الفضل إلى المفاصل.

قال أبقراط: من أصابه خراج أو كلال فى المفاصل بعد الحمّى فإنّه يتناول من الطعام أكثر ممّا يحتمل.

قال جالينوس: إنّ أبقراط يخبر قي هذا الفصل عن حال الناقه من المرض. فإنّه إذا تملّأ وأكثر من الطعام غير بعيد من أن يعرض له العلل التي تكون من الامتلاء كثرة الأخلاط ولا سيّما إذا كانت قوية قد ضعفت.

قال أبقراط: إذا كانت تعرض نافض في حمّى غير مفارقة لمن قد ضعف فتلك من علامات الموت.

قال جالينوس: ليس القول «إذا كانت تعرض» والقول «إذا عرضت» واحد، لأنّ القول «إذا عرضت» إنّما يدلّ على وقوع النافض مرّة واحدة. وأمّا القول «إذا كانت تعرض» فيدلّ على وقوعها مراراً. وإذا عرضت النافض مرّة وحدة فلم يتبيّن بعد هل يتبع ذلك الهلاك أو بحران محمود. وذلك أنّه قد يمكن أن يكون هذا العارض إنّما يعرض من قبل ضعف القوّة فيكون دالًّا على الهلاك، ويمكن أن يتبع هذا العرض بحران وإن كان ذا خطر، إلّا أنّ أمره يؤول إلى خير. فأمّا حدوث النافض مرار كثيرة والحمّى لا تقلع فهو وإن كانت القوّة قوية فليس بمحمود فإن كان ذلك والقوّة ضعيفة فهو من علامات الهلاك. وذلك أنّه إن أتبع النافض استفراغ

ثمّ لم تسكن به الحمّى فواجب أن تنحلّ قوّة ذلك البدن من الوجهين جميعاً أعني من قبل أنّ القوّة لا تحتمل رعدة النافض وزعزعتها للبدن ومن قبل أنّ الاستفراغ يزيدها ضعفاً واسترخاء. وإن حدثت النافض وحدها ولم يتبعها استفراغ بتّة فهذا العارض ليس بمحمود من الوجهين جميعاً، أعني من قبل أنّ هذا العارض يقوم مقام سبب رديء ينكي في القوّة ومن قبل أنّه يصير علامة رديئة تدلّ على ضعف القوّة في الغاية القصوى إذا كانت من عادتها بعد حدوث النافض أن يستفرغ الأخلاط المؤذية وكانت في هذه الحال قد عجزت عن تلك.

قال أبقراط: في الحمّى التي لا تفارق النخاعة الكمدة والشبيهة بالدم والمنتنة والتي هي من جنس المرار كلّها رديئة، فإن انتفضت انتفاضاً جيّداً فهي محمودة، وكذلك الحال في البراز والبول، فإن خرج ما لا ينتفع به من أحد هذه المواضع فذلك رديء.

قال جالينوس: قد كان الأشبه فيما أحسب بطريق الفصول بأن يكون هذا الفصل قد قيل بأخصر ممّا هو عليه على هذا المثال «كلّ شيء رديء يستفرغ فيكون استفراغه جيّداً فإنّ أمره يؤول إلى خير»، إلّا أنّ أبقراط لم يفعل ذلك كذلك لكنّه ذكر أوّلاً ثلاثة أجناس ممّا يستفرغ وهي الشيء الذي يستفرغ من الفم بالتنخّع والشيء الذي يستفرغ بالبراز والشيء الذي يستفرغ بالبول ثمّ خصّ ما يستفرغ بالفم فاستقصى أنواعه. وذلك أنّه لم يقتصر على أن يقول فيه إنّ الشيء الرديء الذي يستفرغ منه إذا كان استفراغه جيّداً فهو محمود لكنّه ذكر أنواعه نوعاً نوعاً، فقال الكمد والشبيه بالدم والمنتّن وما هو من جنس المرار. والقول في هذه الأشياء كلّها قول واحد عامّ أنّ الأشياء الرديئة التي تستفرغ تدلّ على حالات رديئة في الأبدان التي تستفرغ منها إلّا أنّها ربّما كان خروجها بمنزلة خروج الصديد من القروح المتعفّنة، فلا ينتفع بخروجها في ذلك المرض الذي خرجت بسببه، وربّما كان خروجها بمنزلة خروج المدّة من خراج ينفجر ويكون به نقاء محموداً للعضو الذي فيه العلّة. والعلامات الدالّة على أنّ خروج ما يخرج جيّداً هي نضجه حاصّة واحتمال البدن لخروجه بسهوله وخفّته به. ومع ذلك أيضاً طبيعة المرض ومن بعدها الوقت الحاضر من السنة والبلد

والسنّ وطبيعة المريض. وأمّا آخر هذا الفصل فيوجد في النسخ مكتوباً على وجهين. وذلك أنّه يوجد في بعضها على ما وصفنا فيما تقدّم وهو «فإن خرج ما لا ينتفع به»، ويوجد في بعضها ليس فيه «لا» على هذا المثال «فإن خرج ما ينتفع به». والكلام يكون على حسب النسخة الأولى على هذا المثال «فإن خرج ما لا ينتفع بخروجه من أحد هذه المواضع فذلك ليس بمحمود». وعلى حسب النسخة الثانية على هذا المثال «فإن خرج ما ينتفع به بدن الحيوان وما هو موافق له فليس ذلك بمحمود». فالنسخة الأولى على حال أجود.

قال أبقراط: إذا كان في حمّى لا تفارق ظاهر البدن بارداً وباطنه يحترق وبصاحب ذلك عطش فتلك من علامات الموت.

قال جالينوس: قد ينبغي أن تنظر هل يمكن أن تكون هذه الأعراض التي تقدّم ذكرها في حمّى لا تفارق. فإنّي أنا ما رأيت هذا قطّ ولا أتوهّم أنّه يكون ولا رأيت هذا يكون إلّا فيما كان من الحمّى المحرقة مهلكاً وسواء نسمّيها كذلك أو نسمّيها الحمّى المحرقة في غاية الخبث مثل الحمّى التي تقال لها ليفورياس. فأمّا غير ذلك من الحمّيات فليس واحدة منها يعرض فيها أن يكون باطن البدن يحترق والجلد بارد. فإنّ الحمّى المحرقة السليمة لا يعرض هذا فيها ولا في الحمّى الغبّ المفارقة أيضاً على أنّ هاتين الحمّيين أسخن الحمّيات. فيشبه أن تكون زيادته ما زاد في هذا الفصل من قوله «إذا كان في حمّى لا تفارق» ليس هو للتفرقة فيما بين هذه وغيرها في هذه الحال، لكن يكون بمنزلة ما قاله في مواضع آخر حين ذكر الفقار فلم يقتصر على أنّ قال الفقار فقط لكن قال فقار الصلب، لا أنّ في البدن في غير الصلب فقار، لكنّ كأنّه قال الفقار وموضعه من البدن الصلب. فعلى هذا المثال يفهم في هذا الفصل قوله أنّه إذا كان باطن البدن يحترق والجلد بارد فذلك من علامات الموت الهلاك. وذلك إنّما يكون في بعض الحمّيات التي لا تفارق. والعلّة فيه هي أنّه متى كان قد حدث ورم حارّ قوي في بعض الأعضاء الباطنة من جنس الأورام التي تكون من الدم التي يقال لها فلغموني أو من الأورام التي تكون من المرّة الصفراء التي تقال لها الحمرة

انجذب الدم كلّه إلى العضو العليل من البدن كلّه ولذلك يحترق باطن البدن حرارة والجلد بارد، كما تعرض في أوّل نوائب الحمّى.

قال أبقراط: متى التوت في حمّى غير مفارقة الشفة أو العين أو الأنف أو الحاجب أو لم ير المريض أو لم يسمع أيّ هذه كان وقد ضعف البدن فالموت منه قريب.

قال جالينوس: الالتواء يحدث في الأعضاء إذا تمدّد العصب الذي يتّصل بها وانجذب إلى أصوله وتشنّج، والتمدّد يعرض في العصب من قبل الأروام الحارّة والجاسية ومن فبل اليبس والبرد المفرط. وهذه الآفات كلّها إذا حدثت بالقرب من أصل العصب فهي صعبة. ولذلك إذا كانت الحمّى مطبقة وكان المريض قد ضعف ثمّ ظهر بعض هذه العلامات فالموت قريب،

ولا سيّما إذا لم يسمع المريض أو لم يصير لضعف القوّة الحساسية.

قال أبقراط: إذا حدثت في حمّى غير مفارقة رداءة في التنفّس واختلاط في العقل فذلك من علامات الموت.

قال جالينوس: ربّما كان هذان العارضان أعني تغيّر النفس وتغيّر العقل من سبب واحد وهو علّة تكون قد حدثت في الدماغ ويرى عند ذلك النفس، كما قال أبقراط في كتاب تقدّمة المعرفة يكون عظيماً فيما بين مدد طوال أعني عظيماً متفاوتاً. وقد يمكن أن يكون تغيّر النفس من علّة تحدث في بعض آلات التنفّس. فإنّ ورم الغشاء المستبطن للأضلاع وورم الرئة وسائر العلل التي تحدث في الصدر والرئة تغيّر النفس. وفي هذه الأمراض كلّها خطر شديد لا سيّما مع الحمّىى المطبقة التي من شأنها أن تكون دائماً مع هذه الأمراض،

فقوله في هذا الفصل أيضاً في حمّى غير مفارقة نظير لقوله ذلك في الفصل الذي تقدّم.

قال أبقراط: الخراج الذي يحدث في الحمّى فلا ينحلّ في أوقات البحرانات الأول ينذر من المرض بطول.

قال جالينوس: إنّ الأمر الذي وصفه أبقراط في هذا القول لأمر بيّن ولا أحسبه ممّا كان يحتاج من أبقراط فيه إلى قول. وذلك أنّه لا يشكّ أنّ الخراج إذا لم ينحلّ في الأيّام الأوّل من أيّام البحران فالمرض لا محالة يطول.

قال أبقراط: الدموع التي تجري في الحمّى أو في غيرها من الأمراض إن كان ذلك عن إرادة من المريض فليس ذلك بمنكر، وإن كان عن غير إرادة فهو أردأ.

قال جالينوس: قد قيل في كتاب تقدمة المعرفة إنّ الدمع إذا جرى من العين ليس هو بعلامة محمودة

إذا لم يكن في العين علّة خاصّية مثل رمد أو خشونة في الأجفان وما أشبه ذلك، لأنّ الدمع إذا جرى من غير علّة من العين وعن غير إرادة فهو يدلّ على ضعف من القوّة الماسكة. ولم يصب من كتب آخر حرف في هذا الفصل على طريق المقايسة «أردأ». والأجود كان أن يكتب مطلقاً على غير مقايسة رديء، وأرى أنّ الخطأ في هذا إنّما أتى من قبل الناسخ الأوّل لا من قبل أبقراط.

قال أبقراط: من غشيت أسنانه في الحمّى لزوجات فحمّاه تكون قوية.

قال جالينوس: ذلك لأنّ هذه اللزوجات لا يمكن أن تتولّد على الأسنان إلّا من حرارة قوية تعمل في رطوبة بلغمية حتّى تجفّفها.

قال أبقراط: من عرض له في حمّى محرقة سعال كثير يابس ثمّ كان تهييجه له يسيراً فإنّه لا يكاد يعطش.

قال جالينوس: السعال اليابس عندهم الذي لا ينفث معه شيء، وربّما كان من خراج رديء يحدث في آلات التنفّس، وربّما كان من خشونة الحلق أو من رطوبة رقيقة يسيرة تجري فيه. وأيّ هذه الأسباب كان سببه فإنّ قصبة الرئة وما يليها كأنّها تبتلّ به ولذلك يقلّ العطش. فإنّه وإن كان سبب السعال إنّما هو خشونة فقط فبحركة السعال قد تنجذب رطوبة ما من المواضع القريبة. وكذلك إن كان سببه إنّما هو تغيّر المزاج فقط.

قال أبقراط: كلّ حمّى تكون مع ورم اللحم الرخو الذي في الحالبين وغيره ممّا أشبهه فهي رديئة إلّا أن تكون حمّى يوم.

قال جالينوس: كلّ حمّى من نفس حدّها إنّما يكون يوماً واحداً فبقراط يسمّيها حمّي يوم. ومن هذه الحمّى الحمّى التي تكون مع ورم اللحم الرخو الذي في الأربيتين وغيرهما من البدن إذا كان حدوث ذلك الورم من سبب ظاهر. فأمّا سائر الأورام التي تحدث في هذا اللحم من غير سبب ظاهر فلا يكاد يحدث إلّا مع حدوث أورام حارّة في الأحشاء ولذلك الحمّى التي تكون معها تكون رديئة.

قال أبقراط: إذا كانت بإنسان حمّى فأصابه عرق فلم تقلع عنه الحمّى فتلك علامة رديئة، وذلك أنّها تنذر بطول من المرض وتدلّ على رطوبة كثيرة.

قال جالينوس: كان ينبغي أن يقرن هذا الفصل بالفصل الذي تقدّم الذي قال قيه العرق الكثير الذي يجري دائماً حارًّا كان أو بارداً فالبارد منه يدلّ على كذا والحارّ منه يدلّ على كذا. وقد دلّ في هذا الفصل من أيّ وجه قال إنّ هذا العرق رديء.

وأمّا رداءته فمن قبل لأنّه معما لا ينحلّ المرض ينذر منه بطول. وأمّأ السبب في طول مدّته فذكر أنّه كثرة الرطوبة لأنّ الرطوبة إذا كانت كثيرة احتاجت الطبيعة إلى مدّة طويلة حتّى تحلّلها وتنضجها فيجب من قبل ذلك ضرورة أن يطول المرض.

قال أبقراط: من اعتراه تشنّج أو تمدّد ثمّ أصابته حمّى انحلّ بها مرضه.

قال جالينوس: التمدّد صنف من أصناف التشنّج إلّا أنّه ليس تري فيه الأعضاء تتشنّج، لأنّها تتمدّد إلى وراء وإلى قدّام تمدّداً سواء ولذلك خصّ باسم التمدّد فتكون أصناف التشنّج ثلاثة التشنّج إلى خلف والتشنّج إلى قدّام والتمدّد. وجميع أصناف التشنّج تكون في قول أبقراط إمّا من امتلاء الأعضاء العصبية، وإمّا من استفراغها. فما تبع من التشنّج حمّى محرقة فواجب أن يكون حدوثه من اليبس.

وما كان من التشنّج يحدث ابتداء فواجب أن يكون تولّده من امتلاء. فهذا الصنف من التشنّج إذا حدث بعده حمّى حلّلت بعض رطوبة الفضل وأنضجت بعض برودتها، وهذان هما غرضا الأطبّاء فيما يعالجونه به. فبالواجب صار ما يحدث من التشنّج بعد الحمّى خبيثاً مهلكاً، وما يكون منه قبل الحمّى فليس بمهلك.

قال ابقراط: إذا كانت بإنسان حمّى محرقة فعرضت له نافض انحلّت بها حمّاه.

قال جالينوس: قد بيّنت في مقالة وصفت فيها أمر النافض أنّ النافض قد يكون من مرّة صفراء تتحرّك حركة سريعة في الأجسام الحسّاسة. ومن أصابه ذلك فبيّن أنّ بطنه ينطلق ويصيبه عرق وقيء مرار. ولأنّ المرار الذي هو مولّد للحمّى المحرقة يستفرغ فينقى منه البدن فإنّ تلك الحمّى تنحلّ وتنقضي. فقد أخبرنا أبقراط أنّ الحمّى المحرقة تكون

عند ما تجفّ العروق في الصيف تنجذب إليها رطوبات حادّة من جنس المرار.

قال أبقراط: الغبّ أطول ما تكون تنقضي في سبعة أدوار.

قال جالينوس: لا فرق بين الغبّ وبين الحمّى المحرقة في الخلط المولّد لهما. فإنّهما جميعاً إنّما يتولّدان من المرّة الصفراء. والفرق بينهما أنّ الحمّى المحرقة تكون إذا غلبت المرّة الصفراء وكثرت وغلبت في العروق مع الدم. وأمّا الغبّ فتكون إذا كانت الصفراء سائرة متحرّكة في البدن كلّه. والغبّ الخالصة هي الحافظة لطبيعتها صرفة نقية. والحافظة لذلك هي التي تكون المرّة الصفراء فيها من الغلبة والكثرة والحركة على ما وصفت والوقت مع ذلك صيف والبلد على مثال حال الوقت حارّ يابس وسنّ المريض ومزاجه على مثال هذا الحال. وإذا كانت الغبّ على مثل هذه من الحال

فنوائبها لا محالة تأتي مع نافض وانقضاء النوائب يكون بعرق أو بقيء صفراء أو باختلاف صفراء أو بجميع هذه كلّها. فإذا كانت الغبّ على مثل هذه من الحال كانت مدّة النوبة من نوائبها أنقص كثيراً من مدّة سكونها. وذلك أنّ الدور من أدوارها بأسره يتمّ في يومين وليلتين فإذا كانت خالصة لم تجد نوبتها تطول البتّة أكثر من اثنتي عشرة ساعة. فبقراط يقول فيما كان من الغبّ على هذه الصفة إنّها أطول ما يكون يأتي بحرانها وينقضي في سبعة أدوار. فإنّ ما يقوى عليه اليوم الواحد في الحمّى المطبقة هو ما يقوى عليه النوبة الواحدة في الحمّىى المفارقة. وبحرانها إنّما يكون على حساب النوائب. وهذا هو ما عنى أبقراط في كتاب تقدّمة المعرفة عند ذكره الحمّى الربع حين قال إنّ سكون الحمّى الربع أيضاً يكون على هذا النظام. فقد رصدنا وتفقّدنا البحران في الربع والغبّ ووجدناه يكون على حساب عدد الأدوار لا على حساب عدد الأيّام. من ذلك أنّ الدور السابع في الغبّ يقع في اليوم الثالث عشر من أوّلها

وفي ذلك اليوم في أكثر الأمر يكون بحران المرض وانقضاءه من غير أن ينتظر به الرابع عشر. وكما أنّ في الأمراض الدائمة حدّ الأمراض الحادّة هو اليوم الرابع عشر وحدّ الأمراض الحادّة جدّاً هو اليوم السابع، كذلك في الحمّيات المفارقة فإن أقصرها مدّة وهي الغبّ حدّها الذي لا يجاوزه الدور السابع. وكما يمكن أيضاً في الأمراض الحادّة جدّاً أن ينقضي المرض في اليوم الخامس وفي اليوم الرابع وفي اليوم الثالث، كذلك يمكن في الغبّ أن يكون انقضاءها في تلك الأعداد بأعيانها من أعداد الأدوار من غير أن ينتظر الطبيعة بالبحران الدور السابع. وأبقراط ربّما سمّى الغبّ التي هذه حالها غبّاً خالصة. وربّما اكتفى بأن يسمّيها غبّاً بقول مطلق من غير زيادة كما سمّاها في هذا الفصل لأنّ من عادته وسائر اليونانيين أن يسمّوا جميع ما كانت هذه حاله من الأشياء على هذين الوجهين.

قال أبقراط: من أصابه فى الحمّى الحادّة في أذنيه صمم فجرى من منخريه دم أو استطلق بطنه انحلّ بذلك مرضه.

قال جالينوس: قد قال أبقراط فيما تقدّم أيضاً إنّ الصمّ قد يكون عند احتباس اختلاف المرار وتصاعده إلى الرأس، وإنّ هذا الصمم إذا انطلق البطن انحلّ. وقد وصف في هذا الفصل هذا بعينه ووصف معه أمر الرعاف. فإنّ الرعاف أيضاً قد ينحلّ به الصمم العارض في الحمّى من غير أن يكون حدث حادث خاصّ في نفس آلة السمع. وليس يعجب أن يسكن الأعراض عند استفراغ الأخلاط المولّدة لها وانقلابها.

ثمّ قال بعد هذا: إذا لم يكن إقلاع الحمّى عن المحموم في يوم من أيّام الأفراد فمن عادتها أن تعاوده.

قال جالينوس: ما أرى أنّ أبقراط كتب هذا الفصل ولا أحسبه إلّا بعض الفصول التي دلّست عليه في هذا الكتاب. فإنّ أبقراط قد وصف في كتاب تقدّمة المعرفة وفي هذا الكتاب أعني كتاب الفصول تزيّد حساب أيّام البحران وتركيبه على أربعة أربعة، ووصف في كتاب ابيديميا مرضى كثيرين أتاهم البحران في الرابع عشر وليس في الرابع عشر فقط لكن في يوم العشرين وفي يوم الأربعين وفي يوم الستّين وفي يوم الثمانين. واليوم الرابع والعشرين أيضاً عنده يوم بحران واليوم الرابع والثلاثين وقبل هذه كلّها منذ أوّل الأمر في اليوم الرابع. فكيف يجوز أن يقول الآن إنّه إن لم يكن سكون الحمّى في يوم من الأيّام الأفراد لم يكن بمأمون ولا موثوق به. فالأجود أن يكتب مكان من الأيّام الأفراد من أيّام البحران، كما قد رأى قوم أن يكتبوا في نسخهم. وقد نجد في نسخ كثيرة مكان قي يوم من الأيّام الأفراد في أيّام البحران.

قال أبقراط: إذا عرض اليرقان في الحمّى قبل اليوم السابع فهو علامة رديئة.

قال جالينوس: إنّ اليرقان ربّما كان يدفع الطبيعة للمرّة الصفراء التي البدن كلّه وخاصّة إلى الجلد على طريق البحران. وقد يكون اليرقان على طريق العرض عند آفة تحدث بالكبد. والآفات التي تحدث بالكبد فيكون منها اليرقان ثلاثة الورم الصلب والورم الحارّ والسدّة، إلّا أنّ الورم الصلب مرض طويل مزمن يحدث على طول الأيّام. وأمّا الورم الحارّ والسدّة فقد يمكن أن يعرضا بغتة واليرقان الذي يحدث قبل اليوم السابع إنّما يكون من إحدى هاتين الآفتين. وذلك أنّه لا يمكن أن تنصب المرّة الصفراء أو تثبت في البدن على طريق البحران قبل السابع. والقول بأنّ اليرقات الحادث قبل السابع علامة رديئة حقّ، وليس القول بأنّ اليرقات الحادث بعد السابع سليم من الخطر حقّ، ولا قال هذا أبقراط في هذا الفصل، لأنّه قد يمكن أن يتطاول أمر الورم الحارّ وأمر السدّة حتّى يتجاوز السابع. فأمّا قبل السابع فلا يمكن أن تنصب المرار وتثبت في البدن على طريق البحران. وقد نجد في بعض النسخ زيادة في آخر هذا الفصل وهي هذه «إلّا أن تنبعث رطوبات من البطن»،

وأراد صاحب هذه الزيادة بها أن يستفرغ المرار مع انبثاثه في البدن من البطن.

قال أبقراط: من كان يصيبه في حمّاه نافض في كلّ يوم فحمّاه تنقضي في كلّ يوم.

قال جالينوس: لمّا كان النافض إنّما يكون عندما تتحرّك المرار ويثبت في البدن كلّه ولذلك ينتقض ويستفرغ في كلّ واحدة من نوائب الحمّى، فبالواجب صار البدن ينقى من الحمّى إذا كانت على هذه الحال في وقت تركها. وهذا هو معنى قوله في هذا الفصل إنّ حمّاه تنقضي في كلّ يوم، كأنّه قال إنّ الحمّى تقلع عن المريض في كلّ يوم حتّى لا يكون به منها شيء. وكما أنّه إن كان النافض يعرض في كلّ يوم كانت الحمّى تسكن في كلّ يوم، كذلك إن كان النافض يعرض غبًّا أو ربعاً كان سكون الحمّى على حسب ذلك، وكذلك الأمر يري يكون في أدوار الغبّ والربع، فإنّا نرى نوائب الحمّى تنقضي

ثمّ تعود فتحدث، إلّا أنّها وإن كانت تنقضي. فإنّها تبقى في البدن حال خارجة من الطبيعة فمن قبلها تكون عودات الحمّى على الدور وسائر الأعراض.

قال أبقراط: متى عرض اليرقان في الحمّى في اليوم السابع أو في التاسع أو في الرابع عشر فذلك محمود إلّا أن يكون الجانب الأيمن ممّا دون الشراسيف صلباً فإن كان كذلك فليس أمره بمحمود.

قال جالينوس: إنّي أرى أنّ الفصل الذي قبل هذا أدخل فيما بين الفصل الذي قبله وبين هذا الفصل على غير نظام. وذلك أنّ الأجود كان أن يقرن هذا الفصل بالفصل الذي قيل فيه «إذا عرض اليرفان في الحمّى قبل اليوم السابع فهو علامة رديئة» حتّى يكون القول كلّه على هذا المثال «إنّ اليرقان متى عرض فبل اليوم السابع فهو لا محالة علامة رديئة فإن عرض في السابع أو بعده فهو علامة محمودة إلّا أن يكون الجانب الأيمن ممّا دون الشراسيف صلباً، يعني إلّا أن يكون في الكبد

بعض الآفات التي ذكرناها قبيل. وذلك أنّه لمّا كان الدم إنّما يتخلّص حتّي ينقى الكبد وكان المرار إنّما يأخذ المجاري المؤذية له إلى المرارة من العروق التي في الكبد، وجب ضرورة متى حدثت السدّة في بعض المواضع التي تأخذ ذلك المرار أو ورم حارّ أو صلب أن لا يتخلّص الدم ويتهذّب وينقى لكن ينفذ المرار معه إلى البدن كلّه، وإذا كان ذلك فيجب ضرورة أن يحدث اليرقان.

قال أبقراط: متى كان في الحمّى التهاب شديد في المعدة وخفقان في الفواد فتلك علامة رديئة.

قال جالينوس: إنّه ممّا قد اتّفق عليه أنّه ليس العضو النابض من ذاته بالطبع يسمّى بالفواد فقط، لكن قد يسمّي القدماء رأس المعدة بهذا الاسم حتّى أنّهم يسمّون الأوجاع العارضة في هذا الموضع أوجاع الفواد. فأمّا خفقان الفواد فأكثر من فسّر كتاب الفصول رأى أنّ معناه ومعنى وجع الفواد واحد.

