Galen: In Hippocratis Aphorismos VI–VII (On Hippocrates' Aphorisms VI–VII)
Work
Galen, In Hippocratis Aphorismos VI–VII
(Ἱπποκράτους ἀφορισμοὶ καὶ Γαληνοῦ εἰς αὐτοὺς ὑπομνήματα VI–VII)
English: On Hippocrates' Aphorisms VI–VII
Text information
Type: Translation (Arabic)
Translator: Ḥunayn ibn Isḥāq
Translated from: Syriac
(Close)
Date:
unknown
Source
Peter E. Pormann et al.. Šarḥ Ǧālīnūs li-Fuṣūl Abuqrāṭ bi-tarǧamat Ḥunayn ibn Isḥāq. 2017
Text made available under a Creative Commons Attribution 4.0 International license.
Pormann, P., Karimullah, K., Carpentieri, N., Mimura, T., Selove, E., Das, A., and Obaid, H. (2017). Šarḥ Ǧālīnūs li-Fuṣūl Abuqrāṭ. University of Manchester. https://doi.org/10.3927/51931843 (bk. 6), https://doi.org/10.3927/51931881 (bk. 7)
Source manuscripts:
Paris, Bibliothéque Nationale, arabe 2837 (1), fol. 102–149r (P1)
Madrid, Escorial, árabe 789 (1), fol. 48v–88r (E5)
Madrid, Escorial, árabe 790 (1), fol. 38r–90r (E6)
Madrid, Escorial, árabe 791 (1), fol. 111r–161r (E7)
Download
gal_inhippaphor_pt2-transl-ar1.xml [322.20 KB]
بسم اللّه الرحم الرحيم عونك يَا رب
المقالة السادسة من تفسير جالينوس لفصول أبقراط
قال أبقراط: إذا حدث الجشاء الحامض في العلّة التي يقال لها زلق الأمعاء بعد تطاولها ولم يكن كان قبل ذلك فهو علامة محمودة.
قال جالينوس: العلّة التي يقال لها زلق الأمعاء ويسمّيها اليونانيون ملاسة الأمعاء هي خروج ما يؤكل ويشرب بسرعة وحاله الحال التي كان عليها في وقت ما ازدرد. وقد يمكن أن
إلى فيلستون وبعضهم ينسبه إلى ارسطن وبعضهم نسبه إلى فانطس فنجد هذا القول مكتوباً «وقد يعرض لقوم هذا العارض وهو أنّ طعامهم يخرج غير منهضم رقيقاً لا بسبب مرض مثل ما يعرض بسبب زلق الأمعاء ولا يعرض لهم وجع بتّة». فجميع هؤلاء القوم قد كانوا قبل اراسسطراطس وأتى بعدهم قوم آخرون كثيرون يعرفهم اراسسطراطس وافقوا من كان قبلهم في القول في زلق الأمعاء. فلست أدري ما الذي دعا اراسسطراطس إلى أن كذب على من كان قبله فقال إنّهم يرون أنّ في زلق الأمعاء يخالط البراز وهو غير نضيج شيء من جنس الدم والمخاط.
قال أبقراط: من كان في منخريه بالطبع رطوبة أزيد وكان منيه أرقّ فإنّ صحّته أقرب إلى السقم، ومن كان الأمر فيه على ضدّ ذلك فإنّه أصحّ بدناً.
قال جالينوس: أمّا البدن الذي مزاجه بالطبع أجفّ فليس يجري منه في المنخرين من الدماغ فضل بيّن ولا محسوس. وكذلك أيضاً ليس يجري منه في الجلد عرق لكنّ فضوله ترقّ وتلطف فتستفرغ، خاصّة بالتحلّل الذي يسمّيه الأطبّاء التحلّل الخفي. وأمّا البدن الذي مزاجه بالطبع أرطب فتجري منه فضول محسوسة، وخاصّة من الدماغ لأنّه في طبيعته بارد. قال «والمني أيضاً في صاحب هذا البدن يكون أرقّ وأرطب كما أنّه في صاحب المزاج الأجفّ تفنى منه الرطوبة المائية فتصير أغلظ وأجفّ». فمن كان مزاجه أرطب إمّا في دماغه فقط وإمّا في بدنه كلّه فقد يعرض له أن تكون صحّته صحّة غير مستوية غير معراة من الذم حتّى يعرض له البول كثيراً من أدنى سبب، وإن انحدر الفضل من اللهوات إلى أسفل، أضرّ بما دون ذلك من الأعضاء أعني الحلق والحنجرة وقصبة الرئة والمريء والمعدة فيجب ضرورة أن يحدث لهم السعال وضيق النفس والذبحة وسوء الهضم.
وربّما عرض لهم الذرب واختلاف الدم إذا كان ما ينحدر إلى الملوحة أميل. وقد ذكر هذه الأشياء في كتابه في الماء والهواء والمواضع وفي كتابه في الأمراض وفي كتابه في الأحداث.
قال أبقراط: الامتناع من الطعام في اختلاف الدم المزمن دليل رديء وهو مع الحمّى أردأ.
قال جالينوس: اختلاف الدم يكون من أخلاط حادّة يعرض منها سحج الأمعاء. وفي أوّل الأمر يكون ذلك السحج في ظاهر سطح الأمعاء. فإذا تمادى به الزمان، غار العفن وتزيّد عمقه وفي أكثر الأمر تصير قرحة فيها عفونة، وفي ذلك الوقت خاصّة تألم المعدة مع الأمعاء بالمشاركة فينالها الضرر في الاستمراء. ثمّ إنّ الآفة لا تزال تتراقى حتّى تنال فم المعدة بالمشاركة للمعدة، فيعرض عند ذلك لصاحب هذه العلّة الامتناع من الطعام، وأعني بالامتناع من الطعام ذهاب الشهوة. وقد يعرض لصاحب هذه العلّة في أوّلها الامتناع من الطعام بسبب فضول تجري إلى المعدة من الكبد وهي الفضول التي قلنا إنّها تسحج
الأمعاء وخاصّة إذا كانت من جنس المرار. فإنّه يطفو منها جزء فيعلو فيصير في فم المعدة فيعرض منه ذهاب الشهوة. فأمّا متى حدث هذا العارض بعد تطاول اختلاف الدم فإنّه يدلّ على خمود وموت من القوى التي في المعدة بسبب مشاركتها في العلّة للأمعاء بطل بسببه فعل من الأفعال الطبيعية التي لا تقوم الحياة إلّا بها. فإن حدثت بصاحب اختلاف الدم مع ذهاب الشهوة حمّى فليس يخلو الأمر من أحد شيئين إمّا أن تكون في قرحة الأمعاء عفونة وإمّا أن يكون معها ورم عظيم قوي. فإذا عرض للمعدة كلّها بسبب ذلك المشاركةُ في العلّة للأمعاء كان المريض على شرف هلاك.
قال أبقراط: ما كان من القروح ينتثر ويتساقط ما حوله من الشعر فهو خبيث.
قال جالينوس: إذا رأيت الشعر ينتثر من المواضع التي حول القرحة أو رأيت مع ذلك الجلد تنقشر منه قشور فاعلم أنّه تجري إلى ذلك العضو أخلاط رديئة فتحدث في تلك القرحة تأكّلاً وتمنعها من الاندمال.
وذلك أنّها ما كانت لتفسد وتتأكّل أصول الشعر وتدع موضع القرحة يندمل.
قال أبقراط: ينبغي أن تتفقّد من الأوجاع العارضة في الأضلاع ومقدّم الصدر وغير ذلك من سائر الأعضاء عظم اختلافها.
قال جالينوس: قد ينبغي أن لا تقتصر على تعرّف مواضع الوجع أيّ موضع هو، لكن تتفقّد وتتعرّف مع ذلك كم مقدار عظم وجعه. فإنّ ذلك ممّا ينتفع به في تعرّف الموضع الذي فيه العلّة وفي تقدمة المعرفة بما ستؤول إليه حال المريض وفي استخراج ما ينبغي أن يعالج به. من ذلك أنّه متى عرض في الأضلاع وجع عظيم يتراقى إلى الترقوة أو ينحدر إلى ما دون الشراسيف، دلّ على ثلاثة معان أحدها أنّه يعلم منه أنّه لا يمكن أن يكون حدث ذلك الوجع إلّا وقد حدثت عليه علّة في الغشاء المستبطن للأضلاع، والثاني أنّ العلّة ليست بعيدة من الخطر، والثالث أنّها تحتاج من العلاج إلى ما هو أقوى وأعظم. فإن كان الوجع يتراقى إلى الترقوة فالعلّة تحتاج إلى فصد العرق. وإن كان الوجع ينحدر إلى ما دون الشراسيف فالعلّة تحتاج إلى الإسهال كما خبّر أبقراط في كتابه في تدبير الأمراض الحادّة.
مع حسّ الثقل وبين الوجع الذي يخيّل إلى الإنسان فيه أنّ موضع الوجع منه يثقب أو يناله بعض الأشياء التي تقدّمت صفتها.
قال أبقراط: العلل التي تكون في الكلى والمثانة يعسر برءها في المشايخ.
قال جالينوس: يقول إنّ العلل العارضة في الكلى والمثانة بكدّ ما تبرأ، أي بعناء كثير وفي مدّة طويلة. وذلك لأنّ فعل هذه الأعضاء ليس يفتر، وكلّ عضو فهو يحتاج في برء العلّة الحادثة فيه أيّ علّة كانت إلى سكون وهدوء، ولأنّه يمرّ بهذه الأعضاء فضل حادّ بها يكون استفراغه ومن شأن ذلك الفضل إذا كان على ما هو عليه من الحدّة أن يهيج قرحة إن كانت فيها أو ورم أو غيرهما من سائر العلل. وأحرى أن يكون ما يعرض في المثانة من العلل إذا حدث بالمشايخ يعسر برؤه من قبل أنّ غير هذه العلل أيضاً من سائر جميع الأمراض وخاصّة ما كان منها طويلاً مزمناً. فهذه حاله فقد قال أبقراط فيما تقدّم إنّ هذه الأمراض إذا حدثت بالمشايخ لزمتهم إلى أن يموتوا.
قال أبقراط: ما كان من الأوجاع التي تعرض في البطن أعلى موضعاً فهو أخفّ، وما كان منها ليس كذلك فهو أشدّ.
قال جالينوس: ينبغي أن يفهم عنه من قوله في هذا الموضع «أعلى موضعاً» لا في طول البدن لكن في عمقه. والحدّ بين الموضع الأعلى وبين الموضع الذي ليس هو كذلك فيما يلي البطن هو الغشاء الممدود على آلات البطن الذي يسمّيه اليونانيون فاريطوناون. فما كان من الأوجاع يعرض فيما هو موضوع على هذا الغشاء سمّاه أعلى موضعاً. وما يعرض منها فيما هو من وراء هذا الغشاء أعني في الأمعاء والمعدة فهو الذي عناه بقوله «وما كان منها ليس كذلك». وبيّن أنّه قد أحسن في قوله أنّ ما يعرض من الأوجاع في هذه المواضع هو أشدّ وأقوى.
قال أبقراط: ما يعرض من القروح في أبدان أصحاب الاستسقاء ليس يسهل برؤه.
قال جالينوس: قد أخبر أبقراط في كتابه في القروح أنّ القروح لا تندمل حتّى تجفّ جفوفاً بالغاً. وليس
يسهل أن يفعل ذلك في أبدان أصحاب الاستسقاء لإفراط الرطوبة فيها.
قال أبقراط: البثور العراض لا يكاد تكون معها حكّة.
قال جالينوس: كما أنّ الخراجات كلّها صنفان فمنها شاخص متحدّد. ومنها ما يمتدّ فيأخذ موضعاً أوسع ولا يرتفع شاخصاً كثير ارتفاع. كذلك البثور منها ما يرتفع شاخصاً ومنها ما يذهب في العرض. فما كان من الخراجات والبثور أشدّ إرتفاعاً وإشرافاً، فالخلط الذي يحدث عنه حارّ، وما منها أخفض وألطأ فالخلط الذي يحدث عنه أبرد. فالبثور العراض لا يكاد أن تكون معها حكّة بسببين، أحدهما ذهابها في العرض والآخر أنّ الخلط المحدث لها أقّل حدّة.
قال أبقراط: من كان به صداع ووجع شديد في رأسه فانحدر من منخريه أو من أذنيه قيح أو ماء فإنّ مرضه ينحلّ بذلك.
قال جالينوس: قد بيّنّا أنّ أبقراط قد يتكلّم بكلام كثير على هذا الوجه فمن لم يدقّ النظر فيه ويتدبّره، ظنّ أنّ بذلك الشيء الذي وصفه وحده يكون برء العلّة ولا يكون بغيره. وبقراط ليس يريد أنّ برء العلّة إنّما يكون بذلك الشيء وحده لكنّه إنّما أطلق القول فقال إنّه إن انحدر من الأذنين أو من المنخرين مدّة أو ماء كان بذلك انقضاء المرض وانحلاله. ولو قلب الكلام فقاله على النحو الذي أنا قائله عليه لما كان عليه فيه متعلّق. وذلك النحو هو هذا إذا حدث في الرأس وجع من قبل ورم من الأورام التي تكون من الدم أو من قبل كثرة رطوبات غير نضيجة مجتمعة في الرأس، فإنّ ذلك الورم في تلك الحال إذا تقيّح ثمّ خرج القرح، أو خرجت تلك الرطوبة سكن ذلك الوجع. وإذا حدث في الرأس الوجع من قبل ريح غليظة نافجة أو من قبل كثرة الدم أو
من قبل مرّة صفراء تلذّع الرأس أو كان بالجملة من مزاج رديء فبرء العلّة يكون بأشياء أخر.
قال أبقراط: أصحاب الوسواس السوداوي وأصحاب البرسام إذا حدثت بهم البواسير، كان ذلك دليلاً محموداً فيهم.
قال حنين: إنّ الأطبّاء يعنون بالوسواس السوداوي اختلاط الذهن الذي يكون من المرّة السوداء من غير حمّى، واسمه باليونانية ماليخوليا. ويعنون بالبرسام حمّى تكون من ورم حارّ يعرض في أغشية الدماغ أو في الحجاب، ويعرض معها ضرورة اختلاط العقل، ويسمّونه باليونانية فرانيطس. ويعنون بالبواسير انفتاح أفواه العروق التي في المقعدة حتّى يجري منها الدم كما قد يعرض لكثير من الأصحّاء أن يجري منهم هذا الدم بأدوار من الزمان، واسم البواسير باليونانية امروايدس.
قال جالينوس: إنّ البواسير ليس بطريق الاستفراغ فقط تشفي هذه الأمراض، لكن قد تشفيها مع ذلك بكيفية الشيء الذي يستفرغ، لانّ من شأن الدم الذي يستفرغ من البواسير أن يكون أسود مملوءاً من الخلط السوداوي الذي حكمه في الدم حكم الدردي في الخمر. فليس هو إذاً بعجب أن يبرأ الوسواس والبرسام بالبواسير لأنّ من شأن البواسير أن يستفرغ ما هو من الدم بمنزلة العكر.
قال أبقراط: من عولج من بواسير مزمنة حتّى يبرأ ثمّ لم يترك منها واحد فلا يؤمن عليه أن يحدث به استسقاء أو سلّ.
قال جالينوس: ليس يمكن أن تحدث البواسير دون أن تنفتح أفواه العروق في المقعدة بسبب كثرة الدم وغلظه بدفع الكبد إليها الدم العكر السوداوي. فإن حبس حابس ذلك الدم حتّى لا يجري من أفواه تلك العروق فإنّه يحدث بسبب ذلك في الكبد ورم جاسئ، ومع ذلك أيضاً فإنّ ذلك الدم بكثرته وغلظه يثقل على الكبد فيطفئ حرارتها، فيكون ما يعرض من ذلك شبيهاً بما يعرض خارجاً للهيب النار، فإنّه متى جمع على لهيب النار حطب كبير خنق تلك النار وأطفأها. فإن كان الدم إنّما يتولّد من الحرارة الغريزية فبيّن أنّ تلك الحرارة إذا طفئت لم يتولّد الدم، والاستسقاء إنّما يكون إذا بطل تولّد الدم. فإن قدرت الكبد أن تدفع ذلك الدم الكثير إلى العروق التي في الرئة انصدع فيها عرق فحدث بسبب ذلك السلّ. فبالواجب أشار أن يترك من البواسير إذا اعولجت ولو واحدة حتّى يستفرغ بها ما يتولّد في الكبد من عكر الدم، ولا سيّما إذا كانت العادة قد جرت زماناً طويلاً أن يستفرغ ذلك من تلك العروق.
قال أبقراط: إذا اعترى إنساناً فواق فحدث به عطاس سكن فواقه.
قال جالينوس: قد قال أبقراط إنّ الفواق يكون كما يكون التشنّج من الامتلاء ومن الاستفراغ. فإذا كان الفواق من الامتلاء وأكثر ما يكون إنّما يكون من الامتلاء فإنّه يحتاج إلى حركة قوية مزعجة حتّى تنقلع تلك الرطوبة فتتحلّل وتستفرغ. وقد يفعل ذلك العطاس. وأمّا الفواق الذي يكون من الاستفراغ فليس يكاد يكون إلّا في الندرة فليس يبرئه العطاس. وقد يدلّك على أنّ الفواق يكون كثيراً من الامتلاء ما تراه يعرض للصبيان فإنّه يعرض لهم الفواق كثيراً إذا تملئوا من الطعام. وبرد الهواء أيضاً وكلّ برودة قد تمنع الأجسام العصبية من التحلّل فيحدث فيها بسبب ذلك الامتلاء فيكون بسبب ذلك الفواق.
قال أبقراط: إذا كان بإنسان استسقاء فجرى الماء منه في عروقه إلى بطنه، كان بذلك انقضاء مرضه.
قال جالينوس: هذا واحد من المثالات في الاستفراغ الذي يكون من تلقاء نفسه فينتفع به. وبيّن أنّا إنّما نعني بقولنا «من تلقاء نفسه» لا أن يكون من غير سبب لكن أن يكون من غير سبب منّا. فإنّا إن سقينا صاحب هذه العلّة دواء يسهل الماء فاستفرغه، لم يسمّى ذلك الاستفراغ من تلقاء نفسه.
قال ابقراط: إذا كان بإنسان اختلاف قد طال فحدث به قيء من تلقاء نفسه، انقطع بذلك اختلافه.
قال جالينوس: هذا أيضاً مثال في الاستفراغ الذي يكون من الطبيعة على ما ينبغي الذي قد ينبغي للطبيب أن يمتثله ويقتدي به. والمنفعة في هذا وشبهه إنّما يكون بطريق الجذب إلى الجهة المضادّة .
قال أبقراط: من اعترته ذات الجنب أو ذات الرئة فحدث به اختلاف فذلك فيه دليل سوء.
قال جالينوس: إنّه ليس يشرك العضو الذي تحدث فيه العلّة غيره فيها متى حدث فيه لكنّه إنّما يكون ذلك إذا كانت العلّة شديدة قوية. وعلى هذا الطريق يحدث بصاحب علّة الكبد فواق بمشاركة فم المعدة لها في العلّة، ويحدث به السعال وضيق النفس بسبب مشاركة آلات التنفّس للكبد في علّتها. وعلى هذا الطريق ايضاً متى حدثت علّة شديدة في آلات التنفّس شاركتها الكبد في علّتها، وقد دلّ أبقراط على هذا المعنى دلالة بيّنة بنفس ألفاظه، وذلك أنّه لم يطلق قوله فيقول إنّه متى حدث اختلاف في ذات الجنب أو في ذات الرئة فهو علامة رديئة أو محمودة، لكنّه زاد في قوله «من اعترته»، فإنّه إنّما أراد بهذه اللفظة أي من استولت عليه هذه العلل واستحوذت عليه وأثخنته فمن كان كذلك فحدث به اختلاف فهو فيه علامة رديئة، وإنّما يعرض الاختلاف لمن هذه حاله إذا لم تقدر الكبد على أن تجذب الغذاء إليها على ما ينبغي
ولا تغيّره فتصيره دماً، وربّما كانت المعدة أيضاً تفسد الغذاء. فأمّا متى كانت ذات الجنب أو ذات الرئة يسيرة فحدث بصاحبها اختلاف فقد يمكن أن ينتفع به بطريق الاستفراغ ولا سيّما إذا كانت تري فيه علامات الهضم حاضرة وينبغي أن يكون حاضراً لذهنك في هذا. وفي جميع ما سواه ممّا يقال على هذا الوجه أمر عامّ وهو ألّا يكون ذلك العارض الذي يذكر من سبب آخر حادث ظاهر مثل الاختلاف في هذا الموضع ولا يكون من طعام أو من شراب لكن بسبب المرض نفسه. فإنّ ما يعرض بسبب شيء آخر سوى المرض لا يمكن أن يدلّ على حال المرض إذ كان يجب ان يكون الدليل متّصلاً بوجه من الوجوه بالشيء الذي يدلّ عليه.
قال أبقراط: إذا كان بإنسان رمد فاعتراه اختلاف فذلك محمود.
قال جالينوس: إنّ أبقراط لم يعن بقوله أنّ الاختلاف محمود لصاحب الرمد على أنّه دليل محمود فيه لكنّه إنّما عنى به أنّه سبب محمود فيه، لأنّه يستفرغ الخلط الغالب في البدن ويجتذبه إلى أسفل. وهذا أيضاً من أبقراط أحد المثالات في الاستفراغ الذي يكون طوعاً فينتفع به الذي قد ينبغي للطبيب أن يمتثله ويقتدي به. وقد يرى جميع الأطبّاء يفعل هذا أعني أنّهم متى حدث بإنسان رمد أسهلوا بطنه بالحقن وبدواء الإسهال.
قال ابقراط: إذا حدث في المثانة خرق أو في الدماغ أو في القلب أو في الكلى أو في بعض الأمعاء الدقاق أو في المعدة أو في الكبد فذلك قتّال.
قال جالينوس: قوله «قتّال» قد نجده يقوله كثيراً في هذا الكتاب وفي غيره، وهو يعني به أنّ صاحبه يموت لا محالة، ونجده كثيراً يقوله وهو يعني به أنّ صاحب يموت في أكثر الحالات. فمن قبل ذلك ليس يتبيّن في هذا الموضع هل يريد أنّ الموت لا محالة نازل بمن عرض له في بعض الأعضاء التي ذكر خرق أو قد يمكن أن
إذا حدثت فيها الجراحة فلم تكن غائرة فكثيراً ما تلتحم. فأمّا متى انخرق بدن واحد منها حتّى تنفذ الخرق إلى الفضاء الذي في جوفه فلا يكاد صاحبه يبرئ إلّا في الندرة. وليس السبب الأعظم في تعذّر برء هذه الأعضاء فيما أحسب هو جوهرها، لكنّه إنّا لا نقدر فيها أن نضع على الجرح دواء كما يمكنّا أن نفعل ذلك في الجراحات الخارجة. ولذلك التمس صاحب كتاب الجراحات المهلكة أن يداوي أصحاب جراحة المعدة بالأدوية التي تشرب كان ذلك الرجل هو أبقراط أو كان غيره.
قال أبقراط: متى انقطع عظم أو غضروف أو عصبة أو الموضع الرقيق من اللحي أو القلفة لم تنبت ولم تلتحم.