وقد قال قوم إنّه عنى بخفقان الفواد حركة تفور من نفس القلب وفسّروا حركة التفوّر فقالوا إنّها حركة متواترة شبيهة بالاختلاج. والالتهاب الشديد يكون في المعدة من قبل المرّة الصفراء إذا فارت وغلبت في طبقاتها. فبالواجب يعرض لمن كانت هذه حاله اللذع في فم المعدة وهو ما عنى بقوله خفقان الفواد ولذلك صار هذا العارض عرضاً رديئاً. فإن فهمت من قوله خفقان الفواد الحركة المتواترة السريعة من القلب ولا سيّما إذا كانت شبيهة بالاخلاج، فهذا العارض من الرداءة في الغاية لأنّه يدلّ على أن يتنوّع الحياة قد حمّى وسخن بسخونة نارية.

قال أبقراط: التشنّج والأوجاع العارضة في الأحشاء في الحمّيات الحادّة علامة رديئة.

قال جالينوس: الحمّى القوية الشديدة تجفّف العصب بمنزلة النار فتمدّده وتجذبه وعلى هذا الوجه يحدث التشنّج المهلك. وربّما عرض في الأحشاء

أيضاً الورم من هذه الحال بعينها أعني من شدّة الالتهاب واليبس، ولذلك قال إنّ هذه الحال حال رديئة، وأحرى أن تكون رداءتها أزيد متى كان الوجع وجعاً شديداً. وقد علمنا أنّه قد تعرض الأوجاع في الأحشاء بسبب الورم الحارّ إذا عرض فيها الحمرة والسدّة القوية أو الخراج، ولكنّه ليس يشبه أن يكون كلام أبقراط في هذا الفصل في تلك الأوجاع، لأنّ الخطر في تلك ظاهر مكشوف وليس يجب ضرورة أن يكون أمرها متّصلاً بأمر التشنّج، ومن عادة أبقراط أنّه إذا قال في الحمّيات أن يعني في الأمراض التي إنّما هي حمّى لا الأمراض التي الحمّى فيها عرض لازم لعلّة عضو حدث فيه بعض الأمراض التي تقدّم ذكرها.

قال أبقراط: التفزّع والتشنّج العارضان في الحمّى من النوم من العلامات الرديئة.

قال جالينوس: قد قال أبقراط فيما تقدّم أيضاً إنّ النوم الذي يضرّ المريض من علامات الموت، والنوم الذي لا يضرّه ليس هو من علامات الموت. وأتى على قوله بمثال حين قال متى سكن النوم اختلاط الذهن فتلك علامة صالحة، فدلّ أبقراط بذلك أنّه قد يكون من النوم ما لا يسكن اختلاط الذهن لا بل ربّما زاد فيه وربّما ولّده. وذكر في هذا الفصل مثالات أخر تدلّ على الضرر الحادث من النوم وهي التفزّع والتشنّج. وفي بعض النسخ يوجد مكان «التفزّع» «التوجّع»، وقد رأينا مراراً كثيرة في أمراض مهلكة التفزّع والتوجّع والتشنّج يحدث من النوم. ويشبه أن يكون ذلك يعرض عند مصير الخلط المؤذي المولّد للمرض في وقت النوم إلى الدماغ، لأنّ حركة الطبيعة في ذلك الوقت تكون إلى داخل البدن أكثر منها إلى خارج. وكما أنّ الإنسان أيضاً إذا صار بعد تناول الطعام إلى النوم عرض له في رأسه امتلاء، كذلك إذا صار إلى النوم من في بدنه امتلاء وكثرة من الأخلاط يعرض له في رأسه امتلاء فيثقل الدماغ. فإن كان الخلط الغالب مائلاً إلى السوداء عرض منه التفزّع، وإن لم يكن كذلك عرض منه التوجّع والتشنّج،

وقد كان النوم سيضرّ دائماً بسبب انصباب الموادّ فيه إلى عمق البدن وممّا يلي الأحشاء، لو لا أنّ منتفعته بسبب إنضاجه لما كان يحتاج إلى النضج أكثر من مضرّته بسبب ميل الأخلاط فيه إلى داخل. وليس اجتماع الأخلاط الرديئة في الدماغ فقط يحدث هذه الأعراض لكن قد يحدثها أيضاً اجتماعها في فم المعدة، فإنّ تصاعد البخار في وقت النوم من هناك يكون أكثر، فإذا كانت الأخلاط قد بقيت عديمة للنضج فالنوم العارض بسببها ضارّ ومتى نضجت فإنّ النوم الذي يجليه يكون نافعاً.

قال أبقراط: إذا كان الهواء يتعثّر في مجاريه من البدن فذلك رديء لأنّه يدلّ على تشنّج.

قال جالينوس: ينبغي أن تفهم عنه أنّه يعني بالهواء في هذا الموضع هو التنفّس، كما استعمل هذه اللفظة في كتاب تقدّمة المعرفة فإنّ هواء التنفّس إذا تعثّر في مجاريه، يعني إذا حبسه شيء في طريقه حتّى ينقطع دلّ على تشنّج.

وذلك أنّ هذا التنفّس إنّما يكون وقد نال العضل والعصب المحرّك للصدر طرف من التشنّج. فإن تزيّدت تلك الجال وسعت في أعضاء أكثر اعترى صاحبها تشنّج ظاهر. وحركة التنفّس تكون على وجهين، وذلك أنّ منها إدخال للهواء وحركته إلى داخل، ومنها إخراجه وحركته إلى خارج. فتعثّر الهواء ربّما كان في إدخال النفس وهو الذي قال فيه أبقراط إنّ إدخال النفس قد يتضاعف حتّى كان الإنسان يستنشق استنشاقاً بعد استنشاق، وربّما كان ذلك التعثّر في إخراج النفس وهو الذي قال فيه أبقراط إنّ الهواء يتعثّر في مجاريه عند حركته إلى خارج. وفي كلّ واحد من هذين القولين إنّما ذكر أحد جزئي التنفّس وقط. وأمّا في هذا الفصل الذي نحن في تفسيره فجعل كلامه في النفس كلّه فقال إذا كان الهواء يتعثّر في مجاريه يعني كان ذلك في حركته إلى داخل أو في حركته إلى خارج أو فيهما جميعاً.

قال أبقراط: من كان بوله غليظاً شبيهاً بالعبيط يسيراً وليس بدنه ينقى من الحمّى فإنّه إذا بال بولاً كثيراً رقيقاً انتفع به،
وأكثر من يبول هذا البول من كان يرسب في بوله منذ أوّل مرضه أو بعده سريعاً ثفل.

قال جالينوس: إنّ أبقراط لم يقتصر على أن قال من كان بوله غليظ حتّى زاد شبيه بالعبيط وهو يريد أن يدلّ بذلك على أحد أمرين إمّا على مقدار غلظه وإمّا على اختلاف قوامه وتشتيته، حتّى يرى فيه قطع كثيرة متجاوزة مثل قطع العبيط. وقد يوجد في بعض النسخ مكان شبيه العبيط شبيه بالحصاة، وكذلك نجد في نسخة نوميسيانوس وفي نسخة ديونيسيوس، فإن كان هذان أرادا أن يدلّا مع الثخن على النتن فقد قصد الدلالة على شيء لم يدلّ عليها غيرهما. فإن كانا إنّما قصد الدلالة على مقدار الثخن فلم يزيدا على ما أشار إليه غيرهما شيء. وكلام أبقراط كلّه في هذا الموضع يظهر أنّه لم يرد به البول المنتن، وإنّما أراد به البول اليسير الغليظ فقط، كما قد بيّن لك ما وصفه بإزاء ما تقدّم من قوله. فإنّه قال إذا بال بولاً كثيراً رقيقاً انتفع به، فلو كان اقتصر على أن قال من كان بوله غليظاً يسيراً لما كان في قوله نقصان.

وقد يبول قوم مثل هذا البول من غير حمّى عند ما تدفع الطبيعة فضول البدن كلّه وتنقيها على طريق الكلى. وقد يبول قوم مثل هذا البول مع حمّى، وخليق أن يتوهّم المتوهّم على من كانت به حمّى أنّ انقلاب هذا البول إلى ضدّ ما كان عليه ليس بمحمود، لأنّ انقلاب البول في أكثر الأمر في الحمّيات إنّما يكون عن رقّه يكون فيه في أوّل الأمر إلى أن يزداد غلظاً كلّما قارب المرض انقضاءه، وأرى أنّ أكثر ما دعا أبقراط إلى أن كتب هذا الفصل الذي وصفته، لأنّه أراد أن يخبر بأمر نادر. وذلك أنّه ربّما كان البول في أوّل المرض أو بعد أوّله بزمان يسير غليظاً ثخيناً فرسب فيه ثقل لثقله. وما كان من البول على هذه الصفة فليس الثقل الراسب فيه بعلامة محمودة، كما هو في غيره من البول الذي يكون رقيقاً في أوّل الأمر ثمّ يرسب فيه الثقل من قبل نضج المرض كلّه. وبالواجب يكون البول الثخين في مقداره يسيراً لأنّه لا ينفذ الكلى إلّا بكدّ. فإذا استفرغ أكثر ذلك الخلط الرديء

ونضج ما يبقى منه، استفرغ عند ذلك من البول ما هو أرقّ كثيراً ممّا كان قبل، فإنّ القول هكذا هو أجود من أن يطلق كما أطلقه أبقراط فقال رقيق، لأنّ البول الطبيعي ليس هو رقيقاً مطلقاً ولا ثخيناً لكنّه متوسّط فيما بين الإفراطين معتدل فهو أغلظ من الرقيق المائي وأرقّ من الثخين الشبيه بالغليظ. وبالواجب يكثر لأنّه كان قبل يحتبس في الوقت الذي كان يعسر نفوذه لثخنه.

قال أبقراط: من بال بولاً متثوّراً شبيهاً ببول الدوابّ فيه صداع حاضر أو سيحدث به.

قال جالينوس: قد وصّل قوم هذا الفصل بالفصل الذي قبله يجعلونه جزءاً منه على هذا المثال «فأمّا من بال بولاً متقلّباً فيه صداع حاضر أو سيحدث به». وبعض من رضى هذه النسخة رأى أنّ معنى قوله متقلّب أي على ضدّ حال البول الأوّل ويعني أنّه يكون رقيقاً،

وبعضهم رأى أنّ معنى قوله متقلّب أي متثوّر. والقول بأنّ البول الرقيق يدلّ على الصداع كذب. وذلك أنّا نرى الصداع ربّما كان مع البول المتثوّر ربّما كان قبله أو بعده. وقد وصف أبقراط حال البول المتثوّر صفة بيّنة فقال «شبيه ببول الدواب» وإنّما يكون البول كذلك إذا عملت الحرارة في مادّة غليظة كثيفة. فإنّا إنّما نرى ما كان من الموادّ على هذه الصفة خاصّة إذا عملت فيه الحرارة الخارجة تتولّد منه الرياح حتّى يتثوّر، مثل القير والزفت والراتينج وما أشبه ذلك. ومن هذا البول ما يبقى زماناً طويلاً وهو متثوّر، ومنه ما يرسب فيه ثقل غليظ بسرعة وإذا كان كذلك دلّ على أنّ المرض ينقضي سريعاً. فأمّا البول الآخر الذي لا يرسب فيه ثقل بل يبقى على تثوّره فإن كانت القوّة معه قوية دلّ على طول من المرض، وإن كانت القوّة معه ضعيفة دلّ على أنّ المرض يموت، إلّا أنّ ما وصفنا من هذا فضل خارج عن ذكر ما في هذا الفصل وقصدنا لصفته لما فيه من المنفعة. فأمّا ما يحتاج إلى صفته بعد في شرح هذا الفصل

فهو أنّه يجب ضرورة إذا كان البول متثوّراً على ما وصف أبقراط أن يكون معه صداع حاضر أو يحدث بعده أو يكون قد تقدّمه، وذلك أنّ الرياح الغليظة مع الحرارة تسرع الصعود إلى الرأس، إلّا أنّه لا يجب ضرورة أن يكون متى كان إنسان قد صدع أو يصدع أن يكون بوله على هذه الصفة. وذلك أنّه قد يكون الصداع من حرارة فقط وربّما كان من مرّة صفراء إمّا في الرأس حاصلة وإمّا في المعدة وربّما كان من رطوبات كثيرة مستكنه في الرأس وربّما كان من سدّة فيه وربّما كان من رياح غليظة متولّدة في الرأس، وليس يوجب واحدة من هذه الحالات ضرورة أن يكون البول على ما وصفت.

قال أبقراط: من يأتيه البحران في السابع فإنّه قد يظهر في بوله في الرابع غمامة حمراء وسائر العلامات تكون على هذا القياس.

قال جالينوس: كما أنّ أكثر من فسّر هذا الكتاب قد بيّن عن نفسه في مواضع أخر كثيرة أنّه لا خبر له بعلم أبقراط وخذقه بهذه الصناعة، كذلك قد بيّنوا عن أنفسهم ذلك في تفسيرهم لهذا الفصل. وذلك أنّهم ظنّوا

أنّ أبقراط إنّما استثنى في هذا الفصل فقال «وسائر العلامات تكون على هذا القياس»، وهو يريد أنّ العلامات التي تؤخذ من النوم أو من اليقظة أو من التنفّس أو من الاضطجاع أو من النهوض أو من غير ذلك ممّا أشبهه ممّا وصفه في كتاب تقدّمة المعرفة إذا ظهرت كلّها على ما ينبغي أن يكون دلّت على أنّ البحران يكون في اليوم السابع، وهم عندي قد جهلوا في ذلك أعظم أصول تقدّمة المعرفة وجملها. وذلك أنّ المرضي قد يسهرون في أكثر الأمر ويقلقون وتشتدّ بهم الحمّى ويثقلون كلّما قربوا من يوم البحران. وكثير منهم يتغيّر نفسهم بالقرب من البحران. فليس إذا يحتاج إلى العلامات التي ظهرت في البول أن يكون خلو من هذه الأعراض التي وصفت حتّى يصحّ الرجاء للبحران الكائن فيما بعد، لكنّه إنّما عنى بقوله أنّ سائر العلامات تكون على هذا القياس علامات أخر كثيرة تظهر كثيراً أكثر ممّا تظهر هذه العلامات التي وصفت ممّا لا يشبه أن يكون عرف شيئاً منها القوم الذين أقدموا على تفسير كتب أبقراط، قبل أن يتعلّموا ويستوعبوا جميع علمه وحذقة بهذه الصناعة. وذلك أنّ اليوم الرابع يوم إنذار، كما قد خبّر بذلك أبقراط، وهو يدلّ كيف تكون الحال في اليوم السابع،
فكلّ علامة ذات قدر تظهر فيه لم تكن ظهرت قبله تدلّ على النضج فهي تدلّ على البحران الكائن في اليوم السابع، فليس إذا الغمامة الحمراء التي تظهر فيه فقط ولم تظهر قبله تدلّ على البحران الكائن في السابع، لكنّ الغمامة البيضاء أحرى أن تدلّ على ذلك. وأولى منها بالدلالة على ذلك السحاب الأبيض المتعلّق في وسط من البول إذا كان مستوياً مجتمعاً. وإن كان المرض سريع الحركة جدّاً فإنّ تغيّر اللون وحده وتغيّر القوام يكون في كلّ واحد منهما دلالة كافية على البحران الكائن في السابع. من ذلك أنّ البول الرقيق إذا غلظ في الرابع غلظاً معتدلاً والبول الأبيض أنّ أصغر فيه حتّى يصير أترنجياً فيمن حاله من المرض الحال التي وصفت. فإنّه ينذر ببحران كائن في السابع فذكر أبقراط علامة واحدة باسمها وهي الغمامة الحمراء. وأمر أن يفهم أمر سائر العلامات التي تدلّ على البحران المزمع بأن يكون على حسب ما رسمه أبقراط لنا فيها. وتلك العلامات هي العلامات التي تحدث في الأيّام التي نسمّيها أيّام الإنذار ممّا يظهر في البول أو في البراز أو في البصاق. فإنّ هذه العلامات كلّها تدلّ دائماً على بحران يحدث، إلّا أنّها لا تدلّ دائماً على أنّ ذلك البحران يكون محموداً. وليس يدلّ على البحران المحمود إلّا علامات النضج فقط
إذا ظهرت في أيّام الإنذار. فهذا هو معنى قوله في هذا الفصل وإنّما ذكر الغمامة الحمراء دون غيرها لأنّ هذه العلامة علامة نادرة، لأنّ الغمامة البيضاء كثيراً ما تظهر وهي من أبين العلامات الدالّة على النضج. وأمّا الغمامة الحمراء فقليلاً ما تظهر ولو لا أنّ أبقراط فيما أحسب قال في هذا الفصل إنّها أيضاً إذا ظهرت في يوم إنذار دلّت على بحران كائن لما كان أحد يرى أنّ لها هذه القوّة إذا كان اللون الأحمر يدلّ على سلامة، إلّا أنّه يدلّ مع ذلك على أنّ المرض أزيد طويلاً. فقد قال أبقراط فيه في كتاب تقدّمة المعرفة قولاً بهذا الافظ «فإن كان البول مائلاً إلى الحمرة القانية وكان الثقل الراسب فيه بذلك اللون ومع ذلك أملس فإنّه يدلّ على أنّ المرض أطول من الأوّل إلّا أنّه سليم جدًّا». وقد ينبغي أن تنظر وتستقصي النظر هل هذه الغمامة إذا ظهرت في اليوم الرابع تدلّ على أنّ البحران يكون في السابع، فإن ظهرت في غير الرابع من أيّام الإنذار لم تدلّ على بحران كائن في اليوم الذي ينذر به ذلك اليوم أم الأمر على خلاف ذلك. وقولي «ينبغي أن تنظر في هذا» إنّما عنيت به أنّه ينبغي أن تتفقّد وترتصد في المرضى. وذلك أنّه قد يمكن على طريق القياس أن يحتجّ في القولين جميعاً إلّا أنّ الحجّة في أنّ هذه العلامة لا تنذر بالبحران إذا ظهرت في غير الرابع على مثال ما ينذر إذا ظهرت فيه أصحّ وأقوى إلّا أن يكون المرض يتحرّك حركة سريعة جدًّا.

وذلك أنّ هذه العلامة إذا ظهرت في اليوم الرابع فما يأتي بعد ظهورها من الزمان إلى حلول السابع مساوي لما مضى منه قبل ظهورها وكذلك قد يمكن أن يدلّ على بحران يكون في السابع. فأمّا متى ظهرت هذه العلامة في اليوم الحادي عشر فلا يكاد فيما أرى أن يكون إنّما يحتاج إلى ثلاثة أيّام فقط حتّى يحلّ البحران لكن قد يحتاج من الأيّام إلى ما هو أكثر من ذلك. وذلك أنّ من أصحّ الأشياء أنّ هذا اللون متى ظهر دلّ على فضل تأخير من انقضاء المرض. وقد رأيت مراراً ليست بالكثيرة هذه العلامة قد ظهرت في أيّام أخر غير الرابع. فمن ظهرت فيه في السابع أتاه البحران في اليوم الرابع عشر، ومن ظهرت فيه في اليوم الرابع عشر أتاه البحران في اليوم العشسرين. وقد رأيت من ظهرت فيه هذه العلامة في اليوم الحادي عشر فأتاه البحران في السابع عشر، ورأيت أخر ظهرت فيه هذه العلامة في اليوم الحادي عشر فأتاه البحران في اليوم العشرين.

قال أبقراط: إذا كان البول ذا مستشفّ أبيض فهو رديء وخاصّة في أصحاب الحمّى التي مع ورم الدماغ.

قال جالينوس: إذا كان البول على هذه الصفة فهو يدلّ على غاية البعد من النضج، ولذلك قد ينذر بطول من المرض،

وممّا الحال فيه هذه الحال من الأمراض ما يسبق فتحلّ القوّة فيكون مرضاً مهلكاً، كما قد نرى في الحمّى التي تكون مع ورم الدماغ. فإنّي لا أعلم أحدًّا من أصحاب هذه العلّة ممن رأيت بوله على هذه الحال يسلم. وذلك أنّ الأجود إذا كانت هذه العلّة إنّما أصلها كلّه المرار أن نرى الغالب على البول أيضاً المرار. فأمّا البول المائي وهو البول الذي وصفه أبقراط بأنّه ذو مستشفّ أبيض فإنّه يدلّ على كثرة البعد من النضج ويدلّ مع ذلك أنّ حركة المرّة الصفراء كلّها إنّما هي إلى فوق نحو الرأس. وذلك أنّه قد يكون البول ذا مستشفّ من غير أن يكون أبيض إذا كان قوامه قواماً رقيقاً صافياً وكان غالب على لونه لون المرار. فأمّا البول الذي قد جمع أن يكون له مستشفّ وأن يكون أبيض فهو في الغاية من المائية. وقد وصفنا معنى هذا القول صفة بيّنة على حسب النسخة التي فيها «وخاصّة في أصحاب الحمّى التي مع ورم الدماغ» لا غير. وقد توجد نسخة أخرى فيها «ويظهر خاصّة في أصحاب الحمّى التي مع ورم الدماغ»، ومعنى هذا الكلام على حسب تلك النسخة هو أنّ البول المائي رديء وإنّما يرى ذلك كذلك خاصّة فيمن كان من أصحاب الحمّى التي مع ورم الدماغ في حال رديئة مهلكة. وذلك أنّه ليس يرى هذا البول في جميع أصحاب تلك العلّة كما فهم قوم ممّن فسّر هذا الكتاب ممّن لم يختبر شيئاً ممّا يظهر في المرضي.

وقد نجد هذا الفصل في بعض النسخ مكتوباً على هذا المثال «ويرى كذلك خاصّة في أصحاب الحمّى التي مع ورم الدماغ»، ومعنى ما في هذه النسخة وما في النسخة الثانية معنى واحد.

قال أبقراط: من كانت المواضع منه التي فيما دون الشراسيف عالية فيها قرقرة ثمّ حدث له وجع في أسفل ظهره فإنّ بطنه يلين إلّا أن تنبعث منه رياح كثيرة أو يبول بولاً كثيراً وذلك في الحمّيات.

قال جالينوس: إنّ أبقراط يعني بقوله في «المواضع التي فيما دون الشراسيف» أنّها عالية أن تكون منتخفة وذلك يكون من أسباب كثيرة، وأحد تلك الأسباب الريح الغليظة النافخة التي كلامه في هذا الفصل فيها، وهذه الريح تكون على ضربين ربّما كانت من حال المعدة والمواضع التي تليها متمكّنة ثابتة يعسر انحلالها وربّما كانت من سبب حادث. فبقراط يفرق في هذا الفصل بين هاتين الحالين. فإنّ الحال الأولى

لا تكون معها قرقرة لكن تكون المواضع التي فيما دون الشراسيف فيها متمدّدة منتفخة كأنّها زقّ. وأمّا الحال الأخرى فتكون معها قرقرة. ومعنى القرقرة صوت يسمع للريح إذا لم تكن بعظيم ولا بكثير لكن كانت الريح تتحرّك إلى أسفل مع رطوبة يسيرة. ويعرض إذا انحدرت هذه القرقرة أن يحيط معها انتفاخ المواضع التي فيما دون الشراسيف إلى ما يلي أسفل الصلب، فإذا تمدّدت من قبل تلك الأعضاء التي هناك عرض في ذلك الموضع وجع. ثمّ إنّه ربّما تأدّت تلك الرطوبة إلى العروق فخرجت الريح وحدها، وربّما خرجت الرياح مع الرطوبة. والرطوبة التي تتأدّى إلى العروق أيضاً في أكثر الأمر تخرج بالبول. فقد أحسن في قوله أنّه عند ظهور العلامات التي وصف ينطلق البطن إلّا أن تسبق الرطوبة فتتأدّى على حدّتها إلى العروق وتخرج الرياح التي بها في الأمعاء من المعدة على حدّتها. وربّما تأدّيا كلّتاهما إلى العروق أعني الرطوبة والرياح فينفذان سريعاً إلى المثانة. فأمّا ما استثناه في آخر هذا الفصل

وهو قوله «وذلك في الحمّيات» فأرى أنّه إنّما أراد أن يدلّ على ما أصف. أقول إنّه كان من عادة الأوائل إذا قالوا إنّ إنساناً اعترته حمّى أو أصابته حمّى أن يعنوا به من حمّ من غير ورم حادّ ولا خراج ولا حمرة ولا علّة من العلل بالجملة يخصّ عضواً من الأعضاء. فأمّا من حمّ من قبل ورم يحدث فيه في جنبه أو في رئته أو في أحد سائر أعضائه فلم يكن من عادتهم أن يقولوا إنّه أصابته حمّى أو اعترته حمّى، لكن كانوا يقولون إنّه أصابته ذات الجنب أو ذات الرئة أو ذات الكبد أو ذات الطحال أو غير ذلك ممّا أشبهه. فبقراط يريد في هذا الموضع أن يدلّ فيما أرى على إحدى مرّتين إمّا على أنّ هذه الأعراض التي ذكرنا إنّما jعرض في الحمّيات التي ليس معها علّة خاصّة في عضو من الأعضاء أو على أنّ هذه الأعراض قد تحدث في تلك الأمراض، إلّا أنّه لا ينطلق فيها البطن أو ينبعث فيها رياح أو بول. وذلك أنّ القرقرة في تلك الأمراض ليس تكون بحركة طبيعية تدفع بها الأعضاء عنها الرياح الغليظة النافخة، وإنّما تكون على طريق العرض فقط.

قال أبقراط: من يتوقّع له أن يخرج به خراج في شيء من مفاصله فقد يتخلّص من ذلك الخراج ببول كثير غليظ أبيض ببوله كما قد يبتدئ في اليوم الرابع في بعض من به حمّى معها إعياء، فإن رعف كان انقضاء مرضه مع ذلك سريعاً جدًّا.

قال جالينوس: قد قلت قبل إنّ الخراج يخرج في المفاصل فيمن أتعب مفاصله قبل المرض وفيمن أصابه الإعياء في نفس مرضه على أيّ وجه كان، ومع ذلك أيضاً فيمن يطول به المرض من قبل كثرة الأخلاط الغليظة فيه. فإن قويت الطبيعة على أن تنقض البدن وتنقيه بالبول سلم بذلك المريض من الخراج باستفراغ الطبيعة بالمثانة ما هو مزمع أن يتجلّب إلى بعض المفاصل فيولد الخراج. واكتفى أبقراط يذكر الحمّى التي معها الإعياء فجعلها مثالاً لغيرها، وجعل ابتداء ميل الفضل فيها إلى طريق البول في اليوم الأوّل من أيّام الإنذار. فإنّ هذه الحمّى التي معها الإعياء من شأنها أن يحدث الخراج

سريعاً، وليس ينتظر به مدّة أطول كسائر الحمّيات. وقد يعرض لأصحاب هذه الحمّى الخراج عند الأذن، كما يعرض لأصحاب العلل المزمنة أن تكون تجلب الفضول وتولّد الخراج فيما أسفل أكثر. فأمّا إذا كانت الحرارة كثيرة فدفعت المادّة إلى فوق فإنّه إمّا أن يحدث خراج عند الأذن وإمّا أن يحدث رعاف، وليس يحتاج إلى كلام في أنّ انقضاء المرض يكون بالرعاف أسرع منه بالبول. ولذلك زاد أبقراط في قوله عند ذكره الرعاف حين قال إنّ انقضاء المرض يكون سريعاً جدّاً لأنّ الاستفراغ الآخر الذي يكون بالبول يحتاج إلى أيّام كثيرة. وأمّا قوله «في اليوم الرابع» فإنّه إنّما جعله مثالاً وينبغي أن تفهم منه سائر جميع أيّام الإنذار والبحران على مثال ما وصفه فيه.

قال أبقراط: من كان يبول دماً وقيّحاً فإنّ ذلك يدلّ على أنّ به قرحة في كلاه أو في مثانته.

قال جالينوس: إنّه متى كانت قرحة في المثانة أو في الكلى ثمّ كانت منهما في موضع عرق ذي قدر وخاصّة مع تأكّل فإنّه يتبعها بول دم. ومتى كانت القرحة في غير موضع عرق ومع غير تأكّل فإنّه يتبعها بول مرّة وحدها. وقد يمكن أن تكون القرحة في أحد مجريي البول فينال بسببها مدّة ودم. وهذان المجريان هما متوسّطان فيما بين الكلى والمثانة، وينبغي أن تفهمهما محصورين فيما ذكره أبقراط من أمر الكلى والمثانة. وما أكثر ما تعرض القرحة في هذين المجريين فيمن يتولّد في كلاه الحصى إذا مرّت فيها حصاة محدّدة أو خشنة جدّاً ثمّ لحجت فيهما حتّى تسحجهما. فأمّا القروح التي تكون في نفس الإحليل فقد يخرج منها القيح والدم من غير بول. وربّما خرجت المدّة مع البول عند انفجار خراج في بعض المواضع التي هي أعلى من المثانة والكلى. ولذلك فيما أحسب اختار أكثر المفسّرين النسخة التي فيها دم وقيح على النسخة التي فيها دم أو قيح، أعني أنّهم اختاوا النسخة التي فيها «من كان يبول دماً وقيحاً فإنّ ذلك يدلّ على أنّ به قرحة في كلاه أو في مثانته»، وأرادوا أنّ أحدهما وهو المدّة إذا بيل فقد يمكن أن لا تكون القرحة في الكلى أو في المثانة لكن

يدلّ على بعض المواضع التي هي أعلى منها. ويمكن أن يكون هؤلاء قد قالوا أشياء، ويمكن أن يكون أراد بقوله «من كان يبول دماً» أن يدلّ على معنى غير المعنى الذي يدلّ عليه قوله لو قال «من بال دماً» حتّى يكون التحديد والتلخيص محصوراً في نفس هذا اللفظ. وذلك أنّه ليس قول من قال «من كان يبول دماً وقيحاً» بمساوي لقول من قال «من بال دماً وقيحاً». وذلك أنّه قد يمكن إذا انفجر خراج إلى ناحية آلات البول أن يبول صاحبه يوماً أو يومين أو ثلاثة مدّة. وأمّا متى دام بول المدّة أيّاماً كثيرة أو أشهراً فإنّ ذلك إنّما يدلّ على قرحة في الكلى أو في المثانة. ويمكنك أن تميّز وتعلم في أيّ الموضعين هي القرحة من الوجع الكائن في المواضع المختلفة ومن الأشياء التي تخرج مع البول التي يذكرها بعد. والقول في مجرى البول شبيه بالقول في الكلى والمثانة.

قال أبقراط: من كان في بوله وهو غليظ قطع لحم صغار أو بمنزلة الشعر فذلك يخرج من كلاه.

قال جالينوس: أمّا قطع اللحم الصغار فيدلّ على أنّها من نفس جوهر الكلى. وأمّا ما هو بمنزلة الشعر فلا يمكن أن يكون من نفس جوهر الكلى. وذلك أنّه لا يمكن أن ينحلّ جرم الكلى إلى مثل هذه الطبيعة، ومن قال ذلك فهو جاهل بطبيعة الكلى. ولا يمكن أيضاً أن يكون ذلك من جوهر المثانة إذا تحلّلت وتأكّلت كما ظنّ قوم، لأنّ الأجزاء التي تنحلّ من المثانة بالصفائح أشبه كما يقول أبقراط بعد قليل ويسمّيها قشوراً، لكنّ الأمر بالحقيقة هو على ما أصف. وقد اتّفق لنا أن رأيناه مراراً كثيرة على أنّ غيرنا من الأطبّاء ممّن كثرت تجربته قد ذكروا أنّهم لم يروا هذا البول إلّا مراراً قليلة. وأهل زماننا من الأطبّاء يسمّون هذه العلّة تولّد الشعر لأنّ ما يجيء في البول فيه يشبه الشعر وخاصّة الشعر الأبيض. وقد رأيت منذ قريب من بال من هذا الشعر ما له من الطول ما لا يكاد يصدق به من يسمعه. وذلك أنّ بعضه كان يكون طوله من نحو نصف دراع. وكانت قصّة هذا الرجل أنّه مكث نحو من سنة قبل أن يبول هذا البول يأكل كثيراً باقّلى مطحوناً وجبناً رطناً ويابساً.

وقد رأيت آخرين ممّن عرض لهم أن بالوا هذا البول من قبل أنّهم استعملوا أطعمة تولّد خلطاً غليطاً. وهذا الخلط الغليظ إذا عملت فيه الحرارة حتّى تحرقه وتجفّفه في الكلى تولّد منه هذا الشعر. وعلاج هذا الداء يشهد على صحّة القياس في وجود سببه. فإنّ الذين أصابتهم هذه العلّة إنّما برئوا بالأدوية الملطّفة المقطعة مع تصيير سائر التدبير والغذاء مرطّباً. ولو أنّه كان في الكلى أو في المثانة قرحة تبلغ من عظمها أن ينحلّ جوهرها إلى مثل هذه الأجسام لما كان أصحابها لينتفعوا بتلك الأدوية بل كانت تزيد في علّتهم ونهيجها غاية النهيج. فبقراط حقيق بأن يعجب منه في هذا كما يعجب منه في سائر الأمور إذ كنّا قد نجده قد وقف على هذا الأمر وعرفه وكثير من الأطبّاء لم يعرفه إلى هذه الغاية. وتصحيحه الألفاظ أيضاً نحو هذا المعنى عجيب جدًّا. وذلك أنّه إنّما قال «فذلك يخرج من كلاه» ولم يقل في هذا الفصل كما قال في الفصل الذي قبله إنّ السبب فيما تخرج قرحة في الكلى لكن أطلق القول فقال «فذلك يخرج من كلاه» كما لو أنّ إنساناً بال حصاة فقلنا إنّ تلك الحصاة خرجت من كلاه،
لأنّ تلك الحصاة جزء من جوهر كلاه لكن لأنّ تولّدها كان في كلاه. فقطع اللحم الصغار هي أجزاء من جرم الكلى تنحلّ وتخرج عند القرحة التي تكون فيها. وأمّا ما يشبه الشعر فإنّ تولّده يكون في الكلى بمنزلة الحصاة وليس بجزء من جوهر الكلى. وقد نجد في هذا الفصل خطأ في جميع النسخ، وذلك أنّهم يكتبون «من كان في بوله وهو غليظ قطع لحم صغار بمنزلة الشعر فذلك يخرج من كلاه» من غير أن يجعلوا فيما بين «صغار» وبين «منزلة الشعر» «أو» وذلك رديء، لأنّ قطع اللحم الصغار لا يشبه الشعر أصلاً، ولكن ينبغي أن يوضع فيما بين الحرفين الذين ذكرت «أو» حتّى يكون أبقراط قد ذكر سببين في قوله لا شيئاً واحداً. وأحد السببين هو قطع اللحم الصغار والآخر ما هو بمنزلة الشعر. ومتى خرج في البول شبيه بالشعر فإنّ البول دائماً يكون غليظاً لأنّ الجوهر البلغمي الذي اجتمع في العروق ينتقص عند ذلك بالكلى. فأمّا متى خرج قطع اللحم فليس يجب ضرورة أن يكون البول غليظاً. وما رأيت أنا هذه العلّة من علل الكلى قطّ، لكنّي إنّما رأيت قطعاً شبيهة باللحم تخرج في البول مراراً كثيرة في الحمّيات

التي تكون فيها في البول الثقل الذي يشبه بالكرسنّة من دم غليظ تحرقه الحرارة في الكلى أو في الكبد. وأمّا قطع لحم صحيحة فما رأيتها قطّ تخرج في البول. وأرى أنّه قد يمكن أن يكون أبقراط عنى بالبول الغليظ البول المعتدل الطبيعي، لأنّ هذا البول من وجه ما قد يضادّ البول الرقيق وقد نعلم أنّ الرقيق والغليظ بالحقيقة إنّما يسمّى بها الضدّان الخارجان عن الاعتدال إلى الإفراط، لكن قد يمكن على طريق الاستعارة أن يسمّي الشيء المتوسّط المعتدل باسمي الطرفين جميعاً. فإذا قيس إلى المستكمل الغلظ سمّى رقيقاً، فإذا قيس إلى ما هو من الرقّة في الغاية سمّى غليظاً، وإن فهمنا قوله على هذا كان على هذا المثال «من كان في بوله وليس هو بالرقيق قطع لحم صغار أو بمنزلة الشعر فذلك يخرج من كلاه». فأمّا متى كان البول رقيقاً فالعلّة في جنس العرق كلّه> وأرى أنّه قد أشار إلى هذا المعنى في الفصل الذي بعد هذا.

قال أبقراط: من خرج في بوله وهو غليظ بمنزلة النخالة فمثانته جربة.

قال جالينوس: أمّأ البول متى كان رقيقاً فليست حال العروق حال طبيعية، ومتى كان ليس برقيق لكنّ معتدل الغلظ وهو المعنى الذي أراده في هذا الفصل بقوله «غليظ» فما يخرج مع هذا البول يدلّ على أنّ العلّة في الكلى أو في المثانة. وذلك أنّه لمّا كان البول إنّما يجيء من العروق ويتصفّى في الكلى ويجتمع في المثانة، فكلّ ما يظهر فيه ممّا هو خارج عن الأمر الطبيعي فهو يدلّ إمّا على رداءة حال العروق وإمّا على علّة في الكلى وإمّا على علّة في المثانة، كما أنّ ما هو بمنزلة النخالة كما قال في هذا الفصل يدلّ على أنّ المثانة جربة إذا ما لم تكن في العروق علّة. فإنّه ربّما خرج ما هو بمنزلة النخالة من العروق وربّما كان ذلك من علّة في بدن العروق كما يكون في بدن المثانة وربّما كان من قبل أنّ الدم الذي فيها يحترق من قبل حرارة مفرطة. وبيّن أنّ الاحتراق إلى ما كان فيه من الخلط الغليظ أسرع

ولا سيّما الشيء الذي هو من الدم بمنزلة الدردي من الشراب الذي من عادتنا أن نسمّيه الخلط الأسود. فكما أنّه يتقشّر من سطح الجلد في الجرب قشور رقاق بمنزلة سلح الخيّة، كذلك إذا عرض في شيء من الأعضاء الباطنة علّة شبيهة بما يعرض في ظاهرها تقشر من سطح ما هو له بمنزلة الجلد مثل الذي يتقشّر من ظاهر الجلد. ولهذا السبب إذا جربت العروق أو المثانة تخرج مع البول القشور الشبيهة بالنخالة. ويميّز بين خروجها من العروق وجروجها من المثانة برقّة البول وغلظه كما قلت قبل، لأنّ البول الرقيق يدلّ على أنّ العلّة في العروق والبول الذي ليس برقيق يدلّ على أنّ العلّة في المثانة.

قال أبقراط: من بال دماً عن غير شيء متقدّم دلّ ذلك على أنّ عرقاً في كلاه انصدع.

قال جالينوس: قوله «عن غير شيء متقدّم» يحتمل أن يكون عنى به «عن غير سبب من خارج»، ويحتمل أن يكون عنى به «بغتة من غير أن يكون تقدّم ذلك عرض من الأعراض» كما تراه يعرض عند حدوث القرحة في المثانة. فإنّه ليس يمكن في المثانة أن ينصدع عرق من قبل دم كثير ينصب إليها كما قد يعرض ذلك في الكلى. وذلك أنّه ليس يتصفّى الدم في العروق التي في المثانة كما يتصفّى في العروق التي في الكلى، وإنّما يجيؤها من الدم ما يكتفيها لتغتذي به فقط. ومع ذلك أيضاً فإنّ العروق التي في المثانة ليست بمكشوفة ولا غير معتمدة، مثل العروق التي تدخل إلى بطني الكليتين التي قد يحدث فيها التقيّح والتصدّع من قبل كثرة الأخلاط التي يكون فيها وغلظها. والعرق إذا انصدع استفرغ منه دم صحيح. فأمّا إذا انفتح فليس يخرج منه دم كثير دفعة وخاصّة إذا كان انفتاحه يسيراً، لكنّه يرشح منه أرقّه قليلاً قليلاً فترى البول قد خالطه شيء من الدم. وقد يكون استفراغ الدم كما قلت من العروق التي في المثانة إذا تأكّلت إلّا أنّه يتقدّم ذلك علامات القرحة الكائنة في المثانة

وهي وجع يعرض في ذلك العضو وخروج المدّة وربّما خرج أيضاً قطع من جرم المثانة. وعلى هذا القياس فالأجود أن يفهم من قوله «عن غير شيء متقدّم» أي بغتة لا عن غير سبب ظاهر. وذلك أنّه قد يخرج الدم من الكلى كثيراً من غير سبب من خارج عند انصداع عرق فيها يعرض من قبل كثرة الدم فيه وربّما خرج أيضاً عند وثبة شديدة أو سقطة أو ضربة.

قال أبقراط: من كان يرسب في بوله شيء شبيه بالرمل فالحصاة تتولّد في مثانته.

قال جالينوس: ليس يجب متى بال الإنسان رملاً أن يكون تولّد الحصاة منه في المثانة لا محالة لكن قد يمكن أن يكون تولّدها في الكلى، فالخطأ في هذا الفصل بيّن ولا يخلو إمّا أن يكون أبقراط أغفل يصف القول أو يكون الناسخ الأوّل أسقط منه حرفاً.

وذلك أنّه حيث ما تولّد الحصى كان تولّده في الكلى أو كان في المثانة فإنّه يخرج مع البول شيء شبيه بالرمل.

قال أبقراط: من بال دماً عبيطاً وكان به تقطير البول وأصابه وجع في أسفل بطنه وعانته فإنّ ما يلي مثانته وجع.

قال جالينوس: إنّ آخر لفظه في هذا الفصل يكتب في النسخ على ضربين، وذلك أنّه يوجد في بعضها «وجع» وفي بعضها «عليل»، ولا فرق بين النسختين في المعنى وليس الخطأ في هذا، لكنّ الخطأ في أن يفهم عن أبقراط ما يوجد في النسختين جميعاً قوله «ما يلي مثانته» أنّه يعني به نفس مثانته. وذلك أنّ هذه الأعراض التي ذكر مشتركة لآلات البول كلّها وهي المثانة والكلى والمجريان الذان ما بين الكليتين والمثانة. والأجود أن يفهم عنه من قوله «ما يلي مثانته» أنّه ليس يريد به نفس المثانة وحدها،

لكنّه يريد به المثانة وما يتّصل بها من الأعضاء. وإذا فهمنا الأمر على هذا المعنى كان الفصل الذي بعد هذا أحرى أن يواتينا فهمه الذي لم يقل فيه إنّ ما يلي المثانة عليل لكن قال فيه إنّ في المثانة قرحة. فيدلّ بذلك على أنّه ليس المعنى في قوله أنّ المثانة نفسها عليلة وفي قوله إنّ ما يلي المثانة عليل معنى واحد.

قال أبقراط: من كان يبول دماً وقيّحاً وقشوراً وكان لبوله رائحة منكرة فذلك يدلّ على قرحة في مثانته.

قال جالينوس: أمّا الدم والقيح إذا بيلا فهما دليلان مشتركان للقرحة التي تكون في جميع آلات البول. وأمّا الرائحة المنكرة يعني الكريهة فعلامة خاصّة للمثانة وأكثر منها القشور. ونجد في أكثر النسخ «من كان يبول دماً وقيحاً»، ونجد في بعضها «من كان يبول دماً أو قيحاً». وهذه النسخة الثانية تدلّ على أيّ هذين كان

فهو يدلّ على القرحة. وأمّا النسخة الأولى فتدلّ على أنّه يريد أن يجتمع الأمران معاً أو أحدهما مرّة والآخر مرّة.

قال أبقراط: من خرجت به بثرة في إحليله فإنّها إذا تقيّحت وانفجرت انقضت علّته.

قال جالينوس: قد يتوهّم في هذا الفصل لشدّة وجازته أنّه ليس فيه كبير معنى. وذلك أنّه ليس يخفي على إحدان البثرة إذا حدثت في مجرى البول من القرح، وهو الذي يسمّى الإحليل فقاحت وانفجرت فقد أنقضت، لكنّك إن تدبّرت هذا القول ودقّقت النظر فيه وجدته يدلّ على معنى أمثل من هذا. وذلك أنّه قد يمكن أن يكون في حال من الأحوال أشرّ البول بسبب هذه البثرة فإذا قاحت تلك البثرة وانفجرت برأ صاحبها من أشرّ البول. وقد انتشبت بسبب ما ذكرنا مطالبة

تلزم فيما قيل وهي أن ينظر هل يريد أبقراط أنّ البثور التي تخرج في هذا الموضع إنّما يكون برؤها بأن ينفجر فقط أو قد يعرض لها ذلك في أكثر الأمر، وقد يمكن في بعض الأوقات أن تنحلّ، وأصحّ القولين عندي القول الثاني، وإنّما ذكر الانفجار ليجعله مثالاً لانقضاء العلّة.

قال أبقراط: من بال من الليل بولاً كثيراً دلّ على أنّ برازه يقلّ.

قال جالينوس: ما يخفي عن أحد من الناس أنّه يجب ضرورة متى تأذّت الرطوبة التي في البطن إلى العروق أنّ البراز يقلّ. ويتبيّن بيان هذا أنّ تلك الرطوبة إذا خرجت مع ثقل الطعام كان البراز أرقّ وألين ولذلك يكون أكثر، وكان البول أقلّ. وهذا القول ينبهنا على ما ينبغي أن يدوى به لين البطن ويبسه. وذلك أنّه متى كان البطن ألين ممّا ينبغي فينبغي أن يقلّل الشراب

ويدره نحو المثانة. ومتى كان البطن أجفّ ممّا ينبغي فينبغي أن نريد في مقدار الشرب وتنمنع من نفوذه إلى العروق ما أمكنّا.

تمّت المقالة الرابعة من تفسير جالينوس لفصول أبقراط نقل حنين بن إسحاق المتطبّب.

[E5] بحمد اللّه وعونه وتأبيده .

[P1] واللّه الحمد كثيراً والسبح للّه دائماً أبداً.

بسم اللّه الرحمن الرحيم

[E5] وصلّى اللّه على محمّد وآله

[P1] توكّلت على اللّه

المقالة الخامسة من تفسير جالينوس لفصول أبقراط

قال أبقراط: التشنّج الذي يكون من الخربق من علامات الموت.

قال جالينوس: من عادتهم إذا قالوا الخربق مطلقاً أن يعنوا به الأبيض منه من غير أن يحتاجوا أن يستثنوا لونه كما يستثنون لون الأسود منه.

قال: فمن يشرب هذا الخربق فاستفرغه ثمّ حدث به تشنّج فإنّ هذا العارض من الأعراض التي تدلّ على الهلاك، لاّن هذا العرض ليس يكون في اوّل الاستفراغ

عند ما يخاف على المتناول لهذا الدواء أن يختنق لكنّه إنّما يعرض له عند ما يزعجه ويجهده شدّة القيء إذا كلّ العصب بسبب شدّة الحركة بالقيء خاصّة بالمشاركة من العصب في الألم لفم المعدة. وقد راينا مراراً كثيرة من عرض له لذع شديد في فم المعدة من غير شرب الخربق فأصابه من ذلك تشنّج كما قد عرض للفتى الذي تقيّأ زنجاراً، فإنّ الأولى عندي أن أسمّي ما تقيّأه ذلك الفتى زنجاراً من أن أسمّيه قيئاً شبيهاً بالزنجار. وذلك لأنّه كان في إشراق لونه على مثال حال الزنجار الصحيح. فعرض لذلك الفتى في وقت ما تقيّأ ذلك القيء أن يشنج بدنه كلّه. فلمّا استفرغ ذلك الزنجار، سكنت حمّاه وذهب عنه التشنّج على المكان. وكان ما تقيّأه على مثال حال أجود ما يكون من الزنجار، ولو خلطته بماء حتّى يكون مقدار ثخن الشيء المركّب منهما شبيهاّ بثخن الطلى؟. فقد يمكن كما قلت أن يعرض التشنّج لشارب الخربق الأبيض بمشاركة العصب في الألم لفم المعدة، وهذا هو أسهل ما يعرض منه من التشنّج. وقد يمكن أن يحدث لشارب هذا الخربق التشنّج بسبب نفس الاستفراغ إذا أفرط كما يعرض كثيراً لمن تصيبه الهيضة مراراً
أن يتشنّج مواضع من بدنه وخاصّة العضل الذي في باطن ساقه. ويمكن أيضا بسبب فعل الدواء إذا جذب الرطوبات التي في العصب إليه قىىراً أن يعرض التشنّج من هذه الجهة. ويمكن أيضاً أن تسري قوّة الخربق في البدن بحركة قوية فتجفّف جوهر العصب تجفيفاً شديداً فيعرض من قبل ذلك التشنّج. فقد خبّرنا أبقراط أنّ التشنّج يكون من الامتلاء ومن الاستفراغ إذا عرضا في الأجسام العصبية التي بها تكون الحركات الإرادية. وهذه الأجسام هي العضل والأوتار والرباطات. وذلك أنّا كما نرى خارجاً السيور والأوتار تتمدّد وتتوتّر متى غلب عليها اليبس ومتى ابتلت برطوبة كثيرة، كذلك يجب أن يكون التشنّج في العصب في أبدان الحيوان. وبيّن أنّ التشنّج الذي يكون من الامتلاء يمكن أن يبرأ بالاستفراغ. فأمّا التشنّج الذي يكون من استفراغ العصب ويبسه فلا يكاد يمكن أن يبرأ. وقد يكون التشنّج كما قلت على طريق المشاركة في الألم ، ولا ينبغي

أن يتوهّم على أبقراط أنّه ذهب عليه أمر هذا التشنّج. فإنّه إنّما قصد في قوله أنّ التشنّج يكون من الامتلاء ومن الاستفراغ ليدلّ على التشنّج الذي يكون ابتداءه لا الذي يكون على طريق المشاركة في الألم. وقد نعلم أيضاً أنّه قد يعرض الفواق بسبب لذع يعرض المعدة والمري ء فيخطر ببال الانسان. من ذلك أنّه قد يعرض للعصب شبيه بهذا العارض، ويري أنّه قد يعرض في بعض الأوقات هذا الصنف من التشنّج لمن يستفرغه الخربق، ولم يذكره ابقراط، إلّا أن يقول قائل إنّ هذا الصنف من التشنّج أيضاً إنّما يعرض من الاستفراغ لأنّ الأشياء اللذاعة هي مجفّفة فهذه هي أصناف التشنّج التي تعرض من شرب الخربق، والذي يبرأ منها النوع الذي يكون من اللذع والذي يكون من شدّة حركة القيء. فأمّا الذي يكون من اليبس فهو ممّا لا يبرأ. فبالواجب نسب أبقراط جنس هذا التشنّج إلى أنّه من علامات الموت لأنّ بعض أنواعه يعسر برءها وواحد منها لا يبرأ.

قال أبقراط: التشنّج الذي يحدث من جراحة من علامات الموت.

قال جالينوس: كما قال أبقراط في القول الذي قبل هذا إنّ التشنّج الذي يكون من الخربق من علامات الموت وعنى بذلك أنّه يدلّ على خطر وكثيراً ما يموت صاحبه، كذلك قال في هذا القول في التشنّج الذي يكون من جراحة إنّه من علامات الموت لا أنّه يجب ضرورة متى كان أن يموت صاحبه دائماً لكنّه يعني أنّه كثيراً ما يموت. وعلى هذا الطريق نجده قد استعمل هذه اللفظة أعني قوله أنّ الشيء من علامات الموت في فصول كثيرة ممّا تقدّم. فأمّا التشنّج الذي يحدث من جراحة فحدوثه يكون بسبب ما يتبع الجراحة من الورم إذا نال الأعضاء العصبية. وأوّل ما تراه يتشنّج من الأعضاء ما كان بحذاء الموضع الذي حدث فيه الورم ثمّ إنّ العلّة إذا تراقت حتّى تنال أصل العصب فإنّها تستحوذ على البدن كلّه.

قال أبقراط: إذا جرى من البدن دم كثير فحدث فواق أو تشنّج فتلك علامة رديئة.

قال جالينوس: ليس ينبغي أن يتوهّم أنّ معناه في اللفظة التي قالها قبل وهو قوله علامة من علامات الموت غير معناه في هذه اللفظة التي أتى بها بعد وهي قوله علامة رديئة. فإنّ من عادة أبقراط أن يسمّي بهذه الأسماء ما كان من العلامات يتبعه الموت كثيراً إلّا أن يقول إنّ اللفظتين تختلفان من طريق الأكثر والأقلّ فيكون قوله علامة من علامات الموت دلّ على خطر أكثر من قوله تلك علامة رديئة. من ذلك أنّ التشنّج الذي يكون من استفراغ دم كثير يحدث من كلّ واحد من جنس الأسباب الفاعلة للتشنّج كما قلت قبل.

قال أبقراط: إذا حدث التشنّج أو الفواق بعد استفراغ مفرط فهو علامة رديئة.