قال جالينوس: أمّا قوله «ينبت» فعنى به أن يتولّد جوهر مثل جوهر ذلك الشيء الذي قد انقطع، مثل ما قد نرى اللحم ينبت في القروح التي فيها تجويف. وأمّا قوله «يلتحم» فعنى به أن تلتزق شفتا ذلك الجسم الذي انقطع حتّى تلتئما. وقد اتّفق الناس على أنّ العظم والغضروف لا يتولّدان إذا ذهب منهما شيء.
ولكن من قبل أنّها أيضاً إذا كانت كذلك قد تتباعد شفتا الجراحة إحداهما عن الأخرى إذا حدث فيها تباعد كثير.
قال أبقراط: إذا انصبّ دم إلى فضاء على خلاف الأمر الطبيعي فلا بدّ من أن يتقيّح.
قال جالينوس: إنّ هذا الفصل يوجد مختلفاً في النسخ، وذلك أنّه يوجد في بعضها «إذا انصبّ دم إلى البطن» ويوجد في بعضها «إذا انصبّ دم إلى بطن» أي إلى فضاء. وأصحاب هذه النسخة يريدون أن يدلّ هذه اللفظة على كلّ فضاء. وممّا يشهد على صحّة قولهم ما استثناه فقال «على خلاف الأمر الطبيعي»، فإنّ أبقراط إنّما أراد أن يدلّ بما استثنى من ذلك على ما أنا واصفه أنّه متى انصبّ الدم من الفضاء الذي هو فيه ما دام يجري أمره المجرى الطبيعي إلى فضاء غيره أيّ فضاء كان، فليس يمكن أن يبقي دماً. وكذلك نرى الأمر يكون في الأورام التي تكون من الدم وفي الدم الذي يمكن في المواضع التي تحدث فيها وهي من غير أن ينحرق الجلد والدم. أمّا في تلك الأورام فإنّه يتفرّق إلى أجزاء صغار وينبث في مواضع الفضاء من العضل الذي لا يدركها الحسّ وإنّما يعرف بالقياس. وأمّا في المواضع التي يمكن فيها الدم فإنّه ينصبّ في المواضع الخالية المحيطة بالعروق.
وأمّا قوله «فلا بدّ من أن يتقيّح» فليس بصواب لأنّ هذا الاسم إنّما يقع على نوع واحد من أنواع تغيّر الدم. ولذلك قد استعمل مكانه قوم اسماً هو أعمّ منه وهو أن يفسد، وقالوا إنّ هذا هو المعنى الذي أراده. وكذلك نرى الأمر يكون أعني أنّ الدم إذا خرج عن موضعه الطبيعي لم يبق دماً، لكنّه ربّما تقيّح وربّما اسوّد وربّما صار إلى الكمودة وربّما جمد فصار عبيطاً وخاصّة إذا صار إلى فضاء عظيم ليس هو له بطبيعي.
قال أبقراط : من أصابه جنون فحدث به اتّساع العروق التي تعرف بالدوالي أو البواسير انحلّ عنه جنونه.
قال جالينوس: لأنّ الطبيعة تدفع الأخلاط التي ولّدت الجنون إلى أعضاء أقلّ شرفاً من الدماغ،
وإنّما يكون خاصّة حدوث هذه العلل التي وصف أعني الدوالي والبواسير وانحلال الجنون إذا كانت تلك الأخلاط سوداوية غليظة.
قال أبقراط: الأوجاع التي تنحدر من الظهر إلى المرفقين يحلّها فصد العروق.
قال جالينوس: قد يوجد في كثير من النسخ مكان «الأوجاع» «الفسخ»، والنسخ التي توجد فيها «الأوجاع» أصوب. وذلك أنّ نفس الفسخ لا يمكن أن ينحدر لأنّ الفسخ إنّما هو تفرّق يحدث في المواضع اللحمية من العضلة. وقد نرى الدم عياناً ربّما اجتمع كلّه في موضع الفسخ وعلاجه إنّما هو تحليل ذلك الدم من ذلك الموضع. وأمّا سائر الأوجاع التي تكون في الظهر وتنتقل فالفاعل لها خلط يجري وينتقل من موضع إلى موضع، وربّما كان ذلك الخلط وحده وفي أكثر الأمر تكون معه ريح نافخة غليظة، فينبغي أن يستخرج ويستفرغ ذلك الخلط بالفصد من باطن المرفق إذا كنّا نراه يجري إلى تلك الناحية. فقد أمر أبقراط
أن يجعل استفراغ الخلط بحسب ميله. ودلّ على هذا المعنى أيضاً حين قال إنّه ينبغي أن يستخرج الشيء من الموضع الذي يميل اليه من المواضع التي تصلح لاستفراغه. فإن كان أبقراط إنّما قصد بهذا القول الفسخ فينبغي أن يفهم عنه أنّه إنّما يريد بقوله «تنحدر من الظهر إلى المرفقين» الأوجاع التي تحدث على طريق المشاركة في العلّة لا نفس التفرّق الذي يحدث في الموضع اللحمي من العضلة. وقد يمكن أن ينتفع في هذه الأوجاع بفصد العروق بطريق الاستفراغ المشترك.
قال أبقراط: من دام به التفزّع وخبث النفس زماناً طويلاً فعلّته سوداوية.
قال جالينس: متى عرض لإنسان تفزّع وخبث نفس من غير سبب ظاهر فالأمر فيه بيّن أنّ ما عرض له من ذلك إنّما هو من طريق الوسواس السوداوي، وإن لم تكن تلك الأعراض طالت ودامت به. ومتى كان ابتداء هذه الأعراض من سبب ظاهر ثمّ دامت وطال لبثها فلا يذهبنّ عليك أنّها تدلّ على الوسواس السوداوي. فإنّا قد نراه يعرض لكثير
من الناس الجنون فضلاً عن الوسواس من غضب أو غيظ أو حزن أو غم يعرض له فيكون ذلك ابتداء جنونه، وبيّن أنّه إنّما يكون ذلك إذا كان البدن في ذلك الوقت متهيّئاً مستعدًّا لقبول تلك العلل.
قال ابقراط: إن انقطع بعض الأمعاء الدقاق لم يلتحم.
قال جالينوس: قد دلّ أبقراط على هذا المعنى في فصل قد تقدّم قبل وهو الفصل الذي أوّله «إذا حدث في المثانة خرق أو في الدماغ» فإعادته في هذا الموضع فضل، لا أعرف له معنى. ومعناه أيضاً يعرف من فصول أخر فحذفه وإسقاطه أجود.
قال أبقراط: انتقال الورم الذي يدّعي الحمرة من خارج إلى داخل ليس هو محمود، وأمّا انتقاله من داخل إلى خارج فهو محمود.
قال جالينوس: ليس ينبغي أن يتوهّم أنّ الورم الذي يدّعي الحمرة فقط هذه قصّته لكنّ كلّ علّة من العلل بالجملة إذا انتقلت من الأعضاء الباطنة التي هي أشرف إلى ما يلى الجلد فانتقالها هذا دليل محمود وسبب محمود. ومتى كان الأمر على خلاف ذلك أعني متى انتقلت العلّة من ظاهر البدن إلى باطنه فانتقالها دليل رديء وسبب رديء. لكنّا قد نرى أبقراط قد ذكر أشياء كثيرة في هذا الكتاب على هذا الطريق كأنّه جعلها مثالات للأقاويل الكلّية وجعل تلك الأشياء التي يذكرها من الأشياء التي يمكنّا أن نختبرها بالتجربة الأمر الذي يذكر أنّه يظهر فيها اختباراً ظاهراً للعيان.
قال أبقراط: من عرضت له في الحمّى المحرقة رعشة فإنّ اختلاط ذهنه يحلّها عنه.
قال جالينوس: أنا أدع غيري يبحث هل أبقراط كتب هذه الفصول فجعلها مثالات للأقاويل العامّية الكلّية أم غيره ألحقها في كتابه وأقصد قصد
أمر قد قلته فيما تقدّم، وأقوله الآن في الحمّى المحرقة. فأتمسّك به وهو أنّ الأسباب التي تحدث عنها هذه الحمّى إنّما هي في العروق، فإذا انتقلت إلى العصب أحدثت أوّلاً ارتعاشاً، ثمّ إنه إذا شارك العصب في العلّة الأصل الذي منه ينبت وهو الدماغ حدث اختلاط الذهن. فكما تكون في الحمّى المحرقة نقلة الأخلاط المولّدة لها من العروق إلى العصب كذلك يمكن أن تكون في كلّ حمّى غيرها نقلة الأخلاط المولّدة لها من العروق الضوارب وغير الضوارب إلى العصب، كما قد يمكن أيضاً أن تكون النقلة من العصب إلى العروق. فقوله إنّ اختلاط الذهن يحلّ عن صاحبه الحمّى المحرقة لم يجر على حقيقة اللفظ. وذلك أنّه إنّما من عادة أبقراط أن يقول في الشيء الذي يحدث في العلّة إنّه يحلّها متى كان يكون بذلك الشيء البرء التامّ من تلك العلّة، لا إذا كان يحدث على المريض علّة أخرى ليس الخطر فيها بدون الخطر في الأولى.
قال أبقراط: من كوي أو بطّ من المتقيّحين أو المستسقين فجرى منه من المدّة أو من الماء شيء كثير دفعة فإنّه يهلك لا محالة.
قال جالينوس: إنّ من عادة أبقراط أن يعني بالمتقيّحين خاصّة من كانت به مدّة في الفضاء الذي فيما بين الصدر والرئة. وقد وصف كيف ينبغي أن يكوي صاحب هذه العلّة في كتابه الكبير في الأحداث الذي أوّله: «إن كانت عروق الرئة». وقد جعل قوم عنوان ذلك الكتاب في المتقيّحين. وإنّما يحتاج إلى الكي من أصحاب هذه العلّة من كان به منها شيء كثير جداً حتى يوئس من اشتفائه منها بالنفث. وصاحب هذه الحال يعرض له من عسر النفس لضيق فضاء الصدر أمر صعب شديد، فيضطرّ أيضاً بسبب عسر النفس إلى أن يكويه. وأمّا أصحاب الاستسقاء فمن عادة الأطبّاء أن يستعملوا فيهم العلاج الذي يسمّونه الثقب أكثر ممّا يستعملون الكي. وقصد أبقراط في هذا القول إلى الأمر العامّ في الثقب والكي وهو الاستفراغ الكثير دفعة فنهى عنه، وأشار بأن يتوقّى. فإنّا قد نرى عاقبة الأمر فيه تؤول إلى ما وصف. وقد وصف إرسسطراطس أيضاً من أمر أصحاب الاستسقاء ما هو أشدّ استقصاء من هذا فقال إنّه قد جرّب في كثير منهم الاستفراغ الكثير دفعة فوجده يجلب على صاحبه الحمّى والموت. وقد نرى أيضاً في سائر الأعضاء ما نراه في الصدر من أنّه متى حدث في واحد منها ورم عظيم فتقيّح واستفرغ القيح دفعة، كان ذلك خطر، لأنّه يعرض لصاحبه على المكان الغشي وسقوط القوّة ثمّ إنّه فيما بعد يبقى على ضعف يعسر ردّه عنه إلى القوّة. ويشبه أن يكون إنّما يعرض ذلك أمّا لأصحاب المدّة فمن قبل أنّه تتفتّح بعض العروق الضوارب من شدّة تمدّد المواضع التي فيها المدّة ومن حدّة المدّة فتكون أوّلاً المدّة كأنّها سدّة في أفواه تلك العروق التي تفتّحت، فإذا استفرغت تلك المدّة دفعة تبعها وخرج معها من أفواه تلك العروق روح كثير، ومن قبل ذلك يعرض الضرر. وأمّا أصحاب الاستسقاء فليس لهذا السبب فقط يعرض الضرر، لكنّه يعرض مع ذلك من قبل أنّه ما دام الماء في البطن فهو يحمل ثقل الورم الجاسي الذي في الكبد، فإذا استفرغت تلك الفضلة المائية دفعة وعدمت الكبد ما كانت ترتفق به من حمل تلك الرطوبات لثقل ورمها، فأرجحت وجذبت معها إلى أسفل الحجاب وما في الصدر من الأحشاء.
قال أبقراط: الخصيان لا يعرض لهم النقرس ولا الصلع.
قال جالينوس: إنّ الفعل الذي يفعل بالخصيان من قطع الأنثيين يشبههم بالنساء. فكما أنّه لا يعرض للنساء الصلع كذلك لا يعرض للخصيان لرطوبة مزاجهم. وأمّا قوله إنّه «لا يعرض لهم النقرس» فقد كان ذلك على عهد أبقراط حقًّا. وأمّا اليوم فليس يصحّ لما قد غلب على الناس في دهرنا هذا من الترفة واستعمال الخفض وكثرة الشرّة والجموح في الشهوات. وجملة القصّة في هذا هي ما أصف، وهو أنّه يجب ضرورة فيمن يعرض له النقرس أن تكون قدماه بالطبع ضعيفتين كما يجب فيمن يصيبه الصرع أن يكون دماغه ضعيفاً. وليس يجب ضرورة أن تصيب كلّ واحد منهما العلّة، وإن لم يسئ التدبير في وجه من الوجوه. وقد يمكنك أن تعلم علماً يقيناً أنّ ضعف العضو لا يكفي في أن تحدث عليه العلّة من الوقت الذي فيما بين كلّ نوبتين من نوائب النقرس على أنّ ضعف القدمين الطبيعي لازم لصاحب هذه العلّة في جميع الأوقات. وهذا أيضاً من أمر أصحاب النقرس بيّن يظهر عياناً أنّ هذه العلّة إنّما تكون عندما يجري فيهم إلى القدمين خلط من الأخلاط. فإن كان هذا الخلط لا يجري إلى القدمين في وقت من الأوقات، فبيّن أنّه لا تعرض هذه العلة لصاحبها
ليس يستعملون الجماع. وذلك أنّه يبلغ من كثرة استعمالهم الخفض والنهم والإلجاج على النبيذ ما يمكن أن يعتريهم النقرس مع امتناعهم من الجماع. وما قلته في أصحاب النقرس فهو قولي في أصحاب أوجاع المفاصل. فإنّه في أكثر الأمر إنّما يعرض أوّلاً لجميع أصحاب أوجاع المفاصل النقرس ثم يصيرون منه إلى أوجاع المفاصل. وقد زاد أيضاً معما وصفنا من الأسباب التي من قبلها يعرض النقرس لكثير من أهل زماننا هذا أنّ أكثرهم ولدوا من آباء أو من أجداد بهم النقرس، فكان المني الذي يولدون منه منياً رديئاً ومن قبل ذلك تضاعف على أولادهم ضعف القدمين وزاد على ما كان عليه في آبائهم.
قال أبقراط: المرأة لا يصيبها النقرس إلّا أن ينقطع طمثها.
قال جالينوس: إنّما صار النقرس لا يعرض للنساء من قبل استفراغ أبدانهن بالطمث. فقد بيّنت في تفسيري للفصل الذي قبل هذا أنّه لا يمكن أن يكون النقرس من ضعف الأعضاء التي يعرض فيها واستعدادها لقبول العلّة فقط دون أن يجري إليها فضل من الأخلاط.
وهذا القول أيضاً قد كان فيما تقدّم حقًّا، أعني أنّه لا يكون النقرس بالمرأة دون أن ينقطع عن المرأة طمثها، وإنّما كان ذلك حقًّا في ذلك الزمان لقلّة الخطأ الذي كان يخطئه النساء في الزمان المتقدّم. وأمّا في هذا الزمان فلعظم الخطأ الذي يخطئه على أنفسهنّ قد يعرض لبعضهنّ النقرس من غير أن يكون الطمث انقطع عنهنّ، وذلك يعرض للكثير منهنّ إذا انتقص الطمث وللقليل منهنّ والطمث معتدل.
قال أبقراط: الغلام لا يصيبه النقرس قبل أن يبتدئ في مباضعة الجماع.
قال جالينوس: إنّ لاستعمال الجماع في توليد النقرس قوّة عظيمة جدًّا، وممّا يدلّ على ذلك ما قاله أبقراط قبيل من أمر الخصيان. وقد رأيت من الخصيان قوماً أصابهم النقرس. وأمّا الغلمان فما رأيتهم تصيبهم هذه العلّة. وإن كان أحد منهما أصابته هذه العلّة فإنّها أصابته مع إنتفاخ في ركبتيه ومفاصل يديه على طريق أوجاع المفاصل بغتة من امتلاء اجتمع في بدنه من تخم كثيرة.
قال أبقراط: أوجاع العينين يحلّها شرب الشراب الصرف أو الحمام أو التكميد أو فصد العرق أو شرب الدواء.
قال جالينوس: أرى أنّ أبقراط إنّما عرف كلّ واحد من هذه الأشياء التي ذكرها بالتجرة لا بالقياس. فإنّه ليس بعجب أن يكون بإنسان وجع في عينيه فيدخل الحمام فيسكن عنه الوجع أو يكون قد منع من الشراب، فلم ينتفع بذلك فأقدم عليه وهو من الأصل مشته له فينتفع بشربه. فكما أنّ أشياء أخر كثيرة ممّا رئي على هذا الطريق قد أثبته الأطبّاء في كتبهم على غير تحديد واشتراط، كذلك أظنّ أنّ أبقراط أثبت في هذا الموضع ذكر هذه الأشياء ولم يسلك طريق أصحاب القياس فيصف الحالات التي ينتفع في كلّ واحد منها بكلّ واحد ممّا وصف ولا طريق أصحاب التجربة فيصف اجتماع الدلائل التي معها ينتفع بكلّ واحد ممّا وصف . والمنفعة التي يستفيدها من الأقاويل التي توصف وتكتب على هذا المثال هي أن تثبته على أن يبحث عن الحالات التي ينتفع في كلّ واحد منها بكلّ واحد ممّا وصف من شرب الخمر الصرف والحمام وغير ذلك ممّا ذكره بعد، وقد عرض هذا بعينه.
بشدّة حركته من تلك العروق التي قد لحج فيها حتّى يفتحها. وهذان النوعان من أنواع علاج وجع العين عظيما المنفعة إن استعملا في مواضعهما، وعلى حسب ذلك الخطر فيها إن لم يسلعملا على الصواب. وأما التكميد فهو أسلم وأبعد من الخطر والمستعمل له منه على حال على ربح، وذلك أنّه إمّا أن يصير له علامة يستدلّ بها على ما يحتاج إليه وإمّا أن يصير له شيئاً لصحّة العين. وذلك أنّه إن كانت قد انقطعت مادّة ما يجري إلى العين وليس يجري منها شيء بتّة إليها فإنّ التكميد يحلّل ما حصل منها في العين فيبرئها ويردّها إلي الصحّة. وإن كانت المادّة تجري إليها بعد، فإنّه أوّل ما يستعمل التكميد يسكن الوجع بعض التسكين بالإسخان فقط، ثمّ إنّه بعد قليل يزيد في الوجع فيصير عند ذلك علامة دالّة على العلّة حتّى يكون إذا عرفناها به قصدنا لاستفراغ البدن كلّه إن كان فيه امتلاء مطلقاً بالفصد، وإن كان قد غلب فيه بعض الأخلاط الرديئة فبالإسهال. فإنّه ليس ممّا تعسر عليك التفرّقة بين غلبة الكيموس الرديء على البدن وبين كثرة الدم فيه.
قال أبقراط: اللثغ يعتريهم خاصّة اختلاف طويل.
قال حنين: إنّ للثغة أسماء مختلفة في لسان اليونانيين بحسب اختلاف الحرف الذي ينكسر فيها. فيسمّون من يكسر الراء فيقول مكانها اللام طرولوس، ويسمّون من يكسر السين فيجعل مكانها التاء فسللوس. وأبقراط يسمّي اللثغة في هذا الموضع بالاسم الذي يدلّ على انكسار الراء حتّى يقال مكانها لام. ووجدت جالينوس في تفسيره لهذا الفصل كأنّه يذهب اوّلاً إلى أنّ أبقراط إنّما أراد أصحاب هذه اللثغة خاصّة ثمّ إذا صار إلى أن يؤدي العلّة فيما ذكر أبقراط ممّا يعرض لهم من الاختلاف الطويل يقول شيئاً كأنّه يعمّ كلّ صاحب لثغة. وذلك أنّه إنّما اعتلّ في ذلك باسترخاء اللسان بسبب الرطوبة، وهذه هي فيما أحسب العلّة في كلّ لثغة. والدليل على ذلك ما ذكره من أمر الصبيان. وذلك أنّا نجدهم مع كسرهم للراء يكسرون السين والراء واللام وكثيراً من الأحرف التي تعرض اللثغة فيها. فإذا نشؤوا وجفّت ألسنتهم واشتدّت، انطلقت بهذه الأحرف، وربّما بقوا على كسر بعضها فيدلّ ذلك على أن العلّة كانت في كسرها علّة واحدة، إلّا أنّ الأحرف مختلفة في مقدار ما يحتاج إليه من شدّة اللسان وقوّته. فإن بلغ اللسان من القوّة ما يمكن معه الانطلاق بجميعها، سلم صاحبه من اللثغة. وإن لم يبلغ ذلك بقي يكسر أحوج الأحرف إلى شدّة اللسان. وأحسب على هذا القياس أنّ أبقراط وإن كان إنّما استعمل الاسم الذي يدلّ على اللثغة بالراء خاصّة إذا كان صاحبها يقول مكانها لاماً فإنّه لم يقصد لهذه اللثغة دون غيرها وإنّما استعار هذا الاسم الخاصّ فجعله مكان عامّ لأنّ ليس للثغة اسم عامّ في لسان اليونانيين. ولذلك أطلقت هذه اللفظة في ترجمتي لكلام أبقراط فقلت اللثغ ولم أستثني فأقول بالراء. ووجدت جالينوس مع هذا كأنّه يذهب إلى أنّ هذه اللثغة التي تكون بالراء حتّى يجعل مكانها لاماً إنّما تكون إذا كان قبل الراء طاء فقط. ونحن نجد من يكسر الراء فيجعل مكانها لاماً قد يعرض له ذلك وإن كان قبلها حرف غير الطاء. ويشبه أن تكون القصّة في ذلك أنّ أهل ذلك الدهر أو اليونانيين خاصّة منهم لم يكن يعرض لهم من هذه اللثغة ما ينكسر الراء فيها مع كلّ حرف وإنّما يعرض لهم منها ما ينكسر منه الراء بعد الطاء فقط لأنّه خليق أن يكون الراء بعد الطاء أصعب على اللسان الرخو منها مع غيرها. وذلك من قبل أن التخليط في ذلك الزمان في التدبير وفي اليونانيين خاصّة من أهل ذلك الزمان كان أقلّ منه اليوم بكثير. وممّا يشهد على صحّة هذا القول أنّا نجد من أصناف اللثغة وكثرة الأحرف التي يعرض فيها في هذا الزمان ما لم نجد اليونانيين عرفوه ولا وضعوا لكلّ واحد منه أسماء خاصًّا كما فعلوا فيما عرفوه فإنّا لا نجد اليونانيين عرفوا اللثغة التي تكون بالراء إذا كان يقال مكانها غين أو ياء ولا عرفوا أيضاً اللثغة التي تكون في اللام حتّى يجعل مكانها ياء ولا اللثغة التي تكون بالسين حتّى يجعل مكانها شين ولا اللثغة التي تكون بالقاف حتّى يجعل مكانها طاء وهي أشدّ اللثغة وأدلّها على ضعف حسّه صاحبها. وذلك أنّ الصبى الصغير قد ينطلق لسانه بالقاف فيدلّ بذلك على أنّ صاحب هذه اللثغة في لسانه من الضعف لرطوبته أو رطوبة الدماغ ما قد جاوز مقدار ضعف لسان الصبى.
قال جالينوس: كما أن فساليون وهي اللثغة بالسين إنّما هي آفة في الكلام لا في الصوت، كذلك طراوليذن وهي اللثغة بالراء وإنّما يكون إذا لم يقدر اللسان أن يبيّن بالحقيقة الألفاظ التي يتلو فيها الطاء راء، مثل صاحب هذه اللثغة نفسها وهي طرولوس وألفاظ أخر تشبهها مثل قول طراحي طربي طراخوس طروخوس طروفارس وما أشبه ذلك من الألفاظ. وذلك أنّ هذه الألفاظ كلّها تحتاج إلى أن يعتمد اللسان على مقدم الأسنان. وقد عرض فإذا كان اللسان في الأسنان ضعيفاً، كان اعتماده أيضاً ضعيفاً ولم يتبيّن صوت الطاء والراء، فيكون منه مكانه صوت الطاء واللام. وقد يمكن أن يعرض هذا في اللسان من قبل أنّه أقصر ممّا ينبغي، وذلك ممّا لا يكون إلّا في الندرة. ويمكن أن يعرض من قبل أنّ اللسان ألين وأرطب مزاجاً، ومن قبل هذا صارت هذه اللثغة تعرض للصبيان، وما يعرض لهم منها شبيه بما يعرض لهم في المشي. فإنّ من الصبيان من لا يكون بعد قوياً على المشي ومنهم من لا يكون قوياً عليه قوّة الاقتدار لأنّ الرجلين من الصبى للينهما لا يقدران على الاعتماد والتمكّن على الأرض المحكم.
بسبب هذا اختلاف طويل. وإذا كان اللسان بالطبع أرطب فالمعدة جديرة بأن تكون كذلك، لأنّ إحدى طبقتيها هي الغشاء المغشي للسان، والاختلاف الطويل المزمن هو عرض خاصّ لازم لضعف المعدة بسبب الرطوبة.
قال أبقراط: أصحاب الجشاء الحامض لا تكاد تصيبهم ذات الجنب.
قال جالينوس: يقول إنّ أصحاب الجشاء الحامض وهم الذين يعرض لهم الجشاء الحامض كثيراً قليلاً ما تصيبهم ذات الجنب. فإنّ قوله «لا تكاد» إنّما يدلّ على الشيء القليل الذي يكون في الفرط والندرة، لا على الشيء الذي لا يكون بتّة، كما قال قوم ممّن فسّر هذا الكتاب. وقد قلنا في كلامنا في ذات الجنب إنّه إذا كان ما ينفث معها أصفر أو أحمر إلى الصفرة فتولّدها عن خلط من جنس المرار، وإذا كان النفث معها زبدياً فتولّدها عن خلط بلغمي. وإذا كان النفث معها يضرب إلى السواد فتولّدها عن خلط سوداوي،
إنّ من كانت طبيعته بالطبع لينة فقلّ ما تعتريه الشوصة وسائر الأمراض.
قال أبقراط: الصلع لا يعرض لهم من العروق التي تتّسع التي تعرف بالدوالي كثير شيء، ومن حدث به من الصلع الدوالي عاد شعر رأسه.
قال جالينوس: إذا وجدت في كتاب رجل عاقل قولاً باطله ظاهر فحقّ للقارئ له أن تعرض له الحيرة حتّى أنّه أوّلا يشكّ في نفسه فيرى أنّه لا يعرف الأمور الظاهرة، ثم إنّه من بعد يتّهم ذلك القول فيقول العلّة أن يكون مفتعلاً. فما من أحد يجهل أنّ الصلع لا يبرأ. والقول أيضاً بأنّه لا حدثت بالصلع من الدوالي شيء كثير ليس يحقّ، ولا القول أيضاً بأنّه متى حدثت بالأصلع الدوالي ذهب عنه الصلع وعاد شعر رأسه يحقّ إّلا أن يكون كما قال قوم أنّه إنّما عنى بالصلع العلّة التي يسمّيها الأطبّاء القرع.
فإنّ أمثال هذه العلّة إنّما تكون من أخلاط رديئة مثل ذا الثعلب وذا الحيّة، فإذا انتقلت تلك الأخلاط إلى الرجلين جاز أن يحدث الدوالي ويعود الشعر. وذلك أنّ الشعر إنّما كان عرض له الفساد من قبل إفساد تلك الأخلاط لأصوله، فوجب عند انتقال تلك الأخلاط عن الرأس أن يعود الشعر إلى حاله الطبيعية.
قال أبقراط: إذا حدث بصاحب الاستسقاء سعال كان ذلك دليلاً رديئاً.
قال جالينوس: إنّ من عادة قدماء الأطبّاء إذا قالوا حدث أو يحدث بصاحب علّة من العلل عرض من الأعراض أو علّة من العلل أن يعنوا بذلك الأعراض والعلل التي من شأنها أن تحدث به بسبب نفس علّته إذا تزيّدت. وعلى هذا بنى بركساغورس الأمر في كتابه في الأعراض الحادثة. وعلى هذا الوجه قال أبقراط في هذا الفصل ما قال في السعال. فإنّه ليس متى عرض لصاحب الاستسقاء سعال من سبب من غير علّته فهو دليل هلاكه، لكنّه إنّما يكون كذلك إذا كان إنّما حدث بسبب نفس مرضه.
وذلك أنّه إذا بلغ من تزيّد كثرة الرطوبة المائية في المستسقي أن يبلغ إلى قصبة الرئه فإنّه يحدث به السعال، ويكون في تلك الحال قد أشفى على أن تخنقه تلك الرطوبة.
قال حنين: إنّ قصبة الرئة تنقسم في بدن الرئه إلى أقسام تتفرّغ فيها كما تتفرّغ العروق. فمتى قلنا قصبة الرئة فنحن نريد الأصل الذي منه انقسمت تلك الأقسام وهو الحلقوم. ومتى قلنا أقسام قصبة الرئة فنحن نريد تلك الأقسام.
قال أبقراط: فصد العرق يحلّ عسر البول وينبغي أن تقطع العروق الداخلة.
قال جالينوس: هذا القول لا يكون صحيحاً حتّى يزاد فيه «قد» حتّى يكون على هذا المثال «فصد العرق قد يحلّ عسر البول». فإنّ فصد بالحقيقة قد يبرئ عسر البول إذا كان سببه ورم من الدم وكثرة الدم في البدن. وأمّا قوله «وينبغي أن تقطع العروق الداخلة» فإن كان إنّما قيل في العروق التي في اليدين، فليس هو بحقّ ولا موافق لقول أبقراط، لأنّا نرى بقراط في جميع كتبه إنّما يستخرج الدم فيما كان من العلل فيها فوق الكبد من عروق اليدين وفيما كان من العلل فيما هو أسفل من الكبد من العروق التي في باطن الركبتين ومن العروق التي على الكعاب.
فإن توهّم متوهّم أنّه عنى بقوله «وينبغي أن تقطع العروق الداخلة» العروق التي في الرجل من داخل فالفرق بين هذه العروق وبين الخارجة يسير. وذلك لأنّ الصنفين جميعاً إنّما ينبتان من عرق واحد وهو الذي في باطن الركبة بعد أن ينقسم ثلاثة أقسام من قبل أنّه إنّما ينحدر إلى الرجل عرق واحد لا عرقان مثل العرقين الذين نابتان اليد. فالأجود عندي أن يتوهّم هذا الفصل أيضاً أحد الفصول التي أدخلت في هذا الكتاب.
قال حنين: متى قيل «الداخل» فإنّما يعنى به الجانب الإنسي ومتى قيل «الخارج» فإنّما يعنى به الجانب الوحشي. فالعرق الداخل في اليد هو الذي يسمّى الباسليق لأنّ مجراه من الجانب الإنسي، وذلك أنّه إنّما ينحدر من الإبط. والعرق الخارج في اليد العرق الذي يسمّى القيفال لأنّ مجراه من الجانب الوحشي، وذلك أنّه إنّما ينحدر من الكتف. والعرق الداخل في الرجل هو الصافن لأنّه من الجانب الإنسي. والعرق الخارج في الرجل هو عرق النسا لأنّه من الجانب الوحشي. وأرى جالينوس يقلّل الفرق بين فصد العروق الداخلة والخارجة في الرجل وقوله في القياس من الوجه الذي ذهب إليه صحيح إلّا أنّا قد نجد بالتجربة أنّ صاحب وجع النسا قد ينتفع بفصد عرق النسا منفعة عظيمة وليس ينتفع بفصد الصافن كبير منفعة.
قال أبقراط: إذا ظهر الورم في الحلقوم من خارج فيمن اعترته الذبحة كان دليلاً محموداً.
قال جالينوس: هذا القول قول حقّ والعلّة فيه بيّنة إذ كان الأصلح أن ينتقل العلل من الأعضاء الباطنة التي هي أشرف إلى ما يلي الجلد.
قال أبقراط: إذا حدث بإنسان سرطان خفي فالأصلح أن لا يعالج، فإنّه إن عولج هلك وإن لم يعالج بقي زماناً طويلاً.
قال جالينوس: يعني بالسرطان الخفي إمّا الذي لا تكون معه منه قرحة وإمّا الذي لا يظهر أعني الذي هو باطن في عمق البدن. وقوله أيضاً «يعالج» يحتمل معنين أحدهما أن يفعل جميع ما ينبغي أن يفعل كيما يبرأ منه العضو الذي هو فيه ويعود إلى صحّته، والآخر أن يعني به العناية التي تصلح للعضو الذي فيه هذه العلّة أعني أن يسكن من عاديته ويجفّف من شره، ولا سيّما إذا كان مع قرحة. فإنّه يجب ضرورة عند ذلك وإن ترك فلم يعالج بشيء أن يغسل الصديد من تلك القرحة باستعمال رطوبة من الرطوبات، وليس ينبغي أن تكون تلك الرطوبة أيّ رطوبة كانت، لكن ينبغي أن تكون ممّا قد وجدنا بالتجربة أو بالقياس ليس من شأنه أن يعفن ولا يهيج العضو الذي فيه العلّة. وهذا العلاج لا ينبغي أن يترك متى كانت مع السرطان قرحة ولا يحتاج إليه السرطان إذا لم تكن معه قرحة.
قد نهوا عن قطع هذا أيضاً، ولم يأذنوا إلّا في قطع ما كان من السرطان معه قرحة يعظم أذاه على صاحبه، حتّى اشتهى قطعه وكان مع ذلك من الأعضاء فيما يمكن فيه قطع السرطان مع أصوله وكيه. فقد نهى قوم أيضاً عن علاج هذا بالقطع وأشاروا بأن يحذّر في كلّ سرطان كلّ علاج شديد. فأمّا أبقراط فما كان يشير بعلاج السرطان الباطن بالقطع ويدلّك على ذلك نفس طبيعة هذه العلّة . فأمّا ما كان من السرطان العارض في ظاهر البدن ليس معه قرحة فليس يتبيّن ممّا قاله في هذا الفصل هل ينهي عن علاجه بالقطع أم لا . وإرطاميدروس ودياسوقوريدوس وأشياعهما إنّما يكتبون هذا الفصل إلى قوله «والاصلح أن لا يعالج» ويسقطون ما بعد ذلك.
قال أبقراط: التشنّج يكون من الامتلاء ومن الاستفراغ، وكذلك الفواق.
قال جالينوس: التشنّج كما قد يدلّ اسمه إنّما يكون إذا انجذب وتقلّص العضل نحو رؤوسه. وأبين من هذا أن يقال إذا انجذب وتقلّص إلى فوق، وهذه الحركة هي حركته أيضاً في طبيعته، إلّا أنّ حركته في طبيعته لا تكون إلّا بإرادة من الحيوان. وأمّا التشنّج فهو حركة تحدث فيه عن غير إرادة تصير فيها الأجزاء العصبية منها إلى حال شبيهة بالحال التي كانت تصير إليها في الحركات الإرادية. وذلك أنّها تصير في حال الامتلاء كما تصير هذه الأوتار التي يتّخذها الناس إذا كان الهواء رطباً فقد يعرض لها كثيراً بسبب ما ينالها من ندى الهواء ورطوبته أن تنقطع. وكذلك يعرض لها إذا صار الهواء إلى الغاية من اليبس، لأنّ جميع الأجسام العصبية تجتمع أجزاؤها بعضها إلى بعض وتنقبض إذا أفرط عليها اليبس، مثل ما يصيب السيور إذا سخّنت عند النار مدّة طويلة. وما تسخّنه أيضاً منها الشمس الصيفية يعرض له شبيه بذلك. فقد وجب أن يكون حدوث التشنّج من الضدّين. وأمّا الفواق فقد يجوز أن يسمّى تشنّجاً حادثاً في المعدة والمريء في الكلام الذي ليس يقصد به إليه خاصّة.
ثمّ شرب بعده شراباً ممزوجاً بماء حارّ، عرض له على المكان الفواق، لأنّ سخونة ذلك الشراب توصل الفلفل إلى عمق جرم المعدة فيتأذّى بحرافته وتروم دفع الشيء المؤذي لها بحركة خفر واستكراه. وقد بيّنت في المقالات التي وصفت فيها أسباب الأعراض أنّ السعال أيضاً والعطاس والنافض هي من هذه الحركات.
قال أبقراط: من عرض له وجع فيما دون الشراسيف من غير ورم ثمّ حدثت به حمّى، حلّت ذلك الوجع عنه.
قال جالينوس: إنّ الوجع قد يكون من اللذع، إلّا أنّ الوجع الذي يكون منه ليس من عادتهم أن يسمّوه وجعاً وإنّما يسمّونه باسم اللذع والحرقة. وقد يكون الوجع من الورم الحارّ. وأعني بالورم الحارّ الذي يكون من الدم والذي يكون أيضاً من الصفراء الذي يدّعي الحمرة، فإنّ الوجع قد يلزم هذا الورم أيضاً.
فإذا حدث فيما دون الشراسيف وجع من غير ورم وليس معه حسّ لذع وحرقة، فقد بقي أن يكون ذلك الوجع إنّما حدث بسبب مزاج مفرط مختلف أو بسبب تمدّد أو بسبب ريح غليظة نافخة، ومن شأن حرارة الحمّى أن تشفي جميع هذه الأسباب، لأنّها تقطع وتذيب وتلطّف الفضل المولّد للسدد والريح الغليظة، ويصير المزاج المختلف إلى حال استواء.
قال أبقراط: إذا كان موضع من البدن قد تقيّح وليس يتبيّن تقيّحه فإنّما لا يتبيّن من قبل غلظ المدّة أو الموضع.
قال جالينوس: إنّ هذا الفصل يوجد مكتوباً على نسختين مختلفتين ويفسّر على وجهين مختلفين، وكلّ واحدة من النسختين والتفسيرين صواب. وذلك أنّه قد تخفى المدّة ويعسر تعرّفها من قبل غلظها ومن قبل غلظ الموضع الذي يحويها. فبالواجب كتب بعضهم
«فإنّما لا يتبيّن من قبل غلظ المدّة»، وكتب بعضهم «فإنّما لا يتبيّن من قبل غلظ الموضع». والأجود جمعهما جميعاً.
قال أبقراط: إذا كانت الكبد فيمن به يرقان صلبة فذلك دليل رديء.
قال جالينوس: ذلك من قبل أنّ صلابتها في تلك الحال تدلّ على أنّ فيها ورماً حارًّا أو ورماً جاسياً. فإن لم تكن مع اليرقان صلابة في الكبد فقد يمكن أن يكون حدوثه من سدّة عرضت فيها، ويمكن أن يكون من قبل أنّ الطبيعة دفعت خلطاً كان قد كثر في العروق إلى ناحية الجلد على طريق البحران.
قال أبقراط: إذا أصاب المطحول اختلاف دم فطال به حدث به استسقاء أو زلق الأمعاء وهلك.
قال جالينوس: كان ينبغي أن يقدّم قبل هذا الفصل الفصل الذي قال فيه «إذا حدث بالمطحول اختلاف دم فذلك محمود»، لكنّه وضع هذا الفصل فيما بعد من بعد أربع فصول بتوسّط بينهما. وأمّا أنا فقد يضطرّني الأمر أن أذكر معنى ذلك الفصل في تفسيري لهذا الفصل. فأقول إنّ أبقراط يقول إنّ المطحول، ويعني بالمطحول من كان في طحاله صلابة مزمنة. إذا حدث به اختلاف دم، أذهب عنه تلك الصلابة إذا كان ذلك الاختلاف إنّما كأنّ على طريق انتقال تلك الأخلاط الغليظة السوداويه التي كانت قد تنشّبت في جرم الطحال واستفراغها. لكن لمّا كان هذا الاستفراغ كثيراً ما يجاوز القدر فيتطاول فيضرّ بصاحبه كما وصف أبقراط فأحسن الأحوال التي يؤول إليها اختلاف الدم المفرط إذا دام بمن هذه حاله. وذلك أنّ مرور هذه الأخلاط الرديئة في الأمعاء ويضرّ بها ويهدّ قوّتها ويفسد اعتدال الحرارة الغريزية. ومن قبل ذلك يحدث زلق الأمعاء والاستسقاء. أمّا زلق الأمعاء فلمّا ينال الأمعاء خاصّة من الآفة والضرر، وأمّا الاستسقاء فلمشاركة الكبد وجنس العروق كلّه للأمعاء في العلّة.
قال أبقراط: من حدث به من تقطير البول القولنج المعروف بإيلاوس وتفسيره المستعاذ منه فإنّه يموت في سبعة أيّام إلّا أن تحدث به حمّى فيجري منه بول كثير.
قال جالينوس: إنّ في هذا الصنف من القولنج ليس ينفذ منه شيء إلى أسفل بتّة ولا يخرج شيء بتّة. وإن استعمل من الحقن أحدّ ما يكون ويحدث بصاحبه قيء رجيعه إذا كان ممّن قد أشفى على الهلاك. وقد اتّفق جميع الأطبّاء به إلّا الخطأ على أنّ هذه العلّة إنّما تكون إذا استدّ مجرى البراز إلى أسفل، وأنّها إنّما تكون في الأمعاء الدقاق لا في الغلاظ. وقد قال قوم كثير منهم أيضاً إنّها إنّما تكون من ورم أو من سدّة أو من رجيع يابس صلب وإمّامن أخلاط لزجة غليظة. وأمّا أنا فإنّي أرى أنّ الورم من جنس الأورام الحارّة كان أو من جنس الأورام الصلبة أو من جنس الدبيلات قد يحدث هذا الضيق الذي لا ينفذ معه شيء بتّة إلى أسفل. ولا أجد نفسي تقبل أنّ هذا الضيق كلّه يكون من رطوبات غليظة لزجة. وأنا أسامحك في هذا فأقول إنّه يكون أو غيره إن قالوا إنّ هذه العلّة تحدث بسببه سوى شيء واحد، قد توهّمه جميع من فسّر كتاب الفصول إلّا الخطأ،
فإنّي لا أدري هل هذا الفصل لأبقراط أو لغيره. فالأجود أن يجعل السبب في هذه الأعراض التي ذكرت كثرة أخلاط غليظة نيّة مع برد شديد. فإنّ الأمر إذا كان كذلك، كان البرء من هذه العلّة بالحمّى وكان استفراغ البول على ما وصف. فإنّه على هذا يجري الأمر بالحقيقة أن تكون تلك الأخلاط إذا أنضجت جرى من البول شيء غليظ كثير بغتة.
قال أبقراط: إذا مضى بالقرحة حول أو مدّة أطول من ذلك، وجب ضرورة أن يتبيّن منها عظم وأن يكون موضع الأثر بعد اندماله غائراً.
قال جالينوس: القروح التي تطول مدّتها إمّا أن لا تندمل بتّة وإمّا إن اندملت انتقضت من غير أن يكون الأطبّاء يخطّون في علاجها، وإنّما يعسر برءها ضرورة إمّا لأنّه تجري إليها رطوبات رديئة وإمّا لأنّه قد صارت في العضو الذي هي فيه
في القروح. وبيّنته أنا في المقالة الثالثة من كتابي في حيلة البرء، وهو أنّ جميع القروح تحتاج إلى أن تجفّف وخاصّة ما كان فيها عظم فاسد. والحدّ الذي ينبغي أن ينتهي إليه التجفيف هو أن يتبيّن ما فسد من العظم، ويجب أن يكون لموضع أثر القرحة بعد اندمالها من الغور بحسب ما للجزء الذي يأتي من الثخن.
قال أبقراط: من أصابته حدبة من ربو أو سعال قبل أن ينبت له الشعر في العانة فإنّه يهلك.
قال جالينوس: قد خبّر أبقراط كيف تكون الحدبة في كتابه في
والناس اليوم أيضاً يجرون هذا الاسم هذا المجرى. وذلك أنّهم يسمّون النفس المتواتر الذي يعرض لمن يحضر أو يرتاض رياضة قوية ربواً. وقد سمّى باسم الربو قوم ممّن جاء بعد أبقراط علّة مزمنة تحدث في الصدر، وبعضهم سمّاها باسم يدلّ على أنّ نفس صاحبها إنّما يكون وهو منتصب، وهذه العلّة تكون إذا ما لم تكن بصاحبها حمّى وكان نفسه دائماً من الرداءة على هذه الحال.
قال أبقراط: من احتاج إلى الفصد أو شرب الدواء فينبغي أن يسقى الدواء أو يفصد في الربيع.
قال جالينوس: إنّ من البيّن أنّ كلام أبقراط في هذا الفصل فيمن كان صحيح البدن بعد، إلّا أنّه إن لم يسفرغ بدنه مرض. فإنّ من كانت هذه حاله فينبغي أن يبادر باستفراغه إذا دخل الربيع إمّا بفصد إن كان ما يصيبه من الأمراض من جنس ما يحدث منها من الامتلاء وإمّا بالإسهال والقيء إن كان ما يصيبه من الأمراض من جنس ما يكون من الفساد. فقد حفظنا أبدان قوم كثير بهذا الطريق حتّى لم يعرض لهم مرض بتّة منذ سنين كثيرة وقد كانوا فيما قبل ذلك يمرضون في كلّ سنة. وقد صادفنا قوماً قد ابتدأ ببعضهم النقرس وببعضهم وجع المفاصل ولم يكن قوياً حتّى يحدث تحجّراً في المفاصل فتداركناهم بهذا الطريق من الاستفراغ فحسمنا عنهم حدوث تلك العلل بهم منذ سنين كثيرة.