قال جالينوس: إنّ الشيء الذي تقدّم أبقراط فوصفه أنّه ربّما عرض لشارب الخربق حكم في هذا الفصل أنّه يعرض لجميع من استفرغ بدنه أيّ نوع كان من الاستفراغ. وذلك أنّه إن أفرط عليه ذلك الاستفراغ، عرض له التشنّج من قبل تلك الأسباب التي وصفناها عند ذكر حال الشارب للخربق ويحلّ بصاحب هذه العلّة من الخطر ما ليس هو يسير لأنّ التشنّج الذي يكون من الاستفراغ أردأ كثيراً من التشنّج الذي يكون من الامتلاء. وقد علمنا أنّ الفواق أيضاً إنّما هو تشنّج يعرض في رأس المعدة والمريء في قول أبقراط.

قال أبقراط : إذا عرض لسكران سكات بغتة فإنّه يتشنّج ويموت إلّا أن تحدث به حمّى أو يتكلّم إذا حضرت الساعة التي ينحلّ فيها خماره.

قال جالينوس: إنّ هذا التشنّج يحدث من قبل امتلاء العصب. ومن شأن الخمر أن يملأ العصب سريعاً لأنّها في طبيعتها حارّة، وما كانت طبيعته كذلك فهو يعرض في كلّ شيء

باهون؟ سعي لا سيّما إذا ما لم يكن بغليظ. فالشراب إذا أكثر منه فهو بكثرة حجمه يجلب للعصب تشنّجاً إلّا أنّه بكيفيته يداوي ويصلح ما أفسد في العصب إذ كان قد يسخّنه ويجفّفه. فمتى لم يقدر على أن يفعل ذلك فيجب ضرورة أن يلحق التشنّج الحادث منه الموت. وبالقوّة التي قلنا إنّ الخمر يبرئ بها التشنّج قد يشفيه بها أيضاً الحمّى. وقد ينبغي أن يتفقّد في هذا الموضع خاصّة عادة أبقراط كي نعلم أنّه ينسب جميع من يعمى عليه إلى السكات. والمعنى بالحقيقة في من يعمى عليه هو أن يعدم بدنه كلّه بغتة الحسّ والحركة. ومن عادة أبقراط أن يسمّي هذه الحال من واحد من أعراضها سكاتاً، وبيّن أنّها إنّما تحدث عند آفة تعرض في أصل العصب. وذلك أنّه لا يمكن أن يعرض التشنّج في البدن كلّه دون أن تحدث به آفة إمّا ابتداء وامّا بالمشاركة لعضو آخر قد حدثت به آفة قبله. وأمّا الخمار فهو عند جميع اليونانيين الضرر الحادث في الرأس من شرب الخمر. واسمه في اللسان اليوناني قريبالس.

وقد يقال إنّه إنّما اشتقّ له هذا الاسم من قارا وهو الرأس وهو الرأس وبليس وهو الاختلاج. وأمّا قول أبقراط «الساعة التي تنحلّ فيها خمارة» فعني بالساعة الوقت. فليس ذلك الوقت بمحدود لجميع الناس بمقدار واحد. فإنّ من الناس من يسكن خمارة من غد اليوم الذي شرب فيه، ومنهم من يسكن عنه في الليلة التي تتلوه، ومنهم من ينحلّ عنه لا محالة في اليوم الثالث، وذلك يكون بحسب كثرة الشراب الذي قد شرب وقوّته وطبيعته شاربه. فكما أنّ الغذاء ليس لا يستمرأ به حدّ واحد يوقف عليه في جميع الناس، كذلك ليس للشراب وقت محدود يستمرأ فيه وتتحلّل فضلته. فينبغي أن يكون خفيراً بطبيعة صاحب هذه الحال الموصوفة أو يتنظّر به اقصى حدود أوقات تحلّل الخمار. فإن لم يجده في ذلك الوقت قد حدثت به حمّى ولا أفاق فتكلّم، فاعلم أنّه يتشنّج ويموت.

قال أبقراط: من اعتراه التمدّد فإنّه يهلك في أربعة أيّام، فإن جاوز الأربعة فإنّه يبرأ.

قال جالينوس : التمدّد من الأمراض الحادّة جدّاً فإنّه مركّب من التشنّج الذي يكون إلى خلف والتشنّج الذي يكون إلى قدّام، فبالواجب صار بحرانه وانقضاءه يكون بسرعة إذا كانت الطبيعة لا تحتمل تعب تمديده مدّة أطول. فبحران هذا المرض وانقضاءه يكون في أوّل دور من أدوار أيّام البحران.

قال أبقراط: من أصابه الصرع قبل نبات الشعر في العانة فإنّه يحدث له انتقال، فأمّا من عرض له وقد أتى عليه من السنين خمس وعشرون سنة فإنّه يموت وهو به.

قال جالينوس: انتقال المرض يقال بالحقيقة إذا انتقل من عضو إلى عضو، ويقال بالاستعارة على كلّ انقضاء يكون للمرض. وأرى أنّ أبقراط إنّما استعمل هذه اللفظة في هذه الفصل على هذا المعنى الثاني. وذلك أنّ انقضاء الصرع ليس يكون بانتقال الأخلاط الفاعلة له فقط

لكنّ قد يكون أيضاً بصلاحها بالعلاج التامّ. والأخلاط المولّدة للصرع هي غليظة باردة بلغمية. وصلاحها يكون بانتقال السنّ عن الرطوبة إلى اليبس وبالرياضة والتدبير المجفّف مع الأدوية الموافقة في هذا الباب، إلّا أنّ أبقراط لم يذكر في هذا الفصل إلّا التغيّر الذي يكون بسبب السنّ فإنّا إذا فهمناه نبّهنا على وجود طريق التدبير في هذه العلّة واستعمال الأدوية. وقد قال في موضع آخر من هذا الكتاب أنّ صاحب الصرع إذا كان حدثاً فيروه منه يكون خاصّة بانتقاله في السنّ والبلد والتدبير. وقوله ما قال هناك في هذه العلّة هو ما قاله هاهنا وهو أن قال إنّ الصرع الذي يعرض قبل وقت نبات الشعر في العانة يسكن عند تغيّر السنّ في وقت إبناته. وأمّا الصرع الذي يعرض لمن قد أتت عليه من السنين خمسة وعشرين سنة فصاعداً فإنّ صاحبه يموت وهو به، وذلك يدلّك على أنّه يرى أنّ مدّة زمان نبات الشعر في العانة هي ما بين انقضاء الأسبوع الثاني وبين أن يأتي على الفتى خمسة وعشرون سنة. وبيّن أنّه ليس جميع من أصابته هذه العلّة قبل وقت نبات الشعر في العانة يرى في سنّ نباته إن لم يعاون تلك السنّ بفعل سائر ما ينبغي أن يفعل على الصواب،

ولا جميع من أصابته بعد تلك السنّ يبقى به دائماً إن أحسن التدبير. وإنّما يعدم هذا البرء الذي يكون من قبل السنّ لسوء التدبير وبحسب هذا لا غيره يجب أن تبقى به العلّة ما بقي، وقد دلّ على هذا دلالة بيّنة. فأمّا قوله «من عرض له وقد أتى عليه من السنين جمسة وعشرون سنة فإنّه يموت وهو به» فلم يشرحه ولا بيّن معناه فيه على أنّ من لم يطلب استقصاء فهمه فقد يظنّ قوم أنّه قد شرحه وبيّن معناه فيه. وذلك أنّه ليس من عرضت له هذه العلّة وقد أتت عليه من السنين خمسة وعشرون سنة فهو فقط يموت وهو به، لكنّ من قد أتت عليه من السنين أكثر من ذلك أحرى بأن تكون هذه حاله. وأنا زائد في كلام أبقراط ما كان نقص حتّى يكون قولاً حقيقاً تامّاً. فأقول إنّ الصرع من قبل وقت نبات الشعر في العانة فإنّه ينحلّ وينقض في وقت نباته، وإذا عرض بعد نبات الشعر في العانة بقي بصاحبه إلى أن يموت. ووقت نبات الشعر في العانة هو في المدّة التي فيما بين أربع عشرة سنة وبين خمسة وعشرين سنة. وقد نجد في هذا الفصل في بعض النسخ حرفا ليس يوجد في كثير منها. والذي يوجد في تلك النسخة هو على هذا المثال «فأمّا من عرض وقد أتى عليه من السنين خمس عشرون سنة فإنّه يكاد أن يموت وهو به». ومعناه في قوله «يكاد» أي في أكثر الأمر يموت وهو به.

قال أبقراط: من أصابته ذات الجنب فلم ينق في أربعة عشر يوماً فإنّ حاله تؤول إلى التقيّح.

قال جالينوس: إنّ من عادة أبقراط أنّ يسمّي استفراغ الأخلاط المولّدة لذات الجنب بالنفث نقاء أو استنقاء. وكذلك إذا أراد أن ينفث ويبزق، قال «يستنقي». وكذلك نجده استعمل هذه اللفظة في كتاب تدبير الأمراض الحادّة وفي كتاب تقدّمة المعرفة . فأمّا في هذا الفصل فنجد أيضاً مدّة زمان الاستنقاء الذي متى لم يكن فيه زعم أنّ ذات الجنب ينتقل إلى التقيّح. وعنى بالتقيّح إمّا كلّ تغيّر يحدث في موضع الورم إلى المدّة كما نجده في مواضع كثيرة من كتاب تقدّمة المعرفة قد استعمل هذه اللفظة على هذا المعنى وإمّا انفجار المدّة وانصبابها إلى الفضاء الذي فيما بين الصدر والرئة. فإنّ كلّ واحد من هذين الأمرين قد يكون إذا لم يستنق صاحبه ذات الجنب بالنفث، إلّا أنّ المعنى الثاني قد يسمّيه أبقراط فيما بعد انفجار المدّة.

قال أبقراط : أكثر ما يكون السلّ في السنين الاتي فيما بين ثماني عشرة سنة وبين خمس وثلاثين سنة.

قال جالينوس: إنّ أبقراط فيما تقدّم من فصوله لمّا وصف الأمراض التي تعرض كثير الصاحب كلّ سنّ من الأسنان، قال «وأمّا الشباب فيعرض لهم نفث الدم والسلّ». وأمّا في هذا الفصل فزاد معما ذكر عدد السنين ولم يقصد بسبب هذا لإعادة ما ذكر من ذلك لكنّه دعاه إلى ذكره اشتراك علل الصدر والرئة. وقد وصف فيما تقدّم السبب الذي من أجله صار الشباب خاصّة يتبلون بهذه الأمراض. وقد ينبغي أن يلخّص في هذا الموضع أمر سني هاتين السنتين التين ذكرهما أبقراط لأنّه قال أكثر ما يكون السلّ في السنين التي بين ثمانية عشر سنة وبين خمسة وثلاثين سنة. فدلّ بذلك على أنّه ليس يرى أنّ فيما بين الحدّين الذين حدّهما من السنين سنّاً واحدة. وإذا نحن أيضاً نظرنا واستقصينا النظر، لم نجدها سناً واحدة لكنّ السن التي ما بين ثمانية عشر سنة وبين

خمسة وعشرين سنة هي سن الفتيان والسن التي فيما بين خمسة وعشرين سنةة وبين خمسة وثلاثين سنة هي سن الشباب.

قال أبقراط: من أصابته ذبحة فتخلّص منها ومال الفضل إلى رئته فإنّه يموت في سبعة أيّام، فإن جاوزها صار إلى التقيّح.

قال جالينوس: إنّ كلام أبقراط في هذا الفصل في انتقال العلّة من الحلق إلى الرئة، وقال إنّه يعرض عند ذلك في أكثر الأمر أن تقتل هذه العلّة صاحبها قبل اليوم السابع، وذلك أنّه يختنق اختناقاً. فإن أمكن أن يجاوز السبعة فإنّ ذلك الفضل يستحيل فيصير مدّة فيقع صاحب هذه العلّة في نفث المدّة.

قال أبقراط: إذا كان بإنسان السلّ فكان ما يقذفه بالسعال من البزاق منكر الرائحة إذا ألقي على الجمر وكان شعر الرأس ينتثر فذلك من علامات الموت.

قال جالينوس: إنّ أبقراط يعني بقوله السلّ في هذا الموضع القرحة التي تكون في الرئة فأمر أن يمتحن ما ينفث في هذه العلّة ويستقصي الأمر في رائحته بأن يلقى على جمر. كما قال فيما تقدّم في القروح التي تكون في المثانة التي تكون للبول معها رائحة منكرة، كذلك قال في هذا الفصل إنّ ما ينفثه صاحب قرحة الرئة يكون له رائحة منكرة. فإن تناثر شعر الرأس فيمن هذه حاله، دلّ ذلك على أنّه قريب من الهلاك من قبل أنّ ذلك يدلّ على غاية نقصان الغذاء وأخلق به أن يكون ربّما يدلّ مع ذلك على فساد الأخلاط.

قال أبقراط: من تساقط شعر رأسه من أصحاب السلّ ثمّ حدث له اختلاف فإنّه يموت.

قال جالينوس: إنّ كلام أبقراط في هذا الموضع إنّما هو فيمن قرب من الموت من أصحاب السلّ، وقد كان يدلّ على سوء حالهم بتساقط شعر رؤوسهم. فإن حدث لهم مع ذلك اختلاف فالموت يتوقّع لهم عن قريب لأنّ هذا العرض سبب رديء وعلامة رديئة. وذلك أنّه إنّما يكون من ضعف القوّة وهو أيضاً يزيدها مع ذلك ضعف.

قال أبقراط: من قذف دماً زبدياً فقذفه إيّاه إنّما هو من رئته.

قال جالينوس : إنّا قد نجد في أكثر النسخ مكان «من قذف» «من تقيّأ»، ونجد كثيرين ممّن فسّر هذا الكتلب إنّما يعرف هذا الفصل يكتب على تلك النسخة أعني النسخة التي فيها «من تقيّأ دماً زبدياً». وتعاطى قوم تفسير هذه اللفظةة فقالوا إنّه أراد أن يدلّ بها على كثرة ما يقذف، ولذلك استعمل مكان «من قذف» «من تقيّأ». وأصحاب هذا القول يكذبون على العيان كذباً بيّناً.

وذلك أنّا قد رأينا مراراً كثيرة من قذف من رئته دماً زبدياً ليس بالكثير. وأنا أقول إنّه إن كان أبقراط هكذا كتب هذا الفصل فإنّما استعمل هذه اللفظة على طريق الاستعارة، لأنّه ليس متى كان الدم الزبدي كثيراً دلّ على أنّ قذفه من الرئة ومتى كان قليلاً دلّ على أنّ قدفه من موضع آخر. وإن كان أبقراط إنّما كتب «من قذف» أو «من نفث» أو «من بزق» فقد استعمل اللفظة على حقيقتها، وهذا الدم الذي هو بهذه الحال يدلّ على أنّ القرحة إنّما هي في الجوهر اللحمي الذي في الرئة وهو جسمها الحاصّ بها، فأقول إنّ القول بأنّ الدم الزبدي إنّما يدلّ على أنّ القرحة في الرئة فقط حقّ. وليس القول بأنّه متى كانت القرحة في الرئة فيجب ضرورة أن يكون الدم الذي يقذف زبدياً بحقّ. فقد رأينا مراراً كثيرة قوماً سقطوا من موضع عال وقوماً وقعت بهم صدمة من راكل أو رامح أو ضارب في موضع الصراع من نوع الضربة التي تكون إذا سقط الرجل على الأرض ووقع آخر على صدره فنفثوا مع سعال دماً كثيراً حسن اللون جدّاً من غير وجع بتّة، كأنّ أشبه الأمر وأولاه أن يكون ذلك الدم إنّما قذف من عرق الصدع في الرئة.

قال أبقراط: إذا حدث بمن به السلّ اختلاف دلّ على الموت.

قال جالينوس: قد قال قبيل إنّه متى كانت المدّة التي ينفثها صاحب السلّ كريهة الرائحة وكان شعر الرأس يتساقط ثمّ حدث له اختلاف تبع ذلك الموت. فأمّا في هذا الموضع فأطلق القول فقال إنّه إذا حدث بمن به السلّ اختلاف دلّ على الموت من غير أن يذكر المدّة ولا الشعر فدلّ بذلك على أنّ الاختلاف وحده كيف كان يكفي الدلالة على الموت لكنّه لا يدلّ على أنّ الموت قريب سريع حديث كما يدلّ إذا كان مع تناثر الشعر.

قال أبقراط: من آلت به الحال من ذات الجنب إلى التقيّح فإنّه إن استنقى في أربعين يوماً من اليوم الذي انفجرت فيه المدّة فإنّ علّته تنقضي، وإن لم يستنق في هذه المدّة فإنّه يقع في السلّ.

قال جالينوس: إنّ أبقراط لمّا زاد في قوله اسم الانفجار، دلّ دلالة بيّنة أنّ كلامه إنّما هو فيمن تقيّح الورم الذي كان به في جنبه ثمّ انفجر فصارت المدّة في الفضاء الذي بين صدره ورئته. فإنّ جميع من هذه حاله إذا ما لم تستفرغ منه المدّة حتّى تنقّى بالنفث في أربعين يوماً أقصاه فيجب ضرورة أن تتأكلّ رئته لأنّ المدّة تعفن على طول المدّة حتّى يحتد، فجعل حدّ الاستنقاء في ذات الجنب اليوم الرابع عشر وجعل حدّه في أصحاب المدّة يوم الأربعين. وقد وصفت الحال في اختلاف هذين اليومين من أيّام البحران وسائر أيّام البحران صفة شافية في كتابي في أيّام البحران، فمن استوعب جميع ما في ذلك الكتاب من العلم سهل عليه فهم ما قاله أبقراط في أيّام البحران .

قال أبقراط: الحارّ يضرّ من أكثر استعماله هذه المضارّ يؤنّث
اللحم ويفتح العصب ويخدر الذهن ويجلب سيلان الدم والغشي ويلحق أصحاب هذا الموت.

قال جالينوس: إنّ أبقراط قد وصف أشياء كثيرة من أمر استعمال الحارّ والبارد على القصد وعلى الإفراط في كتاب له وصف فيه استعمال الرطوبات، وقد وصف أيضاً في هذا الموضع من كتاب الفصول جميع جمل ذلك إلّا الشاذّ. وأوّل ما وصف من ذلك أنّ من استعمل الحارّ فأفرط في استعماله أحدث فيه هذه الآفات وهي أنّه «يؤنّث اللحم» يعني أنّه يرخيه ويفتحه. وإنّما استعمل هذه اللفظة بالاستعارة على طريق التشبيه لأنّ الأنثى من كلّ جنس أضعف وأشدّ استرخاء وتفتّحاً من الذكر. ويوافق هذا ما أتبعه به وهو قوله «ويفتح العصب»، فإنّ العصب أيضاً يضعف ويسترخى بتحليل الحرارة لجوهره. وقوله أيضاً «ويخدر الذهن» إنّما أراد به أنّه يضعف الذهن ويذهب بقوّته، وذلك يكون بتحلّل جوهر الدماغ كتحلّل جوهر العصب. وعلى هذه الطريق يجلب استعمال الحارّ سيلان الدم المفرط، وبيّن

أنّ ذلك إنّما يكون في البدن الذي حاله حال متهيّئة لأن يجري منه الدم. ويتبع سيلان الدم الغشي ثمّ يلحق الغشي الموت كما قد يلحق الآفات التي تقدّم ذكره، إلّا أنّه إنّما يلحق تلك على طول المدّة ويلحق بعضها أكثر وبعضها أقلّ. وأمّا انفجار الدم والغشي فالموت يلحقهما على المكان. وقد نجد آخر هذا الفصل مختلفاً في النسخ، إلّا أنّ جميع النسخ يؤدّي هذا المعنى الذي وصفت. وإحدى تلك النسخ فيها آخر هذا الفصل على هذا المثال «ويلحق هذه الأشياء الموت» ونسخة أخرى هو فيها على هذا المثال «وهذه الأشياء تحدث ثمّ يلحقها الموت» ونسخة ثالثة هو فيها على هذا المثال «وهذه الأشياء يلحقها الموت» ونسخة رابعة هو فيها على هذا المثال «وهذه الأشياء يؤول إلى الموت».

قال أبقراط: وأمّا البارد فيحدث التشنّج والتمدّد والاسوداد والنافض التي يكون معها حمّى.

قال جالينوس: يعني أنّ البارد المفرط يحدث التشنّج والتمدّد بتبريده العصب. فكما أنّه لا ينبغي أن ينحلّ جوهر العصب بإفراط الحرارة عليه،

كذلك لا ينبغي أن يبرد بأكثر ممّا ينبغي فيجمع وينضغط. ويفعل أيضاً الاسوداد بتبريده والنافض التي تجلب حمّى. وكان الأجود أن يقول «والنافض الذي يحدث التشنّج والاسوداد والحمّى». وقد وصفنا أسباب جميع الأعراض وشرحناها في أقاويل أفردناها لها.

قال أبقراط: البارد ضارّ للعظام والأسنان والعصب والدماغ والنخاع، وأمّا الحارّ فموافق نافع لها.

قال جالينوس: ما كان من الأعضاء في طبيعته إلى البرد أميل فهذه حال كلّ ما كان من أعضاء البدن عديماً للدم بتّة، والضرر من الاستعمال المفرط للبارد أسرع إليه وأنكى فيه. والحارّ لما كانت حاله هذه من الأعضاء فبالواجب أنّ الحارّ له أوفق وأنفع.

قال أبقراط: كلّ موضع قد برد فينبغي أن يسخّن إلّا أن يخاف عليه انفجار الدم منه.

قال جالينوس: ليس ينتقض من هذا القول الذي قاله في هذا الموضع قوله بأنّ الضدد والضد وهو الباب الذي استقصينا شرحه في كتاب حيلة البر وقد بيّنّا أنّ في الطبّ باب آخر يحتاج إليه ضرورة أكثر من هذا وهو أنّه ينبغي أن يبرأ بمداواة ما حفزه أشدّ أعني ما كان الخطر فيه أعظم، وكذلك الحال في هذا الموضع في انفجار الدم. فيجب أن يبرأ بمداواتها ثمّ يقبل على العضو فيردّه إلى اعتداله المخصوص به.

قال أبقراط: البارد لذّاع للقروح ويصلّب الجلد ويحدث من الوجع ما لا يكون معه تقيّح ويسوّد ويحدث النافض التي تكون معها حمّى والتشنّج والتمدّد.

قال جالينوس: من استعمل الأشياء على حقائقها لم يسمّ باللذاع إلّا الحارّ، لكنّ من استعمل لتشابه الحسّ قد يقال في الماء البارد أيضاً إنّه لذاع لا متى لقي الجلد في أيّ حال كان لكنّ متى كانت فيه قرحة. وذلك أنّ الشيء اللذاع ينبغي أن ينفذ في جوهر ما ياذعه حتّى يحدث منه فيه اللذع، وليس يمكن أن ينفذ الماء البارد في الجلد وهو على حاله الطبيعية، لأنّ مقدار حال الجلد من التكاثف أكثر من مقدار حال جوهر الماء من اللطافة. فأمّا العضو الذي قد حدثت فيه قرحة فلأنّه أشدّ تخلخلاً. فقد يمكن الماء البارد أن ينفذ في جوهره حتّى يغوص ويصل إلى قعره. وقد شرحنا أمر طبيعة الأشياء اللذاعة في كتابنا في قوّة الأدوية المفردة. فما كان من الأعضاء فيه قرحة فالبارد له لذاع، وما لم يكن فيه منها قرحة فليس هو له بلذاع بل يصلب ما عليه من الجلد بتلزيزه لجوهره. ويحدث أيضاً البارد من الوجع ما لا يكون معه تقيّح بتبريده للحرارة الغريزة التي بها يكون تولّد القيح في القروح، ويمنع أيضاً الأشياء المحدثة للوجع من أن تنحلّ. فأمّا ما بعد هذا فقد ذكره فيها تقدّم أعني الاسوداد والنافض التي تكون معها حمّى والتشنّج والتمدّد.

قال أبقراط: وربّما صبّ على من به تمدّد من غير قرحة وهو شابّ حسن اللحم في وسط من الصيف ماء بارد كثير فأحدث فيه انعطافاً من حرارة كثيرة فيه فكان يخلّصه بتلك الحرارة.

قال جالينوس: إنّ أبقراط لمّا وصف ما وصف من أمر البارد والحارّ أخذ في صفة ما قد ينتفع به في الندرة من البارد والحارّ وبدأ بالبارد فقال إنّه متى كان بانسان تمدّد، وبيّن أنّه يريد التمدّد وغيره من جميع أصناف التشنّج وكان ذلك في وسط من وقت الصيف وكان بدن المريض حسن اللحم وكان شاباً فصبّ عليه ماء بارد كثير دفعه أحدث للحرارة في بدنه انعطافاً فشفى بذلك مرضه. وقد يتبيّن من هذا أنّ البارد ليس بقوّته يشفي هذا المرض، لكنّه إنّما يشفيه بعرض من قبل أنّه يحدث فيمن كان شاباً حسن اللحم للحرارة في بدنه انعطافاً. وممّا يستدلّ به على صحّة ما قلت أنّه ليس ينفع في سنّ غير هذا السنّ، لأنّه لا يحدث في غيره للحرارة انعطافاً. وإذا كان في هذا السنّ أيضاً لا ينتعع به في وقت من الوقت غير الوقت الأوسط من الصيف، لأنّ البارد إذا لاقى البدن فهو إمّا أن يقهر الحرارة الغريزية

وإمّا أن يجمعها. أمّا قهره لها فمتى كانت ضعيفة، وأمّا جمعه إياها فمتى كانت قوية وإنّما يجمعها بحصره إياها ومنعه لتحلّلها. وحذر أبقراط من استعمال ذلك في التشنّج الذي يكون من القرحة لأنّه ليس يبرأ هذا التشنّج في وقت من الأوقات باستعمال البارد، وإن كان المريض شاباً وكان في طنيعته حارّاً وكان الوقت من السنة وقتاً حارّاً وكان البلد كذلك، لأنّ الأمر في البارد على ما وصفت قبل أنّه لذاع للقروح ويحدث من الوجع ما لا يكون معه تقيّح. فمن حدث به التشنّج من قرحة بسبب ورم أعضاء عصبية فالبارد من أضدّ الأشياء له لأنّه لا يسكن من عادية القرحة ولا يحلّ ورم الأعضاء العصبية.

قال أبقراط: الحارّ مقيّح لكن ليس في كلّ قرحة وذلك من أعظم العلامات دلالة على الثقة والأمن، ويلين الجلد ويرقّقه ويسكن الوجع ويكسر عادية النافض والتشنّج والتمدّد ويحلّ الثقل العارض في الرأس، وهو من أوفق الأشياء
لكسر العظام وخاصّة للمعرى منها ومن العظام خاصّة لعظام الرأس، ولكلّ ما أماته البرد أو أقرحه وللقروح التي تسعي وتتأكّل وللمقعدة والفرج والرحم والمثانة فالحارّ لأصحاب هذه العلل نافع شاف والبارد لهم ضارّ قاتل.