وأمّا أوجاع المفاصل فما كان معه منها حرارة شديدة فتحتاج إلى نفض الأخلاط التي من جنس الصفراء، وما كان منها مع أورام باردة فتحتاج إلى نفض الأخلاط البلغمية. وأعرف رجلاً كان لا يخلو في كلّ صيفه من أن تعرض له حمّى الغبّ فمنذ تولّيت أمره وقد مضى لذلك سنون كثيرة لم يحمّ. وذلك أنّي أبادر فأنفض بدنه من الصفراء في آخر الربيع. فإنّ الأجود لأصحاب هذه الحال أن تستفرغ أبدانهم من الصفراء في ذلك الوقت. فأمّا أصحاب الصرع والفالج وأوجاع المفاصل والوسواس السوداوي وغيرهم ممّن مرضه من أخلاط غليظة فإنّما ينبغي أن يستفرغ في أوّل الربيع، وقد أفردت لصفة هذه الأشياء كلّها كتاباً مفرداً جعلت عنوانه فيمن يحتاج في وقت الربيع إلى استفراغ. وذلك العلم هو جزء من كلّية علم تدبير الأصحّاء.
قال أبقراط: إذا حدث بالمطحول اختلاف دم فهو محمود.
قال جالينوس: قد فسّرت هذا الفصل قبيل في تفسيري لفصل تقدّم وهو الذي قال فيه
«إذا أصاب المطحول اختلاف دم فطال به حدث به استسقاء أو زلق الأمعاء وهلك». فليس يحتاج منّي في هذا الفصل الذي وصفته إلى تفسير ثان.
قال أبقراط: ما كان من الأمراض من طريق النقرس وكان معه ورم فإنّ ورمه يسكن في أربعين يوماً.
قال جالينوس: إنّ ورم أصحاب النقرس يكون من فضل ينحدر إلى مفاصل القدمين. وأوّل ما يقبل ذلك الفضل إلى مواضع المفاصل، ثمّ جميع ما حول ذلك إلى الجلد. وإذ كان ذلك الفضل يملأ مواضع المفاصل، فيجب ضرورة أن تتمدّد الرباطات التي تحيط بتلك المفاصل من خارج. فأمّا العصب والأوتار فلا يشبه أن تكون ترم في صاحب النقرس، وإنّما يحدث فيها الوجع يتمدّدها مع المفاصل فقط.
وذلك أنّ من الوجه الذي من قبله صارت لا تكاد تقبل في جرمها شيئاً من الرطوبة الخارجة عنها إلّا بعسر وهو أنّ هذه الأعضاء ملزّزة كثيفة صلبة من ذلك الوجه بعينه لا يكاد يجري ويتحلّل منها شيء إلّا بعسر. وبهذا السبب جعل أبقراط الحدّ في تحلّل أورام أصحاب النقرس وانقضائه التامّ لا اليوم الرابع عشر بل يوم الأربعين، لأنّ الرطوبات التي في المفاصل تحتاج أن تتحلّل حتّى تصير بخاراً وينفذ في الرباطات المحيطة بالمفاصل حتّى يستفرغ. وكذلك ما قد داخل من تلك الرطوبات جرم تلك الرباطات. وقد ذكر أبقراط يوم الأربعين في كتاب تقدمة المعرفة ووصف أنّ فيه يكون بحران ما ليس هو داخلاً بالحقيقة في عداد الأمراض المزمنة، وقد جاوز حدّ الأمراض الحادّة. وقد شرحت أمر جميع هذه الأشياء غاية الشرح في كتابي في أيّام البحران.
قال أبقراط: من حدث به في دماغه قطع فلا بدّ من أن تحدث به حمّى وقيء مرار.
قال جالينوس: أمّا الحمّى فتعرض عند حدوث القطع في الدماغ بالطريق العامّ الذي من قبله صار كلّ عضو رئيس متى حدث فيه ورم حارّ تبعت ذلك الحمّى. وأمّا قيء المرار فيحدث بمشاركة المعدة وخاصّة فمها للدماغ في العلّة للاشتراك الذي بينهما في العصب. وذلك أنّه يتّصل بفم المعدة من الدماغ عصبتان عظيمتان. ومن شأن المرار أن يتحلّب إلى المعدة من غير هذا السبب عند الأوجاع الشديدة أو الاغتمام الشديد، وأحرى أن يكون ذلك إذا ضعفت المعدة. فإنّ الأعضاء التي تضعف تنصبّ إليها فضول الأعضاء المجاورة لها وخاصّة ما كان منها رقيقاً مثل المرار والرطوبة المائية وقد تخالط هذه الرطوبة المائية كثيراً المرار الذي يتقيّأ، ولا يكاد يرى مراراً صحيحاً صرفاً يتقيّأ ليس تخالطه رطوبة مائية. وقد يرى أيضاً الصحيح إذا أبطأ عن الطعام أبطأ كثيراً وخاصّة إن كان الغالب عليه في طبيعته المرار ينصبّ إلى معدته المرار. ويدلّك على ذلك ما يعرض له فيها من اللذع وما يتقيّأه إن تقيّأ.
وليس متى وقعت الجراحة في الدماغ فقط يعرض قيء المرار، لكنّه قد يعرض ذلك أيضاً إذا وقعت الجراحة بالغشاء الصلب المحيط بالدماغ. وذلك أنّه لما إن كان هذا الغشاء يتّصل بالدماغ في مواضع كثيرة كانت العلل التي تحدث فيه تسرع إلى الدماغ. وأمّا أصحاب أراسسطراطس فإذ كانوا يقولون إنّ أصل نبات العصب من غشائي الدماغ فإنّهم يقولون متى وقعت الجراحة بالغشاء الصلب وحده فإنّ هذه الأعراض إنّما تحدث من قبل نفس طبيعة ذلك الغشاء. ومتى كانت الجراحة قد وصلت إلى الدماغ فإنّهم يقولون إنّ تلك الأعراض إنّما تحدث من قبل أنّ الجراحة قد وقعت بالغشائين جميعاً قبل أن تصل إلى الدماغ. وإنّما قلت إنّ أصحاب أراسسطراطس يقولون هذا القول، ولم أقل إنّ أراسسطراطس يقوله، من قبل أنّي وجدت أراسسطراطس في وقت قد كان بلغ فيه سنّ المشائخ وهو الوقت الذي يذكر أصحابه أنّه وضع فيه كتبه في التشريح قد حكم بأنّ الدماغ أصل العصب ومبتدئه. وقد وصفت هذه الأشياء بشرح أكثر من هذا في كتابي في علم أبقراط بالتشريح.
قال أبقراط: من حدث به وهو صحيح وجع بغتة في رأسه ثمّ أسكت على المكان وعرض له غطيط فإنّه يهلك في سبعة أيّام إن لم تحدث به حمّى.
قال جالينوس: إنّ من عادة أبقراط إذا قال أسكت أو سكات أن لا يكون قصده إنّما هو آفة حدثت بالصوت فقط أو بالكلام لكنّه يريد أن يفهم عنه بذكره الآفة الحادثة لأشرف الأفعال الإرادية الآفة الحادثة بجميعها. وربّما كانت تلك الأفعال قد نزلت بها الآفة والحسّ لم يبطل. فقد قال أبقراط في بعض أقاويله إنّه يعرض لبعض الناس أن يسكتوا وهم يحسّون، وربما كانت الآفة قد نزلت بهما جميعاً، أعني بالأفعال الإرادية والحسّ، وتسمّى تلك العلّة السكتة. والسكتة ضربان منهما ضعيفة ومنهما قوية. ولذلك قال أبقراط إنّ السكتة إن كانت قوية لم يمكن أن يبرأ صاحبها منها، وإن كانت ضعيفة لم يسهل أن يبرأ. وكأنّه قد ذكر في هذا الفصل علامة تدلّ على السكتة القوية وهي الغطيط الذي يعرض للمستثقل
وليس تحتمل الأعضاء الشريفة الأمراض التي تجمع الصعوبة والطول كما بيّنّا مراراً كثيرة.
قال أبقراط: قد ينبغي أن يتفقّد باطن العين في وقت النوم فإن تبيّن شيء من بياض العين الجفن مطبق وليس ذلك بعقب اختلاف ولا شرب دواء فتلك علامة رديئة مهلكة جدًّا.
قال جالينوس: إنّما يظهر شيء من بياض العين إذا لم ينطبق انطباقاً محكماً، وذلك يكون لأحد وجهين إمّا ليبس في الأجفان وإمّا لضعف من القوّة المحركة لهما. فلذلك عند الذرب وعند شرب الدواء يعني شرب الدواء المسهل يظهر من بياض العينين شيء في وقت النوم. وذلك أنّ الأبدان تجفّ وتضعف القوة التي فيها عند أشباه هذه الأشياء من الاستفراغ.
واليبس يظهر في الأجفان أكثر ممّا يظهر في غيرها لأنّها في طبيعتها يابسة. فكما أنّ الجلد المدبوغ إذا جفّ عسر تمديده كذلك الحال في هذه الأعضاء. وليس يشكّ أحد أيضاً أنّ القوّة إذا كلّت وضعفت، لم يمكن الإنسان أن يطبق عينيه وليس العينين فقط لكنّ الفم أيضاً، ولذلك ينام المريض الذي تلك حاله وفمه مفتوح، وذلك بيّن لمن قصد النظر في طبيعة هذا الشيء وتدبّره.
قال بقراط: ما كان من اختلاط العقل مع ضحك فهو أسلم وما كان منه مع همّ وحزن فهو أشدّ خطراً.
قال جالينوس: ليس من اختلاط العقل شيء سليم، إلّا أنّ الاختلاط الذي يكون معه ضحك أقّل خطراً كما أنّ الاختلاط الذي يكون معه إقدام وتقحّم أشدّ خطراً كما قال أبقراط في موضع آخر أشدّ الاختلاط كلّه خطراً. فأمّا الاختلاط الذي يكون معه همّ وحزن فهو متوسّط بينهما. وجميع أصناف الاختلاط يكون من علّة في الدماغ كانت العلّة منه ابتداء أو كانت بمشاركته لعضو آخر، إلّا أنّه يخالف بعضها بعضاً
بالعلل الفاعلة لكلّ واحد منها. فإنّ الاختلاط الذي يكون من حرارة فقط من غير خلط رديء فهو شبيه بالاختلاط الذي يكون من شرب النبيذ. والاختلاط الذي يكون من المرّة الصفراء يكون معه همّ وحزن. فإذا تزيّدت الصفراء احتراقاً حتّى تميل الى السوداء، مال الاختلاط إلى طريق الجنون. وقد ينبغي أن يكون ما لخّصناه من أمر المرّة السوداء في غير هذا الكتاب لذكرك حاضراً وهو أنّ منها ما يكون من احتراق المرّة الصفراء وهي أصعبها من جميع الوجوه، ومنها ما يكون من عكر الدم وما هو منه بمنزلة الدردي. وهذا الصنف منها أغلظ في قوامه من الصنف الأوّل وأقلّ كثيراً منه في رداءة كيفيته. وقد قلنا أيضاً إنّ هذا الصنف من السوداء الذي هو بمنزلة عكر الدم وثفله ودرديه إن استعملنا الأسماء على حقائقها، لم نسمّه مرّة سوداء لكنّا نسمّيها خلطاً سوداوياً. فأمّا على طريق الاستعارة فإنّا ربّما سمّيناه مرّة سوداء لأنّه عن قليل سيصير مرّة سوداء إن لم يبادر فيستفرغه.
قال أبقراط: نفس البكاء في الأمراض الحادّة التي معها حمّى دليل رديء.
قال جالينوس: قد يرى الصبيان كثيراً في وقت بكائهم ينقطع عليهم إدخال الهواء في النفس حتّى يقف في الصدر وقفة في وسط منه ثمّ يتمّ ما بقي عليه منه. وقد وصف أبقراط هذا النفس في كتاب أبيديميا بأن قال إنّ نفساً يتضاعف رجوعه إلى داخل كأنّه يكون استنشاقاً بعد استنشاق، وذلك ربّما كان من كلال القوّة وضعفها، وربّما كان من صلابة الآلات، وربّما كان من اجتماع الشيئين، وربّما كان من حال قريبة من التشنّج يكون في عضل الصدر. فإنّ القوّة الضعيفة إذا عجزت عن أن يتبسّط الصدر في مرّة واحدة المقدار من البسط الذي يحتاج إليه الحيوان، وقفت وقفة في حال فعلها حتّى تستريح أوّلاً، ثمّ تعود. فتكون الآلة الصلبة لا تواتي القوّة التي تبسطها بسلاسة فترتعد في انبساطها قسراً. وأمّا الحال القريبة من التشنّج
فليست بي حاجة إلى أن أصف أنّها تفعل هذا النفس. وإذا غلب البرد على عضل الصدر أو على عصبه، حدث في تلك الآلات صلابة وحركة من جنس حركة التشنّج ومن شأن الحمّى وكلّ علاج يسخن أن يبرأ تلك الحال. فإذا كان مع هذا العارض حمّى فليس يمكن أن يكون السبب فيه غلبة البرد على عضل الصدر أو عصبه، ولا يخلو عند ذلك حدوثه من أن يكون إمّا من صلابة حدثت بسبب يبس وإمّا من ضعف القوّة وإمّا من حال قريبة من التشنّج. وأيّ هذه الأسباب كان سببه فليس يحمد أن يعرض في مرض حادّ. فإن كان أبقراط إنّما عنى بقوله «نفس البكاء» هذه الحركة التي وصفنا من حركة آلات التنفّس، فقد فرغت من تفسير ما قال. وإن كان أراد به أن يكون مع هذا النفس الذي ذكره صوت شبيه بصوت الباكي، فهو يدلّ مع دلالته على الأسباب التي ذكرنا على حال موجعة مؤلّمة يكون التنفّس معها من صاحبه وهو كأنّه يأمن أو يتنفّس الصعداء أو يكون منه صوت مركّب منهما.
قال أبقراط: علل النقرس تتحرّك في الربيع وفي الخريف على الأمر الأكثر.
قال جالينوس: علل النقرس وجميع علل المفاصل أكثر ما يتزيّد في الربيع، ولذلك ذكر أبقراط فيما تقدّم من تعديده الأمراض الربيعية أوجاع المفاصل، وبيّن أنّ النقرس يدخل في عداد أوجاع المفاصل. وربّما هاجت في الخريف فيمن تجتمع فيه في الصيف في وقت الفواكه خلط رديء. وقد بيّنت في كتابي في القوى الطبيعية أنّ لكلّ واحد من الأعضاء قوى طبيعية إحداها القوّة الدافعة للشيء المؤذي. والشيء المؤذي ربّما كان أذاه من قبل أنّه يكون كثيراً فيثقل، وربّما كان أذاه بأنّ كيفيته تكون مخالفة منافرة للشيء الذي يؤذيه. فالأمراض المزمنة تهيج في الربيع فيمن كان تدبيره في الشتاء تدبيراً رديئاً من قبل هذين الوجهين جميعاً. وذلك أنّ الأخلاط تذوب في الربيع،
ثمّ تدفع على المواضع الضعيفة من المواضع التي هي أقوى منها وتهيج في الخريف لأحد السببين فقط.
قال أبقراط: الأمراض السوداوية يخاف منها أن تؤول إلى السكتة والفالج أو إلى التشنّج أو إلى الجنون أو إلى العمى.
قال جالينوس: السكتة والفالج والتشنّج والعمى قد تكون من الخلط البلغمي ومن الخلط السوداوي، لأنّ الشيء الذي يعرض منها فيهما عامّ. وأمّا أمر الجنون فليس يعمّهما. وذلك أنّ هذه العلّة لا تكون في حال من الأحوال من الخلط البلغمي، لأنّها تحتاج في تولّدها إلى أن يكون الخلط المحدث لها خلطاً مهيّجاً لذاعاً. والمرّة الصرفاء دائماً على هذه من الحال. وأمّا الخلط السوداوي فليس هو على هذه الحال دائماً، إلّا أنّه إن احترق احتراقاً كثيراً أو عفن صارت له أيضاً حدّة خبيثة.
قال أبقراط: السكتة والفالج يحدثان خاصّة لمن كان سنّه فيما بين الأربعين سنة والستّين.
قال جالينوس: ليس كلّ سكتة ولا كلّ فالج إنّما يحدث خاصّة في أصحاب السنّ التي وصفها لكنّ السكتة والفالج اللذان ذكرهما فقط وهما اللذان يحدثان من المرّة السوداء، لأنّ المرّة السوداء تغلب خاصّة على أصحاب تلك السنّ، كما تغلب وتكثر في الخريف. فأمّا على الحكم المطلق فالمشايخ الذين قد جاوزوا السنّ الذي وصف يعرض لهم السكتة والفالج أكثر. فينبغي أن يوصل هذا القول بالقول الذي تقدّم حتّى يكون صحيحاً صادقاً فيكون كأنّه قال إنّ الأمراض السوداوية يخاف منها أن تؤول إلى السكتة والفالج الذين يحدثان خاصّة بمن كان سنة فيما بين الأربعين والستّين.
قال أبقراط :إذا بدأ الثرب فهو لا محالة يعفن.
قال جالينوس: قد يظنّ بهذا الفصل لشدّة إيجازه أنّه باطل من لم يفهمه على ما ينبغي. فإنّ الذي قصد إليه فيه أبقراط هو ما أصف أنّ الثرب وهو الغشاء المبسوط على المعدة وما دونها إذا بدأ يعني إذا ظهر وخرج من الغشاء الآخر الممدود على البطن كلّه ثمّ لبث فضل لبث فليس يمكن إذا أدخل أن يبقى صحيحاً سليماً، كما قد يمكن أن يكون ذلك في غيره إذا خرج مثل الأمعاء أو الطرف من أطراف الكبد. فإنّ هذه إن لم تبق خارجاً مدّة طويلة حتّى يبرد برداً شديداً فإنّها تعود إلى مزاجها الأوّل بعد اندمال الخرق الذي كان حدث في البطن. فأمّا الثرب فإنّه وإن كان لبثه خارجاً أدنى مدّة تكون فإنّه إذا أدخل عفن، ولذلك قد يقطع الأطبّاء ما يبؤوا منه. فهذا هو معنى هذا الفصل وإن كان لم يحدّد لفظه غاية التحديد. فإن قال قائل إنّه قد يرى في حال من الأحوال الثرب قد بدأ ثمّ لم يلبث إن أدخل فلم يعفن، فهو وإن بطل دوام صحّة حكم بقراط بما حكم به في هذا فليس يبطل أنّ حكمه بما حكم به يصحّ في أكثر الحالات، ويصير يعمّ هذا الفصل أمر قد نجده في أقاويل كثيرة قالها أبقراط يدلّ
في مخرج الكلام على أنّ الحكم بما حكم به فيها يصحّ دائماً. وليس الأمر كذلك لكن قد يعرض في الندرة أن يكون الأمر على خلاف ما وصف.
قال أبقراط: من كان به وجع عرق النساء وكان وركه ينخلع ثمّ يعود فإنّه قد حدثت فيه رطوبة مخاطية.
قال جالينوس: كثيراً ما يجتمع في المفاصل كيموس بلغمي وهو الذي سمّاه رطوبة مخاطية فتبتّل به رطوبات تلك المفاصل فتسترخي، ولذلك يخرج العظم من النقرة المركّب فيها خروجاً سهلاً سريعاً ويرجع إليها أيضاً رجوعاً سهلاً. وهذا هو الأمر الذي ذكره أبقراط في هذا الفصل أنّه يعرض لمن هذه حاله من أصحاب أوجاع الورك. وينبغي أن يفهم عنه من قوله أنّ الورك ينخلع لا نفس الورك لكنّ عظم الفخذ المركّب فيه كما قال في كتاب المفاصل. أمّا مفصل الكتف فلا أعلمه ينخلع إلّا على جهة واحدة، وإنّما عنى أنّ عظم العضد المركّب في الكتف إنّما ينخلع على جهة واحدة.
قال أبقراط: من اعتراه وجع في الورك مزمن وكان وركه ينخلع فإنّ رجله كلّها تضمر وتعرج إن لم تكو.
قال جالينوس: ليس ينبغي أن يعزل هذا الفصل عن الفصل الذي قبله، لكنّه ينبغي أن يقرن به حتّى يكون قولاً واحداً، ويفهم على هذا الوجه الذي أصف، وهو أنّه يريد أن يقول إنّ صاحب وجع النساء الذي يعرض له من قبل كثرة الرطوبة البلغمية في الورك أن ينخلع فخذه ثمّ يعود إلى موضعه فرجله كلّها لا محالة على طول المدّة تضمر وتنتقص إن لم نبادر فنجفّف تلك الرطوبة بالكيّ. وقد أمر أبقراط في كتاب المفاصل أن يفعل ذلك بالعضد إذا كان ينخلع كثيراً. ومعناه فيما قاله من هذا في ذلك الكتاب وفي هذا الفصل معنى واحد. وذلك أنّه أمر في هذا الفصل بأن يكوى مفصل الورك كما خبّر في كتاب المفاصل كيما تنفذ تلك الرطوبة البلغمية وتشتدّ بالكي رخاوة الجلد في الموضع الذي يقبل ذلك المفصل إذا انخلع فتحصره وتمنعه من النقلة عن موضعه.
فإنّ مفصل الورك إذا لبث مدّة طويلة وهو منخلع من قبل كثرة الرطوبة البلغمية حدثت من قبل ذلك عرجة لا محالة. ويتبع ذلك ضرورة أن لا يغتذي الرجل على ما ينبغي فتضمر وتنتقص ، كما يعرض لسائر الأعضاء التي تعدم حركاتها الطبيعية.
تمّت المقالة السادسة من تفسير جالينوس لفصول ابقراط.
[E5] تحمد اللّه وعونه وتأييده. تتلوه في المقالة السابع قال جالينوس إنّ جميع من سبقني إلى تفسير الفصول ابتدؤوا في أوّل الأمر بتطويل.
[P1] والحمد للّه كثيراً على تعمير وإحسانه.
بسم اللّه الرحمن الرحيم توكّلت على اللّه تعالى
المقالة السابعة من تفسير جالينوس لفصول أبقراط
قال جالينوس: إنّ جميع من سبقني إلى تفسير الفصول ابتدؤوا في أوّل الأمر بتطويل فاضل عمّا يحتاج إليه ثمّ إنّهم جعلوا كلّما أمعنوا في الكتاب تراخوا ونقصوا من الكلام إلى أن اقتصروا أوّلاً على ذكر ما يحتاج إليه ثمّ قصروا دون ذلك فلم يبلغوا إلى آخر الكتاب إلّا وقد بلغ بهم الأمر في حذف ما يحتاج إليه في التفسير إلى أن لا يقفوا على أنّ بعض الفصول التي يفسّرونها ليست لأبقراط والباطل فيها صراح.
وعرض لهم ما تراه يعرض لأصحاب الجدل إذا ملّوا وكلّوا فإنّهم عند ذلك يسامحون في جميع ما يقال لهم، وكذلك أولائك المفسّرون جعلوا يقبلون كلّ فصل يجدونه مكتوباً في هذا الكتاب وبلغوا من الإيجاز والإقلال من الكلام الغاية القصوى ونسوا ما افتتحوا به تفسيرهم من التطويل والإطناب. وأمّا أنا فقد التمست الحذر والتحفّظ من جميع الوجوه التي لزم تفسيرهم بها القبح والشناعة وحرصت أن أجعل تفسيري لجميع الفصول متساوياً وقصدت فيه قصد المعاني التي تجمع الصحّة والمنفعة في هذه الصناعة وتجنّبت من الإيجاز في العبارة الغاية القصوى منه، فإنّ ذلك لا يليق بالتفسير وإنّما يليق بالقصص ومن الإطناب والتطويل ما استعمله أولائك المفسّرون في أوائل تفسيرهم. وحرصت أن ألزم منذ أوّل تفسيري إلى آخره أفضل المقادير في جميع الكلام وهو المقدار المعتدل في كلّ غرض من الأغراض.