قال جالينوس: كما أنّ البارد وهو محدث التشنّج والتمدّد قد يبرّئ على حال في الندرة من التمدّد، كذلك الحارّ وهو مقيّح في طبيعته وربّما لم يقيّح. وذلك أنّ القروح إذا كانت متعفّنة أو كانت بالجملة ممّا تنجلب إليها فضول لم يحدث فيها الحارّ تقيّحاً، لكنّه يضرّها مضرّة عطيمة. والأمران جميعاً يجتمعان في شيء واحد، أعني أنّ الشيء الضارّ للقرحة والشيء الذي لا يحدث فيها تقيّحاً هو شيء واحد، وكذلك أيضاً فإنّ ضرّي هذين يجتمعان في شيء واحد، أعني أنّ الشيء النافع للقرحة والشيء المقيح لها شيء واحد. فإنّ تولّد المدّة في القرحة وتولّد الدواء المقيح لها من أعظم العلامات دلالة على الثقة والأمن فيها، لأنّه لا يمكن أن تكون القرحة التي يتولّد فيها قيح عادية ولا يخاف منها مكروه. فإنّ القرحة التي يحدث بسببها التشنّج فهي لا محالة ممّا لا يتقيّح. وكذلك القروح المتعفّنة

وكلّما كان في المواضع التي حوله منها تأكّل، وكلّما كان منها أيضاً يعسر اندماله فهو ممّا لا يتقيّح، وكلّما كان أيضاً من القروح الجيشة قد خصّ باسم ويسمّى به مثل القرحة التي يقال لها السرطانية، والقرحة التي تسمّى خيرونيون من اسم طبيب عالجها فبرأت، والقرحة التي تسمّى طيلافيون من اسم رجل عرضت له، والقرحة التي تسمّى الأكلة، فإنّه جميعها ممّا لا تتقيّح. فالتقيّح إذاً من أعظم العلامات دلالة على الثقة والأمن في القرحة وبهذا فاستدلّ على أعمال الماء الحارّ. فإنّه إذا ما لم ينفع القرحة رأيتها تبقى بعد استعماله غير متقيحة. ثمّ عدّد بعد هذا أفعال من أفعال الحارّ تراها يحدث دائماً. منها أنّه يلين الجلد إذا صلب ويرقّقه إذا غلظ، ويسكن الوجع ويكسر من عادية التشنّح والتمدّد، ولا يحدث كما يحدث البارد من الوجع ما لا يكون معه تقيّح لمنافرته لطبيعة أبداننا التي هي الحرارة الغريزية، وهذه الطبيعة التي يسمّيها الحارّ إذا لقي البدن من خارج على اعتدال فتفعل جميع ما وصف بإنضاجه بعض ما يحتاج إلى الإنضاج وإحالته إياه إلى الحال الأجود وتحليله واستفراغه الأشياء المؤذية وإبرائه بذلك لمّا يحدث عنها. فإن لم يبرأها البرء التامّ فإنّه على حال
تسكن الأوجاع. فأمّا في علل الرأس فإنّه قد يفعل ما وصفنا ويبرئ الثقل العارض في الرأس بإنضاجه وتحليله لما يؤذيه، وهو أيضاً أنفع الأشياء لكسر العظام وخاصّة لما كان منها عارياً، يعني معرا من اللحم، ولا سيّما لما كان من الكسر في عظام الرأس، لأنّ البارد من أضرّ الأشياء لتلك لأنّه ليس للعظام فقط هو ضارّ لكنّه مع ذلك هو ضارّ للدماغ. وما أماته أيضاً من الأعضاء البرد فإنّ الحارّ يشفيه. وما أقرحه أيضاً من الأعضاء البرد كما قد يقرح العقب والأصابع وبالجملة أطراف البدن في الشتاء فإنّ الحارّ لها شافي، وهو أيضاً موافق للقروح التي تدبّ وتسعي التي يقال لها النملة إذا كان معها تأكلّ على أنّ تلك القروح إنّما تكون من خلط حارّ من جنس المرار، لكنّ لما كان نفس القرحة البارد يقاومها ويضرّها، لأنّ البارد كما قال لذاع للقروح. وكذلك أيضاً فإنّ جميع العلل التي تكون في المقعدة فإنّ الحارّ لها موافق والبارد مقاوم ضارّ جدّاً، لاّن المقعدة عضو عصبي

والبارد ضارّ للعصب، ولأنّ البرد بطريق المشاركة يتراقى سريعاً من المقعدة إلى البطن، وكذلك الحرارة على هذا القياس. وكذلك أيضاً الرحم والمثانة أمّا الحارّ فموافق شافي وأمّا البارد فضارّ مهلك. وذلك لأنّ هذه الأعضاء أيضاً عصبية ويتراقى منها البرد إلى ما فوقها سريعاً. وليس يشكّ أحد، وإن لم أقل، أنّ ما أتبع به هذا القول حين قال «فالحارّ لأصحاب هذه العلل نافع شافي والبارد لهم ضارّ قاتل» إنّما أراد أن يعمّ به جميع أصحاب العلل التي ذكرها في هذا الفصل.

قال أبقراط: وأمّا البارد فإنّما ينبغي أن يستعمله في هذه المواضع أعني في المواضع التي يجري منها الدم أو هو مزمع بأن يجري منها، وليس ينبغي أن يستعمل في نفس الموضع الذي يجري منه لكن حوله ومن حيث يجيء، وفيما كان من الأورام الحارّة والتلذّع مائل إلى الحمرة ولون الدم الطري لأنّه إن استعمل فيما قد عتق فيه الدم سوّده، وفي الورم الذي يسمّى الحمرة إذا لم يكن معه قرحة لأنّ ما كانت معه منه قرحة فهو يضرّه.

قال جالينوس: إنّ أبقراط يصف في هذا القول المنافع التي ينتفع بها من البارد فيقول أوّلاً إنّه ينتفع به في المواضع التي ينفجر منها الدم أو هي مستعدّة لأنّ يحدث فيها ذلك، وإنّه ليس ينبغي أن يستعمل على موضع القرحة نفسه التي يجري منها الدم، لأنّ البارد كما قال ضارّ للقروح لكنّ على ما حوله وخاصّة على المواضع التي منها يجري الدم ويجري إلى القرحة، ويقول أيضاً إنّه ينتفع بالبارد في جميع الأورام الحارّة والمواضع التي يحدث فيها ما سمّاه وهو التلذّع، وعنى به المواضع التي كان النار قد كونها وأحرقتها لشدّة حرارة الأخلاط الفاعلة لذلك. فإنّ هذه المواضع أيضاً هي من المواضع التي يستراح إلى البارد فيها. وإذ تأمّلت جميع هذه المواضع رأيتها في لونها محمرة يكون الدم الطري لا بلون الدم العتيق، لأنّ الدم إذا عتق في المواضع لم يكون معه الإشراق. ولذلك إذا استعمل البارد في مثل ذلك الموضع عرضت له الكمودة والسواد. وعلى هذا المثال أيضاً قد ينتفع بالبارد في الورم المعروف بالحمرة إذا ما لم تكن معه قرحة لأنّه إذا كانت معه قرحة فالبارد له لذّاع مؤلم، فمن قبل ذلك قد يضرّه لأنّ الموضع إذا حدث فيه وجع فهو يستدعى انصباب الموادّ إليه.

قال أبقراط: إنّ الأشياء الباردة مثل الثلج والجمد ضارّة للصدر مهيّجة للسعال جالية لانفجار الدم وللنزل.

قال جالينوس: إنّ أبقراط إلى هذه الغاية كان كلامه في الماء الحارّ والبارد، ثمّ إنّه الآن أقبل على صفة الثلج والجمد فقال إنّ المضارّ الحادثة منهما أعظم من المضارّ الحادثة من الماء البارد بحسب فضل بردهما على برده وإنّهما من أضرّ الأشياء لنواحي الصدر ويهيج السعال ويصدع كثيراً العروق فيحدث بسبب ذلك انفجار الدم. ومع ذلك النزل التي يحدّدها من الرأس تتراقى الصدر والرئة، لأنّ الثلج والجمد قد يحدثان النزل ببردهما للدماغ.

قال أبقراط: الأورام التي تكون في المفاصل والأوجاع التي تكون من غير قرحة وأوجاع أصحاب النقرس وأصحاب الفسخ الحادث في المواضع العصبية وأكثر ما أشبه هذه
فإنّه إذا صبّ عليها ماء بارد كثير سكّنها وأضمرها وسكّن الوجع بما يحدثه من الخدر، والخدر اليسير مسكّن للوجع.

قال جالينوس: إنّ البارد قد ينفع أكثر ما أشبه هذه. ثمّ لم يصف تلك الأشياء، وليس يعسر أن يعلم ذلك ممّا تقدّم. فإنّه قد قال إنّ البارد قد يشفي ما كان من الأورام الحارّة مائلاً إلى الحمرة ولون الدم الطري. وذلك لأنّ البارد يدفع عن تلك الأعضاء ما يجري إليها وبهذا الوجه يستفرغها. ولذلك قد يسكن الوجع في مثل هذه المواضع لقطعه للسبب الذي يكون منه. والبرد أيضاً الحادث في العضو يحدث فيه خدراً يسيراً ، والخدر أيضاً ممّا يسكن الوجع بتنقيصه للحسّ.

قال أبقراط: الماء الذي يسخن سريعاً ويبرد سريعاً فهو أخفّ المياه.

قال جالينوس: ليس ينبغي أن يتوهّم أنّ أبقراط إنّما عنى بقوله «أخفّ المياه» أي أخفّها في الوزن. فإنّا إن توهّمنا أنّه إنّما عنى ذلك لم نجده أخبر بشيء فيه كثير درك مع أنّه يكون قد دار دوراناً كثيراً في استخراج شيء قد كان يمكنه من أوّل الأمر أن نجده بأهون سعي. وذلك أنّه لو كان إنّما أراد أن يعرف الماء الذي هو بالوزن أخفّ لقد كان السبار الخاصّ للأشياء التي توزّن منه مبذولاً له فيضعه في كفّة الميزان ويضع بحذائة سنجة فيسبر بذلك أمره، لكنّه إنّما عنى بقوله في هذا الموضع «أخفّ المياه» الماء الذي لا يثقل المعدة وينفذ عنها سريعاً كما إنّا قد نسمّي الثقيل ما كان ضدّ ذلك أعني ما كان ثقيل المعدة ولا ينفذ عنها سريعاً. وبيّن أنّه ليس بهذا السبار فقط يسبر فضيلة الماء، لكنّ أبقراط إنّما ذكر هذا السبار دون غيره لأنّ السبر الآخر يسهل الوقوف عليها وكلّ الناس يعرفها وهذا السبار علم لطيف من علم الطبّ. وأوّل تلك السبر ألّا يكون الماء كدراً ولا عكراً، والثاني ألّا يكون يظهر في رائحته أو طعمه كيفية منكرة، والثالث هذا السبار الذي وصفه أبقراط في هذا الفصل وهو أن يكون يسخن ويبرد سريعا.ً فإنّه إذا كان كذلك فالأمر فيه بيّن أنّه سريع الاستحالة، وكما أنّ فضيلة الطعام سرعه استحالته

كذلك أيضاً فضيلة الماء، إذا كنّا نريد من كلّ ما يراد به أن ينهضم على ما ينبغي من آلات الهضم أن يكون تغيّره واستحالته على أسهل ما يكون وأسرعه. فأمّا من امتحن أفضل المياه بحال شاربه فقط فإنّهم قد يستعملون من الدليل ما لا يكون أوثق ولا أحرز منه إلّا أنّهم إن اقتصروا على هذا الدليل وحده لم يكونوا في ذلك مصيبين. وذلك أنّه ينبغي أن يمتحن أوّلاً بالدلائل التي وصفنا قبل أن يصير المستعمل له إلى تجربته على هذا الوجه.

قال أبقراط: من دعته شهوته إلى الشرب بالليل وكان عطشه شديداً فإنّه إن نام بعد ذلك فهو محمود.

قال جالينوس: لم يخبر أبقراط هل ينبغي أن يؤذن لمن عطش عطشاً شديداً بالليل في الشرب أو لا ينبغي أن يؤذن له فيه لكنّه اقتصر على أن قال إنّ النوم ينفع صاحب هذا الحال بعدها، لأنّ الشيء الذي كان سبباً للعطش ينهضم وينحدر في وقت النوم. وليس ممّا يخفي أنّه قد ينبغي أن يؤذن لمن اشتدّ عطشه

في الشرب كأنّ ذلك من شرب شراب قليل المزاج أو كأنّ من قلّة الشرب. فإنّ أحد الأبواب التي يكون بها حفظ الصحّة أن يداوي نقصان الرطوبة بالزيادة فيها وأن تقمع وتطفى الحرارة المتولّدة من النبيذ بالماء. فأمّا متى كان العطش يسيراً فليس يجب لا محالة أن يؤذن لصاحبه في الشرب، لكنّ قد ينبغي أن ينظر هل عطشه من نقصان الرطوبة أو من كثرة شرب الشراب. فإن كان من نقصان الرطوبة أذن له في الشرب، وإن كان من كثرة شرب الشراب لم يؤذن له، لأنّه قد يمكن إذا نام هذا أن ينتفع.

قال أبقراط: التكميد بالأفاويه يجلب الدم الذي يجيء من النساء، وقد كان سينتفع به في مواضع أخر كثيرة لو لا أنّه يحدث في الرأس ثقلاً.

قال جالينوس: إنّ أبقراط عنى بالدم الذي يجيء من النساء الدم الذي يستفرغ من المرأة من الرحم في وقت انحدار طمثها وبعد ولادتها. وبيّن أنّه متى كان احتباس هذا الدم بسبب ورم في الرحم أو بسبب التوائه أو غير ذلك ممّا أشبهه فمداواته يكون على ما ينبغي

بإبراء العلّة التي عرض بسببها احتباس ذلك الدم. فأمّا نقصان استفراغ ذلك الدم الحادث من غير علّة من هذه العلل وأشباهها فمداواته تكون بهذا التكميد الذي ذكر. فإنّ المرأة التي هذه حالها إنّما سبب احتباس الدم الذي كان ينبغي أن يجيء منها إمّا غلظ الدم وإمّا شدّة في العروق التي تنتهي إلى الرحم وإمّا انضمام أفواهها وإمّا تكاثف من جوهر الرحم كلّه. وأيّ هذه الأسباب كان فالتكميد بالافاويه يبرئ منه لأنّه يقدر أن يفتح أفواه العروق إذا كانت قد انضمّت ويرقّق الدم إذا كان قد غلظ ويفتق السدد بتقطيعه وتلطيفه. قال «ولو لا أنّه يحدث في الرأس ثقلاً لقد كان سينتفع» في مواضع أخر كثيرة، لأنّه قد كان يمكن أن يسخن البدن كلّه بتكميد الرحم في جميع الأمراض الرطبة الباردة لو لا ما يخاف من ذلك التكميد من الصداع ولا سيّما في الحمّى. وقد تدلّك التجربة على أنّ الأفاويه كلّها إلّا الشاذّ منها يصدع، والقياس أيضاً يدلّك على ذلك، لأنّ كلّ ما يسخن إسخاناً قوياً فهو يصدع

لأنّ من شأن الحارّ في طبيعته أن يرتفع إلى فوق، وطبيعة جميع الأفاويه حارّة حرارة قوية لا سيّما السليخة والقسط والدارصيني والحماما.

قال أبقراط: ينبغي أن تسقى الحامل الدواء إذا كانت الأخلاط في بدنها هائجة منذ يأتي على الجنين أربعة أشهر وإلى أن يأتي عليه سبعة أشهر ويكون التقدّم على هذا أقلّ، وأمّا ما كان أصغر من ذلك أو أكبر منه فينبغي أن يتوقّى عليه.

قال جالينوس: قد قيل هذا الفصل فيما تقدّم في الكلام في الأدوية المسهلة، ويوجد أيضاً في أكثر النسخ مثنّياً في هذا الموضع في ذكر علل النساء. وقد حذفه قوم من هذا الموضع كيما لا يكون مثنّياً، وليس يحتاج منّا إلى تفسير مستأنف بعد الذي تقدّم من قولنا فيه.

قال أبقراط: إذا كانت المرأة حاملاً فاعتراها بعض الأمراض الحادّة فذلك من علامات الموت.

قال جالينوس: إنّ هذا الواجب. وذلك أنّه إن كان المرض من الأمراض التي معها حمّى فيجب ضرورة أن تكون تلك الحمّى مطبقة لازمة، لأنّ ذلك من شرط المرض الحادّ الذي معه حمّى. فالخطر في المرض الذي هذه حاله ضربان. أحدهما من نفس الحمّى إذ كان لا يؤمن منها أن يقتل الطفل، والآخر أنّا إن باعدنا فيما بين أوقات الغذاء قتلنا الطفل بعدمان الغذاء. وإن تجرّبنا سلامة الطفل فقريناً بين أوقات الغذاء زدنا في تلك الحمّى الدائمة بإعطاء الغذاء في غير وقته، فقتلنا بذلك الحامل. وإن كان المرض بعض الأمراض الحادّة التي ليست معها حمّى مثل الفالج والصرع والتشنّج والتمدّد، لم تقوى المرأة على احتمال عظم المرض وشدّته.

قال أبقراط: المرأة الحامل إن فصدت أسقطت وخاصّة إن كان طفلها قد عظم.

قال جالينوس: إنّ الطفل إذا عدم الغذاء هلك، وليس يعرض له ذلك عند افتصاد أمّه فقط لكنّ عند إمساكها عن الطعام أيضاً مدّة طويلة، وسنبيّن ذلك بعد قليل في فصول أخر. فبالواجب صار الطفل كلّما كان أعظم كان أحرى أن يعطب عند افتصاد أمّه لأنّه كلّما كان أعظم فهو يحتاج من الغذاء إلى مقدار أكثر.

قال أبقراط: المرأة إذا كانت تتقيّأ دماً فانبعث طمثها انقطع عنها ذلك القيء.

قال جالينوس: إنّ هذا الواجب من قبل أنّ الدم الذي كانت حركته إلى فوق يجتذب إلى أسفل ويستفرغ. والتجربة تدلّك على أنّ هذا إذا كان فهو

ممّا ينتفع به، وقد ينبهنا ما نراه من ذلك بالتجربة على أن ينحو نحو ما تفعله الطبيعة على ما ينبغي ويقتدي بها وتستفرغ المرأة التي هذه حالها بالفصد.

قال أبقراط: إذا انقطع الطمث فالرعاف محمود.

قال جالينوس: ما يشكّ أحد أنّه يجب ضرورة أن يكون الدم الذي يستفرغ في كلّ شهر على ما ينبغي إذا احتبس بسبب من الأسباب ضرّ احتباسه المرأة، وأنّه إذا استفرغ من موضع آخر أنفذ البدن كلّه من ضرر احتباسه، إلّا أنّ المواضع التي يمكن أن يستفرغ منها كثيرة. وليس شيء منها أعفى وأبعد من المكروه من استفراغه من المنخرين الذي ذكره أبقراط في هذا الموضع. وأمّا سائر المواضع كلّها فقد يلحق فيها الضرر، ويختلف ذلك في أنّه في بعضها أكثر وفي بعضها أقلّ. وليس إن وجد استفراغ غير هذا ليس فيه مكروه. فهذا الفصل بسبب ذلك كذلك كذب. وذلك أنّه لم يقل إنّ استفراغ الدم من المنخرين وحده محمود

عند انقطاع الطمث، لكنّه إنّما حمده حمداً مطلقاً من غير أن يلحق في قوله محمود دون غيره. فإن قال قائل إنّ استفراغ الدم من المقعدة محمود في المرأة التي هذه حالها فليس قوله بمناقض لهذا الفصل. فإنّا قد نجد أبقراط في مواضع كثيرة بذكر الشيء الواحد فيقضي فيه بقضية وهو يريد أن يجعله مثالاً يلزم الحكم فيه جميع ما هو نظير له.

قال أبقراط: المرأة الحامل إن ألحّ عليها استطلاق البطن لم يؤمن عليها أن تسقط.

قال جالينوس: إنّ أبقراط في هذا الموضع أيضاً إنّما قال إنّه يخاف على الحامل أن تسقط بسبب الاستفراغ كما بيّنّا قبل عند ذكره الفصد.

قال أبقراط: إذا كان بالمرأة علّة الأرحام أو عسر ولادها فأصابها عطاس فذلك محمود.

قال جالينوس: الغامظ ممّا قيل في هذا الفصل حرف واحد وهو قوله «علّة الأرحام». وذلك أنّ قوماً فهموا هذا جميع علل الرحم، وقوماً فهموا أنّه عناية من علل الرحم ما يلحقه ذلك العرض الذي يقال له خنق الرحم فقظ على أنّ ذلك العرض ليس هو خنقاً بالحقيقة لكنّه بطلان النفس، وقوماً فهموا أنّه عنى به المشيمة لأنّه قد يشرك الرحم والمشيمة في لسان اليونانيين باسم واحد. وهؤلاء يخطئون خطأ بيّناً على أنّه قد يظنّ بهم خاصّة أنّهم الصادقون من قبل أنّ المشيمة إذا احتبست في الرحم فالعطاس يخرجها. وخطاءهم بيّن من قبل أنّ أبقراط قد وصف هذا في فصل غير هذا الفصل من قبل أنّ الرحم والمشيمة، وإن كانا في لسان اليونانيين يشتركان في الاسم، ليس يجوز كما تقال علّة الرحم أن تقال علّة المشيمة، والقول أيضاً بأنّه عنى بعلّة الأرحام جميع العلل التي تعرض في الرحم باطل. وذلك أنّ العطاس لا ينفع القرحة التي تكون في الرحم ولا الورم الحادث فيه ولا الحمرة ولا الخراج. فأمّا القول فإنّ المرأة إذا بطل نفسها بسبب علّة الأرحام ثمّ أصابها عطاس خفّ ما بها فحقّ يقين، وليس ذلك لأنّ العطاس إذا حدث طوعاً بالمرأة التي هذه حالها فهو علامة محمود فقط، لكنّ لأنّه مع ذلك سبب محمود لأنّه يصير كالدواء

لتلك العلّة. وإنّما قلت إنّه علامة محمودة من قبل أنّه يدلّ على أنّ الطبيعة وقد كانت قبل قد جمده وماتت قد انتهضت وانتعشت وراجعت حركاتها الخاصّية بها، وعند ذلك يدفع بعض الفضول. فقد كنّا بيّنّا في كتابنا في أسباب الأعراض أنّ العطاس قد يكون على هذا الوجه وإنّما قلت إنّ العطاس يكون سبباً للمنفعة في هذه العلّة من قبل أنّه بشدّة هذه ونفضه للبدن. أمّا من وجه فيثير الطبيعة وينبهها، وأمّا من وجه آخر فإنّه ينفض عن أعضاء البدن ما هو لاصق بها منتشب فيها يعسر تحلّصه منها. وبهذا الوجه قد يرى العطاس الفواق.

قال أبقراط: إذا كان طمث المرأة متغيّر اللون ولم يكن مجيئه في وقته دائماً دلّ ذلك على أنّ بدنها يحتاج إلى تنقية.

قال جالينوس: قد نجد هذا الفصل في نسخ كثيرة مكتوباً على هذا المثال «إذا كان طمث المرأة مختلفاً ولم يكن مجيئه في وقته دائماً، دلّ ذلك على أنّ بدنها يحتاج إلى تنقية». وقد يمكن أن يدلّ الطمث المختلف،

أعني المتأخّر عن وقت دروره الذي جرت به العادة، على أنّه يحتاج إلى تنقية البدن من الخلط البلغمي الذي بسببه يعسر جرية الدم فيحبس بسبب ذلك الطمث ولكنّه ليس الحاجة ضرورة إنّما هي إلى التنقية فقط أعني إلى الاستفراغ الذي يكون بالدواء، لأنّا قد نداوي هذه الحال كثيراً بالتدبير الملطّف. وقد وصفت أمر هذا التدبير في كتاب أفردته له. ومع هذا التدبير أيضاً فإنّ التكميد بالافاويه والفرزجات المحتملة التي فوقها قوّة ذلك التكميد والأدوية التي تشرب القطاعة الملطّفة لغلظ الأخلاط، مثل الدواء الذي يتّخذ بالفودنج النهري الذي من عادتنا أن نستعمله كثيراً قد يرد الطمث إذا أبطأ مجيئة. فإنّ الغرض في مداواته تفتّح السدد التي في العروق المنحدرة إلى الرحم وتلطّف الدم وترقيقه. ومع ذلك أيضاً فتنقية البدن كلّه كما قلت من الأخلاط الغلاظ قد تشفي هذه الحال. فإن كانت النسخة الصحيحة هي التي فيها «إذا كان الطمث المرأة متغيّر اللون»، فأحرى أن تكون تنقية البدن تشفي المرأة التي هذه حالها. فإنّ الطمث يتغيّر لونه لا لسبب الخلظ البلغمي فقط لكنّ بسبب السوداوي

وبسبب المرّة الصفراء. وقد علمنا أبقراط في المقالة الأولى من كتابه في أوجاع النساء كيف ينبغي أن يستدلّ على الخلط الغالب في البدن. وأمّا في هذا الموضع فأخبر أنّ استفراغها ينبغي أن يكون بالتنقية أعني بالدواء المستهل أو المقيّء. وأمّا قوله «ولم يكن مجيئه في وقته دائماً» فهو لهذه النسخة أشدّ موافقه حتّى يكون قوله كلّه على هذا المثال «إذا كان طمث المرأة متغيّر اللون ولم يكن مجيئه دائماً في وقته الذي كانت جرت عادة المرأة بأن يجيئها فيه قبل ذلك دلّ ذلك على أنّ بدنها يحتاج إلى تنقيته». فإنّه قد يعرض للمرأة إذا غلب على بدنها بعض الأخلاط الرديئة ألّا يتغيّر لون طمثها فقط، لكن يفسد مع ذلك حدّاً دواره. فإن كانت الأخلاط في بدنها قد صارت أغلظ ممّا كانت عليه في الحال الطبيعية وأعسر جريه، أبطأ مجيء الطمث وتأخّر. فإن كانت صارت إلى ضدّ ذلك أعنى أرطب وأرقّ، تقدّم مجيء الطمث الوقت الذي كانت جرت العادة أن يجيء فيه.