قال أبقراط: برد الأطراف في الأمراض الحادّة دليل رديء.
قال جالينوس: أمّا في الأمراض المزمنة وخاصّة ما كان ليس معه منها حمّى في الشتاء وفي المشائخ فليس ينكر أن تبرد أطراف البدن أعني الأنف والأذنين والقدمين والكفّين. وأمّا في الأمراض الحادّة فليس البليه في ذلك يسيرة لكنّ هذا العرض فيها عرض خبيث قتّال. وذلك أنّه إنّما يلزم بسبب أورام عظيمة قوية تكون في الأحشاء. وقد قال أبقراط إنّ الأمراض الحادّة هي التي تكون الحمّى فيها في أكثر الحالات مطبقة دائمة. فإذا كانت هذه الأمراض ولم يكن معها ورم عظيم فليس أنّ الأطراف لا تبدر فقط لكنّها تلتهب وتحترق. فأمّا متى كانت حرارة الورم تبلغ من قوّتها أن تجتذب إليها بمنزلة الحجمة الدم من البدن كلّه، كانت الأحشاء من صاجب هذه الحال تلتهب وتحترق وأطرافه باردة لنقصان الدم فيها إذ كان قد خلا عنها وصار إلى الأحشاء، وأكثر أصحاب هذه الحال لا يحتمل أن يلقى عليه ثوب لما يجد في أحشائه من التلهّب والاحتراق.
قال أبقراط: إذا كانت في العظم علّة وكان لون اللحم عنها كمداً فذلك دليل رديء.
قال جالينوس: ذلك لأنّ هذا النوع من اللون ليس يكون عند الآفة اليسيرة تحدث بالعظم لكنّه إنّما يكون من عفونة قوية فتحدث عند ذلك في اللحم الذي حول العظم هذا اللون إذا خمدت وطفئت الحرارة الغريزية التي فيه.
قال أبقراط: حدوث الفواق وحمرة العينين بعد القيء دليل رديء.
قال جالينوس: إنّ حال الفواق من المعدة كحال التشنّج من العضل ويكون ما رطوبات تؤذيها، وربّما كانت تلك الرطوبات تؤذيها كلّها، وفي أكثر الأمر إنّما يكون أذاها في فمها وفي المريء. فإذا دفعت المعدة تلك الرطوبات وقذفتها بالقيء سكن عنها الفواق على المكان. فإذا ما لم يسكن ذلك عنها بالقيء دلّ ذلك على أحد أمرين إمّا على أنّ أصل العصب وهو الدماغ قد حدث فيه ورم ليس باليسير وإمّا على أنّ ذلك حدث في المعدة.
وحمرة العينين تلزم في الحالين جميعاً إلّا أنّها بأورام الدماغ الحارّة أولى.
قال أبقراط: إذا حدث بعد العرق إقشعرار فليس ذلك بدليل محمود.
قال جالينوس: قد قال أبقراط إنّ أعراض البحران إذا ما لم يكن بها بحران ربّما دلّت على الموت وربّما دلّت على أنّ البحران يعسر لأنّ الطبيعة تخور في هذه الأحوال وتنهزم من المرض.
قال أبقراط: إذا حدث بعد الجنون اختلاف الدم أو استسقاء أو حيرة فذلك دليل محمود.
قال جالينوس: أمّا اختلاف الدم والاستسقاء فلا يمكن أن يكون بهما البرء من الجنون على طريق انتقال الشيء المؤذي من الرأس إلى أسفل.
وأمّا الحيرة فيبلغ من بعدها أن يكون بها ذهاب الجنون أن يكون أولى أن تنسب إلى الزيادة فيه. وأنا أقول إنّه إن صحّ أنّ أبقراط إنّما عنى بالحيرة الجنون الدائم القوي، فقد رأينا من كان به جنون يسير فاشتدّ وقوي ودام وكان بذلك سكونه وفكّرت في أمره فوجدت أنّ السبب كان في برئه شدّة حركة تلك الأسباب التي كانت أحدثت له الجنون، كما قد نرى في الأمراض الحادّة أنّه إذا حدثت فيها أعراض قوية فكثيراً ما تجلب بحراناً محموداً.
قال أبقراط: ذهاب الشهوة في المرض المزمن والبراز الصرف دليل رديء.
قال جالينوس: ذهاب الشهوة على حدته هو دليل رديء في الأمراض المزمنة. وذلك أنّ الذي يسلم من هذه الأمراض يعرض له ضدّ ذلك أعني أنّ شهوته للطعام تكون أقوى، فذهاب الشهوة وحده ليس بدليل محمود. فإذا كان مع ذلك البراز رديئاً
فأحرى أن يكون أردأ. وعنى بالبراز الصرف الذي لا يخالطه شيء من الرطوبة المائية وإنّما يخرج فيه ذلك الداء الذي في البدن فقط كان من جنس الصفراء أو من جنس السوداء أو من جنس المرار الأخضر الذي لونه لون الكرّاث والزنجاري، فإن كلّ براز يكون على هذه من الحال فهو يدلّ على أنّ الرطوبة الطبيعية كلّها قد احترقت من حرارة الحمّى.
قال أبقراط: إذا حدث من كثرة الشرب إقشعرار واختلاط ذهن فذلك دليل رديء.
قال جالينوس: ليس يشكّ أحد أنّه إنّما عنى بكثرة الشرب شرب الشراب الكثير لا شرب الماء الكثير. وقد يعرض لقوم من ذلك اختلاط في الذهن إذا امتلأ الرأس دماً وريحاً حارّين. ولذلك توجد الحرارة فيهم أكثر وبخاصّة في الرأس، ويوجد أيضاً البدن كلّه على شبيه بذلك. ولا يكاد يعرض مع اختلاط الذهن الإقشعرار والبرد إلّا لقليل من أصحاب هذه الحال، والذين يعرض لهم ذلك هم الذين لا تشتغل حرارتهم الغريزية من الشراب،
لكنّها تخمد وتطفأ من قبل كثرته عليها، كما يعرض للنار إذا ألقي عليها حطب كثير وللسراج إذا صبّ فيه زيت كثير دفعة.
قال أبقراط: إذا انفجر خراج إلى داخل حدث عن ذلك سقوط قوّة وقيء وذبول نفس.
قال جالينوس: يعني بالخراج الدبيلة ومن عادته أيضاً أن يسمّيه في مواضع كثيرة تقيّحاً، وعنى بانفجاره إلى داخل انفجاره إلى المعدة. فإنّه إنّما يكون القيء إذا كان انفجاره إليها. فأمّا انفجار المدّة إلى الصدر والرئة فليس يحدث قيئاً، لكنّه يحدث ضرورة سعالاً، وربّما أحدث اختناقاً، وانفجار الدبيلة إلى الأمعاء يحدث اختلاف المدّة. ويعمّ كلّ انفجار سقوط القوّة وذبول النفس والغشي بخروج الروح الحيواني، كما بيّنت في غير هذا الموضع.
قال أبقراط: إذا حدث بعد سيلان الدم اختلاط في الذهن أو تشنّج فذلك دليل رديء.
قال جالينوس: هذا الفصل ينفعنا منفعة عظيمة في أن نصدق أنّه قد يكون اختلاط الذهن من النقصان ومن الخواء على الطريق الذي يعرض له الرعدة لليدين والرجلين. فإنّ اليدين والرجلين تعدمان في تلك الحال الثبات والتمكّن في حركتهما لضعف القوّة المحرّكة لهما، والدماغ أيضاً تضطرب حركاته على ذلك الطريق. ولذلك ليس يكون في حال من الأحوال هذا النوع من الاختلاط قوياً، لكنّه يكون ضعيفاً شبيهاً بالهذيان، فإنّ من عادة أبقراط أن يسمّي اختلاط الذهن الضعيف هذياناً. فإن اجتمع مع هذا الاختلاط تشنّج فليس يبرأ صاحبها بتّة. وفي بعض النسخ يوجد «اختلاط في الذهن وتشنّج»، وفي بعضها «اختلاط في الذهن أو تشنّج»، والمعنى على حسب ما في هذه النسخة أنّ اختلاط الذهن من بعد سيلان الدم ليس هو بدليل محمود، وإن كان وحده. وأكثر منه في الرداءة كثيراً التشنّج، وإن كان ليس معه اختلاط الذهن، والبلية العظمى
إذا اجتمعا جميعاً، إذ كان التشنّج وحده الذي يكون بسبب استفراغ مفرط رديئاً جدّاً قتّالاً. وأمّا اختلاط الذهن فهو أقلّ رداءة منه.
قال أبقراط: إذا حدث عن القولنج المستعاذ منه قيء أو فواق واختلاط ذهن وتشنّج فذلك دليل سوء.
قال جالينوس: في هذا الصنف من القولنج لا ينحدر شيء من أسفل بتّة وهذه هي خاصّة هذه العلّة اللازمة لها التي لا تفارقها. وأمّا القيء فليس هو ممّا هو لازم لها دائماً، لكنّه يحدث إذا أشرف صاحبها على الهلاك. وإن تزيّد به التهوّع تقيّأ الرجيع وأصابه فواق. ومن أصحاب هذه العلّة من يعرض له التشنّج واختلاط الذهن بمشاركة أصل العصب وهو الدماغ للمعدة في العلّة. وذلك يعرض فيما أحسب من قبل أنّ الأمعاء التي حدثت فيها الآفة تشتاق إلى دفع البراز إذا أذاها بطول لبثه فيها فإذا لم يقدر على دفعه إلى أسفل لانسداد الطريق إلى تلك الجهة اضطرّت إلى
أن تتحرّك بخلاف طبعها حركة مستكرهة إلى فوق فتقذف ما يؤذيها إلى ما هناك.
قال أبقراط: إذا حدثت عن ذات الجنب ذات الرئة فذلك دليل رديء.
قال جالينوس: أمّا في أكثر النسخ فيوجد هذا الفصل على ما وصفته. وقد يوجد في بعض النسخ مبتوراً على هذا المثال «من بعد ذات الجنب ذات الرئة» من غير أن يلحق فيه أنّه «دليل رديء»، ومن يكتبه على هذه النسخة يريد أنّه لم يقصد بهذا الفصل لأن يخبّر فيه أنّ ذات الرئة إذا حدثت بعد ذات الجنب فهي دليل رديء أو جيّد، وإنّما قصد به إلى هذا فقط أنّ من شأن ذات الجنب أن تنتقل إلى ذات الرئة وأنّ ذات الرئة تحدث عن ذات الجنب. وبيّن أن يقال إنّ علّة كذا تنتقل إلى علّة كذا وبيّن أن يقال إنّ علّة كذا تحدث عنها أو تتبعها علّة كذا فرق وهو أنّه إنّما يقال إنّ علّة كذا تنتقل إلى علّة كذا إذا كانت العلّة الأولى تسكن وتحدث مكانها الأخرى وإنّما يقال إنّ علّة كذا تحدث بعد علّة كذا أو تتبعها إذا كانت العلّة الأولى باقية وحدثت معها الأخرى. ونرى أنّ أبقراط إنّما قصده في هذا الموضع من كتابه قصد الأمراض التي يحدث بعضها عن بعض ويتبع بعضها بعضاً وتلك الأمراض لا محالة أمراض رديئة.
فيجب وإن لم نجده قد ألحق في الشيء الذي يذكر منها أنّه رديء أن يفهم ذلك إمّا من حقّ اللفظ أن يفهم في الشيء ما قيل في نظيره وإمّا من حقّ المعنى إذا كان يوجبه. وذلك أنّه لا يحدث مرض عن مرض وذلك المرض الذي حدث عنه لا يسير ولا سليم، لكنّه لا محالة عظيم خبيث. مثال ذلك الأمراض التي ذكرت في هذا الفصل إذا ما لم يسع الخلط المحدث لذات الجنب موضعه من الأضلاع حتّى يفيض منه شيء إلى الرئة. فأمّا ذات الرئة فليس يكاد يتبعها ذات الجنب لأنّه إن كانت ذات الرئة يسيرة سليمة خرج جميع ذلك الخلط المحدث لها بما يقذف مع السعال. وإن كانت صعبة قتّالة خنقت صاحبها قبل أن تشارك الأضلاع الرئة في علّتها.
قال أبقراط: وعن ذات الرئة البرسام.
قال جالينوس: إذا كانت ذات الرئة من خلط حارّ ارتفع منه إلى الرأس بخار كثير فيملأ ذلك البخار الدماغ ويحدث البرسام.
وأمّا سائر أمر هذا الفصل فعامّ مشترك بينه وبين الفصل الذي قبله وكذلك الأمر في سائر الفصول التي تأتي بعده.
قال أبقراط: وعن الاحتراق الشديد التشنّج أو التمدّد.
قال جالينوس: أمّا أكثر المفسّرين فهكذا يعرف هذا الفصل يكتب. وأمّا ماريس فجعل مكان «الاحتراق الشديد» «الجراحة الشديدة». وقال إنّه قد يشهد على صحّة نسخته الفصل الذي يأتي بعد هذا. والقول بأنّه يلحق الجراحة الشديدة ورم وتشنّج حقّ، لكن لمّا كان جميع المفسّرين إلّا الخطأ وخاصّة القدماء منهم إنّما يعرف النسخة التي فيها «الاحتراق الشديد» فالأجود أن نفسّر أيضاً نحن هذا الفصل على تلك النسخة. وقد فهم قوم أنّه يعني بالاحتراق الحمّى. وفهم قوم أنّه يعنى به شدّة حرّ الهواء وفهم قوم أنّه يعني به الكي وكلّهم محقّ. وذلك أنّ التشنّج يحدث عن جميع هذه الأشياء وليس يؤول أمره إذا حدث عنها إلى خير.
وذلك أنّ التشنّج والتمدّد الذي يحدث عن هذه الأسباب إنّما يكون من قبل يبس العصب، وقد بيّنّا أنّ هذا هو أصعب التشنّج وأردأه.
قال أبقراط: وعن الضربة على الرأس البهتة واختلاط الذهن رديء.
قال جالينوس: أمّا اختلاط الذهن فيعرف من أن يكون صاحبه يتكلّم ويفعل ما لا معنى له. وأمّا البهتة فهي إذا كان صاحبها لا يتكلّم بشيء ولا يعقل شيئاً لكنّه يبقى مفتوح العينين ساكتاً بمنزلة من قد أصابته خنقة من فزعه. وليس يشكّ أنّ جميع هذه الأشياء إنّما تكون إذا حدثت بالدماغ علّة. فقد بيّنّا أنّ قوّة النفس التي بها يكون التدبير إنّما هي في الدماغ. فإن كان في آخر هذا الفصل بعد قوله «واختلاط الذهن» قد ألحق «رديء» فالقول صواب مستقيم. وذلك أنّ هذه الأعراض تدلّ أنّ الضربة قد وصلت إلى داخل أعني إلى نفس الدماغ. وإن لم يكن ذلك ملحقاً فقد يمكن أن يفهمه كما قلنا فيما تقدّم إمّا من حقّ الألفاظ وهو أن يضيف إلى الشيء ما قيل في نظيره
وإمّا من حقّ المعنى من قبل أنّ هذه الأعراض التي ذكر تدلّ على أنّه قد حدثت في الدماغ آفة فيجب من ذلك أن يتوهّم أنّ البلية عظيمة.
قال أبقراط: وعن نفث الدم نفث المدّة.
قال جالينوس: قد يدلّك أيضاً هذا الفصل على أنّ هذا التعديد كلّه من أبقراط إنّما هو تعديد الأعراض والعلل التي تحدث عن علل أخر التي كتب فيها فركساغورس كتاباً مفرداً بأسره ليس بالصغير. وذلك من قبل أنّه ليس كلّ نفث دم يلحقه نفث مدّة، لكنّه إنّما يلحق ذلك ما كان من نفث الدم خبيثاً، ولذلك نفث الدم الذي يكون من الرئة في أكثر الحالات هو على هذه من الحال.
قال أبقراط: وعن نفث المدّة السلّ والسيلان فإذا احتبس البزاق مات صاحب هذه العلّة.
قال جالينوس: إنّ أبقراط يعني بالسلّ هزال البدن كلّه الذي لا يبرأ الكائن مع حمّى دقيقة بسبب قرحة في الرئة. وأمّا قوله «السيلان» فإمّا أن يكون عنى به تساقط الشعر وانتثاره إذ كان اليونانيون قد يستعملون اسم السيلان وهم يريدون به الانتثار وإمّا أن يكون عنى به رقّة البراز وانطلاقه، فإنّ هذين الأمرين جميعاً إنّما يحدثان بصاحب السلّ إذا أشفى، والأوّل يحدث من اليبس والثاني من ضعف القوّة. وأمّا قوله في آخر هذا الفصل «فإذا احتبس البزاق مات صاحب هذه العلّة» فأراد به أن يدلّ على الوجه الذي يكون به موت صاحب السلّ. وذلك أنّه لا يزال باقياً وهو يزداد هزالاً ما دام يقدر أن يسعل وينفث فينقى بما ينفث رئته. فإذا ضعف عن ذلك بقي ذلك الذي كان ينفثه داخلاً فسدّ مجاري النفس واختنق المريض فمات.
قال أبقراط: وعن ورم الكبد الفواق.
قال جالينوس: قد قلت فيما تقدّم إنّ هذه الفصول كلّها التي تتلو بعضها بعضاً إنّما تخبّر عن الأعراض التي تحدث عن الأمراض وتلحقها إذا تزيّدت عظم رداءة. وعلى هذا الطريق قيل في هذا الفصل إنّ الفواق يحدث عن ورم الكبد، وليس يحدث عنه دائماً ولا كيف كانت حاله، لكن إذا كان ورماً عظيماً قوي الحرارة حتّى يشارك الكبد في علّتها منه فم المعدة وما فوقه، وذلك ربّما كان من طريق مشاركة الكبد في المعدة للعصب، وقد خبّر أبقراط في المقالة الثانية من كتاب أبيديميا أنّ ذلك العصب دقيق جدًّا. ولذلك لا تشارك المعدة الكبد في علّتها إلّا إذا كان ورم الكبد من العظم والرداءة على أشدّ ما يكون. ويكون ذلك أيضاً من قبل أنّه يتولّد في الكبد عند حدوث الورم الحارّ فيها مرار قوي الحرارة ثمّ ينصبّ إلى أوّل الأمعاء، فإذا تراقى ذلك المرار فصار في المعدة حدث فيها منه لذع وعرض في فمها منه الفواق. وقد ظنّ قوم أنّ عظم ورم الكبد يضغط المعدة
فيحدث الفواق إذ كانت الريح لا تجد فيها عند ذلك في قولهم منفذاً.
قال أبقراط: وعن السهر التشنّج واختلاط الذهن.
قال جالينوس: قد يلحق قوم في آخر هذا الفصل أيضاً اللفظة التي ألحقت في غيره وهي «رديء». وقد قلنا فيما تقدّم إنّ هذه اللفظة وإن لم تلحق فهي محصورة في المعنى. ومن كان ذاكراً لما تقدّم فالسبب عنده الذي من قبله يلحق السهر المفرط تشنّج واختلاط ذهن بيّن. وذلك أنّ التشنّج قد قال فيه أبقراط إنّه يكون من الامتلاء ومن الاستفراغ. والسهر من أبلغ الأسباب في الاستفراغ والجفوف، ولذلك يحدث التشنّج الذي يكون من اليبس. فأمّا اختلاط الذهن فيحدث عن السهر من طريق إفراط اليبس ، ومع ذلك أيضاً فمن قبل أنّ الدم عند السهر الطويل يحتدّ ويميل إلى طبيعة المرار. وقد نجد في بعض النسخ وهي أصحّها هذا الفصل
ليس فيه ذكر اختلاط الذهن لكنّه يكتب على هذا المثال «وعن السهر التشنّج» لأنّ أبقراط فيما أحسب إنّما قصده أن يخبّر بأردأ الأعراض التي تحدث عن الأمراض.
قال أبقراط: وعن انكشاف العظم الورم الذي يدعى الحمرة.
قال جالينوس: ينبغي أن يفهم في هذا القول خاصّة أنّ الحادث الذي وصفه رديء. وذلك أنّه ليس يعني بهذا القول أنّه يحدث عن انكشاف العظم الورم الذي يدعى الحمرة دائماً أو في أكثر الأمر، لأنّ الحقّ ضدّ هذا وهو أنّه إنّما يحدث الورم الذي يدعى الحمرة عن انكشاف العظم في الندرة. وإنّما يعني به أنّه إذا انكشف العظم فرأيت اللحم الذي حوله قد حدث فيه الورم الذي يدعى الحمرة فذلك عرض رديء.
قال أبقراط: وعن الورم الذي يدعى الحمرة العفونة والتقيّح.
قال جالينوس: إنّ الأمر بيّن في هذا القول أيضاً أنّ هذه الأعراض إنّما تحدث عن الورم الذي يدعى الحمرة إذا كان خبيثاً.
قال أبقراط: وعن الضربان الشديد في القروح انفجار الدم.
قال جالينوس: إنّ الضربان إنّما يكون في القروح التي معها ورم حارّ لأنّ اللحم المحيط بالعروق لا تحتمل حركتها لكنّه يناله مصادمتها إياه إذا انبسطت وجع. فإنّ الضربان إنّما هو حسّ مؤلم يحدث من حركة العروق الضوارب وليس يحسّ بنبض العروق ما دامت الأعضاء بحالها الطبيعية، لأنّ ملاقاة العروق لما حولها في تلك الحال لا يكون معها أذى ولسعة المكان الذي تتحرّك فيه العروق في تلك الحال. فإذا حدث في تلك الأعضاء ورم حارّ كان الضيق ووجع الورم يحدثان حسًّا مؤذياً للعليل من حركة العروق، وذلك هو الذي يسمّيه جميع الناس فضلاً عن الأطبّاء الضربان. ويشبه أن تكون هذه الحركة أعني حركة العروق الضوارب تتزيّد في هذه الحال.
فقد بيّنت في كتابي في القوى الطبيعية أنّ إحدى تلك القوى هي القوّة الدافعة للأشياء المؤذية وهي التي تفعل العرق الذي يكون به البحران وانفجار الدم وانطلاق البطن وغير ذلك ممّا أشبهه. فإذا كان فعل الطبيعة في وقت من الأوقات بتلك القوى أشدّ وأقوى جعلت حركة العروق عظيمة مستكرهة لتشوّقها لدفع الأشياء المؤذية وعلى هذا الطريق تحدث انفجار الدم.
قال أبقراط: وعن الوجع المزمن فيما يلي المعدة التقيّح.
قال جالينوس: ذلك لأنّه إن كان السبب في الوجع إنّما هو برد أو بالجملة مزاج مختلف في المعدة أو كان ريحاً غليظة أو حدّة ملذعة فلا يمكن أن يلبث شيء من هذه الأسباب زماناً طويلاً إذا دبّر المريض بكلّ ما يحتاج إليه على ما ينبغي. فإنّه لا بدّ من أن يفهم هذا موصولاً بجميع أشباه هذه من الأقاويل.