قال أبقراط: إذا كانت المرأة حاملاً فضمر ثدياها بغتة فإنّها تسقط.

قال جالينوس: إنّ هذا الفصل أيضاً هو من تلك الفصول التي تدلّ على ما يعرض للطفل في البطن بسبب نقصان غذائه. وذلك أنّ فيما بين الرحم والثديين عروقاً مشتركة. فإذا نقص الدم في تلك العروق، ضمر الثديان. وبسبب نقصان الغذاء ربّما مات الطفل، وربّما تحرّك للخروج للسبب الذي ذكره أبقراط في كتابه في طبيعة الطفل. وهذا قوله فيه أيضاً أنّ الغذاء ومادّة النشوء التي تنحدر من الرحم إلى الطفل لا تكفيه إذا جاوز العشر الأشهر وأمعن في النشوء. وذلك أنّه يجتذب إليه من الدم أعذب ما فيه وأحلاه، وهو مع ذلك ينال من اللبن اليسير. فإذا لم يجد منهما إلّا ما هو له نزر قليل وكان قد شبّ وقوي فطلب أكثر ممّا يجد من الغذاء، ارتكض فهتك أغشيته. فبيّن أنّ الطفل وإن عدم الغذاء قبل هذه العشر الأشهر فإنّه يرتكض ويهتك أغشيته. فيكون ذلك أوّل السبب في أن تلذّه أمّه.

قال أبقراط: إذا كانت المرأة حاملاً فضمر أحد ثدييها
وكان حملها تؤماً فإنّها تسقط أحد طفليها، وإن كان الضامر هو الثدي الأيمن أسقطت الذكر، وإن كان الضامر هو الأيسر أسقطت الأنثى.

قال جالينوس: إنّ الأمر الذي قيل في الفصل الذي قبل هذا في الثديين كلّاهما قيل في هذا الفصل في أحد الثديين. ومن قبل السبب الذي تقدّم وصفه وهو اشتراك العروق صار الطفل الذي بإزاء الثدي الذي ضمر هو الذي يسقط. فأمّا قوله إنّ الحمل إذا كان توماً وكان أحد الطفلي ذكراً والآخر أثنى، فإن ضمر الثدي الأيمن أسقط الذكر وحده، وإن ضمر الثدي الأيسر هلكت الأنثى فقط. فهو مبنى على ذلك القول الذي قاله حين قال إنّ تولّد الطفل إذا كان ذكراً يكون في الجانب الأيمن أكثر وإذا كان أنثى ففي الجانب الأيسر.

قال أبقراط: إذا كانت المرأة ليست بحامل ولم تكن ولدت ثمّ كان لها لبن فطمثها قد ارتفع.

قال جالينوس: إنّ في هذا الباب كلاماً كثيراً ويحتاج من أراد فهمه أن يكون قد ارتاض في كتابي في القوى الطبيعية واستقصى فهمه، لكنّي سأقول على حال طرفاً منه يقدر ما يمكن أن يكون على غاية من الايجاز ويبلغ الحاجة فيما قصدنا إليه. فأقول إنّه يعمّ جميع أعضاء البدن التي تولّد رطوبات تنتفع بها أعضاء أخر ويحتاج إليها في تناسل الجنس أو في غذاء الطفل ما دام في البطن أنّ تلك الرطوبة إنّما تكون كالفضل من غذاء ذلك العضو الذي يولّدها. وذلك أنّ العضو المولّد لها ليس يولّدها من قبل أنّه يعلم أنّه ينتفع بها في البدن، لأنّا إن قلنا ذلك ادّعينا أنّ لذلك العضو من العقل مثل العقل الذي نريده من القوم الذين يدبّرون البلد، وليس الأمر كذلك لكنّ الذي خلق الحيوان تبارك وتعالى هو الذي معه ذلك العلم. فأمّا العضو فإنّما تدبيره كما بيّنّا بقوى طبيعته، وتلك القوى كثيرة، وأحدّها القوّة المغيّرة التي بها يشبه العضو غذاءه بنفسه. فما بلغ من أمره من الغذاء الذي يستحلّ منه أن يتشبّه بالمغتذي به تشبّهاً مستقصاء.

فإنّه يصير زيادة في ذلك العضو وويغذوه. وهذا هو الذي قال أبقراط في كتاب الغذاء إنّ ما يغذو من الغذاء فهو غذاء. وأمّا الذي هو كالغذاء وهو الفضل الذي يبقى فيه فإنّه كيموس شبيه بطبيعة ذلك العضو، وذلك في العظام هو ما يوجد في تجاويفها. وأمّا في الكبد فهو الدم. والرطوبة الزبدية أيضاً التي نجدها في خلل لحم الرئة هي من هذا الجنس، وكذلك أيضاً الرطوبة اللزجة التي توجد في المفاصل، والرطوبة التي توجد في الأنثيين والوعائين الناشيين منهما التي تسمّى آلة المني، والرطوبة التي توجد في اللسان التي تسمّى الريق واللعاب. ففي الثديين أيضاً لحم رخو من جنس الغدد قادر على أن يشبه ما يجري إليه بنفسه. ولمّا كان ذلك اللحم الرخو عديماً للدم أبيض فإنّه جعل الرطوبة المشاكلة له بالحال التي عليها اللبن. وكلّما كان ما يجري إليه من الغذاء أكثر، كان ما يتولّد من اللبن أكثر. ويكون ما يجري إليه من الغذاء أكثر في الشهر الثامن والتاسع من الحمل عند ما يمتلئ العروق المشتركة بين الرحم والثديين امتلاء كثيراً، كما قد نرى ذلك عياناً في تشريح الحيوان الحامل. وقد يكون هذا في الندرة من غير حمل إذا

بلغت تلك العروق من الامتلاء إلى مثل حالها في آخر وقت الحمل من قبل احتباس الطمث، وهي الحال التي ذكرها أبقراط في هذا ا لفصل.

قال أبقراط: إذا انعقد للمرأة في ثدييها دم دلّ ذلك من حالها على جنون.

قال جالينوس: قد قلت في تفسيري للفصل الذي قبل هذا إنّ الدم إذا صار إلى الثديين ثمّ استحال من اللحم الرخو الذي فيهما صار لبناً. وابقراط يقول في هذا الفصل إنّ الدم الذي يصير إلى الثديين إذا بقي فلم يتغيّر دلّ على جنون. وأمّا أنا فما رأيت هذا كان قطّ إلى هذه الغاية فيدلّني ذلك أنّه وإن كان ممّا قد يكون فهو ممّا لا يكون إلّا في الندرة. فأمّا أبقراط فوصفه وصف من قد راه «وإن كان الأمر صحيحاً فينبغي أن يتوهّم في علّته ما أصف». أقول إنّ طبيعة اللحم الرخو وخاصّة ما هو منه في الثديين عديمة للدم

باردة، لأنّ كلّ ما هو عديم للدم فهو بارد، وهو يجعل استحالة الدم الذي يجيئه إلى ما هو أميل إلى البرد. فبحسب فضل برد ذلك اللحم الرخو على الحمر الكبد، فضل برد اللبن على الدم. فإذا انثبت في البدن كلّه في وقت من الأوقات دم كثير حارّ في مقدار حرارة ما يغلي وصار ذلك الدم خاصّة إلى الرأس، فإنّ المرأة التي هذه حالها تجنّ بمصير الدم الذي هذه حاله إلى الرأس. فأمّا ما يصير منه إلى الثديين فلا يمكن فيه أن يستحيل إلى ضدّ حاله حتّى يصير لبناً لشدّة حرارته وتلذيعه ولكثرته.

قال أبقراط: إن أحببت أن تعلم هل المرأة حامل أم لا فاسقها إذا ارادت النوم ماء العسل، فإن أصابها مغص في بطنها فهي حامل، وإن لم يصبها مغص فليست بحامل.

قال جالينوس: إنّ المغص قد يكون من التلذيع، ويكون من رياح غليظة نافخة ليس لها منفذ سهل. وهذا النوع من المغص هو الذي ينبغي أن يتوهّم أنّه يعرض للحامل بسبب مزاحمة الرحم وتضييقه لطريق تلك الرياح. وأمر أن يسقي المرأة ماء العسل عند النوم، وبيّن أنّه يريد أن يكون عسلاً نياً غير مطبوخ لأنّه إنّما يحتاج منه في تعرّف ما يريد تعرّفه إلى ما يولّد من الرياح والنفخة. وأراد بإسقائها ذلك عند النوم أن يواقي ذلك منها وقت سكون وامتلاء من الطعام. فإنّ هذين الأمرين جميعاً معيشان على حدوث المغص.

قال أبقراط: إذا كانت المرأة حبلى بذكر كان لونها حسناً، وإذا كانت حبلى بأنثى كان لونها حائلاً.

قال جالينوس: إنّ أبقراط إنّما وصف ما وصف من الاستدلال بحسن اللون وقبحه على أن يقاس لون المرأة بما كان عليه لا يكون غيرها. فإنّ المرأة إذا كانت حبلى بأنثى رأيت لونها أقبح ممّا كان، وذلك لأنّ الأنثى أبرد

من الذكر. وليس يكون ما تحمله المرأة أبرد، إلّا أن يكون متى كان مني الرجل ورحم المرأة في وقت ما يعلق ذلك الحمل أبرد، ولذلك إنّما هذا القول من الأقاويل التي تقال على الأمر الأكثر. وذلك أنّه قد يمكن أن تبالغ المرأة في حسن التدبير بعد أن تعلق فيحسن لونها. وبيّن أن يحمل الذكر دلائل أخر مثل كثرة الحركات وقوّتها، وليس تلك الدلائل أيضاً من العلامات الدائمة التي لا تحول. وذلك أنّه قد يمكن في الندرة أن تكون المرأة حبلى بأنثى وتلك الأنثى أقوى من الذكر فتكون تتحرّك حركات أقوى وأكثر، ويمكن أن تكون المرأة حبلى بذكر وذلك الذكر أضعف من الأنثى فيكون يتحرّك حركات أقلّ وأضعف.

قال أبقراط: إن حدث بالمرأة الحبلى الورم الذي يدّعى الحمرة في رحمها فذلك من علامات الموت.

قال جالينوس: قد ينبغي أن ننظر هل الورم الذي يدّعي الحمرة وحده إذا حدث في الرحم والمرأة حامل أيدلّ على الموت أم قد يدلّ على مثل ذلك أيضاً الورم الحارّ الذي يسمّي خاصّة فلغموني. والأمر في أنّ الورم الذي يدّعي الحمرة إذا حدث مات الطفل ضرورة بيّن، إذ كانت الحمّى الحادّة وحدها من غير الحمرة قد تقتله كثيراً. فأمّا غيرها من الورم الحارّ إذا حدث في الرحم هل يمكن أن يسلم عليه الطفل أم لا فذلك ممّا يحتاج إلى بحث ونظر.

قال أبقراط: إذا حملت المرأة وهي من الهزال على حال خارجة من الطبيعة فإنّها تسقط قبل أن تسمن.

قال جالينوس: إنّ القوم الذين فسّروا هذا الكتاب فهموا معنى هذا الفصل على ثلاثة أنحاء. وذلك أنّ بعضهم توهّم أنّه لا بدّ من أن تسقط المرأة على حال إذا كانت هذه حالها، وبعضهم توهّم أنّها إن لم تسمن ويحسن قبول بدنها للغذاء لكنّ بقيت على نحافتها وهزالها أسقطت، وبعضهم توهّم أنّه إذا تراجع بدنها وحسن قبولها للغذاء عند ذلك خاصّة تسقط. وقد يظنّ أنّ هذا القول

أبعد من القنوع من القولين الأوّلين، إلّا أنّ نومسياوس على هذا المعنى فسّر هذا الفصل فقال إنّ هذا الفصل إنّما قيل في المرأة التي تخرج عن طبيعتها إلى الهزال ويحتاج بدنها أن يتراجع ويحسن قبوله للغذاء قبل أن تحبل قتحمل قبل ذلك، قال «فليس يمكن أن يتراجع بدنها ويحسن قبوله للغذاء دون أن ينصرف الدم الذي ينبعث إلى الطفل ليغتذي به إلى بدن أمّه لتغتذي به، فلذلك يجب إذا عدم الطفل الغذاء الكافي له أن يعطب». وقول أبقراط أيضاً وهي من الهزال على حال جارجة من الطبيعة قد فهمه أقوام على ما فهمه نوميسياوس أن تكون تلك المرأة قد عرض لها إن صارت على حال خارجة من طبيعتها، وفهمه قوم على الإفراط في تلك الحال، وإنّ أبقراط إنّما أراد أن يدلّ به على أنّه ليس إذا كان هزال المرأة يسيراً عرض لها ما ذكر ضرورة، لكنّه إنّما يعرض لها متى كانت قد هزلت هزالاً شديداً مفرطاً. ولصاحب كلّ واحد من هذين التفسيرين حجّة مقنعة.

قال أبقراط: متى كانت المرأة وبدنها معتدل تسقط في الشهر الثاني والثالث من غير سبب بيّن
فقعر الرحم منها مملوء مخاطاً ولا تقدر على ضبط الطفل لثقله لكنّه ينهتك منها.

قال جالينوس: عنى بقوله «من غير سبب بيّن» أي من غير حمّى شديدة أو استطلاق البطن أو انفجار الدم أو الورم الذي يدّعي الحمرة إذا حدث في الرحم أو وثبة شديدة تكون من الحامل أو صيحة أو عصبة أو فزعة أو إقلال من الغذاء أو غير ذلك ممّا أشبه ممّا تفعله المرأة أو ممّا ينالها. فإنّ المرأة إذا كانت تسقط عن غير سبب من هذه الأسباب وهي كما قال معتدلة البدن فأولى الأشياء أن يكون السبب في إسقاطها أن تكون أفواه العروق المتناهية في الرحم التي بها تعلق المشيمة مملوءة رطوبة مخاطية. وهذه الأفواة التي سمّاها النقر، وليس هي كما ظنّ قوم اللحم الرخو الذي يتولّد على أفواه تلك العروق. وممّا يدلّ على ذلك أنّ أبقراط قال في المقالة الأولى من كتابه في علل النساء إنّه متى كانت النقر التي في الرحم مملوءة بلغماً كان الطمث أقلّ. وقال أيضاً بركساغورس في المقالة الأولى من كتابه في الأمور الطبيعية إنّ النقر هي أفواه العروق الضوارب وغير الضوارب التي تجلب الدم إلى الرحم.

قال أبقراط: إذا كانت المرأة على حال خارجة من الطبيعة من السمن فلم تحبل فإنّ الغشاء الباطن من غشائي البطن الذي يسمّى الثرب يزحم فم الرحم منها وليس تحبل دون أن تهزل.

قال جالينوس: قد فهم قوله «على حال خارجة من الطبيعة» على ضربين. فقوم توهّموا أنّه عنى بها على حال إفراط، وقوم توهّموا أنّه عنى به حال خارجة من طبيعة تلك المرأة الحامل. وأصحّ القولين القول الأوّل. فإنّ الشحم الذي في الثرب يضغط ويزحم فم الرحم في المرأة التي هي من السمن على حال مفرطة. وعنى بفم الرحم في هذا الموضع الفم الداخل الذي عنده ينتهي الرحم ومنه تبتدئ رقبة الرحم، وهذا هو أولى وأحقّ بأن يسمّى فم الرحم. فإنّ طرف رقبة الرحم الآخر المتّصل بفرج المرأة إنّما يجب أن يسمّي رقبة الرحم لا فم الرحم.

قال أبقراط: متى تقيّح الرحم حيث يستبطن الورك وجب ضرورة أن يحتاج إلى الفتل.

قال جالينوس: عنى بقوله «يحتاج إلى الفتل» أي يحتاج إلى العلاج بالفتائل. وليس ممّا يخفى أنّ الرحم إذا تقيّح وحاصّة ما يلي منه ما خارج فإنّ أبقراط كأنّه إنّما يدلّ على هذا في هذا الموضع فلا بدّ له من أن يعالج بالفتائل.

قال أبقراط: ما كان من الأطفال ذكراً فأحرى أن يكون تولّده في الجانب الأيمن، وما كان أنثى ففي الجانب الأيسر.

قال جالينوس: قد بيّنت في كتابي في المني أنّ الطفل إنّما يكون ذكراً من قبل مزاجه إذا كان منذ أوّل الأمر أسخن. وممّا يعيّن على أن يكون مزاج الطفل أسخن الموضع الذي يتولّد فيه إذا كان أسخن،

وأسخن جانبي الرحم الجانب الأيمن، وأنّما صار هذا الجانب أسخن بمجاورته الكبد. وممّا يعيّن أيضاً على سخونة مزاج الجنين مني الأنثى الذي ينبعث من الأنثيين منها في كلّ واحد من قرني الرحم: أمّا ما يجيء منه من اليمنى فإلى الجانب الأيمن، وما يجيء من اليسرى فإلى الجانب الأيسر، وهذان مختلفان كما قد بيّنّا ذلك أيضاً. وذلك أنّ المني المتولّد في اليسرى من الأنثيين أرقّ وأقرب إلى المائية وأبرد من المني المتولّد في اليمنى، فلهذا أيضاً قد يجب أن يكون الجنين المتولّد في الجانب الأيسر منذ أوّل أمره أبرد. وقد تكلّمت في هذه الأشياء كلّها كلاماً شافياً في المقالة الخامسة من كتابي في تشريح أبقراط.

قال أبقراط: اذا أردت أن تسقط المرأة المشيمة فادخل في الأنف دواء معطّساً وامسك المنخرين والفم.

قال جالينوس: إنّه يحدث عند هذه الحال للبطن تمدّد وتوتّر فيعيّن ذلك على سقوط المشيمة.

قال أبقراط: إذا إردت أن تحبس طمث المرأة فالق عند كلّ واحد من ثديها محجمة من أعظم ما يكون.

قال جالينوس: كما قد علمنا أبقراط علاج الطمث إذا نقص استفراغه أو لم يستفرغ بتّة، كذلك علمنا الآن علاج إفراطه وأمر أن يلقى عند الثديين محجمة من أعظم ما يكون. والأجود أن لا تعلق المحجمة على نفس الثدي، لكنّ على ما دونه من أسفل حيث تنتهي العروق المتصاعدة إلى الثديين من أسفل. وقد نجد أيضاً في بعض النسخ مكان «فالق عند كلّ واحد من ثديها» «فالق دون كلّ واحد من ثديه». وإنّما يقدر بأن تكون المحجمة من أعظم ما يكون، حتّى يكون الجذب بها من الرحم

إلى فوق أشدّ وأقوى وأبلغ وتلطّف، لأنّ يكون ذلك بالعروق المشتركة فيما بين الرحم والثديين.

قال أبقراط: إنّ فم الرحم من المرأة الحامل يكون منضمًّا.

قال جالينوس: إنّ هذا من أعطم دلائل الحمل إذا قدرت القابلة أن تدخل أصبعها فتلتمس فم الرحم. فإنّ الرحم منذ يرد عليه المني فيعلقه ينقبض تجويفه عليه من جميع النواحي وينضمّ فمه. وقد نجد فم الرحم ينضمّ بسبب الورم، إلّا أنّه قد يفرق بين الانضمام الذي يكون من قبل الورم وبين الانضمام الذي يكون بسبب الحمل لأنّ مع الانضمام الذي تكون من قبل الورم صلابة ليست معه إذا كان بسبب الحمل.

قال أبقراط: إذا جرى اللبن من ثدي الحبلى دلّ ذلك على ضعف من طفلها، ومتى كان الثديان مكتنزين دلّ ذلك على أنّ الطفل أصحّ وأقوى.

قال جالينوس: إنّ اللبن يجري من المرأة التي تجده يجري منها في الوقت الذي من شأنه في الطبع أن يتولّد في الحامل. فإنّه ليس يتولّد فيها في الأشهر الأوّل. فأمّا خروجه حتّى يجري ولا يبقى داخلاً فإنّما يكون من قبل كثرة ما يجتمع منه. وإنّما يجتمع منه مقدار أكثر إذا امتلئت العروق المشتركة فيما بين الرحم والثديين إمتلاءاً أكثر. وإنّما تمتلئ تلك العروق إمتلاءاً أكثر إذا كان ما يناله الطفل ممّا فيها يسيراً، وذلك إنّما يكون لضعفه. فبيّن أنّه لا ينبغي أن ترى الثديين ضامرين، مثل ما كانا قبل أن تحمل المرأة. فأنّ هذا إذا كان دلّ على نقصان من الدم، ولذلك إذا عرض هلك الطفل، ولا ينبغي أيضاً أن يبلغ الأمر بالثديين من الامتلاء أن يجري منهما اللبن. لكنّ ينبغي أن يكون مقدار امتلائهما مقداراً إذا لمستهما معاً وجدتهما مكتنزين. فإنّ هذه الحال حال متوسّطة بين حالهما إذا كانا صلبين مدافعين لليد لشدّة امتلائهما وبين حالهما إذا كانا لينين مسترخيين لنقصان الدم. ولذلك حمد أبقراط هذه العلامة، لأنّها تدلّ على أنّ الطفل ليس بضعيف ولا غذاءه بالناقص.

قال أبقراط: إذا كانت حال المرأة تؤول إلى أن تسقط فإنّ ثدييها يضمران، فإن كان الأمر على خلاف ذلك أعني إن كان ثدياها صلبين فإنّه يصيبها وجع في الثديين أو في الوركين أو في العينين أو في الركبتين ولا تسقط.

قال جالينوس: قد قال أبقراط فيما تقدّم إنّه إذا كانت المرأة حاملاً فضمر ثدياها بغتة فإنّها تسقط. وقال أيضاً إنّه إذا كانت المرأة حاملاً فضمر أحد ثدييها وكان حملها توماً فإنّها تسقط أحد طفليها. وأمّا في هذا الموضع فقلت نظام الاتّصال، فلم يبتدئ من العلامات لكنّ من المرأة التي تسقط فقال إنّه يتقدّم إسقاطها ضمور ثدييها. وليس القول بأنّ الثديين إذا ضمر أتبع ذلك الإسقاط هو من جميع الوجوه القول بأنّ الإسقاط إذا كان مزمعاً أن يكون تقدّمه ضمور الثديين، لأنّ القائل بأنّ الإسقاط يتبع ضمور الثديين

لم يكن يدخل في حكمه هذا أنّ هذه العلامة وحدها تدلّ على أنّ الإسقاط يحدث. وأمّا القائل بأنّ المرأة إذا كانت تسقط فإنّ ثدييها يضمران فكأنّه قد دلّ على أنّ هذه العلامة وحدها تدلّ على الإسقاط. فقد ينبغي أن يستقصي النظر ويرصد ويتفقّد ما يظهر عياناً في الحوامل، كيما يعلم هل الإسقاط لا يكون في حال من الأحوال من غير ضمور الثديين لكنّه لا بدّ أن يتقدّمه ذلك دائماً. وقد يمكن أن لا يتقدّم ضمور الثديين الإسقاط إذا كان من وثبة أو من ضجّة عظيمة أو من غضبة أو من قرعة شديدة تكون دفعة. وقد يمكن أن يتوهّم المتوهّم أيضاً أنّه قد يكون أن يلحق المرأة الإسقاط بسبب حمّى عظيمة أو بسبب الورم الذي يدّعي الحمرة إذا حدث في الرحم أو بسبب الرطوبة المخاطية التي تكثر في نقر الرحم أو بسبب غير ذلك ممّا أشبهه من غير ضمور الثديين. فإنّ أبقراط كأنّه يرى أنّ ضمور الثديين يتقدّم الإسقاط دائماً، وقد تقفّدت أنا هذا الأمر فوجدت مراراً كثيرة الثديين يضمران، وإن كان الإسقاط من قبل هذه الأسباب التي ذكرت. فأشبه الأمور وأولاها متى كان ضمور الثديين قد حدث من غير سبب من هذه الأسباب
أن نقول إنّ السبب فيه نقصان الدم في العروق المشتركة بين الثديين والرحم الذي بسببه يعدم الطفل الغذاء فيعطب، ومتى كان ضمور الثديين من قبل سائر الأسباب التي يعرض للطفل منها عارض فيموت أو يتهتّك فينفصل من الرحم عند ما تتزّق الأغشية التي تحويه أن نقول إنّ السبب فيه أنّ الطبيعة إذا فتحت فم الرحم وهيّجت الطلق والمخاض مال الدم بسبب ذلك نحو أعضاء التوليد. فإنّ هذا قول عامّ في جميع المواضع التي تقصد فيها الطبيعة لدفع شيء يعسر واستكراه ومجاهده أنّ الدم والروح يميلان إلى ذلك الموضع وهما الشيئان الذان يستعملهما كالآلة فيدفع بهما الشيء المؤذي. ولهذا السبب يعرض الورم للعضو الذي يحدث فيه الوجع من قبل أنّ الطبيعة تبادر لقذف السبب الفاعل للوجع ودفعه، ولكنّها تجعل تملئ الموضع الذي فيه الوجع من الدم والروح. فهذا قولي في الجزء الأوّل من هذا الفصل. فأمّا الجزء الثاني منه الذي يتلو هذا الذي ذكر فيه حال الثديين مضادّة للحال الأولى، فقال فيه «فإن كان الأمر على خلاف ذلك، أعني إن كان ثدياها صلبين فإنّه يصيبها وجع» في مواضع سمّاها ولا تسقط.
فيكون قوله في هذا الفصل كلّه على هذا المثال أنّ الثديين إذا ضمرا دلالاً محالة على إسقاط كائن وليس يمكن أن يعطب الطفل أو تسقطه المرأة دون أن تضمر الثديان. وإذا صلب الثديان فليس يدلّان على إسقاط، لكنّهما يدلّان على أنّه يتبع صلابتهما وجع يحدث في بعض المواضع التي ذكر، حتّى يكونا كما يدلّ ضمور الثديين على قلّة الدم كذلك يدلّ صلابتهما على كثرته وبيّن أنّ صلابة الثديين غير اكتنازهما الذي ذكره قبيل. وإذا كان الدم على هذه الحال من الكثرة فإنّ الطبيعة تدفع الفضل إلى بعض الأعضاء، فتعرض في تلك الأعضاء أوجاع، ويبقى الطفل سليماً من الآفات. وقد يلزم الطلب والبحث في هذا الموضع عن السبب الذي من أجله صارت الطبيعة لا تدفع في حال من الأحوال هذا الفضل إلى جرم الرحم فيحدث فيه ورماً، وإن كان ذلك يكون فما بال الورم إذا حدث في الرحم لا يعطب الطفل.
فأقول إنّ هذا ليس هو الأمر الذي أراده ابقراط. فإنّه لا ينبغي لنا أن نتوهّم أنّه لا يتبع في حال من الأحوال صلابة الثديين هلاك الطفل، وإنّما ينبغي أن نتوهّم أنّ ذلك لا يكون دائماً كما يكون عند ضمور الثديين، لكنّ إن دفعت الطبيعة الفضل إلى عضو غير الرحم فيستدلّ على ذلك بالوجع الذي يعرض فيه لم يهلك الطفل فيكون قول أبقراط في هذا الفصل كلّه إذا فهمناه على هذا المعنى يختبر على هذا المثال «إذا كانت المرأة تستسقط فإنّه يتقدّم إسقاطها دائماً ضمور الثديين وليس يتقدّم إسقاطها صلابة الثديين وامتلاءهما». فإنّ في المرأة التي هذه حالها في أكثر الأمر قد تدفع الطبيعة الفضل إلى عضو غير الرحم. فإن دفعته إلى الرحم فإنّه يعرض عند ذلك لا محالة أيضاً ضمور الثديين. فإنّ قول أبقراط فيما يظهر أنّه وإن كان الإسقاط من سبب غير قلّة الغذاء فإنّه يتقدّمه لا محالة ضمور الثديين من قبل السبب الذي وصفت، فإن كان أيضاً سبب الإسقاط إنّما هو رطوبة النقر التي في الرحم وانهتاك الجنين بسببها وانفصاله منها فإنّه عند ذلك أيضاً إذا دفعت الطبيعة الطفل لتخرّجه مال الدم إلى الرحم

ولذلك يحدث للثديين فضل ضمور على ما كانا عليه قبل.

قال أبقراط: إذا كان فم الرحم صلباً فيجب ضرورة أن يكون منضمًّا.

قال جالينوس: قد قلت فيما تقدّم إنّ انضمام فم الرحم دليل عامّ للورم الحادث فيه وللحمل، وإنّه ينبغي أن يفرق بينهما بالصلابة. وذلك أنّه في الحامل ليناً على الحال الطبيعية، ومتى حدث فيه ورم من الأورام الحادّة أو الصلبة كان صلباً. فقد كان الأجود أن يكون وضع هذا الفصل بعد ذلك الفصل الذي قال فيه إنّ فم الرحم من المرأة الحامل يكون منضمّاً.

قال أبقراط: إذا عرضت الحمّى لمرأة حامل وسخنت سخونة قوية من غير سبب ظاهر فإنّ ولادها يكون بعسر وخطر أو تسقط فتكون على خطر.

قال جالينوس: قد يعرض لبعض الحوامل أن يكون قد اجتمع في أبدانهنّ قبل وقت الحمل خلط رديء، فربّما حدث لهنّ من ذلك الخلط حمّى شديدة حتّى يسقطن ضرورة، وربّما حدث لهنّ منه حمّى لينة إلّا أنّهنّ لا يخرجن منها خروجاً صحيحاً، لكنّه يبقى من ذلك الخلط الرديء الذي عنه كانت الحمّى بقايا من قبل أنّ الأطبّاء لا يقدرون لمكان حمل المرأة أن يعالجوها بعلاج قوي ولا يستقصون أمر صلاح التدبير في غذائها. ولذلك تعاودهنّ الحمّى كثيراً وتدوم بهنّ في أكثر مدّة الحمل التياث البدن وثقله. فيجب من قبل ذلك أن يكون الطفل ربّما لم يحتمل ما يعرض له من ذلك فيهلك بسبب الحمّى والخلط الرديء المتحيّر في بدن أمّه، وربّما احتمل فبقي إلى أن يولد،

إلّا أنّه يكون سقيماً لطول مدّة ما يبقى به من مرض أمّه وتكون أمّه أيضاً قد ضعفت فلا يكون ولاده سليماً من الخطر، لأنّه يحتاج في سهولة الولاد إلى أن يكون البدنان جميعاً قويين أعني بدن الحامل وبدن الطفل المحمول.

قال أبقراط: إذا حدث بعد سيلان الطمث تشنّج وغشي فذلك رديء.

قال جالينوس: ليس حين يكون سيلان الطمث يحدث هذه الأعراض ولا غيرها ممّا يقول فيه فيما يأتي بعد من قوله إنّه يحدث بعد شيء غيره، لكنّه إنّما تحدث هذه الأعراض إذا كانت تلك العلل التي تحدث بسببها إمّا قوية شديدة وإمّا طويلة مزمنة. فأمّا الغشي فهو عرض عامّ لكلّ استفراغ مفرط. وأمّا التشنّج فإنّه وإن لم يكن عرضاً عامًّا لكلّ استفراغ فإنّه في أكثر الاستفراغ ولا سيّما إذا كانت قد حدثت آفة بعضو عصبي.

قال أبقراط: إذا كان الطمث أزيد ممّا ينبغي عرضت من ذلك أمراض، وإذا لم ينحدر الطمث حدثت من ذلك أمراض من قبل الرحم.

قال جالينوس: قد ظنّ قوم من الأطبّاء أنّه يكون من كثرة الأخلاط أمراض كثيرة ولا يكون من قلّتها مرض بتّة. فأمّا أبقراط فيرى أنّ الناس قد يمرضون أيضاً من قلّة الأخلاط وليس يعرض ذلك للنساء فقط، لكنّ قد يعرض للرجال أيضاً. وذلك أنّه عند قلّة الأخلاط ربّما لزم البدن يبس وربّما لزمه برد وربّما لزمه الأمران جميعاً. وقد بيّنت أنّ كلّ مزاج رديء يتفاقم أمره حتّى يضرّ بفعل من الأفعال فهو من جنس الأمراض. ففي هذا لا نجد في قول أبقراط شيئاً باطلاً ولا شيئاً غامضاً. ولكنّ لمّا كنّا نجده قد حكم بأنّه يكون من تزيّد الطمث أمراض حكيماً مطلقاً من غير أن يزيد في قوله «من قبل الرحم»، وحكم في الطمث «إذا لم ينحدر» أنّه يحدث منه أمراض من قبل الرحم، وجب أن ننظر ونبحث هل قوله «من قبل الرحم» يشتمل على قوليه جميعاً أو يخصّ الطمث الذي لا ينحدر.

وليس يمكن أن يستقصى النظر في هذا دون أن نعلم جميع الأسباب التي من قبلها يتزيّد الطمث أو ينتقص. فأقول إنّه قد يمكن أن يتزيّد أفواه العروق التي تنتهي إلى الرحم تفتّحاً فيفرط بسبب ذلك استفراغ الطمث، وقد يمكن أن يكون ذلك من قبل أنّ الدم صار أرقّ ممّا كان أو أسخن، ويمكن أن يكون ذلك من قبل أنّ البدن كلّه سائت حاله فثقل عليه الدم وأن كان لم يجاوز الدم اعتداله الطبيعي فدفعه على العروق التي في الرحم، كما يعرض في جميع الأمراض التي تكون من اندفاع الموادّ إلى بعض الأعضاء، فهذه أسباب تزيّد الطمث. فأمّا الأسباب في تنقّصه فأضدادها، وذلك أنّه قد يمكن أن يكون من قبل انضمام أو سدّة عرضت في العروق التي ينحدر فيها الطمث إلى الرحم، ويمكن أن يكون لغلظ الدم أو لبرودة، ويمكن أن يكون لشدّة قوّة العروق التي في الرحم حتّى لا تقبل ما يجري إليها. وأيّ سبب كان من هذه الأسباب سبب قلّة الطمث واحتباسه فيجب ضرورة على طول الأيّام أن تحدث بالرحم منه آفة إمّا من جنس الورم الحارّ الذي يقال له فلغموني وإمّا من جنس الورم الذي يدّعي الحمرة وإمّا من جنس الورم الصلب الجاسي وإمّا من جنس السرطان، ولا بدّ إذا حدث ذلك أن يشارك البدن كلّه الرحم في تلك الآفة. وأمّا عند الاستفراغ المفرط

فليس يعرض للرحم شيء من أسباب هذه الأمراض التي يشركه فيها البدن كلّه، فالقول إذاً بان ما قال من أنّه يعرض الأمراض من قبل الرحم إنّما اختصّ به احتباس الطمث أصوب وأقرب إلى الإقناع.

قال أبقراط: إذا عرض في طرف الدبر أو في الرحم ورم تبعه تقطير البول، وكذلك إذا تقيّحت الكلى تبع ذلك تقطير البول، وإذا حدث في الكبد ورم تبع ذلك فواق.

قال جالينوس: إذا بال الانسان بولاً قليلاً مراراً متوالية سمّيت هذه العلّة تقطير البول، وربّما كانت من ضعف القوّة الماسكة التي في المثانة، وربّما كانت من حدّة البول. وضعف تلك القوّة يكون من المزاج الرديء ومن ورم من الأورام، وحدّة البول يكون إمّا من علّة في الكلى

وإمّا من قبل الفضلة المائية التي تتصفّى من العروق وتجيء الكلى وهي بتلك الحال. فبالواجب قال أبقراط إنّ تقطير البول يحدث من قبل ورم يعرض في طرف الدبر أو في الرحم أو من قبل مدّة تتولّد في الكلى. وذلك أنّه متى كان في طرف الدبر أو في الرحم ورم شاركته المثانة في العلّة، ومتى تولّدت في الكلى مدّة كان بطريق خروج تلك المدّة على المثانة. وتلك المدّة بحدّتها تلذع المثانة وتهيجها لدفعه. فأمّا عند ورم طرف الدبر فيجب ضرورة أن تعتل المثانة بطريق المجاورة وما ينالها من المزاج الرديء الذي لذلك الورم ومن نفس الورم ومن ضغط ذلك الورم لها ومزاحمته إياها. وقد قلت قبل إنّ أبقراط إذا قال في علّة من العلل إنّ علّة أخرى تتبعها أو تكون بعدها أو تكون منها فليس يعني أنّ ذلك يكون مطلقاً، لكنّه يعني أنّ ذلك يكون إذا كانت العلّة ذات قدر في عظمها. وعلى هذا الطريق قال إنّه يتبع ورم الكبد فواق، وذلك يكون بسبب اشتراك العصب، وليس يكون دائماً، لكنّه إنّما يكون إذا كان ورم الكبد على أعظم ما يكون.

قال أبقراط: إذا كانت المرأة لا تحبل فأردت أن تعلم هل تحبل أم لا فغطها بثياب ثمّ بخر تحتها، فإن رأيت أنّ رائحة البخور تنفذ في بدنها حتّى تصل إلى منخريها وفمها فاعلم أنّه ليس سبب تعذّر الحمل من قبلها.

قال جالينوس: قد دلّ بقوله «بخر» أنّه يريد المادّة التي تصلح لتبخيرها مثل الكندر والمرّ والميعة وغير ذلك ممّا أشبهه ممّا مزاجه حادّ، وله مع ذلك رائحة طيّبة. وذلك أنّه يريد أن يتراقى قوّته في البدن كلّه حتّى إذا صارت معما تصير إليه إلى الفم والمنخرين أحسّت بها المرأة حسّاً بيّناً. وليس يكون ألّا تنفذ كيفية ذلك البخور في البدن كلّه إلّا فيمن كان من النساء جرم الرحم منها متكاثفاً. وإذا كان كذلك فليس يصلح للحمل، كما يقول أبقراط بعد قليل إنّه متى كان الرحم من المرأة بارداً متكاثفاً لم تحبل. فأمّا قوله في آخر هذا الفصل «فاعلم

أنّه ليس سبب تعذّر الحمل من قبلها» فدلّ به على منفعة هذا الفصل. فإنّا قد نجد كثيراً أو أهل المدن يحرصون على اتّخاذ ولد من رجل أو من امرأة لم يبق من جنس أحدهما غيره ليبقى نسله إذا كان بقية أهل بيت كبيرين وأهل بيت ملوك. فإذا لم تحبل المرأة، احتييج إلى البحث والطلب من قبل أيّ الزوجين تعذر الحمل حتّى يفرق بينهما ليكون الحمل. وقد أشار افلاطن في كتابه المسمّى ثاطيطوس إلى أنّ هذه صناعة الخيار من الدلالات. وسأحكي في ذلك قوله كلّه بعد قليل إذا فسّرت جميع الفصول التي ينتفع بها في فهمه.

قال أبقراط: إذا كانت المرأة الحامل يجري طمثها في أوقاته فليس يمكن أن يكون طفلها صحيحاً.

قال جالينوس: قد دلّ بقوله «يجري» وبقوله «في أوقاته» على الكثير

أنّه ليس يعني أنّه متى جاء من الطمث شيء يسير، ولا متى إذا جاء منه شيء مرّة أو مرّتين دلّ على أنّ الطفل سقيم، لكنّه إنّما يدلّ على ذلك متى جاء منه شيء كثير مراراً كثيرة. فإنّ اليسير الذي يجيء منه مرّة أو مرّتين قد يعرض للمرأة كثيراً من غير أن تكون بطفلها علّة. فأمّا متى كان الطمث لا ينقص عن المقدار الذي كان عليه قبل الحمل وكان حافظاً لأوقات أدواره في الشهور على الولاء، فلا يمكن أن يكون معه الطفل صحيحاً، لأنّ الطفل إذا كان صحيحاً قوياً صرف ما يجيء من البدن كلّه من الدم إلى الرحم في غذائه. ويشبه أن يكون الطمث الجاري من الحوامل إنّما يجري من العروق التي في رقبة الرحم، لأنّ المشيمة معلقة بأفواه جميع العروق التي من داخل في تجويف الرحم فليس يمكن أن يخرج من تلك شيء إلى فضاء الرحم.

قال أبقراط: إذا لم يجر طمث المرأة في أوقاته ولم تحدث بها قشعريرة ولا حمّى لكن عرض لها كرب وغثي وخبث نفس فاعلم أنّها قد علقت.

قال جالينوس: إنّ قول أبقراط هذا إنّما هو في المرأة التي لا ينكر من طمثها شيئاً ثمّ احتبس بغتة من غير سبب ظاهر وعلمنا فيه شيئاً قد عرفه أكثر النساء بالتجربة، وهو أنّه إذا عرض للمرأة خبث نفس وكرب وغثي وقد احتبس طمثها، استدلّت بذلك على أنّها قد علقت. وهذه الأعراض تعرض للحامل كما يعرض لها الشهوات الرديئة بسبب إضرار الحمل بفم المعدة. وقد يمكن أن تعرض هذه الأعراض بسبب خلط رديء في البدن كلّه، إلّا أنّها إذا كانت إنّما تعرض بسبب ذلك عرضت للمرأة القشعريرة والحمّى وبهذا يفرق بينها وبين الحامل.

قال أبقراط: متى كان رحم المرأة بارداً متكاثفاً لم تحمل ومتى كان أيضاً رطباً جدّاً لم تحمل، لأنّ رطوبته تغمر المني وتخمده وتطفئه. ومتى كان أيضاً أجفّ ممّا ينبغي أو كان حارًّا محرقاً لم تحمل
لأنّ المني يعدم الغذاء فيفسد. ومتى كان مزاج الرحم معتدلاً بين الحالين كانت المرأة كثيرة الولد.

قال جالينوس: لو استجزت أن أنقل فصول أبقراط عن مواضعها فأنظمها على ما ينبغي، لما عملت عملاً حتّى أنقل فصلاً قد وضعه قبل هذا بفصلين فأجعله مكان هذا الفصل، حتّى يكون القول في الطمث قد تمّ وأتبع به القول في الرحم الذي يخبر فيه من كم ضرب تكون المرأة عاقراً. فكان يكون أوّل هذه الفصول الفصل الذي قال فيه إذا كانت المرأة لا تحبل فأردت أن تعلم هل تحبل أم لا فغطها بثياب ثمّ بخّر تحتها. وكان يكون الفصل الثاني بعد هذا الفصل الذي نحن في تفسيره الذي جملته أنّ الرحم إذا كان مزاجه معتدلاً، كان مستعدًّا للحمل، وإذا كان مزاجه رديئاً ثمّ كان ذلك المزاج الرديء ليس بالمفرط عسر الحمل، ومتى كان مفرطاً صيّر المرأة عاقراً. وقد يفهم من هذا السبب الذي من قبله يكون الرجل لا يولد له إلّا أنّ ذلك يذهب على الكثير.

فأمّا من أقبل بفهمه على ما قيل وتدبّره واستقصى فهمه فإنّه سيعلم أوّلاً لم صار من الرجال من لا يولد له بتّة. ثمّ يعلم بعد ذلك من أمر من كان معتدل المزاج من الرجال والنساء أنّه يولد له دائماً وإن زاوج من هو رديء المزاج، ومن أمر من كان رديء المزاج أنّه إنّما يولد له متى زواج الموافق فقط. ونحن واصفون أوّلاً أمر المرأة العاقر التي مزاج رحمها منذ أوّل الدهر رديء مفرط الرداءة الغالب عليه إمّا واحدة من الكيفيات الأربع الأول وإمّا كيفيتان كما لخّصنا في كتابنا في المزاج، حيث بيّنّا أنّ أصناف المزاج الرديء ثمانية، أربعة منها مفردة وهي التي ذكرها أبقراط في هذا الفصل، وأربعة أخر مركّبة تكون من ازدواج تلك الكيفيات بعضها بعض. فإذا غلبت على الرحم برودة مفرطة حتّى تصيره إلى حال تكاثف، كانت أفواه العروق التي تنتهي إلى الرحم ضيقة في غاية الضيق، وكانت المرأة عاقراً من قبل أنّه لا يمكن أن تتّصل بأفواه تلك العروق مشيمة ولا لو كان ذلك
يكون كان يمكن أن تغتذي الطفل على ما ينبغي، لأنّ الطمث إمّا أن لا يجري بتّة من المرأة إذا كانت هذه حالها أو يكون ندراً قليلاً جدّاً ويكون مع ذلك رديئاً، لأنّه إنّما يخرج منها ما كان من الدم أرقّ وأقرب إلى المائية فقط. فإنّ من بلية هذه العروق أيضاً أنّه يسرع إليها السدد لضيقها ولأنّ الدم الذي يجتمع في بدن المرأة التي هذه حالها يكون أكثر ذلك إلى البلغم أقرب، لأنّ حال بدنها كلّه في أكثر الأمر يكون شبيهاً بحال رحمها. وقد يمكن أيضاً أن يبرد مني الذكر في الرحم إذا كانت هذه حاله إلّا أن يكون في طبعه على غاية من الحرارة. فأوّل ما ذكر أبقراط المزاج البارد فقال متى كان رحم المرأة بارداً متكاثفاً لم تحبل. ولم يقل ذلك وهو يريد أن يركّب البرد مع الكثافة كما لو أضاف إلى البرد يبساً أو رطوبة، لأنّ كلّ واحدة من هاتين الكيفيتين ليس تلزم البرد دائماً ولذلك قد يركّب مع إحداهما مرّة ومع الأخرى أخرى. وأمّا الكثافة فلا بدّ من أن يكون مع برودة الرحم المفرطة التي بسببها يمتنع الحمل كما قال. فينبغي أن يفهم
ما قال في هذا الفصل على هذا المثال: متى كان رحم المرأة بارداً لم تحبل، وذلك لتكاثف جوهره. وترك أن يصف السبب الذي من أجله صارت الكثافة تقاوم الحمل وتمنع منه، لأنّه علم أنّا نقدر أن نفهمه بفهمنا لما وصف: ومتى كان الرحم أيضاً رطباً مفرط الرطوبة لم تحبل صاحبته، لأنّ تلك الرطوبة المفرطة تغمر المني وتخمد ما فيه من القوّة وتطفئها كما يصيب الحنطة والشعير وما أشبهها من البزور إذا زرعت في أرض يستنقع فيها الماء. ومتى كان الرحم أيضاً يابساً مفرط اليبس أو حارًّا مفرقاً لم تحبل صاحبته لنقصان الغذاء. فإنّه يعرض للمني في الرحم اليابس بمنزلة ما يعرض للبزور إذا زرعت في رمل أو في أرض غير معتملة أو صحرية، ويعرض للمني في الرحم المفرط الحرارة بمنزلة ما يعرض للبزور إذا لقيت في أرض حارّة جدّاً مثل حالها تكون بعد طلوع الشعرى العبور. وعلى هذه الصفة ذكر أبقراط الكيفيات الأربع ووصف قوّة كلّ واحدة منها على حدتها حتّى تعرف قوّتها إذا تركّبت بعضها مع بعض. ثمّ قال بعد هذا «ومتى كان مزاج الرحم معتدلاً بين الحالين كانت المرأة كثيرة الولد». وليس يعني «بالحالين» الكيفيات لأنّ الكيفيات أربع ، وإنّما يعني «بالحالين» حال التضادّتين الحرارة والبرد وحال التضادّتين الرطوبة واليبس.
فقد بيّنّا في كتاب المزاج أنّه قد يكون من الاعتدال ضرب بمخالطة البارد للحارّ على اعتدال ويكون منه على ضرب آخر بمخالطة الرطب لليابس على اعتدال، ويمكن أن يكون الرحم في إحدى هاتين الحالتين التين كلّ واحدة منهما بين ضدّين معتدلة المزاج، وفي الحال الأخرى مفرط المزاج. وقد يكفي في امتناع الحمل أحد هذين النوعين من المزاج المفرط. وليس يمكن أن تكون المرأة كثيرة الولد دون أن يجتمع في الرحم نوعا الاعتدالين كلاهما. وأبقراط لمّا كان جميع ما تقدّم من كلامه إنّما كان في النساء، جمع كلامه أيضاً هذا الذي وصفناه في أصناف مزاج الرحم، ولم يلحق من صفة أمر الرجال شيئاً إمّا اتّكالاً منه على أنّه قد يسهل علينا أن ننقل ما ذكره من أصناف المزاج المفرط في الرحم إلى المني وإمّا أن يكون آخر ذلك ليذكره بعد ونسيه. وقد جاء بعده إنسان فألحق بعد هذا الفصل فصلاً آخر وصف فيه أمر الذكورة أوّله: والحال في الذكورة على شبيه بذلك، وقد يقول الأئمّة من المفسّرين لكتاب الفصول في ذلك الفصل إنّه ينقص نقصاناً بيّناً عن مقدار عقل أبقراط وعن قوّته في العبارة.
وقد يمكنّا على قياس ما وصف أبقراط من أمر النساء أن ننقل ما وصفه فيهن إلى الرجال فيقول إنّه قد يكون بسبب برد المزاج أن لا ينضج المني النضج المستقصى، ولذلك إن كان خروجه عن الاعتدال في مزاج بارد يسيراً احتاج إلى رحم قوي الحرارة كيما يولد، ومتى كان قد خرج عن الاعتدال خروجاً مفرطاً لم يمكن أن يولد بتّة، ويكون أيضاً بسبب الرطوبة أن لا ينضج المني النضج التامّ ويحتاج هذا إذا كان خروجه عن الاعتدال يسيراً إلى رحم أسخن وأجفّ من المعتدلة. وإذا كان خروجه عن الاعتدال مفرطاً لم يولد. وكذلك أيضاً فإنّ المني لإفراط الحرارة يصير بمنزلة الشيء المحترق، ولإفراط اليبس لا يمكن أن يمتدّ عند أوّل وقوعه في الرحم، وذلك هو ما يحتاج إليه خاصّة لتعلّق المرأة. وقد بيّنت في كتابي في المني أنّ المني إن لم يمتدّ وينبسط على أكثر تجويف الرحم، لم تعلّق المرأة. فإذ قد وطّأنا هذه الأشياء بمنزلة الأصول فإنّا نصف بعدها القول الذي كنّا ذكرناه وأخّرنا شرحه الذي وصفه أفلاطن في كتابه المسمًى ثاوطيطوس
وهو أن قال إنّ من أعظم فعل القوابل وأشرفه أن يعلمن أمر الجمع بين البدنين الموافقين لأن يكون فيما بينهما حمل. وذلك هو الأمر الذي بيّنّاه الآن في كلامنا هذا وبيّنّا معه كيف يستدلّ ويعلم أيّ الرجال لا يولد له وأيّ النساء عاقر. وذلك أنّ الخروج عن الاعتدال في المزاج إذا كان مفرطاً، كان سبباً مانعاً للتوليد في الذكر والأنثى جميعاً. فأمّا الخروج عن الاعتدال إذا كان يسيراً ثمّ قرن بين صاحبه وبين بدن حاله مضادّة لحاله التامّ الحمل، وإن قرن بينه وبين بدن حاله مثل حاله لم يلتئم للحمل. وذلك أنّه لا يمكن أن يكون من المني البارد إذا وقع في رحم بارد ولد ولا من المني اليابس إذا وقع في رحم يابس، وكلّ واحد من المزاجين الباقيين على هذا المثال، لكنّ المني الذي هو أبرد يحتاج أن يكون الرحم الذي يقع فيه أسخن بحسب نقصانه عن المزاج المعتدل، والمني الأرطب يحتاج أن يكون الرحم الذي يقبله أجفّ على هذا القياس، والحال في المزاجين الباقيين على هذا المثال. وقد يمكنك أن تستدلّ على جميع أصناف المزاج المفرط في الرحم بالباب الذي ذكره أبقراط قبيل من التكميد بالأفاوية. فإنّ البرد بسبب ما يورث الرحم من الكثافة لا يدع رائحة البخور أن تتراقى في البدن حتّى تصل إلى الفم والمنخرين، وكذلك اليبس.

فأمّا الرطوبة فكما قال فيها إنّها تغمر المني وتخمده وتطفيه، كذلك تفعل بكيفية الأشياء التي لها روائح طيّبة. وبقيت الحرارة الشديدة التي تكون في الرحم فإن كانت بغلبتها في قوّة تلك الأشياء التي لها روائح طيّبة تغيّرها وتفسدها، ولذلك لا تدعها أن ترتفع إلى الفم والمنخرين وهي باقية على حالها لم يشبّها شيء، والتبخير بالأشياء الطيّبة الرائحة كاف في هذه الطبيعة أيضاً أن يستدلّ به على ما يحتاج إليه. وإن كانت لا تقوى أن تفعل ذلك فينبغي أن ننظر في علامات أخر يستدلّ بها على أمر هذه الطبيعة بعد أن يعلم أنّه لا يكاد أن يوجد هذا المزاج في النساء لأنّ الأنثى في طبيعتها أبرد من الذكر. فيكون من هذا الوجه أيضاً استدلال أبقراط بالبخور بالأشياء الطيّبة الرائحة من أبلغ الأشياء وأنقعها في معرفة المرأة العاقر إذ كان يعرف به إمّا كلّ مزاج مفرط وإمّا أن لا يشتدّ عنه إلّا في الندرة مزاج واحد في المرأة التي تراها قضيفة إدماء زبّاء، فيمكنك بهذه الدلائل أن تستدلّ على المزاج المفرط فيها دون التبخير بالأشياء التي لها روائح طيّبة.