فبقي أن يكون الوجع المزمن إنّما هو من ورم. وذلك أنّ الورم سيقيّح على طول المدّة إن لم يمت المريض قبل ذلك. فإنّ هذا أيضاً ممّا ينبغي أن يفهم موصولاً بجميع أشباه هذه من الأقاويل.
قال أبقراط: وعن البراز الصرف اختلاف الدم.
قال جالينوس: قد قلت إنّ أبقراط يعني بالبراز الصرف ما ليس تخالطه منه رطوبة مائية وليس فيه شيء سوى الخلط الذي ينحدر وحده محضاً كان ذلك الخلط مرّة صفراء أو كان مرّة سوداء. فليس يعجب أن يحدث عن هذا البراز تأكّل في بعض الأمعاء فتكون منه قرحة يعرض بسببها اختلاف الدم.
قال أبقراط: وعن قطع العظم اختلاط الذهن إن نال الخالي.
قال جالينوس: إنّ قول أبقراط هذا إنّما هو في قحف الرأس إذا انقطع وليس كلّ قطع مطلق لكنّ القطع الذي ينفذ فيه حتّى يبلغ إلى سطحه الداخل الذي يفضي إلى الموضع الخالي الذي يحوي الدماغ فإنّه إذا كان القطع كذلك حدث منه اختلاط الذهن. وذلك أنّ العلّة تقرب من غشاء الدماغ ومن نفس الدماغ. فأمّا مارينس فلا أدري ما دعاه إلى أن كان يقطع قول أبقراط «وعن قطع العظم اختلاط الذهن» ويقرأه على حدته، ثمّ يجعل «إن نال الخالي» ابتداء فصل ثان آخر ويلحق به قوله «التشنّج من شرب الدواء مميت»، حتّى يكون الفصل الثاني كلّه على هذا المثال «إن نال الخالي التشنّج من شرب الدواء فهو مميت». وقال إنّ هذا القول قيل بالواجب. وذلك أنّ أبقراط يذمّ دائماً التشنّج الذي يكون من الاستفراغ. وقد أحسن مارينس في هذا القول أعني قوله إنّ التشنّج الذي يكون من الاستفراغ المفرط رديء مهلك. فإنّ بهذا الطريق صار التشنّج الحادث من شرب الدواء رديئاً مهلكاً، لكنّه لم يشعر أنّه قد جعل القول الأوّل قولاً باطلاً. وذلك أنّ قول من قال إنّ قطع العظم يحدث اختلاط الذهن كذب صراح. وذلك أنّه ليس يلحق قطع العظم
لا في الرأس ولا في غيره من الأعضاء اختلاط الذهن دون أن تصل الآفة إلى أغشية الدماغ.
قال أبقراط: التشنّج من شرب الدواء هو مميت.
قال جالينوس: قد قلت فيما تقدّم إنّ من عادة أبقراط إذا أطلق اسم الدواء أن يريد به خاصّة الدواء المسهل أو المقيء. وليس يجهل من كان ذاكراً لما تقدّم من قولنا مراراً كثيرة أنّ التشنّج الذي يحدث عن هذه الأدوية إذا استفرغت استفراغاً مفرطاً خبيث مهلك.
قال أبقراط: برد الأطراف عن الوجع الشديد فيما يلي المعدة رديء.
قال جالينوس: قد يكون برد الأطراف كما قلت فيما تقدّم من الورم العظيم الحادث في الأحشاء.
ويكون أيضاً من ذبول النفس والغشي إمّا من قبل خمود الحرارة الغريزية وانطفائها وإمّا من قبل انغمارها واختناقها بسبب كثرة المادّة عليها وخاصّة إذا كانت المادّة باردة. ويكون أيضاً من وجع شديد في الجوف تنقبض بسببه الطبيعة إلى نفسها ويتبعها الدم فيتخّلى عن الجلد كلّه فضلاً عن أطراف البدن مثل القدمين والكفّين والرأس. فذكر أبقراط في هذا القول إنّما هو بسبب جزئي من أسباب برد الأطراف كما قد بيّنّا أنّه يذكر أشياء كثيرة على هذا الوجه في أقاويل كثيرة، وليس يعجب أن يكون المبتدء لاستخراج أشياء كثيرة لا لجمع تلخيصها وتقسيمها في موضع واحد لكن يذكر كلّ واحد منها على حدته.
قال أبقراط: إذا حدث بالحامل زحير كان سبباً لأن تسقط.
قال جالينوس: الزحير هو علّة تحدث في المعاء المستقيم الذي يقال له في بعض الحيوان المبعر وطبيعته والسبب الفاعل له هما الطبيعة والسبب اللذي لاختلاف الدم من قبل القرحة العارضة فيما فوق هذا الموضع من الأمعاء. واسمه مشتقّ من التزحّر الذي يعرض فيه الذي بسببه لشدّة ما يحدث عليه من طلب البراز يقوم صاحبه قياماً متواتراً. ومن قبل هذا التزحّر وكثرة العناء والاختلاف ينال البدن كلّه منه تعب وخاصّة الرحم لاتّصالها بذلك المعاء. وما هو بعجب أن تسقط المرأة بسبب الزحير الشديد الدائم إذ كانت قد تسقط عند سائر جميع الحركات الشديدة وعند سائر جميع الأوجاع المقلقة.
قال أبقراط: إذا انقطع شيء من العظم أو من الغضروف لم ينم.
قال جالينوس: قد دخل معنى هذا الفصل في فصل قد مرّ، وهو الذي قال فيه «متى انقطع عظم أو غضروف أو عصبة أو الموضع الرقيق من اللحي أو القلقة لم ينم ولم يلتحم»، وفسّرناه في مقالة السادسة.
قال أبقراط: إذا حدث بمن قد غلب عليه البلغم الأبيض اختلاف قوي انحلّ عنه به مرضه.
قال جالينوس: إنّ من عادة أبقراط وسائر الأطبّاء أن يسمّوا صنفاً من أصناف الاستسقاء البلغم الأبيض وهو الذي يسمّى الاستسقاء اللحمي وإنّما يسمّى البلغم الأبيض إمّا لأنّه قد يكون من البلغم ما هو كمد اللون وإمّا لأنّ البلغم في طبيعته أبداً أبيض، وإنّما يتغيّر لونه حقيقة البياض لمخالطة بعض الأخلاط الأخر له. وقد يمكن أيضاً أن لا يكون أراد باستثنائه الأبيض تفرقته من غيره لكنّ الدلالة على الشيء الذي هو له موجود، كما قال في كتاب المفاصل فقار الصلب لا لأنّ في البدن فقاراً في غير الصلب فأراد أن يفصلها منها
لكن أراد أن يدلّ على موضعها. وأمّا برء من غلب عليه البلغم الأبيض بالاختلاف القوي الدائم فقد نجد في بعض النسخ «القوي» وفي بعضها «الدائم المزمن» قد أدخل في جملة نعته وأشياء كثيرة قد قيلت على هذا الوجه.
قال أبقراط: من كان به اختلاف فكان ما يختلف زبدياً فقد يكون سبب اختلافه شيئاً ينحدر من رأسه.
قال جالينوس: لم يلخّص هذا المعنى ويحدّده. وذلك أنّه قد يكون الشيء الذي يختلف زبدياً إذا كانت تنحدر من الرأس إلى المعدة رطوبة تخالطها ريح، ويكون أن تنصبّ تلك الرطوبة إلى المعدة من العروق التي تنتهي إليها. ويجوز أن يكون تولّد تلك الرطوبة في نفس المعدة والأمعاء، وكيف كان خروج هذا البراز وتولّده والسبب المقوم له الذي لا يكون إلّا به هو واحد. وأمّا الأسباب المتقدّمة لذلك فشتّى. والسبب المقوم لهذا البراز هو ريح غليظة تتحرّك في وقت مخالطتها للرطوبة
وقد يقذف الدم الزبدي في بعض الحالات أصحاب ذات الجنب، وأقلّ منهم أصحاب ذات الرئة. وإنّما يكون ذلك فيما أحسب إذا كانت في تلك المواضع التي فيها العلّة حرارة مفرطة نارية. وإن كان ما ينحدر من الرأس إلى أسفل إنّما يكون انحداره إلى قصب الرئة ثمّ ينفذ منها إلى أسفل كما قال قوم، فهو يحتاج أوّلاً أن يصير إلى بطون القلب ثمّ لا يخلو بعد ذلك من أحد أمرين إمّا أن ينفذ في العرق المعروف بالأجوف أوّلاً ثمّ إلى حدبة الكبد ثمّ ينفذ منها إلى باطن الكبد ثمّ ينفذ في العروق المعروفة بالباب إلى استدارات الأمعاء وإمّا أن ينفذ أوّلاً في العرق العظيم ثمّ يصير منه إلى العرق الذي ينبث في الجداول. فكيف يمكن أن يبقى زبدياً وهو قد خالط الدم ونفذ معه في هذه العروق كلّها.
قال أبقراط: من كانت به حمّى فكان يرسب في بوله ثفل شبيه بالسويق الجريش فذلك يدلّ على أنّ مرضه طويل.
قال جالينوس: هذا القول أيضاً إنّ حدد كان قولاً حقًّا تشهد على صحّته التجربة. وذلك أنّ البول الذي يرى فيه شيء شبيه بالسويق الجريش قد يدلّ على الهلاك كما قد قيل في كتاب تقدمة المعرفة وأكثر من يرى هذا في بوله يموت قبل أن يطول مرضه. فأمّا الذين يسلمون ممّن يرى هذا في أبوالهم فكلّهم يطول مرضهم، لأنّ المرض الذي يرى فيه هذا البول يحتاج إلى نضج كثير. وقد وصفنا في كتاب البحران أمر جميع الأبوال بصفة شافية. وقد ذكر أبقراط في كتاب أبيديميا عدّة مرضى ظهر في بولهم هذا الثفل بعضهم مات سريعاً وبعضهم سلم بعد أن طال مرضه. ويكفى أن نذكر منهم مريضين أحدهما ذكره في المقالة الأولى من بعد ذكره للحالات الثلاث من حالات الهواء وهو المريض الثاني واسمه سيلينس ووصف حاله فقال «بال بولاً كثيراً دفعة إلى الغلظ ما هو إذا حرّك رئي فيه ثفل شبيه بجريش السويق أبيض وكانت أطرافه أيضاً بعد باردة ومات في اليوم الحادي عشر»، والآخر ذكره في المقالة الثالثة من ذلك الكتاب وهو المريض الثالث افتتح صفته لحاله بأن قال «المريض الذي كان ملقى في مبقلة ذا القسّ». ثمّ قال بعد قليل «وبال بولاً رقيقاً مختلفاً فيه أشياء معلّقة صغار بمنزلة جريش السويق.
ثمّ قال في هذا إنّه أتاه البحران في يوم الأربعين. فقد تبيّن من هذين المثالين أيضاً أنّ من يسلم ممّن يبول البول الذي فيه هذا الثفل الشبيه بالسويق يطول مرضه. وأمّا من يعطب ممّن بال هذا البول فقد يمكن أن يسرع إليه الموت.
قال أبقراط: إذا كان الغالب على الثفل الذي في البول المرار وكان أعلاه رقيقاً دلّ على أنّ المرض حادّ.
قال جالينوس: كلّما كان المرار عليه غالباً فهو يدلّ على أنّ المرض حادّ. فقد قلنا إنّ اسم المرار إذا قيل مطلقاً فإنّما من عادة الأطبّاء أن يعنوا به المرار الأصفر. فأمّا المرار الأسود فليس يفردونه باسم المرار كما يفردون الأصفر لكنّهم يلحقون مع اسمه زيادة دائماً فيقولون مرار أسود. فأمّا قوله «أعلاه رقيق» فعنى به رقيقاً مائياً. وكذلك من عادة أبقراط أن يستعمل هذه اللفظة، وقد توهّم قوم قوله هذا أنّه ليس بصواب. وذلك أنّ البول الرقيق غير نضيج ويدلّ من المرض على طول.
وأنا أيضاً لم أر بولاً قطّ فيه ثفل يغلب عليه المرار والشيء الطافي فوقه رقيق مائي. فما أبعد عندي قوم من المفسّرين قالوا إنّ قوله في هذا الموضع «أعلى» لم يرد به أعلى في المكان وإنّما أراد به أعلى في الزمان كما لو قال إنّ ثفل البول إذا كان في أوّل الأمر رقيقاً ثمّ غلب عليه بعد المرار دلّ على أنّ المرض حادّ.
قال حنين: إنّ اللفظة التي يسمّي بها أبقراط الرقيق في هذا الفصل يحتمل أن يكون معناها الرقيق في القوام ويحتمل أن يكون معناها الرقيق في الشكل فقد يجوز على هذا القياس عندي أن يكون أبقراط أراد بقوله «أعلاه رقيق» أي ينخرط أعلاه ويميل إلى الرقّة لأنّ الثفل الراسب في البول إذا كان غليظاً ثقيلاً نيًّا كان سطحه الأعلى شبيهاً بالمسطّح وإذا كان رقيقاً خفيفاً نضيجاً كان أعلاه منخرط وينقلب، وممّا يقوى هذا المعنى أنّ أبقراط إنّما نسب الرقّة إلى أعلى الثفل ولم ينسبها إلى ما فوقه، وقد كان قادراً أن يقول مكان ما قال أعلاه ما فوقه.
قال أبقراط: من كان بوله متشتّتاً فذلك يدلّ على أنّ في بدنه اضطراباً قوياً.
قال جالينوس: إن فهمنا من قوله «متشتتاً» حقيقة ما تدلّ عليه هذه اللفظة، كان المعنى محالاً. وذلك أنّ البول متّصل دائماً لا يتوسّط بين أجزائه في حال من الأحوال موضع خال. وإن فهمنا من قوله «متشتتاً» أي مختلف الأجزاء، فبالواجب قال إنّ هذا البول يدلّ على اضطراب شديد قوي.
وذلك أنّ الطبيعة إذا غلبت واستولت كانت الأجزاء كلّها مستوية، وإذا كانت أسباب المرض تقاومها وتعاندها كانت منظرة الشيء الذي تستولي عليه وتنضجه غير منظرة الشيء الذي لم تستول عليه وهو مقاوم منافر لها. وإذا كانت هذه الأجزاء أكثر دلّت على أنّ اختلاف البول والسبب الفاعل له وهو الاضطراب أكثر.
قال أبقراط: من كان فوق بوله عبب دلّ على أنّ علّته في الكلى وأنذر منها بطول.
قال جالينوس: إنّ العبب إنّما يكون إذا امتدّت رطوبة حول ريح غليظة. وأحرى أن يعرض ذلك إذا كان مع تلك الرطوبة شيء من اللزوجة. وعند ذلك يكون العبب أطول لبثاً وأعسر انحلالاً. وإذا خرجت مع البول ريح غليظة فذلك دليل على أنّ في الكلى مرضاً بارداً، لأنّ المرض البارد هو الذي يجمع الريح الغليظة ولذلك قال إنّ هذه العلامة تنذر من المرض بطول،
لأنّ كلّ مرض بارد فهو عسر الانحلال وعسر النضج ولذلك هو مزمن. وقد قال قوم إنّ البول إذا كان حادّاً فتح بحدّته أفواه العروق الضوارب التي في الكلى فخرج شيء من الروح الذي فيها، فإذا خرج ذلك الروح مع البول أحدث العبب.
قال أبقراط: ومن رئي فوق بوله دسم جملة دلّ ذلك على أنّ في كلاه علّة حادّة.
قال جالينوس: متى كان البراز أو البول دسماً فذلك إنّما يكون من ذوبان الشحم وما هو بأولى أن يكون من شحم الكلى من أن يكون من الشحم الذي في البدن كلّه. ولذلك ليس هذا الدليل على هذا القياس دليلاً خاصًّا للكلى، لكنّه دليل عامّ لكلّ شحم يذوب من حرارة نارية. فينبغي أن يفهم المعنى على أحد وجهين إمّا على أنّه قد اتّفق أنّ العلّة في الكلى وإنّما قصد أبقراط في هذا الكلام لا أن يستدلّ ويتقدّم فيعلم من أمر هذه العلّة جنسها لكنّ حدّتها،
ولا يكون قليلاً قليلاً، لكنّه يجيء كلّه جملة دفعة ولذلك يدلّ على أنّ العلّة في الكلى خاصّة. وقد نجد التجربة تشهد على صحّة هذا إن تدبّرته واستقصيت أمره. وهذا الفصل قد يوجد مختلفاً في النسخ فيوجد في بعضها «ومن رئي فوق بوله دسم» وفي بعضها «من رئي في أسفل بوله دسم»، وأنا أقول إنّ النسخة الأولى أصحّ النسختين. وذلك لأنّ الشيء الدسم إنّما من شأنه أن يطفو فوقه دائماً لا أن يرسب. وهذه النسخة أيضاً أحرى بأن تكون موافقة لما ذكره في الفصل الذي قبل هذا. فإنّ أبقراط قال فيه «من كان فوق بوله عبب دلّ ذلك على أنّ علّته في الكلى وأندر منها بطول». فالذي يتبع هذا أو يتّصل به أن يقول «ومن رئي فوق بوله دسم جملة دلّ ذلك على أنّ في كلاه علّة حادّة».
قال أبقراط: من كانت به علّة في كلاه وعرضت له هذه الأعراض التي تقدّم ذكرها وحدث به وجع في عضل صلبه
فإنّه إن كان ذلك الوجع في المواضع الخارجة فتوقّع خراجاً يخرج به من خارج، وإن كان ذلك الوجع في المواضع الداخلة فأحرى أن تكون الدبيلة من داخل.
قال جالينوس: أمّا في الفصلين الذين قبل هذا فوصف أبقراط دليلين يستدلّ بهما على علل الكلى. وأمّا في هذا الفصل فوصف من أمر من لا شكّ أنّ به علّة في الكلى منذ مدّة طويلة أن قال إنّه إن اجتمع مع العلامات التي تقدّم ذكرها وجع في عضل الصلب دلّ ذلك على أنّه سيحدث به في ذلك الموضع خراج. وهذا العضل جنسان أحدهما من خلف من تحت الجلد يحيط من الجانبين بالصلب كلّه والآخر من قدّام وليس هو ممدود على باطن الصلب كلّه لكنّه منه على الخمس الخرز السفلية. ففي أيّ هذين الجنسين من هذا العضل حدث الوجع فتوقّع حدوث الخراج فيما يليه. ولم يلخّص هل يكون حدوث الخراج في نفس الكلى أم في العضل
أم فيهما جميعاً. وأمّا التجربة فقد تدلّ على أنّ جميع هذه الأحوال قد تكون. وذلك أنّه ربّما حدث الخراج في العضل وحده إمّا الذي من داخل من باطن الصلب وإمّا الذي من خارج من ظاهره وربّما حدث في الكلى دون العضل وإذا كان ذلك فربّما كان الخراج إلى خارج أميل وربّما كان إلى داخل أميل.
قال أبقراط: الدم الذي يتقيّأ من غير حمّى سليم وينبغي أن يعالج صاحبه بالأشياء القابضة والدم الذي يتقيّأ مع حمّى رديء.
قال جالينوس: إنّ الشيء الذي يتقيّأ إنّما يقال بالحقيقة في الشيء الذي يخرج من المريء والمعدة. وأمّا الشيء الذي يرتفع من الرئة وقصبتها فإنّما يقال فيه إنّه ينبفث بالسعال. وقد قال قوم ممّن فسّر هذا الكتاب إنّه إنّما قيل في هذا الموضع «يتقيّأ» على الاستعارة وعنى به ما يقذف من الرئة وقصبتها على أنّه ليس يصحّ أنّ هذه العلّة تكون سليمة أي يمكن أن تبرأ
متى لم تكن معها حمّى. وذلك أنّه وإن قذف قاذف من رئته دماً من غير حمّى فليس يؤمن عليه على حال أن لا يبرأ، فإذا دامت به علّته وطالت فإنّه لا محالة سيعرض له بآخرة الحمّى. ولذلك فقد ينبغي أن يفهم من قوله «يتقيّأ» المعنى الذي يدلّ عليه هذا الاسم بالحقيقة ثمّ يجعل التحصيل والتمييز لا من السلامة في ذلك والخطر من حال المريض في أن تكون به مع ذلك حمّى أو لا تكون به. وذلك أنّه إن لم تكن به حمّى فقد علمت أنّه ليس في الموضع الذي خرج منه ذلك الدم ورم لكنّه إمّا أن يكون سبب ذلك الدم انفتاح عرق أو يكون سببه قرحة حدثت إلّا أنّها ليس معها ورم. والقروح التي لا يكون معها ورم قد تبرأ سريعاً بالأشياء القابضة. فأمّا القروح التي يكون معها ورم وحمّى فليس يمكن أن تبرأ وهي مع ذلك لا تبقى على مقدار واحد من العظم. وذلك أنّها دائماً تزداد عظماً وخبثاً.
قال أبقراط: النزلة التي تنحدر إلى الجوف الأعلى تتقيّح في عشرين يوماً.
قال جالينوس: يعني بالجوف الأعلى في هذا الموضع الموضع الذي يحويه الصدر وهو الموضع الذي تشغله الرئة ولذلك انحدار النزلة من الرأس في قصبة الرئة إنّما يكون إلى الرئة. واقصى حدّ تقيّحها عشرون يوماً لا كما يوجد في أكثر النسخ إثنان عشرون يوماً. وذلك أنّ أبقراط إنّما يصف دائماً أنّ يوم العشرين هو يوم البحران لا اليوم الثاني والعشرين كما بيّنت في كتابي في أيّام البحران.
قال أبقراط: من بال دماً عبيطاً وكان به تقطير البول وأصابه وجع في نواحي الشرج والعانة دلّ ذلك على أنّ فيما يلي مثانته وجعاً.
قال جالينوس: قد يوجد هذا الفصل في مثل هذا الموضع في جميع النسخ إلّا الخطأ. وينبغي أن يحذف لأنّه قد مرّ فيما تقدّم. وقد فسّرناه في المقالة الرابعة من كتابنا هذا وذلك الفصل قيل بهذا اللفظ «من بال دماً عبيطاً وكان به تقطير البول وأصابه وجع في أسفل بطنه وعانته فإنّ فيما يلي مثانته وجعاً». فأمّا هذا الفصل المثنّى في هذا الموضع فآخره يكتب على نسختين إحداهما على ما وصفته قبيل والأخرى على هذا المثال «دلّ ذلك على أنّ ما يلي مثانته وجع».
قال أبقراط: متى عدم اللسان بغتة قوّته أو استرخى عضو من الأعضاء فالعلّة سوداوية.
قال جالينوس: أمّا اللسان الذي يعدم قوّته فلا يخلو أن يكون عنى به إمّا الذي يعدم الثبات والتمكّن حتّى لا يبيّن الألفاظ على حقائقها وإمّا الذي يعدم الحركة حتّى تسترخي بتّة. وأمّا استرخاء العضو فعنى به أن يعدم الحسّ والحركة.
لكن نقول إنّها تكون سوداوية وتكون بلغمية. وأمّا قوله «بغتة» فإنّما استثناءه لمكان الآفات الحادثة قليلاً قليلاً بسبب الورم الذي يصلب فيحدث هذه الأعراض وبسبب المزاج الخارج عن الاعتدال المتمكّن الثابت الذي يعسر انحلاله.
قال أبقراط: إن حدث بالشيخ بسبب استفراغ مشي أو قيء فواق فليس ذلك بدليل محمود.
قال جالينوس: هذا القول قول عامّ من الوجهين جميعاً أعني من قبل أنّ الفواق في جميع من يفرط عليه الاستفراغ بالمشي أو بالقيء غير محمود ومن قبل أنّ جميع الأعراض الرديئة إذا عرضت للشيخ كانت أردأ لضعفه بسبب سنّه.
قال أبقراط: من أصابته حمّى ليست من مرار فصبّ على رأسه ماء حارّ كثير أنقضت بذلك حمّاه.
قال جالينوس: قد دلّ أبقراط بهذا القول دلالة بيّنة أنّه ليس جميع الحمّيات تكون من المرار. ودلّ مع ذلك على أنّ جميع الحمّيات سوى ما يكون منها من المرار إذا صبّ على رأس صاحبها ماء حارّ كثير انحلّت وأنقضت. وعلى حسب هذا القول قال في المقالة الأولى من كتاب أبيديميا في رجل اسمه مليطون إنّه استعمل صبّ الماء الحارّ على رأسه. وذلك لأنّ الحمّى إن كانت من حرّ شمس أو من برد فإنّ صاحبها ينتفع بالاستحمام وصبّ الماء الحارّ على الرأس، وإن كانت الحمّى من تعب فليس منفعة صاحبها بذلك دون غيره، وكذلك الحمّى التي تكون من ضيق المسام كان ذلك الضيق من سدد فيها أو كان من انضمامها. وذلك أنّ صاحبها يحتاج إلى أن تنفش حرارة الحمّى وتتحلّل . وليس ينتفع بصبّ الماء إذا كان مع الحمّى ورم أو لم يكن معها ورم وكان معها عفونة من الأخلاط فإنّ متى كان مع الحمّى شيء من هذين لم ينتفع فيها بالاستحمام وصبّ الماء دون أن تستفرغ تلك الموادّ المؤذية أو تنضج، إلّا أنّ هذه الأمراض إنّما كانت عادة الأوائل أن يسمّوها ذات الجنب وذات الرئة وذات الكبد وذات الطحال وكانوا يجعلون الحمّى فيها إنّما هي عارض وليست نفس العلّة.
وإنّما كانوا يقولون إنّ بالإنسان حمّى أو أصابته حمّى متى لم يكن في عضو من أعضائه ورم فحدثت به حمّى إمّا من سبب من خارج مثل الأسباب التي تقدّم ذكرها وإمّا من سبب من داخل وهو أن تعفن الأخلاط التي في العروق فتشتعل منها حمّى لا غيره، وأصناف تلك الحمّيات عندهم الحمّى التي يقال لها افيالس وهي التي يجتمع فيها حسّ البرد مع حسّ الحرّ في مواضع بأعيانها والحمّى التي يقال لها ليبورس وهي الحمّى التي يكون باطن البدن فيها حارًّا ملتهباً وظاهره بارداً والحمّى التي يقال لها القودس وطيفودس وهي الحمّى التي تكون معها رطوبة كثيرة والحمّى التي يقال لها لوموديس وهي والحمّى الوبائية والحمّى التي يقال لها قوسوس وهي المحرقة. ولم يكن أحد منهم يقول إنّ بهذا حمّى من الكبد أو بهذا حمّى من الطحال أو بهذا حمّى من الرئة فكلام أبقراط في هذا الفصل فيمن علّته إنّما هي نفس الحمّى من غير ورم. وقد يوجد في أكثر النسخ مكان «الماء» «عرق» حتّى يكون معنى هذا الفصل على تلك النسخة مبنياً على هذا «من أصابته حمّى ليست من مرار فانصبّ من رأسه عرق حارّ كثير أنقضت بذلك حمّاه»، وليس يراد أنّ العرق يجري من الرأس دون سائر البدن، لكن إنّما ذكر أوّل عضو يظهر من البدن فدلّ به على البدن كلّه. ويلزم على حسب ما في هذه النسخة أنّ صاحب الحمّى التي تكون من مرار لا ينتفع بهذا العرق. وقد نرى عياناً كثيراً الحمّيات التي المرار فيها أكثر وأغلب منه في سائر الحمّيات وهي الحمّى الغبّ والحمّى المحرقة فضلاً عن ما سواها تنحلّ بالعرق. فالنسخة الأولى أجود إذ كان قد وصف فيها علاجاً صحيحاً للجنس الذي ذكرناه من أجناس الحمّى وهو الذي يكون من تعب أو من حرّ شمس أو من برد وبالجملة من ضيق مسام الجلد. وقوله «ليست من مرار» يحتمل أن يكون دلّ به على المرّة الصفراء والسوداء. وقد بيّنّا أنّ الحمّى ليست تكون من المرّتين فقط إذا عفنتا، لكنّها قد تكون من البلغم إذا عفن وهذا هو فقط ما ليس يصحّ فيه ممّا حكم به في هذا الفصل، إلّا أن يقول قائل إنّ البلغم إذا عفن أيضاً استحال فصار من جنس طبيعة المرار.
قال أبقراط: المرأة لا تكون ذات يمينين.
قال جالينوس: إنّه قد يكون من الرجال كثيراً يعملون باليدين جميعاً مثل العمل باليمين ولم نر إلى هذه الغاية امرأة هذه حالها وذلك لضعف طبعها. فإنّه إنّما صار الرجال يستعملون اليدين جميعاً استعمال اليمين لقوّة العصب والعضل فيهم، فيجب من قبل ذلك أن لا تقدر المرأة على هذا إذ كان قصاراها أن تستعمل اليمين استعمالاً معتدلاً. فقد قال أبقراط في نساء الصقالبة أنّهنّ يكوين الثدى الأيمن منهنّ حتّى يأتي اليد التي في ذلك الشقّ غذاء أكثر فتزيد قوّة تلك اليد لأنّ تلك اليد أيضاً في طبعها ضعيفة. وقد قال قوم مكان «ذات يمينين» «ذات يمين» وفهموا أنّه إنّما يريد بذلك أنّ الجارية لا تحمل في الجانب الأيمن من الرحم.
وبعد قوم آخرون من المعنى أكثر من هذا البعد فقالوا إنّ قول أبقراط هذا إنّما أراد بة ذات الفرجين وهي الخنثى وهو أنّ الذكر يكون له مع فرجه فرج المرأة والأنثى لا يكون لها مع فرجها فرج الذكر.
قال أبقراط: من كوي من المتقيّحين فخرجت منه مدّة نقية بيضاء فإنّه يسلم، فإن خرجت منه مدّة حمائية منتنة فإنّه يهلك.
قال جالينوس: أمّا التقيّح فمن عادته أن يقوله وهو يعني به كلّ خراج ودبيلة يستحيل ما فيه فيصير قيحاً لا متى كان ذلك في الصدر فقط لكن في أيّ عضو كان من أعضاء البدن. وأمّا المتقيّح فإنّما يعني به خاصّة في أكثر الأمر من كان قد اجتمع فيما بين صدره ورئته قيح، وهو الذي قد كانت جرت عادة الأوائل أن يستعملوا فيه الكي ليستخرجوا به تلك المدّة.
وما يجهل أحد أنّ المدّة البيضاء محمودة والمدّة الحمائية المنتنة رديئة.
قال أبقراط: من كانت في كبده مدّة فكوي فخرجت منه مدّة نقية بيضاء فإنّه يسلم وذلك أنّ تلك المدّة فيه في غشاء الكبد، وإن خرج منه شبيه بثفل الزيت هلك.
قال جالينوس: قد خبّر أبقراط بالعلّة التي من قبلها بعض أصحاب هذه العلّة يهلك وبعضهم يسلم. وذلك أنّه من كانت المدّة فيه في غشاء الكبد وجوهر كبده سليم لم تحدث به آفة فإنّه يسلم، ومن كان الفساد قد سعى فيه حتّى وصل إلى لحم كبده فواجب أن يموت. وأمّا الحال التي وصف بها المدّة الرديئة فليس يشكّ أحد أنّه واجب أن يكون متى كانت في الكبد عفونة من غير نضج فإنّه يهلك.
ثمّ قيل بعد هذا: إذا كان في العينين وجع فاسق صاحبه شراباً صرفاً ثمّ أدخله الحمام وصبّ عليه ماء حارًّا كثيراً ثمّ افصده.
قال جالينوس: هذا الفصل عندي أحد الفصول التي دلست في هذا الكتاب. وذلك أنّ هذا القول لا يوافق قولاً قد تقدّم من أبقراط قال فيه «أوجاع العينين يحلّها الشراب الصرف أو الحمام أو التكميد أو فصد العرق أو شرب الدواء. وقد فسّرت هذا الفصل في المقالة السادسة من كتابي هذا وبيّنت الحالات التي ينبغي أن يستعمل في كلّ واحدة منها كلّ واحد من هذه الأصناف من العلاج. وأمّا هذا الفصل الذي قصدنا بيان أمره فيأمر في علّة واحدة أن يستعمل ثلاثة أصناف من هذا العلاج. وإن وجدنا من يعلّمنا أيّ حال هي هذه الحال التي يحتاج فيها إلى هذه الثلاثة الأصناف من العلاج حمدناه وشكرناه. فأمّا ما داموا يفسّرون لنا هذا الفصل على أنّه لبقراط وليس يعلّموننا أيّ حال هي تلك الحال فليس يقبل تفاسيرهم. والذي قال من تعاطى أن يقول شيئاً يقرب فيه من الإقناع هو ما أصف قالوا إنّه متى كان قد كثر في البدن دم غليظ يحتاج
بسبب ذلك إلى الاستفراغ، والأجود بزعمهم أن يذاب ذلك الدم أوّلاً ثمّ يستعمل الفصد وإنّما يذوب ذلك الدم بشرب الشراب الصرف واستعمال الحمام. والقائلون لهذا القول لم يخبّروا قطّ ما قالوا، وإنّما يعرف هذا من قد عانى أمور كتب الطبّ. وذلك أنّه متى كان في البدن امتلاء لم يحتمل شرب الشراب ولا استعمال الحمام وإن استعملهما ناله منهما أعظم الضرر، وإنّما يصلح هذان العلاجان إذا كان دم غليظ قد لحج في عضو من الأعضاء من غير امتلاء في البدن كلّه. وعلى هذا الطريق يستعمل اسقلبنيادس الشراب من بعد استفراغ البدن كلّه كيما يداوي به من لحج ما يلحج في العضو ويغيض فيه. وأمّا متى كان في البدن كلّه امتلاء ثمّ دام صاحبه شرب الشراب والدخول إلى الحمام لم يكن ببعيد من أن تتمزّق وتنفطر الأغشية التي في عينيه. فإن كان الوجع إنّما هو بسبب سدّة ولحج من دم غليظ من غير أن يكون في البدن امتلاء فاستعمالهم الحمام والشراب صواب واستعمالهم الفصد ليس بصواب. وإن كان في البدن امتلاء فاستعمالهم الفصد صواب واستعمالهم الحمام والشراب ليس بصواب.
قال أبقراط: إذا حدث بصاحب الاستسقاء سعال فليس يرجى.
قال جالينوس: قد مرّ هذا الفصل فيما تقدّم بهذا اللفظ: إذا حدث بصاحب الاستسقاء سعال كان دليلاً رديئاً.
قال أبقراط: تقطير البول وعسره يحلّهما شرب الشراب والفصد وينبغي أن تقطع العروق الداخلة.
قال جالينوس: قد يدلّك اسم تقطير البول أنّ معناه إنّما هو خروج البول نقطة نقطة. وأمّا عسر البول فيحتمل أن يكون يعني به أن يكون مع خروجه وجع ويحتمل أن يكون خروجه يعسر حتّى تكون المثانة لا تفعل فعلها إلّا بكدّ. وتقطير البول يكون من حدّته ويكون من ضعف القوّة الماسكة التي في المثانة، وذلك الضعف يكون من مزاج مفرط وخاصّة من المزاج البارد. وأمّا عسر البول فإن كان معه وجع
فإنّه يكون إمّا من ورم حارّ وإمّا من خراج وإمّا من قرحة وإمّا من مزاج خارج عن الاعتدال مختلف وإمّا من ريح غليظة. وإن كان إنّما هو عسر في الحركة فهو يكون إمّا من ضعف القوّة وإمّا من ورم. ومن هذه العلل كلّها أمّا البرد فيشفى منه شرب الشراب، ويعني شرب الشراب في هذا الموضع أن يكثر من النبيذ ويقلّل مزاجه. ويشفى أيضاً من الورم إذا كان من من سدّه قد حدثت من دم غليظ من غير امتلاء في البدن. وأمّا الورم الذي يكون معه امتلاء في البدن وكلّ علّة غيره لا يكون معها في البدن نقصان وتكون القوّة معها قوية فالفصد يشفى منها. وأمّا قوله «وينبغي أن تقطع العروق الداخلة» فقد قلت فيه ما ينبغي في المقالة التي قبل هذه عند تفسيري لفصل قال فيه هذا القول فصد العرق يحلّ عسر البول، وفي بعض النسخ «تقطير البول وينبغي أن تقطع العروق الداخلة».
قال أبقراط: إذا ظهر الورم والحمرة في مقدّم الصدر فيمن اعترته الذبحة كان ذلك دليلاً محموداً لأنّ المرض يكون قد مال إلى خارج.
قال جالينوس: قد مرّ هذا الفصل أيضاً فيما تقدّم بهذا اللفظ: إذا ظهر الورم في الحلقوم من خارج فيمن اعترته الذبحة كان دليلاً محموداً. وقد فسّرت هذا الفصل في المقالة السادسة من كتابي هذا. وما أرى إلّا أنّ إنساناً ألحقه في هذا الكتاب وهو يريد أن يزيد فيه هذه الزيادة وهي قوله «لأنّ المرض يكون قد مال إلى خارج».
قال أبقراط: من أصابه في دماغه العلّة التي يقال لها سفاقيلوس فإنّه يهلك في ثلاثة أيّام، فإن جاوزها فإنّه يبرأ.
قال جالينوس: قد ذكر هذه العلّة مراراً كثيرة في كتابه في الخلع وفي كتابه في الكسر في العظام خاصّة وهو يريد بهذا الاسم أن يدلّ على فساد جوهر العضو المسمى به أجمع. وأمّا ما في هذا الفصل فليس يمكن أن يفهم عنه أنّه أراد فساد الدماغ مع ما استثناءه في قوله أنّه إن جاوز الثلاثة الأيّام فإنّه يبرأ. وذلك أنّه إن كانت هذه العلّة إنّما هي فساد جوهر العضو الذي يصيبه كلّه فليس يمكن أن يبرأ من أصابته هذه العلّة في دماغه،
في الأيّام الثلاثة الأوّل وبقي إلى الرابع فينبغي أن نرجو له أنّ علّته قد انحطئت وانتعشت قوّته وقويت حتّى تقاوم العلّة وتقهرها غاية القهر.
قال أبقراط: العطاس يكون من الرأس إذا سخن الدماغ ورطب الموضع الخالي الذي في الرأس فانحدر الهواء الذي فيه فسمع له صوت لأنّ نفوذه وخروجه يكون في موضع ضيق.
قال جالينوس: إنّ كلّ كلام يخرج هذا الخرج فهو ينتظم أحد معنيين إمّا معنى عامًّا كلّياً يقال في جميع الشيء الذي يقصد بذلك الكلام إليه مثل العطاس في هذا الكلام وإمّا معنى خاصًّا جزئياً مثل العطاس الذي يكون من الدماغ في هذا الكلام. والقول الذي يعبر عن المعنى الأوّل يكون على هذا المثال: العطاس إنّما يكون من الدماغ وحدوثه يكون إذا أسخن الدماغ ورطب الموضع الخالي الذي في الرأس، والقول الذي يعبر عن المعنى الثاني يكون على هذا المثال: العطاس الذي يكون من الدماغ يحدث إذا سخن الدماغ ورطب الموضع الخالي الذي في الرأس، وهذا هو أصحّ القولين.
وإنّما تسخن من الحرارة الغريزية إذا انبعتت، فإنّ تلك الفضول الرطبة إنّما كانت اجتمعت لضعفها. وأمّا قوله «الموضع الخالي الذي في الرأس» فأولى ما يفهم عنه منه موضع بطون الدماغ، ويجوز أن يفهم عنه أيضاً مع ذلك الموضع الذي يحيط بالدماغ من خارج. فإنّه قد يمكن أن ينفذ ما في ذلك الموضع من الهواء أيضاً في جرم الدماغ حتّى يصير أوّلاً إلى بطونه ثمّ تنحدر منها إلى الأنف. وقد وصف أبقراط أنّ الصوت الذي يكون مع العطسة إنّما يكون بكثرة ما يخرج من ذلك الهواء دفعة. وهذا هو قول عامّ له من أيّ الموضعين جاء أعني إن كان إنّما يرتفع من الرئة أو كان إنّما ينحدر من الرأس.
قال أبقراط: من كان به وجع شديد في كبده فحدثت به حمّى حلّت ذلك الوجع عنه.
قال جالينوس: قوله «فحدثت» يدلّ على أنّه قيل لمن كان به الوجع الشديد ولم يكن به حمّى.
فإذا كان الوجع الشديد إنّما يعرض في الكبد إمّا من ورم حارّ قوي وإمّا من ريح غليظة نافخة، ولم يكن بصاحب هذه الحال ورم حارّ لأنّه لو كان به ورم لكان قد حمّ. فقد يجب أن يكون ذلك الوجع إنّما عرض له من ريح غليظة نافخة. وقد يكون الوجع في الكبد من قبل السدد، إلّا أنّ الوجع العارض بسببها ضعيف وهو بالثقل أشبه. وأمّا الوجع الشديد فإنّما يكون فيها إمّا من ريح غليظة نافخة وإمّا من ورم حارّ إمّا عظيم جدّاً وإمّا مائل إلى التقيّح.
قال أبقراط: من احتاج إلى أن يخرج من عروقه دم فينبغي أن تقطع له العروق في الربيع.
قال جالينوس: هذا الفصل هو جزء من فصل قد تقدّم قبل بهذا اللفظ «من احتاج إلى الفصد أو شرب الدواء فينبغي أن يسقى الدواء أو يفصد في الربيع». وليس يوجد مكتوباً في بعض النسخ. وبعض من فسّر هذا الكتاب يعرفه ويكتبه،
وتعجّبني أكثر من هؤلاء من قوم من المفسّرين يجدون الفصل الواحد في المعنى الواحد قد كرّر مرّتين فوضع مرّة في صدر الكتاب أو في وسطه ثمّ ألحق ثانية في آخره فيقسّرونه تفسيرين مختلفين في كلّ واحد من الموضعين.
قال أبقراط: من تحيّز فيه بلغم فيما بين المعدة والحجاب وأحدث به وجعاً إذ كان لا منفذ له ولا إلى واحد من الفضائين فإنّ ذلك البلغم إذا جرى في العروق إلى المثانة انحلّت عنه علّته.
قال جالينوس: إنّ مارينوس قد شكّ وتحيّر في هذا الفصل وأرى أن تحيّره كان في موضع تشكّك وحيرة. وذلك أنّه رأى أنّه لا يمكن أن يجتمع البلغم فيما بين الحجاب والمعدة. وذلك أنّه لو انصبّ ثمّ بلغم لا ينحدر إلى أسفل إلى أن يبلغ إلى عظم العانة. وقال أيضاً إنّه لا يمكن أن يدخل هذا البلغم إلى العروق كما تدخل الرطوبة الرقيقة المائية في أصحاب الاستسقاء في العروق فتجري في البول. ثمّ قال إنّه إذا كان الأمر على هذا فإنّما ينبغي
والصدر قد تنفث بالسعال. وربّما رأينا الدم ينفذ من الجلد وهو صحيح إذا صار العظم المكسور إلى حال الانجبار. فليس إذاً من المحال أن ينفذ البلغم فيمن وصف حاله أبقراط في هذا الفصل حتّى يجري مع البول، لكن قد يمكن أن يفعل ذلك الطبيعة بعد أن يتقدّم ويلطف ذلك البلغم قليلاً قليلاً كما تلطف المدّة فيمن اجتمعت فيه فيما بين الرئة والصدر.
قال أبقراط: من امتلئت كبده ماء ثمّ انفجر ذلك الماء إلى الغشاء الباطن امتلأ بطنه ماء ومات.
قال جالينوس: إنّ نفاحات الماء يسرع حدوثها في الكبد أكثر منه في سائر الأعضاء وإنّما تتولّد تلك النفاحات من الكبد في الغشاء المحيط بها من خارج. فقد نرى كبود ما يريح من الحيوان توجد كثيراً مملوءة من ذلك الماء. فإن اتّفق في بعض الأوقات أن تنفجر تلك النفاحات فإنّ ذلك الماء ينصبّ
وبالأدوية المدرّة للبول وبالضمادات التي من شأنها أن تحلّل تلك الرطوبة أن تستفرغ أيضاً هذه الرطوبة ممّن اجتمعت فيه بمثل ذلك العلاج.
قال أبقراط: القلق والتثاوب والقشعريرة يبرئها شرب الشراب إذا مزج واحد سواء بواحد سواء.
قال جالينوس: إنّ القلق قد يقال في الأصحّاء وذلك فيمن كان منهم يمل دائماً الحال الحاضرة ويستثقها
فقال «إذا مزج واحد سواء بواحد سواء» يعني أنّه ينبغي أن يمزج جزء من الحمر بمثله من الماء كيما يندفع ويستفرغ من الأشياء المؤذية ما يواتي الحمر بشدّة حركتها وحمّيها ويمتزج الباقي ويعتدل. فإنّ من شأن الحمر كما قد علمنا أن يسخن البدن كلّه ويتحرّك حركة سريعة إلى جميع الأعضاء ويصلح أخلاط البدن ويجوّدها.
قال أبقراط: من خرجت به بثرة في إحليله فإنّها إذا تقيّحت وانفجرت انقضى وجعه.
قال جالينوس: قد قال أبقراط هذا الفصل مرّة فيما تقدّم وفسّرناه، وكان قوله بهذا اللفظ «من خرجت به بثرة في إحليله فإنّها إذا انفتحت وانفجرت إنقضت علّته».
قال أبقراط: من تزعزع دماغه فإنّه يصيبه من وقته سكتة.