قال صاحب هذا الفصل المفتعل: والحال في الذكورة أيضاً على شبيه بهذا. وذلك أنّه أمّا أن يكون البدن متخلخلاً فتتحلّل الروح لتخلخله إلى خارج فلا يعين المني على الانبعاث أو يكون متكاثفاً فلا تجري الرطوبة لتكثافه إلى جارج ، وأمّا أن يكون بارداً فلا يسخن المني لبرده حتّى يجتمع في هذا الموضع أو يكون حارًّا فيكون هذا بعينه بحرارته.

قال جالينوس: إنّه قد بلغ من أمر المدلّس في هذا الفصل أنّه لم يفهم كلام نفسه. وذلك أنّه وعد أن يبين أنّ القول في الذكورة شبيه بالقول الذي قاله أبقراط في النساء فلم يف بما وعد من ذلك، لأنّ أبقراط ذكر أربعة أصناف من المزاج المفرط فكان ينبغي لهذا أن يذكر تلك الأربعة الأصناف في الذكورة كما فعلنا نحن. فلم يفعل ذلك، لكنّه ذكر أوّلاً تخلخل البدن قدّمه كأنّه قد ذكر في أمر النساء، وإذا بحث أيضاً عن قوله في نفسه

لم يوجد له حقيقة. فقد نرى كثيراً من الرجال أبدانهم متخلخلة، ومنهم من أبلغ المني في التوليد، وما ذلك يعجب. وذلك أنّ تخلخل البدن يكون عن المزاج الذي هو إلى الحرارة والركوبة أميل، وصاحب هذا المزاج أغزر الناس منياً ومنيه من أبلغ المني في التوليد، لأنّ المادّة التي يكون منها المني غزيرة في صاحب هذا المزاج والقوّة التي بها ينضج قوية فيه. وانبعاث المني إنّما يكون بشدّة قوّة أوعية المني ودفعها وقذفها له لا يدفع الروح له. وقد يخالط رطوبة المني جوهر من جنس الروح، إلّا أنّ ذلك الجوهر أيضاً يحتاج كما تحتاج الرطوبة إلى ما تدفعه وتقذفه، وإنّما فضلها على الرطوبة أنّها يفضل بيبسها أسرع إلى الانبعاث والدرور وأبعد ذهاباً فيه . فهذا ممّا جهله المدلّس لهذا الفصل ومع هذا أيضاً قوله أنّ الرطوبة لا تجري إلى خارج لتكاثف البدن. وذلك أنّه إن كان إنّما يعني بالرطوبة شيئاً غير المني، كان كلامه هذياناً. وإن كان إنّما يعني بالرطوبة المني ويقول
إنّه لا يجري إلى خارج لتكاثف البدن كلّه فليس يعلم من هيئة أوعية المني شيئاً البتّة، فقد كان الأجود أن كان ولا بدّ أن يعتلّ بضيق تلك الأوعية. وما يتلو هذا أيضاً من قوله طرفاً منه حقّ ثمّ أتبعه شيء لا يعقل. وذلك أنّ قوله إنّ المني لا يسخن من قبل برودة مزاج البدن فيكون بسبب ذلك غير مولد حقّ. وأمّا قوله إنّه لا يمكن أن يجتمع في هذا الموضع ففضل لا معنى له، مع أنّه أيضاً لم يتقدّم فيذكر موضعاً فيشير إليه. واتّكل على القارئ أنّه يفهم عنه ما لم يذكره على أنّ قول القائل هذا إنّما هو نسق على شيء متقدّم إلّا أنّ هذا من خطائه يسير. وأمّا ما جاءه في آخر قوله فخطأه فيه عظيم. وذلك أنّه قال إنّه يكون هذا بعينه لحرارته. وذلك أنّ هذا القول يبين عن نفسه أنّه إنّما هو نسق على ما تقدّم وما تقدّم إنّما كان المني لا يسخن لبرد البدن حتّى يجتمع في هذا الموضع، فيجب أن يتوهّم أنّ المني بسبب حرارة البدن لا يسخن ولا يجتمع في أوعيته. والشناعة في هذا القول بيّنة.

وذلك أنّه إنّما يجب أن يقال إنّ المني بسبب الحرارة يحترق أو يعرض له غير ذلك ممّا أشبهه. وأمّا القول بأنّ المني بسبب الحرارة لا يسخن فمنكر تشنيع.

قال أبقراط: اللبن لأصحاب الصداع رديء وهو أيضاً للمحمومين رديء ولمن كانت المواضع التي دون الشراسيف منه مشرفة وفيها قراقر ولمن به عطش ولمن الغالب على برازه المرار ولمن هو في حمّى حادّة ولمن اختلف دماً كثيراً، وينفع أصحاب السلّ إذا لم تكن بهم حمّى شديدة جدّاً ولأصحاب الحمّى الطويلة الضعيفة إذا لم يكن معها شيء ممّا تقدّمنا بوصفه وكانت أبدانهم تذوب على غير ما توجبه العلّة.

قال جالينوس: اللبن هو من الأشياء التي يسرع إليها الاستحالة واستحالته تكون على وجهين. وذلك أنّه إن صادف حرارة البدن أكثر ممّا ينبغي استحال إلى الدخانية سريعاً، وإن صادف حرارة البدن أقلّ ممّا ينبغي حمض سريعاً.

وقد يمكنك أن تتعرّف ذلك وتفهمه بأن تطبخ منه شيئاً بالنار ساعة يجلب، وتدع منه شيئاً موضوعاً على حدّته. فإنّك إذا فعلت ذلك وجدت ما يطبخ منه إن حمل عليه بالنار فضلاً قليلاً استحال إلى الدخانية، وتجد ما يترك منه موضوعاً على حدّته يحمض لا محالة وربّما أسرع إليه ذلك وربّما أبطأ. وكذلك أيضاً إذا تناوله الأصحّاء فلم يستمرأه كما ينبغي حمض في بعضهم واستحال في بعضهم إلى الدخانية. وأمّا في المعدة التي هي أبرد فيحمض. وأمّا في المعدة التي هي أسخن فيستحيل إلى الدخانية. وأمّا اللبن الذي يستمرأ على ما ينبغي فيولد غذاء غزيراً محموداً، إلّا أنّه في حال استمرائه إلى أن يستمرأ قد يحدث نفخه فيما دون الشراسيف ويصدع الرأس. فهذا ما يفعل وما يعرض منه في الأصحّاء. فأمّا ما يفعل وما يعرض له في المرضي فقد وصفه ابقراط، وقد يظهر ما وصفه منه دائماً بالتجربة في المرضي، وقد يمكن أن يعلم أيضاً من قبل التجربة. وذلك أنّه إذا كان قد يعلم أنّه قد يحدث للصحيح الذي لا يذمّ من صحّته شيئاً الصداع ونفخها الجنبين، فليس يعجب أن يتوهّم أيضاً أنّه من أضرّ الأشياء لمن به صداع متقدّم أو كانت المواضع
التي فيما دون الشراسيف منه مشرفة. وقد أحسن في قوله ولمن كانت المواضع التي فيما دون الشراسيف منه مشرفة، وقد كان يمكنه أن يقول منتفخة أو بها نفخة، لأنّ من شأن اللبن أن لا يضرّ من كانت هذه المواضع منه منتفخة أو فيها نفخة فقط لكن قد يضرّ أيضاً من كانت هذه المواضع منه مستعلّة مشرفة على أيّ وجه كان ذلك من جميع الوجوه التي يكون منها إشرافها أعني متى كان فيها ورم من الأورام التي تكون من الدم الذي يسمّى فلغموني أو من ورم من الأورام التي تكون من المرّة الصفراء التي تسمّى الحمرة أو من الأورام الصلبة الجاسية أو من الأورام الرخوة. ومتى كان أيضاً في هذه المواضع دبيلة لم تنفجر بعد، فليس اللبن لصاحبها يصلح. فدلّ على جميع هذه الأشياء بلفظة واحدة هي قوله مشرفة. قال وقد يضرّ اللبن هذه المواضع إذا كانت فيها قراقر وحالها عند ذلك غير حالها إذا كانت منتفخة متمدّدة، إلّا أنّ العلّة فيها أيضاً إنّما هي نفخة ورياح. وإذا كانت متمدّدة فآفتها أعظم، وإذا كانت فيها قراقر فآفتها أنقص، إلّا أنّ اللبن على حال لا ينتفع ولا لأصحاب هذه الحال، وذلك أنّه يحمض فيهم. وأمّا ماء اللبن فقد سقيناه كثيراً من أصحاب هذه الحال بعد أن طيّبناه بالملح والعسل، وذلك أنّهم ينتفعون به بتلبينه بطونهم. قال واللبن أيضاً رديء لأصحاب العطش، وذلك أنّه يستحيل فيهم إلى الدخانية
كان عطشهم بالطبع أو كان حادثاً في وقت من الأوقات. ومن كان الغالب أيضاً على برازة المرار فإنّي أقول إنّ اللبن يستحيل فيه إلى الدخانية، وكذلك تكون حاله فيمن يتقيّأ المرار. وذلك أنّا قد علمنا بالجملة أنّ الاستحالة إلى الدخانية تسرع إلى البن جدّاً من جميع الأسباب الحادّة. فبالواجب صار ضارًّا لأصحاب الحمّى الحادّة أيضاً. والأجود عندي أن يكون الكلام على هذا «واللبن رديء لمن الغالب على برازة المرار ولمن هو في حمّى حادّة». وذلك أنّه ليس يضرّ صاحب الحالتين جميعاً فقط لكنّه قد يضرّ صاحب كلّ واحدة من الحالتين على الانفراد. فاللبن يضرّ في هذه العلل، وأمّا العلل التي بعد هذه فينفع فيها. وقد وصفها أبقراط فقال «وينفع أصحاب السلّ إذا لم تكن بهم حمّى شديدة جدًّا»، فجعل أوّل ما ذكره أصحاب السلّ. وينبغي أن يفهم عنه من قوله أصحاب السلّ أنّه يعني أصحاب قرحة الرئة، لأنّه قد ذكر فيما بعد من يذوب بدنه من غير هذه العلّة في الكلام الذي أوّله «ولأصحاب الحمّى الطويلة الضعيفة». ويعمّ جميع من يحتاج إلى اللبن أنّهم يحتاجون
إلى غذاء محمود سريع النفوذ. وقد يحتاج عندي إلى بحث شديد عن السبب الذي دعاه بعد أن قال «إذا لم تكن بهم حمّى شديدة» إلى أن لم يقتصر على ذلك حتّى زاد «جدًّا». وقد كان يكتفي بقوله حمّى شديدة من غير أن يقول «جدًّا». فينبغي أن ننظر هل يسقي من به حمّى شديدة اللبن وإنّما تمتنع من أن يسقيه إذا كانت الحمّى شديدة جدّاً أو إنّما ألحق هذه الزيادة أعني جدّاً ملحق كما نجد ألفاظً كثيرة تلحق في كلامه على غير الصواب. وهذا ممّا ينبغي أن يفتّش ويبحث عنه على مهل ؤخذ هذا أعني في العاجل أنّه لا ينبغي أن يسقي من به حمّى شديدة لبن. وإنّي لا عجب كيف استثنى عندما أمر باللبن لمن أمر به. فقال إذا لم يكن شيء ممّا تقدّمنا بوصفه وليس بشبيه ذلك طريقه في الإيجاز في الفصول. وذلك أنّه قد كان سيعلم ممّا تقدّم فقاله ولم يستثن ما استثناه إنّه ينبغي أن تسقي أصحاب السلّ ومن يذوب بدنه بأكثر ممّا توجبه علّته اللبن

إن لم يكن بهم صداع أو نفخة أو ورم فيما دون الشراسيف أو كان الغالب على البراز المرار أو كان بهم غير ذلك ممّا أشبهه، إلّا أنّي أقول في هذا قولاً وهو أنّه يشبه أن يكون أبقراط ليس يستعمل الإيجاز مطلقاً ولا دائماً لكنّه متى رأى الخطر في الشيء الذي يصفه إن قصر مقصر في فهمه عظيماً لم يكسل أن يعيد ذكر الشيء الواحد مرّتين أو ثلاثة.

قال أبقراط: من حدثت به قرحة فأصابه بسببها انتفاخ فليس يكاد يصيبه تشنّج ولا جنون، فإن غاب ذلك الانتفاخ دفعة ثمّ كانت القرحة من خلف عرض له تشنّج أو تمدّد، وإن كانت القرحة من قدّام عرض له جنون أو وجع حادّ في الجنب أو تقيّح أو اختلاف دم إن كان ذلك الانتفاخ أحمر.

قال جالينوس: إنّ أبقراط يعني بالانتقاخ كلّ ورم أو غلظ خارج من الطبيعة يحدث في البدن،

وبيّن أنّ الورم الحارّ الذي يسمّى فلغموني داخل فيها، وهذا الاسم أيضاً أعني فلغموني الذي يسمّيه أهل زماننا الورم الحارّ الذي يكون من الدم كان أكثر ما يستعمله القدماء على الالتهاب في الحرارة الشديدة، وإن لم يكن معها ورم ولا غلظ. فمعنى قوله في هذا الفصل هو ما أنا واصفه أنّه إذا حدثت بانسان قرحة فحدث بسببها ورم فليس يكاد يعرض له تشنّج ولا جنون. وقوله هذا يدلّ على أنّه قد يعرض لبعضهم مع الورم التشنّج الجنون، ولكن ذلك لا يكون إلّا في الندرة إذا كان مع الورم عظم ذو قدر أو حال خبيثة، فإن عرض لذلك الورم أن يغيب بغتة ثمّ كانت القرحة من خلف، عرض لصاحبها تشنّج والتمدّد، وإنّما عنى بقوله من خلف أي في الظهر. وإن كانت القرحة من قدّام عرضت لصاحبه علل ذكرها بعد. وذلك أنّ ما هو من البدن خلف فهو عصبي، وما هو منه قدّام فالغالب عليه العروق الضوارب وغير الضوارب. فإذا تراقى من موضع القرحة ذلك الخلط الذي أحدث الورم إلى بعض الأعضاء الشريفة، فإنّه إن كانت القرحة في المواضع العصبية التي من خلف حدث بصاحبها التشنّج والتمدّد لأنّ هذين من علل العصب،
وإن كانت القرحة من مقدّم البدن ثمّ تراقى ذلك الخلط الذي كان أحدث الورم إلى الدماغ ولّد جنوناً، وإن صار ذلك الخلط إلى الصدر أحدث وجعاً في الجنب، وكثيراً ما يصير صاحب هذه العلّة إلى التقيّح إذا لم يتحلّل ذلك الخلط. وإن صار ذلك الخلط إلى الأمعاء أحدث اختلاف الدم واستثنى في ذلك فقال إن كان ذلك الانتقاخ أحمر ثمّ انتقل فغاب بغتة. وعنى بقوله في هذا الموضع اختلاف الدم استفراغ الدم من الأمعاء الذي يكون من غير قرحة. وقد رأينا هذه العلل التي وصفها أبقراط تعرض لمن حدثت به قرحة في ظهره أو فيما هو من مقدّم بدنه مجاري للظهر ثمّ غاب الورم الحادث بسبب القرحة بغتة. فأمّا أبقراط فلم يبين هل كلامه في هذا الموضع فقط أو كلامه مطلق في جميع المواضع حتّى تصير اليدان والرجلان أيضاً داخلتين في هذا القول. وأنا أقول إنّه ليس في مقدّم الساق عضل ينتهي إلى أوتار قوية. وأمّا في الفخذين فنرى الوتر الذي في مقدّم الركبة عظيماً جدًّا، ويجب بسببه على طريق المشاركة في العلّة أن يحدث التشنّج أكثر ممّا يحدث بسبب شيء من العضل الموضوع من وراء الفخذين لأنّ ذلك العضل الغالب عليه اللحم.

فليس إذاً الحكم الكلّي بأنّ التشنّج إنّما يحدث بسبب ما هو من خلف فقط بحقّ، إلّا أنّا قد نرى أنّ أكثر الأمر على هذا يكون لا في الرجلين فقط لكن في اليدين أيضاً. وخليق أن يكون ذلك إنّما يكون لأنّ تلك المواضع مسامتة للنخاع، وعصب اليدين والرجلين إنّما تنبت من النخاع، وكذلك عصب عضل أعضاء أصل الصلب.

قال أبقراط: إذا حدثت خراجات عظيمة خبيثة ثمّ لم يظهر معها ورم فالبلية عظيمة.

قال جالينوس: إنّه قد يمكن أن تكون نسخة هذا الفصل على حسب ما ينصرف تأليف كلامه في اللغة اليونانية على أحد ثلاثة أوجه. أحدها أن يضاف العظم إلى البلية والرداءة، والثانية أن يضاف العظم إلى الورم والثالث أن يضاف العظم إليها جميعاً. فيكون الكلام على النحو الأوّل على هذا المثال «إذا حدثت خراجات عظيمة خبيثة ثمّ لم يظهر معها ورم فالبلية عظيمة»، ويكون على النحو الثاني على هذا المثال «إذا حدثت خراجات عظيمة خبيثة ثمّ لم يظهر معها ورم فالبلية عظيمة فذلك رديء»،

ويكون على النحو الثالث على هذا المثال «إذا حدثت خراجات عظيمة خبيثة ثمّ لم يظهر معها ورم عظيم فالبلية عظيمة». وأجود هذه الأقاويل الثلاثة في حكمي القول الأوّل وهو هذا «إذا حدثت خراجات عظيمة خبيثة ثمّ لم يظهر معها ورم فالبلية عظيمة». وينبغي أن يفهم عنه أنّه يعني بالخراجات الخبيثة الخراجات التي تكون في رؤوس العضل أو في منتهائها وخاصّة ما كان من العضل الغالب عليه العصب، لأنّ برؤوس العضل تتّصل العصب ومن أطرافها التي تنتهي عندما ينبت الأوتار. وكما ذمّ قبيل الأورام التي تغيب بغتة، كذلك ذمّ في هذا الفصل أن لا يحدث الورم بتّة مع الخراجات الخبيثة، من قبل أنّه لا يؤمن فيما كانت هذه حاله من الخراجات أن يكون الأخلاط التي تنصب إلى الخراجات تنتقل عنها إلى مواضع أشرف من مواضع الخراجات، ويشبه أن يكون هذا يعرض خاصّة إذا كان مع الخراجة وجع فيكون يجري إليها شيء لا محالة بسبب الوجع. ويغلط الأطبّاء على صاحب هذه الخراجة فيردّون عن موضع الخراجة ما يجري إليه، ويدفعونه عنه بالأدوية التي تبرّد تبريداً شديداً وتقبض تقبيضاً شديداً،

فإنّه إذا لم يكن مع الخراجة وجع لم ينصب إليها شيء. والوجع يعرض خاصّة فيما كان من الأعضاء عصبياً، وما كان كذلك فهو يحتاج إلى أن يعالج بالأدوية المسخّنة المجفّفة.

قال أبقراط: الرخوة محمودة واللينة مذمومة.

قال جالينوس: هذا القول كأنّه جزء من القول الذي تقدّمه يخبّر فيه أبقراط أنّه كلّما كان من الأورام رخواً فهو محمود، وكلّما كان على ضدّ ذلك فهو مذموم رديء. وضدّ الرخو بالحقيقة هو الصلب المدافع. فأمّا أبقراط فسمّاه اللين. وذلك أنّه لا يمكن أن يكون في وقت من الأوقات الورم صلباً مدافعاً، وقد أنضجت الطبيعة التي في موضع ما جرى إليه من الأخلاط على ما ينبغي.

قال أبقراط: من أصابه وجع في مؤخّر رأسه فقطع له العرق المنتصب الذي في الجبهة انتفع بقطعه.

قال جالينوس: إنّ أبقراط ليس يقتصر على أن يلتمس الاستفراغ حيث ينبغي أن يستفرغ لكنّه قد يلتمس معه جذب ذلك الشيء الذي يستفرغه. وهذا الجذب يكون إلى الجهة المضادّة للناحية التي فيها ذلك الشيء الذي يراد استفراغه، والجهتان المتضادّتان في الطول هما العلو والسفل، والجهتان المتضادّتان في العرض هما الجانبان أعني الأيمن والأيسر، والجهتان المتضادّتان في العمق هما المقدّم والمؤخّر. فأمر في هذا الموضع إذا كان الوجع في مؤخّر الرأس أن يكون الاستفراغ الذي يقصد معه إلى الجذب من الجبهة، وكذلك إن كان الوجع في مقدّم الرأس فينبغي أن يقصد بعضه معه إلى الجذب من نقرة القفا. وعلى هذا الطريق قد أبرأنا مراراً كثيرة علل العينين من الرطوبات التي كانت تنصب إليها منذ زمان طويل باستفراغ الدم من نقرة القفا وما فوقها باستعمال المحجمة على تلك المواضع.

قال أبقراط: إنّ النافض أكثر ما يبتدئ في النساء من أسفل الصلب ثمّ يتراقى في الظهر إلى الرأس وهي أيضاً في الرجال تبتدئ من خلف أكثر ممّا تبتدئ من قدّام مثل ما قد تبتدئ من الساعدين والفخذين، وذلك أنّ الجلد إيضاً في مقدّم البدن متخلخل ويدلّ على ذلك الشعر.

قال جالينوس: كلّ نافض يبتدئ مع برد محسوس، والبرد إلى ما يلي الظهر أسرع. وتلك النواحي أيضاً مع ذلك إلى أنّ يحسّ ما يعرض لها من البرد أسرع. فبالواجب صارت النافض إنّما تبتدئ من تلك المواضع، وذلك إلى النساء أسرع منه إلى الرجال، لأنّ الأنثى من كلّ جنس أبرد في طبعها وأضعف. ثمّ إنّ النافض إذا ابتدأت من تلك المواضع تتراقى إلى أصل العصب وأوّله وهو الرأس وتتّصل به المشاركة في الألم بأسرع ما يكون بتوسّط النخاع، لأنّ النخاع أيضاً بارد في طبيعته بمنزلة الدماغ وهو أيضاً لين جوهره سريع الاستحالة. فأمّا من مقدّم البدن فليس تبتدئ القشعريرة، لأنّ مزاجه أسخن من مزاج مؤخّر البدن. وجعل دليله على ذلك تخلخل الجلد في مقدّم البدن وجعل دليله على تخلخل الجلد أيضاً في مقدّم البدن كثرة الشعر فيه. وقد شرحت أمر تولّد الشعر شرحاً كافياً في كتابي في المزاج.

قال أبقراط: من اعترته الربع فليس يكاد يعتريه التشنّج، وإن اعتراه التشنّج قبل الربع ثمّ حدثت الربع سكن التشنّج.

قال جالينوس: أمّا التشنّج الذي يكون من الاستفراغ فهو من أحدّ الأعراض وأقتلها. وأمّا التشنّج الذي يكون من امتلاء الأعضاء العصبية مثل التشنّج العارض لأصحاب الصرع فليس هو بالحادّ ولا فيه من الخطر مثل ما في الأوّل. والتشنّج الذي ذكره أبقراط في هذا الموضع هو هذا الثاني. فإنّ قوله يعتريه واعتراه قد يدلّ على طول مدّة من الزمان. وهذا النوع من التشنّج قد تمنع حمّى الربع من حدوثه وليس ذلك فقط لكن إن كان قد حدث قبل الربع ثمّ حدثت الربع حلّلته. وذلك أنّ هذا التشنّج إنّما يكون من الأخلاط لزجة بلغمية برشح في الأعضاء العصبية. ومداواة ما هذه حاله من الأخلاط يكون بسببين أحدهما نفضه والآخر إنضاجه، وقد يجتمع له في الربع هذان الأمران كلّاهما. أمّا نفضه فبنافضها فإنّ هذا الانتفاض وحده قد يكتفي

في بعض الخلط الغليظ. وأمّا إنضاجه فبحرارة الحمّى التي تمنع النافض وتعين على الأمرين جميعاً طول مدّة هذه الحمّى.

قال أبقراط: من كان جلده متمدّداً قحلاً صلباً فهو يموت عن غير عرق، ومن كان جلده رخواً متخلخلاً فإنّه يموت مع عرق.

قال جالينوس: من كان ممّن قد أشرف على الموت جلده يابساً متمدّداً صلباً فإنّه يموت من غير أن يصيبه عرق، ومن كان جلده على ضدّ ذلك أعني رخواً متخلخلاً ليناً فإنّه يموت مع عرق، لأنّ الأوّل إمّا أن لا يكون فيه رطوبة بتّة وإمّا أن لا تكون الرطوبة فيه في الجلد، وأمّا الثاني ففيه رطوبة وهي مع ذلك منه في الجلد.

قال أبقراط: من كان به يرقان فليس يكاد تتولّد فيه الرياح.

قال جالينوس: ينبغي أن يفهم عنه أنّه يعني بمن تتولّد فيه الرياح في هذا الموضع ممّن تجتمع في بطنه رياح كثيرة غليظة. فأمّا أن تستفرغ بالحشا أو بالخروج من أسفل أو تبقى في البطن منه فتمدّده. وذلك ربّما كان من قبل ضعف في الأعضاء التي في البطن، وربّما كان من خلط بلغمي بارد. فمن كان إنّما يتولّد فيه الرياح بسبب الخلط البلغمي فحاله ضدّ حال صاحب اليرقان إذ كان الغالب على بدن صاحب اليرقان المرار، فيجب من ذلك ألّا تكون تولد الرياح في حال من الأحوال في صاحب اليرقان من قبل طبيعة الخلط الغالب على بدنه. وقد يمكن أن تتولّد فيه الرياح من قبل ضعف الأعضاء التي في البطن. ولذلك زاد في قوله «فليس تكاد»، فإنّه إنّما أراد بذلك أن يدلّ أنّ حكمه بما حكم به يقصر عن أن يكون ممّا يصحّ دائماً، إلّا أنّه وإن كان لا يصحّ دائماً فإنّه قد يصحّ في أكثر الأمر، لأنّا لا نكاد نجد آلات البطن ضعيفة في صاحب اليرقان.

تمّت المقالة الخامسة من تقسير جالينوس لفصول ابقراط

[E5] بحمد اللّه وعونه.

[P1] وللّه الحمد كثراً كما هو أهله. حسبي اللّه ونعم الوكيل.