قال جالينوس: إنّ من عادة أبقراط أن يستعمل كثيراً اسم السكتة وهو يريد به أن يدلّ من هذا العرض الواحد البيّن وهو ذهاب الصوت على من لم يبق معه شيء من الحركات الإرادية أو يكون مع ذلك قد ذهب حسّه، وهو ملقى بمنزلة أصحاب الفالج الذي يقال له السكات عديم الحسّ والحركة. وقد يكون هذا من أسباب كثيرة. وأمّا في هذا القول فإنّما ذكر أبقراط تزعزع الدماغ فقط فقال إنّه قد تعرض منه أيضاً هذه الحال في البدن كلّه. وأكثر ما تعرض هذه الزعزعة للدماغ
عند سقطة شديدة يسقطها البدن كلّه من موضع عالي، فإنّ من شأن هذه السقطة أن يعرض منها هذا للدماغ. وقد تعرض منها أيضاً لبعض الناس حال في فقار الصلب يضطرب فيها مواضع تأليف الفقار ويصيب مخّ الصلب الذي يحويه التجويف الذي فيها وهن. وذلك أنّه إذا تزعزع تزعزعاً شديداً يكاد بعض العصب الذي ينبت منه أن ينهتك، وذلك بعينه يعرض في الدماغ، وأحرى أن يعرض ذلك للدماغ بحسب فضل الفضاء الخالي الذي يحيط به على الذي يحيط بالنخاع وخاصّة في المشائخ، كما بيّنت في كتابي في علاج التشريح. فتنقبض القوّة النفسانية عند هذه الحال لتأذيها بتلك الحركة لما فيها من الخطر وتمكن فتسكن. وأمّا ما بيّنت من الدماغ من العصب فبعضه يتمدّد تمدّداً شديداً وبعضه ينهتك منه شيء. ولذلك يبقى من أصابه هذا وقد عدم الصوت وحلّ الحركات من بدنه كلّه إلى أن تعود القوّة النفسانية إلى حالها وتنتعش. فإن كان قد انهتك الدماغ أو شيء منه لم يفق من أصابه ذلك.
قال أبقراط: من كان لحمه رطباً فينبغي أن يجوع فإنّ الجوع يجفّف الأبدان.
قال جالينوس: إنّ من البيّن أنّ كلّ علاج يجفّف فهو يبرئ الأمراض الرطبة لأنّ الضدّ هو دواء الضدّ. وما يخفي أيضاً أنّ الجوع يجفّف من طريق العرض. وذلك أنّه متى كان يتحلّل من البدن شيء كما كان يتحلّل، وليس يخلف مكان ما يحلل شيء من الغذاء، فإنّه يجب ضرورة أن يصير أجفّ ممّا كان. وذلك أنّه إنّما يتحلّل من كلّ واحد من أعضاء البدن أوّلاً أرطب ما فيه، لأنّ التحلّل إنّما يكون من قبل أنّ ما في البدن يلطف ويتحلّل فيصير بخاراً وذلك بسببين أحدهما من خارج وهو الهواء والآخر من داخل وهو الحرارة الغريزية. ولذلك صار الحيوان الذي يتحجّز ويستكن في الشتاء إذا كان لا يسخنه شيء من خارج ولا من داخل لا يتحلّل منه شيء البتّة، وإن تحلّل منه شيء كان يسيراً جدًّا. ولذلك صار بعض هذا الحيوان لا يحتاج بتّة
وربّما واتتها بعسر وكدّ، ولذلك إمّا أن لا يزدرد صاحب هذه العلّة بتّة وإمّا أن لا يزدرد إلّا بكدّ.
—
—
قال أبقراط: وإذا كانت تحدث في البدن كلّه تغايير ويبرد برداً شديداً ثمّ يسخن أو يتلوّن بلون ثمّ يتغيّر فيحول إلى غيره أنذر ذلك بطول من المرض.
قال جالينوس: إنّي قد فسّرت هذا الفصل أيضاً في المقالة الرابعة من كتابي هذا، وهذا الفصل في هذا الموضع وفي الموضع الأوّل شبيه بلفظ واحد إلّا تغيّراً يسيراً، وهو في الموضع الأوّل على هذا المثال: وإذا كانت تحدث في البدن كلّه تغايير وكان البدن يبرد مرّة ويسخن أخرى أو يتلوّن بلون ثمّ بغيره دلّ ذلك على طول من المرض.
قال أبقراط: العرق الكثير الذي يجري دائماً حارًّا كان أو بارداً يدلّ على أنّه ينبغي أن يخرج من البدن رطوبة إمّا في القوي فمن فوق وإمّا في الضعيف فمن أسفل.
قال جالينوس: قد كان هذا الفصل فيما تقدّم على غير ما وضع عليه في هذا الموضع وفسّرناه في المقالة الرابعة من هذا الكتاب وكانت نسخته فيما تقدّم على هذا المثال: العرق الكثير الذي يجري دائماً حارًّا كان أو بارداً فالبارد منه يدلّ على أنّ المرض أعظم والحارّ يدلّ على أنّ المرض أخفّ. وقلنا إنّ حال البدن الذي يجري منه هذا العرق حال كثيرة رطوبة مجتمعة فيه.
ولذلك أمر في هذا الفصل أن تستخرج تلك الرطوبة الفاضلة متى كان البدن قوياً من فوق أي بالقيء ومتى كان البدن ضعيفاً من أسفل أي بإسهال البطن. والقول بأنّه ينبغي أن تستفرغ دائماً من البدن الرطوبة الفضل صحيح بيّن. وأمّا القول بأنّه ينبغي أن تستفرغ دائماً الرطوبة الفضل من القوي من فوق ومن الضعيف من أسفل ففيه عندي نظر. والأجود عندي أن لا يجعل تقسيم الحاجة إلى هذين العلاجين على هذا الطريق لكن على الطريق الذي حدّدته في كتابي في علاج الأمراض. فهذا الفصل فيما أحسب هو من الفصول التي زيدت في هذا الكتاب. ثمّ من بعد هذا الفصل الذي تقدّم توجد ثلاثة فصول أخر في أكثر النسخ، وتوجد أيضاً في تفاسير من فسّر هذا الكتاب، وتلك الثلاثة الفصول ممّا قد مرّ وفسّرناه في المقالة الرابعة من كتابنا هذا وليس تخالف تلك إلّا مخالفة يسيرة في اللفظ.
وأوّلها هو هذا: إذا كانت الحمّى غير مفارقة ثمّ كانت تشتدّ غبًّا ففيها خطر، وإذا كانت الحمّى تفارق على أيّ وجه كانت فهي تدلّ على أنّه لا خطر فيها.
والثاني هو هذا: من أصابته حمّى طويلة فإنّه يعرض له إمّا خراجات مزمنة وإمّا وهن في مفاصله.
والثالث هو هذا: من أصابته خراجات مزمنة أو وهن في مفاصله بعد الحمّى فإنّه يتناول من الطعام أكثر ممّا يحتمل.
وبيّن أنّ هذه الفصول هي من الفصول التي حشّي بها هذا الكتاب إذ كان معناها معنى تلك ولفظها غير مخالف للفظ تلك وأنّ خالفه مخالفة يسيرة، وقد فسّرت تلك الفصول في المقالة الرابعة.
ثمّ قيل بعد هذا: الغذاء الذي يعطاه المحموم هو للصحيح قوّة وهو للمريض مرض.
وقد يكتب هذا الفصل على نسخة أخرى على هذا المثال: الغذاء الذي يعطاه المحموم إمّا للصحيح فهو قوّة وإمّا للعليل فهو مرض. واللفظتان جميعاً بعيدتان من مجرى الكلام الطبيعي وسوء العبارة ورداءة الحكاية فيها بيّنتان، ولا أدري ما دعا القوم الذين أفسدوا آخر هذا الكتاب بهذه الضروب المختلفة من الفساد إلى فعلهم ذلك، حتّى ثنّوا شيئاً قد قاله مرّة أبقراط بلفظة وأعادوا بعض ما قال وقد غيّروا من لفظة تغييراً يسيراً ودلسوا أقاويل كلّها مصنوع مثل هذا القول الذي تقدّم، فإنّه بعيد جدّاً من كلام أبقراط. وذلك أنّ أبقراط قد تقدّم فقال «البدن الذي ليس ينقى كلّما غذوته فإنّما تزيده ضرراً»، وقال أيضاً «الناقة من المرض إذا كان ينال من الغذاء وليس يقوى به دلّ ذلك على أنّه يحمل على بدنه منه أكثر ممّا يحتمل، وإذا كان ذلك وهو لا ينال منه دلّ على أنّ بدنه يحتاج إلى استفراغ»،
وقال أقاويل أخرى يجري لفظها المجرى الطبيعي. وأمّا الواضع لهذا الفصل الذي تقدّم فاستعمل سوء العبارة ورداءة الحكاية في قوله في الغذاء أنّه للصحيح قوّة وللعليل مرض. وذلك أنّه إنّما أراد أن يقول إنّ الغذاء يحدث للصحيح قوّة ويحدث للعليل مرضاً. وذلك أنّه أراد أن الغذاء يزيد في قوّة الصحيح ويزيد في مرض المريض، فاستعمل لفظاً بديعاً وحشاً في تصييره الغذاء نفسه قوّة للصحيح ومرضاً للعليل، وليس الغذاء بقوّة لكنّه فاعل للقوّة ومحدث لها ولا هو مرض لكنّه فاعل للمرض ومحدث له، والأجود أن يقال إنّه زائد في قوّة الصحيح وفي مرض المريض.
ثمّ قيل بعد هذا: ينبغي أن يتفقّد ما يخرج من المثانة هل هو شبيه بما يخرج من الأصحّاء أم لا فإنّ أقلّ الحالات شبهاً بحالات الأصحّاء هي أقرب إلى المرض وأشبه الحالات بحال الأصحّاء أبعد الحالات من المرض.
قال جالينوس: قد قال أبقراط في كتاب تقدمة المعرفة وفي كتب أخر إنّ جميع حالات البدن الشبيهة بحالات الأصحّاء أبعد الحالات من المرض وإنّها تدلّ على خير وإنّ جميع الحالات التي لا تشبه حالات الأصحّاء على ضدّ ذلك. فإلى هذا المعنى ذهب المفتعل لهذا الفصل. فإنّي أتّهمه أنّه ليس من كلام أبقراط ويدلّني على ذلك لفظه إذ كان ليس على طريق ألفاظ أبقراط، ويدلّني على ذلك أيضاً معناه من قبل أنّه لم يستوف حقيقة ما من شأن أبقراط أن يفعله، من ذلك أنّه قال إنّ «أقلّ الحالات شبهاً بحالات الأصحّاء هي أقرب إلى المرض» وهو في هذا القول مذموم عند كلّ من فهمه، إذ كان قد جعل مكان المرض الحال التي هي أقرب إلى المرض. وذلك أنّ قوله «أقلّ الحالات شبهاً بحالات الأصحّاء» يدلّ على تباعد كثير عن الحال الطبيعية إلى الحال الخارجة من الطبيعة. وكلّ حال خارجة من الطبيعة فبحسب بعدها من الحال الطبيعية تكون رداءتها. فأقلّ الحالات شبهاً بالحال الطبيعية هي أولى الحالات بأن تكون ضدّ الحال الطبيعية، وتلك الحال هي غاية المرض.
ثمّ قيل بعد هذا: ومن تركت برازه حتّى يستقرّ ولم تحرّكه فرأت فوقه شبيهاً بالخراطة فإنّ ذلك إن كان يسيراً فمرضه يكون يسيراً وإن كان كثيراً فمرضه يكون كثيراً. وهذا يحتاج إلى أن يسهل بطنه فإنّك إن لم تنق بطنه ثمّ أعطيته الأحساء فإنّك كلّما زدته منها ازداد ضرراً.
قال جالينوس: إنّ من عادة أبقراط أن يخصّ باسم البراز ما يبرز من الأمعاء خاصّة دون ما يبرز من سائر منافذ البد. وقد فهم قوم من هذا أنّه يراد فيه بالبراز ما يستفرغ من البطن، إلّا أنّ قوله «إن تركته حتّى يستقرّ ولم تحرّكه» يناقض قول هؤلاء، لأنّ هذا القول إنّما يجوز في البول، ولذلك فهم قوم آخرون أنّه إنّما يريد بالبراز البول. وكلّ واحدة من الفرقتين افترقت أيضاً فرقتين فكتب بعضهم «فرأيت فوقه» وكتب بعضهم «فرأيت تحته». والذي يفهم من البراز في هذا الموضع البول ليس يناقصه ولا واحدة من اللفظتين،
فإنّ ذلك إن كان يسيراً فمرضه يكون يسيراً وإن كان كثيراً فمرضه يكون كثيراً. وهذا يجتاج إلى أن يسهل بطنه، فإنّك إن لم تنق بطنه ثمّ أعطيته الأحساء فإنّك كلّما زدته منها ازداد ضرراً ومن كان يبرز منه من أسفل شيء ني أيضاً فإنّك كلّما زدته من تلك الأحساء ازداد ضرراً.
ثمّ يجعلون من بعد هذا ابتداء كلام على هذا المثال: فإنّ فيه مرّة سوداء إن كان كثيراً فكثير وإن كان قليلاً فقليل.
وأمّا المفسّرون الذين يفسّرون هذا الكلام على غير هذا التفسير فإنّه يكتبونه على هذه النسخة: ومن كان يبرز منه من أسفل شيء ني فإنّ فيه مرّة سوداء إن كان كثيراً كثيراً وإن كان قليل فقليل. وقد يكتب قوم آخرون هذا الكلام على هذه النسخة: ومن كان يبرز منه من أسفل شيء ني لأنّ فيه مرّة سوداء إن كان كثيراً فمرضه كثير وإن كان قليلاً فمرضه قليل. وقد قلت فيما تقدّم إنّه توجد نسختان أخريان سوى هذه النسخة. وذلك أنّه يقدر من يشاء أن يكتب الكلام الغامض كيف شاء لأنّه ليس لتحريف الكلام حدّ محدود ولا شرط قائم وكثيراً ما يضطرّهم إلى أن يزيدوا في الأصل المتقدّم الذي يجدونه من الكلام وينقصون منه أو يغيّروه لا لأنّه غامض ملتبس لكنّه باطل، مثل الذي أصابهم في هذا الفصل،
فقد نجد أوّل من فسّر كتاب الفصول وهم ايروفيلوس بهخيس وايروقليدوس وزوكس الذين كانوا من فرقه أصحاب التجارب وغيرهم يكتبون هذا الفصل على هذه النسخة: من كان يبرز منه من أسفل شيء ني فإنّ فيه مرّة سوداء إن كان كثيراً فكثير وإن كان قليلاً فقليل. لكنّ هذا القول على هذه العبارة إنّما يصحّ في شيء جزئي ومخرجه مخرج قولي كلّي، ولذلك وقع فيه ما وقع من الشكّ والحيرة. فأمّا معنى هذا الكلام على العبارة التي عبّرتها فليس فيه موضع شكّ ولا بحث، لكنّ قائله قد يحكم فيه بأنّ من كان يخرج منه براز ني ففيه مرّة سوداء، يعني في آلات الهضم منه فيبرد بسبب السوداء تلك الآلات فيكون هضمها للطعام أضعف ويحدث من قبل ذلك التخم التي تكون على طريق النهورة فإنّ المرّة الصفراء تفعل ضدّ ذلك لأنّ الطعام الذي لا يستمرئ بسبب الصفراء يحدث له شبيه بالاحتراق. وقد ظنّ قوم أنّ هذا القول أيضاً إنّما قيل في البول.
قال أبقراط: في الحمّى التي لا تفارق النخاعة الكمدة والشبيهة بالدم والمنتنة والتي هي من جنس المرار كلّها رديئة، فإن انتقصت انتقاصاً جيّداً فهي محمودة. وكذلك الحال فيما يخرج من البطن والمثانة. وكلّما كان يخرج فانقطع خروجه من غير أن يكون البدن نقياً منه فذلك رديء.
قال جالينوس: قد مرّ هذا الفصل أيضاً فيما تقدّم على هذا اللفظ «في الحمّى التي لا تفارق النخاعة الكمدة والشبيهة بالدم والمنتنة والتي هي من جنس المرار كلّها رديئة، فإن انتفضت إنتفاضاً جيّداً فهي محمودة، وكذلك الحال في البراز والبول، فإن خرج ما لا ينتفع به من أحد هذه المواضع فذلك رديء». وقد فسّرنا ذلك الفصل في المقالة الرابعة من كتابنا هذا.
قال حنين: إنّي قد كنت ترجمت هذا الفصل فيما تقدّم على نحو ما رأيت جالينوس يفسّره وكان لفظ أبقراط غير موافق للمعنى الذي تأوّله عليه جالينوس، ثمّ وجدت هذا الفصل لمّا ثني في هذا الموضع قيل بلفظ غير ذلك اللفظ يؤدّي ذلك المعنى الذي فهمته عن أبقراط بلفظه الأوّل. فرأيت أن أترجم الكلام الأوّل على المعنى الذي وجدت اللفظ الأوّل يؤدّيه على حقيقته. وعلى ما شهد له لفظ هذا الفصل المثنّى وهو هذا «فإن لم يخرج ما ينتفع بخروجه من أحد هذه المواضع فذلك رديء».
ثمّ قيل بعد هذا: كلّ بدن تريد تنقيته فينبغي أن تجعل ما تريد إخراجه منه يجري فيه بسهولة، فإن أردت أن يجري فيه الشيء بسهولة إلى فوق فينبغي أن تعقل البطن، وإن أردت أن يجري فيه الشيء بسهولة إلى أسفل فينبغي أن تلين البطن.
قال جالينوس: أمّا الجزء الأوّل من هذا القول فقد مرّ أيضاً فيما تقدّم من غير أن يكون ألحق فيه «فإن أردت أن يجري فيه الشيء بسهولة إلى فوق»، وما يتلو ذلك ممّا أراد الملحق لهذا اللحق أن يزيده فيه فإعادة ثانية في هذا الموضع مع هذا الشرح الذي ظنّ أنّه يشرحه على الحقيقة. وقد بيّنت في المقالة الرابعة أنّ لهذا القول شرحاً أصحّ من هذا قد امتحنّا صحّته بطول التجربة ووقفنا على حقيقته.
ثمّ قيل بعد هذا: النوم والأرق إذا جاوز كلّ واحد منهما المقدار القصد فذلك مرض.
قال جالينوس: إنّ هذا الفصل أيضاً قد يوجد ملحقاً في بعض النسخ، وقد مرّ فيما تقدّم كلّه بهذا اللفظ خلا حرف في آخره. وذلك أنّه قيل في هذا الموضع «فذلك مرض». وقيل فيما تقدّم «فتلك علامة رديئة»، وذلك أجود كثيراً.
ثمّ قيل بعد هذا: إذا كان في حمّى لا تفارق ظاهر البدن بارداً وباطنه يحترق وبصاحب ذلك عطش وحمّى فتلك من علامات الموت.
قال جالينوس: هذا الفصل أيضاً فصل لا يحتاج إليه. وذلك أنّه قد مرّ فيما تقدّم بأصحّ من هذا الكلام. وذلك أنّه لم يكن فيه حمّى، لأنّه قد كان تقدّم فقال في أوّل الكلام «إذا كان في حمّى لا تفارق» فزيادته في آخر قوله «وحمّى» فضل لا يحتاج إليه.
ثمّ قيل بعد هذا: متى التوت في حمّى غير مفارقة الشفة أو الأنف أو العينان أو الحاجب أو لم ير المريض أو لم يسمع أيّ هذه العلامات كان وقد ضعف فهي علامة الموت.
قال جالينوس: قد مرّ أيضاً هذا الفصل فيما تقدّم بهذا اللفظ «متى التوت في حمّى غير مفارقة الشفة أو العينان أو الأنف أو الحاجبان أو لم يبصر المريض أو لم يسمع أيّ هذه العلامات كان وقد ضعف فالموت منه قريب.»
ثمّ قيل بعد هذا: من البلغم الأبيض يكون الاستسقاء.
قال جالينوس: معنى هذا القول أنّ من اجتمع في عروقه في البدن كلّه بلغم أبيض فإنّه يصيبه منه النوع من الاستسقاء الذي يسمّى البلغم الأبيض، وهذا النوع اللحمي منه.
ثمّ قيل بعد هذا: ومن الاختلاف اختلاف الدم.
قال جالينوس: ينبغي أن يفهم في هذا القول اللفظة التي ألحقت في نظيره وهي تكون. وذلك أنّ الأمعاء تنجرد وتنسحج قليلاً قليلاً في الاختلاف
حتّى ينفذ ذلك إلى عمقها فيصير فيها قرح. وقد كان من قبل هذا فيما تقدّم قول في فصل لا يشكّ فيه أنّه لبقراط أتى على معنى هذا الفصل بأجود من هذه العبارة وهو هذا: وعن البراز الصرف يكون اختلاف الدم. وقد فسّرنا ذلك الفصل في المقالة السادسة من كتابنا هذا.
ثمّ قيل بعد هذا: ومن اختلاف الدم يكون زلق الأمعاء.
قال جالينوس: هذا الفصل أيضاً هو جزء من قول قد تقدّم كان قيل بهذا اللفظ: إذا أصاب المطحول اختلاف دم فطال به حدث به استسقاء وزلق الأمعاء وهلك. وقد فسّرناه في المقالة السادسة من كتابنا هذا.
ثمّ قيل بعد هذا: ومن الفساد خروج العظم.
قال جالينوس: ينبغي أن يفهم في هذا القول أيضاً ما زيد في نظيره، وهو يكون. ولم يتبيّن هل عنى بالفساد فساد العظم وإنّه متى فسد خرج أم إنّما عنى بالفساد فساد اللحم وإنّه إذا فسد اللحم الذي حول العظم فالعظم يخرج من تلك القرحة، والقولان جميعاً صحيحان.
ثمّ قيل بعد هذا: ومن قيء الدم الفساد وخروج المدّة من فوق، ومن الفساد النزلة من الرأس، ومن النزلة الاختلاف، ومن الاختلاف احتباس القذف من فوق، ومن ذلك الاحتباس الموت.
قال جالينوس: إنّ في أكثر النسخ وفي كتب أكثر المفسّرين يوجد «من قيء الدم الفساد». وأمّا في بعض النسخ فيوجد «من قيء الدم السلّ». وقد يتبيّن أنّ هذا الكلام أيضاً إنّما هو كلام من منتزع انتزاعاً رديئاً من أحكام كثيرة حكم بها أبقراط.
ثمّ قيل بعد هذا: خروج البدن عن طبيعته كما يخرج فيما يستفرغ من المثانة وفيما يستفرغ من البطن وفيما يستفرغ من اللحم أو من غيره من البدن إن كان يسيراً كان المرض يسيراً وإن كان كثيراً كان المرض عظيماً وإن كان كثيراً جدّاً كان ذلك دليلاً على الموت.
قال جالينوس: هذا الفصل يوجد آخر الفصول في أكثر النسخ، وقد يوجد في كثير من النسخ فصول كثيرة ملحقة مفتعلة، مثل هذه الفصول التي مرّت في تلك الفصول الصحيحة التي تقدّمت بعضها بذلك اللفظ بعينه وبعضها قد غيرت قليلاً عن ذلك اللفظ وبعضها قد زيد فيها زيادة يسيرة وكلّها يشبه ما تقدّم من قول أبقراط، لم نر أنّ بنا الحاجة إلى أن نذكرها ولا أن نفسّرها كما ليس نحتاج أيضاً هذا الفصل الذي وصفناه الآن منّا إلى تفسيره. وذلك أنّه ليس فيه معنى زائد على ما قد تقدّم أبقراط فوصفه مرار كثيرة وعبارته أيضاً لا تشبه عبارة أبقراط.
وأمّا جملة معناه فحقّ، وهي أنّ خروج العضو بمقدار يسير عن حاله الطبيعية أيّ عضو كان يدلّ على أنّ مرضه أقلّ، وخروجه عن ذلك أكثر يدلّ على أنّ مرضه أعظم، وخروجه إلى الحال الخارجة من الطبيعة بمقدار كثير جدّاً يدلّ على أنّ مرضه مرض قتّال.
تمّت المقالة السابعة من فصول أبقراط وتفسير جالينوس لها.